Colonel 8

Colonel 8

17 0

عندما استُدعيت فايوليت لمكتب القائد دانييل، لم تكن تعلم ما ينتظرها، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الإحساس الثقيل الذي خيّم على صدرها. لم تكن قد نامت الليلة الماضية، الحرب استنزفت كل طاقتها، عظامها تؤلمها من الإرهاق، لكن عقلها لم يسمح لها بالاستسلام. كان ذهنها مشبعًا بكلماته، بالاعتراف الذي لم تكن جاهزة لسماعه، والذي لم تمنحه ردًّا عليه بعد.

تحركت خلفه عبر الممرات الحجرية، خطواتها تتبع صوته الصامت، وكلما أوغلت في السير خلفه، زاد شعورها بالانجراف نحو شيء مجهول. قلبها لم يكن مطمئنًا تمامًا، عقلها كان يهمس لها بالحيطة، بالحذر. دانييل لم يكن مجرد رجل يحبها...لم يكن رجلًا عاديًا على الإطلاق.

شيء ما في تصرفاته تلك الليلة جعل الشك يتسلل إليها، يتفشى داخلها كعدوى بطيئة. ماذا لو كان اعترافه مجرد خدعة؟ مجرد فخ ليجعلها أكثر ضعفًا أمامه؟ لقد رأت رجالًا كثرًا يستخدمون الحب كسلاح، كوسيلة للامتلاك، وكأداة للسيطرة الصامتة. هل يمكن أن يكون دانييل واحدًا منهم؟ هل كان ينتظر منها أن تخضع له؟

عضّت على شفتها بتوتر، تأهبت، تصلبت، ورفعت رأسها بقوة، عاقدة العزم على ألا تكون مجرد أخرى تقع في المصيدة. لو كان يعتقد أنها ستصبح ضعيفة أمام كلماته، فإنه لا يعرفها جيدًا.

لكن دانييل… كان مختلفًا.

لم يكن هناك شيء في هدوئه يوحي بأنه يكذب. عيناه كانتا تحملان ذلك التوهج الخطير ذاته، ذلك السحر القاتل الذي يُخضع كل من يواجهه. خرج بها عبر بوابة الثكنة، وسط الجنود الذين توقفوا للحظات لمراقبتهما، لكن أحدًا لم يتجرأ على التعليق. لم يكن أحد يجرؤ على التدخل في شؤون دانييل، خاصة حين يكون على هذا النحو... هادئًا جدًا، واثقًا جدًا، وكأن العالم بأسره ملك له.

حين وصل بها إلى شقته الخاصة، شعرت بانقباض طفيف في صدرها، لم تكن هذه المرة الأولى التي تدخل فيها إلى مكان مغلق برفقته، لكنها كانت المرة الأولى التي تفعل ذلك منذ اعترافه. المكان بدا مرتّبًا أكثر من اللازم، كأنه أعاد ترتيب كل شيء وفقًا لذوقه الخاص، وكأنه… استعدّ لهذه اللحظة.

جلس على الأريكة الجلدية، وحين أشار لها بالجلوس مقابله، لم تفعل على الفور. بقيت واقفة لثوانٍ إضافية، تحاول قراءة تعابيره، محاولة التأكد مما إذا كانت قد أوقعت نفسها في مأزق.

ثم ابتسم… تلك الابتسامة التي لم ترها من قبل. واسعة، هادئة، لكنها تحمل شيئًا أعمق بكثير، شيئًا يجعل قشعريرة خفيفة تسري في جسدها.

— "أحضرت لكِ شيئًا."

كلماته حملت من العذوبة ما لم يطمئنها أبدًا. قالها بلهجة مرحة على غير العادة، وابتسامة كبيرة ارتسمت على شفتيه، لكنها لم تخفِ ذلك الوهج الغامض في عينيه. مدّ يده إلى الطاولة وسحب صندوقًا خشبيًا أنيقًا، مزينًا بنقوش ذهبية، ثم دفعه نحوها برفق.

— "افتحيه."

ترددت فايوليت لوهلة، إحساس ثقيل ارتطم بصدرها. هناك شيء ما في طريقته جعل نبضها يتسارع بشكل لا إرادي. لم تكن تعلم ما ينتظرها داخل ذلك الصندوق، لكنها شعرت أن لحظة فتحه ستغير شيئًا بداخلها إلى الأبد.

نظرت إليه أولًا، إلى عينيه المليئتين بذلك البريق الخفي، وكأنهما تستمتعان بتأمل ارتباكها. ثم حولت نظرها إلى الصندوق، قبل أن تمتد يدها إليه ببطء، أصابعها تلامس الخشب المصقول بحذر، ثم ترفع الغطاء.

أنفاسها انحبست.

داخل الصندوق، وُضِع رأس بشري ملفوفٌ بقماش أسود، لكن لم يكن من الصعب تمييز ملامحه حتى وسط الظلال. تلك العيون المطفأة، ذلك الوجه المشوه بالموت، ذاك الجحيم الذي ظنّت أنها لن تنجو منه أبدًا.

ليونارد ميلر.

جلادها. الرجل الذي تجرّأ على انتهاكها، الذي جعل من أيامها في السجن كابوسًا حيًا. لم تتخيل يومًا أنها سترى نهايته بهذا الشكل.

ارتجفت أصابعها، لكنها لم تتراجع. قلبها كان يخفق بعنف، ليس رعبًا… بل شيئًا آخر، شيئًا أكثر ظلمة. الحقد. الفرح المسعور الذي سرى في عروقها مثل سمٍّ حلو. لم تكن تعرف أن الانتقام يمكن أن يكون بهذا الجمال، بهذا الرضا العميق.

رفعت رأسها ببطء، والتقت بعيني دانييل.

كان لا يزال يبتسم، ابتسامة عذبة على نحو مريب، كما لو كان قد أحضر لها أثمن هدية في العالم. لكن ما جعل الدماء تتجمد في عروقها لم يكن ابتسامته، بل الطريقة التي كان ينظر بها إليها. عينيه لم تفارقا وجهها لحظة، يراقب كل تغير في ملامحها، كل رجفة في شفتيها، وكأنه يستمتع بمشاهدة النيران تشتعل داخلها.

كأنه كان متأكدًا أن هذه الهدية ستكسر شيئًا بداخلها… أو ربما، ستعيد ترميمه.

— "الآن، لم يعد بإمكانه إيذاؤك مجددًا."

همس بالكلمات، صوته كان هادئًا، لكنه يحمل شيئًا أعمق، شيئًا يشبه الوعد.

قبل أن تستوعب، تحرك دانييل ببطء، متجاوزًا المسافة بينهما. لم تتراجع، لكنها شعرت بتلك الهيمنة التي تملأ حضوره.

رفع يده، وأصابعه الخشنة امتدت نحو وجهها، تلامس خدها برفق لم تتوقعه. لم يكن لمسه لطيفًا بقدر ما كان ممتلكًا، كما لو كان يوقّع اسمه عليها.

"لن يجرؤ أحد على لمسكِ بسوء بعد الآن، فايوليت."

قالها بصوت منخفض، بينما إبهامه يمر ببطء فوق بشرتها، ناظرًا إليها بنظرة جعلت الهواء يثقل من حولها.

"لأنكِ ملكي الآن."

عينيها انفتحتا بتأهب، كغريزة نجاة طبيعية، كقوس مشدود يوشك على الانطلاق. حرارة لم تفهم مصدرها اندفعت إلى صدرها، وقلبها بدأ يخفق بجنون، كأنه يحذرها، كأنه يخبرها أن ما يحدث الآن… خطير.

ثم، دون تفكير، صفعت يده.

دفعتها بعيدًا عنها بعنف، كأن لمسته كانت جمرة أحرقت جلدها، ثم نهضت بسرعة، كأن البقاء جالسة يعني أنها قد تعلق أكثر في هذا الشَرَك. جسدها تحرك بغريزته الدفاعية، كما فعل دومًا حين كان عليها القتال للبقاء.

الصندوق سقط من يدها، ارتطم بالأرض بقوة، واهتز الغطاء، كاشفًا عن الرأس المقطوع الذي تدحرج قليلًا قبل أن يستقر عند قدميها.

شهقت، لكن ليس رعبًا… لم يكن الخوف هو ما جعل أنفاسها تتسارع بهذه الطريقة.

بل شيء آخر.

قلق؟ لا. اضطراب؟ ربما. شيء أعمق، شيء لم تستطع تسميته بعد، لكنها شعرت به يتغلغل داخلها، يسري في دمها، يسيطر على كل فكرة في عقلها.

الهدية التي قدّمها… نظراته التي أحاطتها كقيد… لمسته التي بدت وكأنها ادّعاء للملكية…

دانييل لم يكن مجرد رجل ينتقم لأجلها. لم يكن مجرد قائد يهتم بجنوده. لم يكن حتى عاشقًا تقليديًا.

كان شيئًا أخطر.

وبمفهومها، الخطر يعني أمرين فقط: الهرب… أو المواجهة.

عينيها رفعتا إليه، نظرة باردة رغم الدوامة التي تعصف بداخلها.

ثم نطقت، بصوت هادئ، لكن مشحون بحقيقة لا مفر منها:

— "أنت لست مختلفًا."

كان حكمًا… وليس مجرد جملة.

ثم استدارت، خطواتها كانت ثابتة، لكنها سريعة، كأنها تهرب دون أن تهرب، كأنها تحاول كبح العاصفة التي تعصف في داخلها قبل أن تبتلعها بالكامل.

دانييل لم يتحرك، لم يحاول إيقافها… ليس على الفور.

وقف مكانه، عيناه تتابعان ظهرها وهي تبتعد، وهي تفتح الباب بعنف، ثم تغلقه وراءها بقوة كأنها تحاول تركه خلفها مع كل ما أحضره لها الليلة.

صوت اصطدام الباب بالخشب تردد في الغرفة، لكنه لم يكن شيئًا مقارنة بالصمت الذي تبعه.

دانييل مرر يده على فكه ببطء، كأنه يستوعب الأمر. ثم ابتسم، ابتسامة مائلة، غامضة، كأنها كانت متوقعة… وكأنه وجد الأمر ممتعًا.

— "أنتِ لي، فايوليت."

همسها لنفسه، وكأنه يعرف أنها ستسمعه رغم أنها رحلت.

وبعد لحظات… تحرك.

لم يكن رجلاً يسمح للأشياء بالرحيل بسهولة. وإن كانت فايوليت تظن أنه سيقبل حكمها بصمت، فهي لم تعرفه جيدًا بعد.

كانت السماء ملبدة بالغيوم عندما وصلت فايوليت إلى تلك الشجرة، بعيدة عن الثكنة، عن الضوضاء، وعن نظراته التي شعرت بها تخترقها.

جلست هناك، ظهرها مستند إلى الجذع، ساقاها مطويتان أمامها، تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد الفوضى التي أثارها دانييل في داخلها.

لكنها لم تكن وحيدة كما ظنت.

لم يمضِ الكثير حتى التقطت أذنها خطوات مألوفة تقترب ببطء، غير متسرعة، وكأن القادم يعلم تمامًا أنها تعرف أنه سيأتي.

دون أن تنظر، تنهدت بصمت، لكنها شعرت به يجلس بجانبها، ليس قريبًا جدًا، لكنه لم يترك لها مجالًا للهروب أيضًا.

ظل صامتًا للحظة، قبل أن يتنهد بدوره، ناظرًا للأمام وهو يتمتم بصوت مسموع، بنبرة تحمل شيئًا بين العتاب واليأس المرهق:

— "لقد هربتِ مني مجددًا."

لم تجبه.

حواسه كلها كانت مشدودة إليها، إلى أنفاسها الهادئة، إلى الطريقة التي تستمر فيها بالنظر إليه وكأنه خطر محتم.

تابع، وكأنه لا يحتاج إلى رد منها، لكن صوته هذه المرة كان أعمق، أكثر تأثرًا:

— "فايوليت… لم أفعل شيئًا سوى حمايتكِ، سوى محاولة الوصول إليكِ… لماذا تستمرين بالهرب؟... لما تستمرين بإبعادي؟"

لم يتحرك، لم يحاول لمسها، لكنه كان هناك، بجانبها، أقرب مما ينبغي… بعيدًا أكثر مما يحتمل.

صوته انخفض أكثر، كأنه يبوح بحقيقة ثقيلة على صدره:

— "لو فكرتُ للحظة واحدة أنني قد أؤذيكِ، كنتُ لأنهي حياتي قبل أن أسمح لنفسي بذلك."

رفعت عينيها أخيرًا نحوه، لتجده يراقبها بعمق… بعاطفة لم تكن مستعدة لمواجهتها.

كان صادقًا.

مرهقًا، متعبًا، لكنه صادق.

عينيه كانتا تائهتين فوق ملامحها، كأنه يبحث عن إجابة، كأنه يحاول أن يفهم لماذا تبقى بعيدة رغم كل ما يفعله لأجلها.

ثم، بصوت أكثر ليونة، لكنه محمل بتصميم لا رجعة فيه، قال:

— "أخبريني فقط… ماذا تريدين، وسأعطيكِ إياه. أي شيء، أي شيء فقط، كي تتوقفي عن الهرب، كي تحادثيني قليلًا فقط."

لم تكن مستعدة لذلك.

لم تكن مستعدة لرؤيته بهذه الطريقة... رجل قوي، لا يهاب شيئًا، يضع أمامها قلبه دون خوف، دون شروط، فقط يطلب منها أن تبقى.

لسبب ما، ولأول مرة منذ عرفته، لم ترغب في القتال.

دون تفكير، دون مقدمات، ودون أن تنظر إليه حتى، تركت الكلمات تفلت من شفتيها ببرود مصطنع، كما لو كانت مجرد ملاحظة عابرة:

— "أجيد العزف على البيانو."

دانييل لم يرد فورًا، لكنه التفت إليها، حاجباه مرفوعان باهتمام صادق. لم يكن الأمر غريبًا بالنسبة له فحسب، بل لم يكن يتوقعه منها أبدًا. كأنها فجرت أمامه حقيقة لم يكن مستعدًا لسماعها.

هي لم تهتم بنظرته الطويلة تلك. أو هكذا أقنعت نفسها.

— "أحب الأطفال."

قالتها بنفس النبرة المحايدة، دون أن تبدي أي اهتمام خاص بما تفصح عنه. لكن دانييل؟ لم يصدق ذلك للحظة.

هي أخيرًا تخبره بشيء عنها!

رغم تعابيرها الهادئة، رغم البرود المتعمد في صوتها، كان يرى الحقيقة تلمع في عينيها. لم يكن هذا مجرد كلام عشوائي… لا، هذه لمحات من شخصها الحقيقي، من فايوليت التي لم يرها أحد سواها، فايوليت التي خبأتها تحت قناع اللامبالاة هذا.

— "لطالما حلمت بفتح مدرسة موسيقية للأطفال… لأقضي وقتي معهم، لأعلمهم الموسيقى، وأعزف لهم."

مررت أناملها على العشب بجانبها بلا اكتراث، كأنها لم تقل شيئًا يستحق الاهتمام. لكنها كانت تراقبه من زاوية عينها، تنتظر… ماذا؟ سخرية؟ لا مبالاة مماثلة؟

لكنه فقط ابتسم.

ابتسامة خفيفة، غير متكلفة، لكنها حملت معها شيئًا جعل أنفاسها تتباطأ للحظة، رغم كل شيء.

— "هذا يليق بكِ."

كادت عيناها ترفّ نحوه، لكنها قاومت الرغبة في ذلك، وبدلًا من ذلك، استدارت قليلًا، كأن كلماته لم تعنِ لها شيئًا يُذكر.

— "هل كنتِ ستعزفين لي؟"

ضحكت ضحكة خفيفة، ساخرة، مائلة للرنة الجافة أكثر منها للمرح الحقيقي.

— "ليس لديك ما يكفي لدفع ثمن ذلك."

دانييل لم يتوقف عن التحديق بها، تلك النظرة العميقة التي لم تتغير، لم تهتز، وكأنها وحدها الحقيقة المطلقة في هذه اللحظة.

— "أوه، لكنني كنت سأدفع ثروة لحضور حفلة خاصة بكِ."

كان غزله واضحًا، لا يخفيه، لا يلطّفه، ومع ذلك لم يكن مبتذلًا. بل كان أقرب إلى الحقيقة المحضة، شيء اعترف به بصدق… تمامًا كما اعترفت هي بأحلامها دون أن تدرك ذلك.

هي لم ترد، لم تعلق، فقط نظرت بعيدًا وكأنها فقدت الاهتمام بالمحادثة. لكن أصابعها كانت لا تزال تعبث بالعشب بجانبها، وبطريقة ما… بدت تلك الحركة الصغيرة وكأنها تقول كل شيء.

ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا، ولم يكن ثقيلًا أيضًا. كان أشبه بفجوة صغيرة بين عالمين، بين شخصين يحاولان فك شيفرة الآخر دون أن ينطقا بكلمة.

فايوليت لم تحاول كسره، بل غرقت فيه.

كانت تراقب العشب بين يديها وكأنه أهم شيء في هذه اللحظة، تمسّد أوراقه بأنامل بطيئة، تتلاعب بها بلا تفكير حقيقي، فقط لتشغل نفسها عن النظر إليه. لم تكن بحاجة لرؤية عينيه كي تعرف أنه لا يزال يراقبها.

أما دانييل، فلم يحاول إخفاء ذلك حتى.

كان منشغلًا بتأملها، بكل تفاصيلها تحت ضوء القمر الخافت. كيف ينسدل شعرها الفاتح على كتفيها، كيف ترمش ببطء كأنها تحاول طرد شيء ما، كيف ترفع ذقنها قليلًا بكبرياء حتى في أبسط حركاتها.

كان مأخوذًا بها.

ومع مرور الدقائق، ومع برودة الليل التي زحفت بهدوء، بدأ جسدها يسترخي دون أن تشعر. جفونها تثاقلت شيئًا فشيئًا، قبل أن تستسلم تمامًا وتغفو… هناك، أسفل الشجرة، وعلى بعد أنفاس منه.

نظر إليها طويلًا.

راقب كيف أصبحت ملامحها أكثر هدوءًا، كيف خفت توترها أخيرًا، وكأن النوم هو المكان الوحيد الذي لا تضطر فيه إلى التظاهر بالقوة... أو ربما أصبح كذلك مؤخرا فقط.

دون أن يفكر، أو ربما لأنه فكر كثيرًا، مدّ يده وقطف زهور البنفسج النابتة قرب الجذع، أنامله تلامس الأوراق الندية بحذر وكأنها شيء ثمين يخشى أن يتلفه. أمسك واحدة بين أصابعه، تأملها للحظة، ثم ببطء، وكأنه يؤدي طقسًا مقدسًا، زين بها خصلات شعرها الأشقر المتناثرة فوق كتفها.

بقي يحدق بها بصمت، أطراف أصابعه تمتد دون وعي، تزيح خيطًا رفيعًا من شعرها انسدل فوق جبينها. لم يكن ينبغي له أن يلمسها، لكنه لم يستطع منع نفسه، لمسة خافتة بالكاد شعرت بها، لكنها بالنسبة له كانت كافية لتؤجج داخله كل شيء يحاول كتمانه.

تنهد بصوت بالكاد سمعه هو، تراقصت على طرف شفتيه ابتسامة لم يكن ليبوح بها لو كانت مستيقظة.

"كيف يمكنكِ أن تكوني كل هذا؟"

كان من المفترض أن تكون جندية، مقاتلة شرسة، شخصًا لا يعرف الهزيمة ولا يتأثر بأي شيء. لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له. لم يستطع رؤيتها سوى فتاة لا يليق بها سوى الدلال، فتاة لم ترَ ذلك الدلال يومًا، ولم تفكر به كشيء من الممكن وجوده في حياتها القتالية.

أغمض عينيه لوهلة، مسح على وجهه كما لو كان يحاول طرد أفكاره، ثم أعاد النظر إليها. كانت هادئة جدًا، تنام بعمق نادر، كما لو أن العالم بأسره قد توقف عن إزعاجها للحظة.

لو استطاع، لتركها هكذا دائمًا… بعيدة عن كل شيء يؤذيها.

----

اليوم التالي وفي ساحة التدريب الخاصة، حيث لا أحد غيرهما، وقفت فايوليت تراقب دانييل بعيون ثابتة، بينما كان يمسك بعصا خشبية، يقلبها بين يديه ببطء.

— "لِمَ أنا هنا؟"

سألت، بصوت خالٍ من أي تلميح للرفض، لكنها أرادت أن تفهم.

— "لأنكِ أقوى منهم."

قالها ببساطة، ثم ألقى لها عصًا مماثلة، نظراته لم تفارقها.

— "وتحتاجين لتدريب خاص."

قبضت على العصا بمهارة، ثم خطت خطوة للأمام، مستعدة لبدء القتال، لكنها لم تفوّت ملاحظة الطريقة التي كان ينظر بها إليها… كما لو أن الأمر لا علاقة له بالقوة.

— "أم أنك فقط تريد قضاء وقت أطول معي؟"

كلماتها جاءت مباشرة، غير مترددة، لكنها لم ترفقها بأي تعبير يدل على أنها تأمل بجواب معين.

ابتسم دانييل، تلك الابتسامة التي جعلت كل شيء يبدو وكأنه لعبته الخاصة.

— "ولمَ لا يكون كلاهما؟"

لم تجب، لكنها لم تنكر أيضًا.

وحين بدأ القتال، كانت كل ضربة منه مدروسة، قوية بما يكفي لتجعلها تدرك الفرق بينه وبين أي خصم آخر، لكنها لم تكن ساحقة… هو لن يجرؤ على إيذائها بضرباته حتى لو أراد ذلك.

هو الآن فقط وجد المغزى الحقيقي لقوته.

قوته وُجدت لأجلها، لأجل حمايتها!

ولن يستخدمها لإيذائها قط.

----

في أحد ليالي التدريب الخاص، وبينما كانت فايوليت تحاول استعادة أنفاسها بعد جولة قتال عنيفة، رمى دانييل منشفة نحوها، ثم جلس على الأرض، متكئًا على مرفقه بينما يراقبها.

— "هل تدرك أن هذا غير عادل؟"

قالت وهي تمسح عرقها، حاجبها مرفوع بتحدٍّ بسيط.

— "أي جزء؟"

— "أنك أقوى."

ابتسم، لم ينكر ذلك.

— "لكن لا أحد يمكنه أن يسبقكِ في السرعة."

نظرت إليه للحظة، ثم أزاحت عينيها، وكأنها لم تشأ أن تعترف بأنه يعرفها أكثر مما ينبغي.

— "أخبريني، فايوليت…"

قال، صوته أكثر هدوءًا، أكثر خطورة بطريقة ناعمة.

— "لو لم تكن حياتكِ كلها حربًا… ماذا كنتِ ستفعلين؟"

لم تجبه فورًا.

بدلًا من ذلك، رمقت السماء للحظة، ثم جلست مقابله، ممددة ساقيها، تحرك أصابعها العشب بلا اهتمام.

— "هل تحاول معرفة نقطة ضعفي؟"

ضحك بصوت خافت، نبرته لم تفقد حدتها:

— "أحاول معرفة الجزء الذي أخفيته عن العالم."

رفعت عينيها نحوه، وكأنها تزن كلماته، ساد الصمت للحظة، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا…

لم تبتعد هذه المرة.

حين اقترب دانييل، ببطء محسوب، لم تضع بينهما تلك المسافة المعتادة التي اعتادت أن تقيمها كجدار غير مرئي. لم يكن الأمر استسلامًا، ولم يكن قبولًا صريحًا… لكنه كان دليلًا على شيء واحد...

أنه خلال هذه الأشهر الطويلة، حصل على ثقتها.

وقف أمامها، قريبًا بما يكفي ليقرأ كل تعابير وجهها، كل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يراها أحد سواه. ثم، بصوت هادئ، مشوب بالسخرية المعتادة، قال:

— "هل تعرفين كم آذيتِ شعوري حين رفضتِ دعوتي للعشاء؟"

رفعت حاجبها بخفة، دون أن تنطق. لم تعرف ما علاقة كلامه هذا بما كانا يناقشانه منذ لحظة.

تابع، بنبرة درامية زائفة:

— "اللحم الذي أعددته لكِ ظل حزينًا في طبقه، لم يلمسه أحد، وكأن العالم فقد طعمه حين رفضتِ تناوله."

كادت تضحك، لكنها أبقت ملامحها بلا مبالاة متعمدة.

— "تعني أنك كنت تتضور جوعًا وحدك؟"

— "أعني أنني لن أرتاح حتى تأكلي معي هذه المرة."

لم تقل لا.

ولم تقل نعم.

لكن بعد نصف ساعة، كانت معه، تخطو إلى داخل شقته.

لم يكن المكان كما توقعت.

لم تكن تتوقع شيئًا في الواقع، لكنها شعرت بشيء غريب… شيء يشبه الدفء الذي لا علاقة له بدرجة الحرارة.

لكن قبل أن تتمعن أكثر، تحرك شيء من العتمة… شيء ضخم.

وبلحظة، كان هناك أمامها، يحدق بها بعينين ذهبيتين واسعتين، ذيله يتحرك في الهواء بكسل ملكي.

— "ناو؟"

لم يكن الأمر مفاجئًا لها.

كانت تعرف بوجود النمر. كانت قد رأته من قبل، ورأت أنيابه تلمع في العتمة عندما حاول الهجوم عليها ذات مرة. لكنها لم تخف. لم تهرب. وقفت في وجهه حينها، تمامًا كما تفعل الآن.

دانييل، الذي كان قد خلع معطفه وألقى به على الأريكة، توقف للحظة لينظر إليها، ثم إلى النمر، ثم عاد إليها وكأن شيئًا ما لم يكن.

— "لم أكن أعلم أنكِ تملكين شجاعة أكبر من قدرتكِ على القتال."

لكنها لم تكن تهتم لتعليقه، كانت قد مدّت يدها بالفعل، تلامس فرو النمر دون تردد.

حين تحرك من زاوية الغرفة، عيناه الذهبيتان تحدقان بها، لم تتراجع. بل نظرت إليه، ثم انحنت قليلًا لتلاقي مستوى نظره، وكأنها تواجهه بندّية صامتة.

— "ألم تملّ مني بعد؟"

قالتها وكأنها تحدّث قطة منزلية، لا وحشًا قد يمزق أي شخص بنصف قفزة.

دانييل ضحك. لم يكن ضحكًا ساخرًا، بل كان حقيقيًا، نابعًا من أعماقه، كما لو أنها قالت شيئًا لا يمكن إلا أن يسلبه إرادته.

— "لا زلتِ ترينه قطة؟"

— "لا زال يراني فريسة؟"

النمر لم يتحرك. ظل يحدق بها للحظة، قبل أن يقترب بخطوات واثقة، يشتمّ طرف معطفها، ثم يدير رأسه ليضعه في يدها الثقيلة، مستسلمًا للمسة لم تخف منه يومًا.

— "أعتقد أنني بحاجة لإعادة النظر في كل خططي تجاهكِ."

فايوليت نظرت إليه، ثم عادت لتنظر للنمر، وكأنها تفكر بجدية في أيهما أكثر خطورة.

لكنها لم تهتم كثيرًا بالإجابة، فقط جلست على الأرض، وأخذت تداعب النمر، بينما دانييل وقف هناك، يراقبها كما لو أنها مشهد لا يتكرر.

راقب ذلك بصمت، ثم قال بنبرة أقرب إلى التأمل:

— "هذا ليس عدلًا، لقد استغرق الأمر مني أشهرًا لأجعله يثق بي، وأنتِ تفعلينها في لحظة."

فايوليت لم تجبه، فقط أخذت تمسح على رأس النمر ببطء، وكأنها تؤكد على شيء لم يكن بحاجة إلى تأكيد—أنها لم تخف منه قط، ولن تفعل أبدًا.

شعر بابتسامة خفيفة تتسلل إلى شفتيه دون إذن.

— "أعتقد أنني بدأت أشعر بالغيرة."

لكنها لم تلتفت إليه، لم تعطه ردًا مباشرًا.

بدلًا من ذلك، رفعت يدها وربتت على رأس النمر مرة أخيرة، ثم نظرت إليه، نظرة جانبية، خفيفة، لم تكن تحديًا، لكنها لم تكن هروبًا أيضًا.

— "يمكنك المحاولة أكثر."

لم تكن بحاجة إلى توضيح.

هو فهم تمامًا.

راقبها بصمت للحظة، وكأن كلمتها كانت أكثر مما تبدو عليه.

"يمكنك المحاولة أكثر."

لم يكن من النوع الذي يفوّت فرصة كهذه.

نهض بهدوء، متجهاً نحو المطبخ، حيث كان اللحم المتبّل ينتظر مصيره فوق الموقد. مرر أصابعه في شعره للحظة، كأنما يستجمع أفكاره، قبل أن يشعل النار ويبدأ في طهيه بمهارة من اعتاد على فعل هذا مرارًا.

كانت هي لا تزال جالسة، ظهرها مستند إلى الكرسي، والنمر ممدد عند قدميها كما لو كان كلب حراسة. لم يكن عليه أن ينظر إليها ليعرف أنها ترمقه بنظرات متفحصة، تحاول أن تفهمه أكثر.

— "لست معتادة على رؤية قائد جيش في المطبخ."

قالتها بلهجة خفيفة، أقرب للملاحظة منها للسخرية.

لم يلتفت، لكنه ابتسم، قلب قطعة اللحم بخفّة، ثم أجاب:

— "أنا رجل ذو مواهب متعددة."

رفعت حاجبها قليلاً، مستمتعة بالتناقض بين صورته كرجل متمرّس في القتال، وبين طريقته الاحترافية في تحضير الطعام.

لم يكن مستعجلاً. أرادها أن تبقى هنا، أن تشعر بالراحة في مساحته الخاصة، أن تدرك أن هذا ليس تدريباً، وليس معركة، بل لحظة لا يشاركها مع أحد سواها.

وحين انتهى، حمل الطبق وجلس أمامها، مدّ شوكة محمّلة بقطعة لحم نحوها.

— "حان وقت تعويض شعوري المجروح."

نظرت إليه، ثم إلى اللحم، ثم عادت إليه مجددًا. لم تتحرك.

— "يمكنني تناولها بنفسي."

— "وأنا يمكنني إطعامك بنفسي أيضاً."

قالها بثقة، نظراته لا تتزعزع، ويده ثابتة في انتظارها. لم يكن يطلب، بل كان يخبرها ببساطة كيف ستكون الأمور.

في النهاية، وبعد لحظة طويلة، مالت إلى الأمام قليلاً، فتحت شفتيها وأخذت اللقمة بصمت، نظرتها لا تزال معلقة بعينيه.

دانييل ابتسم، ليس ابتسامة ظاهرة، بل خفيفة، بالكاد تُرى، لكن عينيه حملتا انتصاراً صغيراً، وعشقًا أكثر عمقًا.

— "هل أعجبك؟"

بلعت لقمتها بهدوء، ثم قالت ببساطة:

— "ليس سيئًا."

ضحك بخفوت، لكنه لم يقل شيئاً، فقط رفع شوكة أخرى، مهيئاً لقمة جديدة.

هي لم تمنعه.

----

لم يُكتب لهذه اللحظات أن تدوم.

كان كل شيء هادئًا، لدرجة أن الزمن بدا وكأنه تباطأ، وكأنهما في فقاعة منفصلة عن العالم… ثم صدح صوت الناقوس.

عالياً. مدوياً.

كأنه إعلان بأن السكينة التي حاولا تذوقها، حتى ولو للحظات، لم تكن سوى وهم سخيف.

تصلبت ملامح فايوليت، حدسها العسكري استيقظ قبل عقلها، بينما دانييل لم يتحرك للحظة، فقط نظر إليها... نظرة خاطفة، لكنها حملت ألف معنى.

الحرب عادت.

لكن هذه الحرب لم تكن كغيرها.

هذه المرة، لم تكن حربًا من أجل الوطن.

لم تكن حربًا من أجل السلطة، أو النفوذ، أو الاستراتيجيات السياسية المعقدة.

هذه الحرب كانت من أجل الانتقام.

عينيها الهادئتان قبل لحظات اشتعلتا بشرارة قاتلة، النمر عند قدميها رفع رأسه وكأنه استشعر التغيير في أسياده. حتى دانييل، الذي اعتاد على حروب لا تحصى، شعر أن هذه الحرب مختلفة.

هذه الحرب… تخصها.

— "فايوليت…"

ناداها باسمها الأول. بهدوء، لكنه حمل تحذيرًا خفيًا.

التفتت إليه، نظرتها كانت باردة، لكن هناك شيئًا ما خلفها… شيئًا لم يكن هناك من قبل.. تلك الشعلة التي اتّقدت مع صوت الناقوس.

— "أنت تعرف ماذا تعني هذه الحرب لي."

نعم. كان يعرف.

هذه المرة، القتال ليس مجرد أوامر عسكرية تُنفذ.

هذه المرة، حين ينتهي كل شيء، ستنتهي معه قيودها.

سيمكنها العيش أخيرًا. بحرية.

لكن… أي نوع من الحياة ستبقى بعد هذا؟

دانييل لم يقل شيئًا. فقط نهض، أمسك بيدها للحظة، وقبل أن يتجه أي منهما للخارج، التفت إليها مرة أخيرة.

— "لا تسبقيني للموت."

قالها كما لو أنه أمر، وكما لو أنه رجاء في الوقت نفسه.

لكنها لم تجبه.

لأنها لم تكن متأكدة إن كانت تستطيع أن تطيعه هذه المرة.

----

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة