Colonel 4

Colonel 4

18 0

الحاضر - بين الظلام والسكون

كانت الغرفة هادئة، يغمرها سكون الليل إلا من صوت الرياح الخفيفة تتسلل عبر النافذة. لكن شيئًا ما أيقظها... لم يكن حلمًا مزعجًا هذه المرة، بل إحساسٌ ناعمٌ يتحرك بقربها.

فتحت عينيها ببطء، لتجد قطة صغيرة تفرك رأسها برفق على يدها، تبحث عن الدفء... أو ربما عن شيء آخر.

"جائعة..." همست فايوليت، وكأنها تتحدث إلى نفسها أكثر مما تتحدث إلى القطة.

لم تكن الوحيدة التي تعاني من الجوع هذه الليلة.

ببطء، نهضت من الأرض، حملت القطة بين ذراعيها بخفة، ثم خرجت من الغرفة دون أن تحدث أي ضجة. لم تكن تعرف بالضبط إلى أين تذهب، لكن لا بد أن هناك مخزنًا أو مطبخًا يحتوي على شيء تطعمها به.

لكنها لم تذهب بعيدًا.

"أين تذهبين؟"

توقفت في منتصف الممر، لم يكن عليها حتى الالتفات لتعرف من صاحب الصوت.

دانييل.

كان يتجول في المكان، يداه في جيبيه، شعره مبعثر قليلًا، وملامحه غامضة كما لو كان النوم قد رفض زيارته هذه الليلة. عيناه وقعتا عليها وعلى القطة بين يديها، ملامحه لم تتغير، لكن صوته حمل نبرة استفسار واضحة.

نظرت إليه بلا تعبير حقيقي، ثم أجابته بصوت هادئ: "أبحث عن شيء لأطعمها."

حدّق بها للحظات، ثم قال ببساطة: "تعالي معي."

لم تجادل. لم تكن تملك طاقة لذلك.

-

وجدت نفسها داخل شقته، تلك المساحة التي تحمل بصمته وحده. كانت مرتبة بعناية، لكنها تحمل شعورًا بالعزلة، وكأنها مجرد مكان للنوم، لا للعيش.

جلسَت القطة على الطاولة الصغيرة، أمام طبقٍ صغيرٍ من الحليب، تشربه بتركيز بينما راقبتها فايوليت بصمت، وكأنها تحاول نسيان حقيقة أنها في مكان دانييل الآن.

أما هو، فكان في المطبخ، يعد شيئًا آخر. لم تمضِ دقائق حتى عاد، ووضع أمامها طبقًا يحتوي على بعض اللحم المطهو جيدًا.

"كُلي."

رفعت نظرها إليه، نظرة باردة خالية من أي امتنان. "لست جائعة."

"لا تكذبي، لم تأكلي أي شيء منذ الأمس."

لم ترد.

تنهد دانييل، ثم أضاف ببطء: "إن رفضتِ، سأعتبر هذا تقليلًا من احترام قائدكِ. وقد يؤثر ذلك على رتبتكِ."

كانت محاولة واضحة لليّ ذراعها، لكن فايوليت لم تتحرك. لم تتحدث. فقط نظرت إليه للحظة، ثم استدارت ومضت خارج الشقة بهدوء، كأنها لم تكن هناك أبدًا.

تركته واقفًا أمام الطاولة، والطعام لا يزال هناك... تمامًا كما تركته القطة عندما انتهت من الحليب وغادرت بهدوء.

---

كان الليل ساكنًا، يعجّ بصمتٍ ثقيلٍ لا يقطعه سوى خطواتها المتثاقلة على الرمال الرطبة. كان الهواء باردًا، يُحرك الأغصان برفق بينما مشت فايوليت بخطى هادئة في الحديقة الخلفية للمبنى. لم تكن تعرف إلى أين تذهب، لكنها فقط... لم تستطع البقاء في مكان واحد. ربما كانت تبحث عن شيء لم تعِ ماهيته، أو لعلها فقط تهرب من كل شيء، حتى من نفسها.

إلى جوارها، كانت القطة الصغيرة تلحق بها بخطوات رشيقة، ترفع ذيلها بتعجرف وكأنها ليست مجرد كائن هزيل يبحث عن الطعام والدفء.

لكن شيئًا ما تغيّر في الأجواء، السكون لم يدم طويلًا.

زمجرات مكتومة تسللت عبر الأشجار، وحفيف غريب قطع الهواء من حولها. شيء ما لم يكن طبيعيًا، تباطأت خطواتها، توقّفت تمامًا عندما استشعرت الخطر يتسلل إلى عظامها الباردة.

استدارت ببطء، وقبل أن تستوعب ما يحدث، ثم، ومن بين الظلال، انبثقت كائنات أطلق عليها البشر اسم "الذئاب".

أنظارها التقت بأنظارهم... وكانت تعرف الجوع في عيونهم كان أكثر وضوحًا من أي شيء آخر، ما رأته أمامها لم يكن سوى أشباح موت جائعة.

عشرة عيون متوهّجة اخترقت الظلام، عشرة أجساد هزيلة من الجوع لكنها قاتلة بما يكفي، عشرة أفواه تلهث بانفعالٍ وهي تحدّق في الفريسة التي كُتب لها أن تُصبح عشاءً لليلة.

لم تكن تملك سلاحًا. لم تكن تملك مخرجًا. لم تكن تملك شيئًا سوى نفسها.

لكن قدميها لم تتحركا.

كان الخوف شيئًا تعرفه جيدًا، شيئًا التصق بها منذ سنين، لكن في تلك اللحظة... لم تكن خائفة بل كانت مقتنعة تمامًا بأنها ستُصبح وجبتهم القادمة.

أغمضت عينيها، شهقت عندما قفز أحدهم، أنيابه المشحوذة تلمع تحت ضوء القمر.

لكن ما أيقظها لم يكن الألم. لم تكن الأنياب التي انتظرتها.

بل كان شيئًا دافئًا، قويًا، حطم كل المسافة بينها وبين الواقع في لحظة واحدة.

ذراعان قويتان اجتثّتاها من مكانها في جزءٍ من الثانية، أحاطتا بها بقوةٌ مطلقة حطّمت المسافة بينها وبين الواقع.

دُفعت إلى صدرٍ صلب، دفء مفاجئ، جسد احتواها بالكامل، التفَّ حولها كأنها تُحبس داخل قفصٍ بشري يحميها من كل شيء.

شهقت، وفتحت عينيها، لكن لم يكن عليها أن ترى كي تدرك.

أنفاسه كانت قريبة، هادئة رغم الفوضى، بينما كان جسده يضغط عليها بقوةٍ كما لو أنه يملك القدرة على محوها داخله... ليُبعدها عن الخطر.

ثم جاء الألم... لكنه لم يكن ألمها، الذئاب انقضّت، أنيابها غرست في اللحم، لكنها لم تمسّها، لأن ذلك الحضن كان كافيًا ليحجب عنها كل شيء.

رفعت رأسها ببطء، شهقت عندما رأت بقع الدم تتناثر، تلطخ القميص الأسود الذي التصق بجسده.

دانييل.

لم ترَ وجهه، لكنه كان هنا، يتلقّى كل شيء بدلًا عنها.

صرخة الذئب اخترقت الليل عندما غرز أنيابه في جسده، ثم صرخةٌ أخرى، وثالثة.

أنفاسها تجمّدت، وأصابها الرعب عندما شعرت بحرارة الدم تتسلل عبر قميصه، لتصل إلى جبينها حيث كان يحني رأسه فوقها.

اللعنة... إنه يتلقى الهجوم وحده!

حاولت التحرّك، أن تفعل شيئًا، لكن ضغط ذراعيه حولها ازداد عنفًا، كان يحتضنها بإحكام، رأسه فوق كتفها، يده الكبيرة تضغط على ظهرها كما لو كان يحاول إذابتها داخله، كي لا يصل إليها شيء.

"ابقِي هادئة..." صوته كان خافتًا، لكنه حمل أمرًا لا يقبل النقاش.

رفعت رأسها ببطء، عيناها الواسعتان تجوبان ملامحه المتصلبة، لكنها لم تستطع أن تقول شيئًا. لم تستطع حتى أن تُدرك كيف انتهى بها الأمر هنا، في أحضان رجلٍ لم تظن يومًا أنه سيقف حاجزًا بينها وبين الموت.

لكن الليلة... كان جسده الشيء الوحيد الذي يقف بينها وبين الموت.

----

زمجرةٌ وحشية شقت عتمة الليل، تلاها صوت تحطم جسد شيء ما بقوة، وصراخٌ لم يكن بشريًا.

تحرك شيءٌ آخر بسرعة البرق، تساقطت الذئاب واحدًا تلو الآخر تحت قوةٍ غير مرئية، وبينما فتحت فايوليت عينيها، لمحت ظلًا آخر وسط الفوضى.

ناو.

لم تكن بحاجة لرؤيته لتعرف أنه هو-ذلك الوحش الذي لم يكن يخشى شيئًا، ذاك الجندي الذي لا يتراجع أبدًا. كان سلاحًا بريًا حين يُقاتل، وكان الآن يمنحهم فرصة للهرب.

دانييل لم يحتج إلى إشارة أخرى، شعر بقبضته تشدّ على خصرها، ثم تحرك بسرعة جعلت جسدها يتأرجح بين ذراعيه. لم تدرك حتى متى بدأ بالجري، أو كيف تمكن من المراوغة رغم الجروح التي مزقت جسده، لكنها لم تنبس بحرف، لم تعترض، فقط تركت نفسها بين يديه.

كاد صوت الرياح أن يطغى على دقات قلبها، لكنه لم يغطِّ على الإحساس الذي انتشر في صدرها عندما تجاوزا الخطر... عندما أغلق دانييل باب شقته خلفها أخيرًا.

وقف هناك للحظة، صدره يعلو ويهبط، قطرات العرق تمتزج بدمه، لكن وجهه بقي جامدًا. لم يكن يتأوه، لم يكن حتى يعترف بالألم، لكنه كان هناك... يتغلغل في أنفاسه، يختبئ خلف قسوته المعتادة.

ثم، دون أن ينظر إليها، قال بصوت هادئ وكأن شيئًا لم يكن:

"يمكنكِ الذهاب الآن."

رفعت عينيها نحوه. للحظة، ترددت، ثم عضّت شفتها السفلى بغير وعي. كان هذا هو المتوقع منه، أن يطوي الصفحة كأنها لم تُكتب أبدًا، أن يتظاهر بأن ما حدث لم يترك أي أثر... لكنه ترك.

هو يتألم.

لم يكن عليها أن تهتم. كان قادرًا على الاعتناء بنفسه، بل لم يكن حتى يريد المساعدة. لكن صورة الدم التي لطخت قميصه، الطريقة التي انقبضت بها عضلاته مع كل نفس، ارتعاشة خفيفة كاد يخفيها عندما حاول تحريك كتفه المصاب...

كل هذا جعل بداخلها شيئًا يرفض أن يصمت.

قبضت أصابعها على قميصها، ثم قالت بصوت لم يكن واثقًا كما ظنّت:

"دعني أضمّد جروحك."

رفع حاجبه قليلًا، لم يكن هناك سخرية حقيقية في عينيه هذه المرة، بل دهشة هادئة، كأن العرض بحد ذاته كان شيئًا غير مألوف له.

"وهل أنا على شفير الموت؟" سأل، وكأنه يريد اختبار إصرارها.

"هذا لا يهم." همست وهي تتقدم خطوة نحوه، "إن لم يكن الأمر خطيرًا، فلن يضرك شيئًا أن تدعني أفعل ذلك."

طال الصمت بينهما لثوانٍ. نظرت إليه بترقب، بينما كان يحدق بها وكأنه يزن كلماتها.

ثم، فجأة، زفر ببطء، وأرخى كتفيه قليلًا. "حسنًا."

جلس على الأريكة، أرجع رأسه إلى الوراء قليلًا، قبل أن يحرك يده مشيرًا إليها لتقترب.

عندما خطت نحوه، شعرت أن المسافة بينهما لم تكن مجرد خطوات... بل شيء أعمق، شيء جعل الهواء مشبعًا بتوتر غريب.

جلست أمامه بصمت، سحبت صندوق الإسعافات من الخزانة القريبة، لكنها لم تفتحه مباشرة.

كان يراقبها، كان يعلم أنها متوترة، لكنها لم تهرب.

عندما امتدت يدها إلى قميصه الممزق، شعرت بحرارة جسده رغم البرودة التي تملأ المكان. كانت لمسة عابرة، مجرد محاولة لإزاحة القماش الملطخ بالدم، لكنها شعرت كأنها مست شيء لا يجب لمسه.

ورغم أنها حاولت أن تبقى مركزة، لم تلاحظ كيف أنه، للحظة قصيرة جدًا، أغلق عينيه واستنشق الهواء ببطء شديد...

رائحتها كانت هناك.

نظيفة، نقية بلا عطور، بلا زيف. وكأنها... نظيفة من الداخل أيضًا، كان أمرًا سخيفًا أن يلاحظ شيئًا كهذا، لكنه لاحظ... وكره نفسه على ذلك.

بهدوء، نزعت القماش الممزق عن الجرح الأكبر في كتفه، وأحست بعضلاته تتشنج قليلًا تحت أصابعها. لكنه لم يبعد يدها، فقط تركها تفعل ما تشاء.

"هل يؤلم؟"

رفع زاوية شفتيه بابتسامة باهتة. "ما رأيكِ؟"

لم ترد. فقط أخرجت المعقم من العلبة، غمست قطعة قطن، وبدأت بتنظيف الجرح.

عندما لامس السائل البارد جلده، جسده تيبّس للحظة، وانحبست أنفاسه بينما برودة السائل تتخلل بشرته. لكنها، في لحظة لم تكن محسوبة، اقتربت أكثر غارقة بتركيزها، نفَسُها الدافئ لامس جلده للحظة، خفيفًا... لكنه كان كافيًا.

دون أن يدرك، استنشق مرة أخرى، هذه المرة أقرب، أعمق، كانت هناك، كانت أقرب مما ينبغي لكنها لم تنتبه.

عندما انتهت من تنظيف الجرح، بدأت بلف الضماد حول كتفه. لم تكن هناك أي نية أخرى سوى إتمام الأمر بسرعة، لكن تحركت يدها دون قصد فوق جلده العاري، إحساس الحرارة جعلها تتوتر للحظة. لم يتحرك، لم يبتعد.

لكن عضلاته تشنجت تلقائيًا، لم يكن بسبب الألم كان بسبب شيء آخر. شيء لا يريد الاعتراف به.

شعرت وكأنه يتنفس ببطء، كأنه يسمح لها بهذا القرب دون حواجز.

لم تستطع منع نفسها من النظر إليه، من مراقبة الطريقة التي قبض بها على طرف الأريكة بصمت، وكأنها المرة الأولى التي يدع فيها شخص آخر يعتني به.

لم يكن من المفترض أن تشعر بشيء تجاه هذا المشهد... لكنها شعرت... بشيء صغير، عابر، لكنه حقيقي.

عندما انتهت، سحبت يديها ببطء، رفعت عينيها نحوه، ووجدت أنه كان يراقبها بصمت.

لكن هذه المرة، كانت نظرته مختلفة، وكأن شيئًا غير مرئي بدأ يتشكل بينهما.

----

أغلقت صندوق الإسعافات، دفعت الغطاء بعيدًا ونهضت ببطء. لم يكن هناك ما يُقال، لم يكن هناك شيء يجب إضافته، لكن رغم ذلك... لم تغادر فورًا.

نظرت إليه للحظة، ورغم صمته، رغم جمود وجهه، شعرت أنها مدينة له... لذا، أخذت نفسًا صغيرًا، ثم انحنت قليلًا أمامه، بصوت هادئ، متحفظ، همست:

"شكرًا لك... لإنقاذي."

ثم استدارت، لم تنتظر ردًا، لم تكن بحاجة لسماع شيء. أرادت فقط المغادرة، الابتعاد عن هذا الشعور الغريب الذي بدأ يتسلل إليها.

لماذا تشعر بهذا؟ لماذا يبدو كل شيء... مشوشًا؟

ركضت، تركت المكان وكأنها تهرب، وكأن المسافة بينهما كانت يجب أن تكون أبعد بكثير مما سمحت لها أن تكون.

راقبها بصمت. لم يمنعها، لم ينطق بكلمة، لكنه تابع خطواتها حتى اختفت من أمامه، وبقي وحده مع أفكاره.

جالسًا هناك، مائلًا برأسه للخلف، شاردًا، ساكنًا، لا يحاول حتى إقناع نفسه بأنه لم يتأثر.

لم يحاول خداع نفسه، لقد أحبها، تلك اللمسات العابرة، الدفء الذي شعرت به أناملها فوق جلده، الطريقة التي اقتربت بها منه...

كان جلده لا يزال يحتفظ بآثار دفء أصابعها، وكأنها تركت بصمتها عليه رغم خفتها.

لمس حيث كانت أصابعها منذ لحظات، حيث شعرت بشرته بوجودها أكثر مما ينبغي. كانت لمستها خفيفة، لكنها حملت شيئًا لم يعتد عليه.

رفع يده ببطء، لمس الضماد بأصابعه، ثم ابتسم بسخرية.

"سفاحة متسلسلة، هاه؟" تمتم لنفسه، وصوته بالكاد يُسمع. "من كان يظن أن أكثر شخص يُخيف الجميع يمكنه أن يملك لمسةً بهذا الدفء؟"

كانت لمساتها عادية، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له. لقد أحب كل لحظة، حتى لو لم يعترف بذلك بصوت عالٍ.

وعندما أغلق عينيه، لم يكن يرى سوى وجهها القلق وهي تميل نحوه، نظراتها التي لم تعتد على إظهار الاهتمام، لكن ها هي، هنا، قلقة عليه.

هي، التي ملأت سمعتها المعسكر، التي يتهامس عنها الجميع كأنها شبح قاتل... الفتاة التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، التي يقال إنها وحشٌ لا يعرف الرحمة... كانت تجثو أمامه، تعتني به كما لو أنه شخص يستحق ذلك.

ليس هذا فقط... بل كانت قلقة عليه أيضًا.

زفر ببطء، أغمض عينيه للحظة، لكنه لم يستطع طرد صورتها من رأسه. وجهها القلق، لمساتها، رائحتها النقية التي استنشقها في لحظات اقترابها...

عبس قليلًا، كأن الفكرة أزعجته، لكن بدلًا من دفعها بعيدًا، رفع معصمه نحو وجهه، واستنشق الضمادات بصمت.

لم يكن هناك عطر قوي، لا شيء اصطناعي... فقط تلك الرائحة النظيفة، النقية، التي التصقت به للحظات، والتي لم يكن مستعدًا لفقدانها بعد.

أغلق عينيه للحظة، استنشقها بعمق، ثم ابتسم بخفوت، وكأن شيئًا بداخله قد ارتاح.

"لم أكن أتوقع هذا منكِ، فايوليت."

صوته كان منخفضًا، كأنه يخاطب ظلّها العالق في الغرفة.

لكنها لم تكن هنا لتسمعه... ولم يكن هذا يهمه. رغم كل انتصاراته وبطولاته هو لم يشعر بكونه بطلًا كما يفعل الآن.

---

كان المعسكر هادئًا في الصباح، لكنه لم يكن هدوءًا مريحًا.

فايوليت لم تكن في أفضل حالاتها. كان جسدها أثقل من المعتاد، خطواتها متعبة، ورأسها يدور قليلاً. كانت تتجاوز عن الطعام منذ أيام، لم يكن الأمر مقصودًا تمامًا، ليس الأمر وأكنها لم تكن تشعر بالجوع... كانت تتجاهله فقط.

لكن جسدها لم يكن يتجاهل شيئًا.

شعرت بذلك وهي تمشي نحو ساحة التدريب، كل عضلة فيها كانت تصرخ، تخبرها أنها بحاجة للراحة، بحاجة للطعام، بحاجة إلى أن تتوقف للحظة وتتنفس.

لكنها لم تفعل... ولن تفعل أبدًا.

ثم أدركت أنهم كانوا ينتظرونها.

أمامها، خلفها، حولها... عشرة جنود.

وجوه مألوفة، عيون مليئة بالضغينة، بالكراهية، وكأنهم أخيرًا حصلوا على فرصتهم.

لقد كانت دائمًا تتفوق عليهم، دائمًا تهزمهم في التدريبات، دائمًا تقطع غرورهم إلى أشلاء تحت وقع قبضتها.

لكن اليوم؟

اليوم كانوا يعرفون أنها ليست في أفضل حالاتها. اليوم... كانوا يعرفون أن الوقت قد حان لجعلها تتذوق طعم الهزيمة التي كانت تذيقهم إياها دائمًا.

"أليس من المثير للشفقة؟ السفاحة المتوحشة بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها."

ضحكة ساخرة، ثم خطوة للأمام.

"سمعت أنكِ لم تأكلي منذ يومين، أليس كذلك؟ لا عجب أنكِ تبدين وكأنكِ ستنهارين في أي لحظة."

قبضت على يديها، تشد على نفسها، تحاول إبعاد الدوار الذي يضغط على رأسها.

"ألا تظنين أنه حان الوقت... لتتذوقي ما كنتِ تقدمينه لنا؟"

ثم هجموا... ضربة على جانبها الأيسر، ضربة على معدتها، ركلة على ركبتها جعلتها تترنح.

لكنها لم تسقط.

رغم الألم، رغم الدوار، رغم أن جسدها بالكاد كان يستجيب، إلا أنها لم تسقط.

"تبا..." تمتم أحدهم، وكأن عنادها كان أكثر إزعاجًا من مقاومتها ذاتها.

لكنها لم تكن تفكر في الاستسلام.

بغرائزها وحدها، رفعت ذراعها، صدت هجمة أخرى، ثم ضربت أحدهم في حلقه مباشرة. تراجع وهو يلهث، وقبل أن يستعيد الآخرون توازنهم، أدارت جسدها وركلت ثانيًا في ضلوعه.

كانت أبطأ من عادتها... لكنها لم تكن ضعيفة.

كانوا عشرة، لكنها لم تكن وحدها بلا سلاح.

كانت تملك نفسها... تملك سنواتٍ من القتال، من النجاة، من تحويل الخوف إلى سلاح والطاقة إلى غضب.

وانفجر الغضب أخيرًا.

ركلة أخرى، لكمة خاطفة، ثم انقضت على أحدهم قبل أن يدرك حتى أنها تحركت.

شعره بين أصابعها، جرته للأسفل، ركبتها ارتفعت لتصطدم بأنفه بكل قوة.

تراجع متألمًا، متلعثمًا، لكن البقية لم يتوقفوا.

قبضة قوية أمسكت بمعصمها، حاولت التملص، لكنها لم تكن بكامل قوتها. شعرت بضربة أخرى في بطنها، جعلتها تنحني للحظة، جعلت العالم يضيق حولها.

لكنها لم تسمح لنفسها بأن تنهار. التفتت بجسدها، التفتت بكل وزنها، ثم ضربت المهاجم بمرفقها في وجهه.

صراخه كان مُرضيًا... لكن الآخرين لم يتوقفوا.

لكمة على فكها، أخرى على أضلاعها، ثم سقطت على ركبتها، تلهث، كان الدم يطعم فمها، لكن عينيها لا تزالان مشتعلة.

"ما بالكِ؟ أليست هذه... اللعبة التي كنتِ تلعبينها معنا دائمًا؟"

تنهّدت، ابتلعت الدم، ثم رفعت رأسها ببطء.

رغم كل شيء، رغم الدماء التي تلطخ زوايا فمها، رغم الإرهاق الذي ينهش جسدها، كانت ابتسامتها هي أكثر شيء أرعبهم.

"أنتم جبناء."

كان صوتها هادئًا... لكنه حمل شيئًا جعل بعضهم يتراجع لا إراديًا.

"عشرة ضد واحدة؟ حتى مع ذلك... أنتم مرعوبون."

كان ذلك كافيًا ليجعل أحدهم يرفع قبضته بغيظ...لكن قبل أن تهبط عليها، صوتٌ أوقفهم جميعًا،صوتٌ جعلهم يتجمدون في أماكنهم.

"هذا يكفي."

لم يكن صوته مرتفعًا. لم يكن بحاجة لأن يكون كذلك.

لكن وقع كلماته كان كافيًا ليجعل الجميع يتجمد في أماكنه.

دانييل لم يكن شخصًا يُتجاهل.

حين تحدث، حين أمر، حتى الهواء بدا وكأنه توقف، حتى الأرض بدت وكأنها تنتظر خطوته التالية.

كان يقف هناك، عند طرف الساحة، عينيه مثبتتين على فايوليت. كانت على ركبتها، الدماء تلطخ وجهها، نظرتها مشتعلة بالتحدي، رغم كل شيء، رغم الإرهاق، رغم الألم...

وكان ذلك كافيًا لتفجير غضبٌ عارم لا يحتمل داخله لم يكن يعلم أنه موجود.

الجنود العشرة تبادلوا النظرات، البعض تراجع خطوة لا إرادية، البعض الآخر حاول أن يبدو واثقًا، لكن أحدهم تجرأ على الحديث:

"لكن سيدي، إنها-"

لم يُكمل جملته. لأن قبضة دانييل كانت أسرع منه. تحرك قبل أن يدرك أحدٌ ما يحدث، لكمته أصابت فك الجندي بقوة جعلته يطير للخلف، جسده يصطدم بالأرض بخشونة، وصرخته تملأ المكان.

لم يكن هذا سوى البداية.

تحرك دانييل كما لو أنه لم يعد يتحكم بنفسه، كما لو أن كل جزءٍ فيه كان ينضح بالغضب، بالوحشية، بالسخط الذي لم يسمح لنفسه حتى بفهمه.

لماذا؟.. لماذا يشعر بهذه الطريقة؟ لماذا يشعر أن ما حدث لفايوليت كان كافيًا لجعل دمه يغلي في عروقه؟

لم يسمح لنفسه بالتفكير.

سمح لنفسه بالتصرف فقط.

الآخرون حاولوا الدفاع عن أنفسهم، لكنهم لم يكونوا مستعدين لرجلٍ مثل دانييل، لرجلٍ لم يكن يرحم.

لكمة ثانية، ضربة ركبة إلى معدة أحدهم، ضربة كوع إلى أنف آخر حتى انكسر بصرخة حادة، سقوطٌ، ارتطام، آهات ألم متتالية، لم يتوقف.

لم يسمح لنفسه بالتوقف.

لقد لمسه الغضب... لم يكن هناك عودة بعد ذلك.

أمسك بأحدهم من قميصه، رفعه عن الأرض وكأنه لا يزن شيئًا، نظر في عينيه مباشرة، وقال بصوت لم يحمل ذرة رحمة:

"أنت تجرأت على لمسها." ثم ألقاه كأنه لا شيء.

الدماء بدأت تظهر، لكن لم تكن دماء فايوليت هذه المرة.

واحدٌ منهم بالكاد استطاع الوقوف، آخر كان يتلوى على الأرض، والثالث لم يجرؤ على رفع رأسه.

انتهى الأمر... لكن دانييل لم يكن قد انتهى بعد.

وقف هناك، جسده لا يزال متوترًا، أنفاسه ثقيلة، يديه تقطران من الدماء التي لم تكن دماءه.

ثم نظر نحوها... نحو فايوليت.

كانت لا تزال على الأرض، لكن عينيها كانتا مثبتتين عليه، وشيءٌ ما في داخله اهتز. لم تقل شيئًا. لم يكن هناك حاجة لذلك.

تقدم نحوها، وبصمت، مد يده إليها. كانت يده لا تزال ساخنة من القتال، لا تزال تحمل آثار ما فعله، لكنه لم يهتم.

انتظر... وانتظر.

ثم، ببطء، رغم ترددها، رغم غرابة الموقف، رفعت يدها، ولمست راحة يده بأصابعها. كانت لمستها باردة مقارنةً بيده الساخنة.

كانت مرهقة... لكنه لم يكن أبدًا قد رأى شخصًا بهذه القوة خلال إرهاقه من قبل.

سحبها للأعلى، نظراتهما تلاقت للحظة، لكنه لم يسمح لها بالبقاء طويلًا.

"أنتِ بحاجة إلى علاج."

كان صوته هادئًا، لكنه حمل شيئًا لا تستطيع تحديده... شيئًا لم يكن مستعدًا للاعتراف به بعد.

أدار وجهه عنها، التفت نحو البقية، نظر إلى الفوضى التي أحدثها، لم يشعر بأي ندم، بل على العكس، شعر بشيء يشبه الرضا.

"إن اقترب أحدكم منها مجددًا..."

لم يكمل جملته لأنه لم يكن بحاجة لذلك.

كانوا يعلمون تمامًا ما الذي يعنيه.

---

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة