Colonel 9

Colonel 9

14 0

لم يكن هناك متسع من الوقت. لم يكن هناك مجال للتردد.

تحرك الجنود سريعًا، محمّلين بالإمدادات والأسلحة، يجهزون العربات المدرعة التي ستأخذهم إلى الجبهة الجديدة. السماء كانت قاتمة، كما لو أن الحرب نفسها قد بدأت تلقي بظلالها على الأرض قبل أن تنطلق أول ضربة.

كانت "فايوليت" من بين آخر من صعد إلى إحدى العربات. جلس "دانييل" مقابلها، ويده تستند إلى غمد سيفه الضخم. داخل العربة، كان الضوء شاحبًا، والاهتزاز الخافت للعجلات على الطريق الوعر يملأ الفراغ بين أصوات الجنود الخافتة.

لكن فايوليت لم تكن تستمع.

بينما أخذت العربة تنطلق، انغمست تمامًا في شيء لم يكن معتادًا عليها.

القلم بين أصابعها كان يتحرك بسرعة، والخطوط المتشابكة على الورقة بدت وكأنها تفرّغ شيئًا ظل حبيسًا داخلها لفترة طويلة. لم تكن تكتب كما يكتب الآخرون… كانت تقاتل القلم، تنقش الكلمات كما لو أنها ترسم مصيرها على تلك الصفحة الهشة.

دانييل لاحظ ذلك، كان يعرفها جيدًا ليعلم أن هذا… غريب.

فايوليت لم تكن من النوع الذي ينغمس في أي شيء بهذه الطريقة. لم تكن من النوع الذي يكتب أصلاً. لكنها الآن؟ كانت وكأنها تسابق الزمن، وكأن كل اهتزازة للعربة تهدد بسرقة الكلمات من عقلها قبل أن تكتبها.

كان بإمكانه أن يسألها، لكنه لم يفعل...

لأن بعض الأسئلة لا تُسأل.

استمرت الكتابة، استمر الطريق، ولم يرفع هو عينيه عنها حتى عندما بدأ ضوء المعسكرات الأمامية يظهر في الأفق.

حان وقت القتال.

عندما توقفت العربة أخيرًا، وعندما وقف الجنود استعدادًا للنزول، كانت فايوليت قد أنهت ما تكتبه. طوت الورقة بعناية، وكأنها تخشى أن يراها الهواء قبل أوانها، ثم استدارت نحو دانييل.

أمسكت بيده.

كانت هذه المرة الأولى التي تفعلها. نظرتها كانت جامدة، لكن في عمق عينيها الزرقاوين، كان هناك شيء آخر… شيء لم يكن مجرد برود محارب يستعد للقتال.

وضعت الورقة في يده، أصابعها النحيلة تلامس جلده الخشن للحظة، ثم قالت بصوت هادئ، لكنه اخترق كل ضوضاء الاستعداد من حولهما:

— "بعد الحرب، في حال لاقيت امرأة تشبهني… أعطها هذه الرسالة."

ثم تركته، دون أن تنتظر إجابة، واتجهت للخارج.

"دانييل" لم يتحرك للحظات. لم ينظر حتى إلى الورقة في يده.

قبضته انغلقت على الورقة، لكن عقله لم يستوعبها بعد.

لم تكن "فايوليت" شخصًا يترك خلفه شيئًا غير مكتمل. لم تكن تكتب لمجرد الكتابة، ولم تكن تعطي الأوامر بلا سبب. إذن… لماذا؟

استدار نحوها قبل أن تخطو خارج العربة، قبض على معصمها برفق لكن بحزم، ليوقفها.

— "ماذا تقصدين بامرأة تشبهك؟"

التفتت إليه، التقت عيناهما في مواجهة خاطفة. نظرتها لم تكن حادة كالمعتاد، بل حملت شيئًا شبيه بالذكرى، بالانتظار، وربما… شيء يشبه الأمل الباهت.

— "أعتقد أنه.. ربما.. أمي ستأتي لرؤيتي بعد الحرب."

وقف "دانييل" للحظة، عينيه محجوبتان تحت ظلال القبعة العسكرية، يراقبها بهدوء. عندما قالت ذلك، كانت الكلمات بالنسبة له بمثابة مفاجأة.

لا شيء في ذهنه كان يعده لهذا الاحتمال.

كان يعتقد أن فايوليت قد فقدت أمها منذ وقت طويل. من كان يعرف؟ فهو لم يسأل يومًا، لم يرَ في عينيها شيء يشير إلى ذلك. كانت دائمًا تنطوي على نفسها، تبني جدرانًا حول حياتها الشخصية وكأنها لا تملك شيئًا لتحكيه. وفي معسكرات التدريب، كان غياب عائلتها من بين أكثر الأمور وضوحًا في شخصيتها.

لكن الآن؟

فماذا تعني كلماتها هذه؟

أمها؟ هل كانت حية طوال هذه السنوات؟

ولكن قبل أن يطرأ عليه هذا السؤال، تمامًا كما عبرت كلماتها المسافة بينهما، عبرت أول قذيفة فضاء السماء، وهزّ انفجار قريب الأرض من تحتهم. صرخات الأوامر تعالت خارج العربة، وأصوات السيوف المسلولة امتزجت مع صرير العجلات والطلقات النارية التي بدأت تُمزّق الهواء.

فايوليت، التي كانت للحظة وكأنها جزء من لغز جديد. قفزت من العربة، لتختفي وسط الفوضى، أخرجت سيفها دون أن تنظر إليه مرة أخرى.

بينما هو… وقف للحظة، ثم دسّ الرسالة داخل جيب درعه الجلدي، حيث لا يستطيع اللهب أو الدم أن يمسها.

ثم تبعها إلى ساحة الموت.

لقد كانت معركة.

لم يكن هناك وقت للكلمات.

لكن عقله، رغم ذلك، ظل يتساءل.

هل كانت أمها حية؟

ولكن، كجندي محترف، دفع تلك التساؤلات عن ذهنه بسرعة. لم يكن هناك وقت للتساؤلات الآن، ولا مكان لها في قلب المعركة. كانت هناك فقط المهمة والانتقام.

في نهاية المطاف، لن يكون الأمر سوى دافع آخر ليقاتل.

----

كانت أصوات القذائف والمدافع تصدح في الهواء، مثل نغمة الموت، تتناغم مع صرخات الجنود وآهاتهم. كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم، وكل خطوة على الأرض كانت بمثابة سباق مع مصيرهم، مع الحرب التي لا ترحم.

عندما بدأت المعركة، اندفعت فايوليت عبر الحقول المحروقة، تسير بحركة سلسة وسريعة، تتنقل بين الجثث والأشلاء كما لو كانت تعبر من عالم لآخر. سكينها كانت تتراقص في يديها بمهارة، تقطع الأعداء كالشفرات دون رحمة. كانت عيونها الزرقاء تشتعل في قلب المعركة.

دانييل، على الجانب الآخر، كانت خطواته مدروسة وحاسمة، عيناه الصفراوتان تتبعان الأعداء وكأنها لا ترى شيئًا سوى أهدافها.

القذائف انفجرت بالقرب منه، لكن جسده الصلب ودرعه الحديدي امتصاها كأنها لم تكن، بينما كانت يده تحكم قبضتها على السيف.

لكن رغم كثافة النار والقنابل، كان هنالك شيء ما مفقود.

بينما انغمس كل منهما في قلب المعركة، تفرقا بشكل غير متوقع. كانت فايوليت تتحرك بسرعة في اتجاه محدد، نحو أهدافها الخاصة.

أما دانييل، شعر فجأة بفراغ. كانت عينيه تلاحق كل حركة تقوم بها، يحاول جاهداً أن يجدها وسط ألسنة النيران والغبار، لكن كان هناك شيء في قلبه يصرخ به أن لا ينتظر الآن.

إنها بحاجته!

...

في قلب المعركة، حيث كان الضجيج يعم المكان وتتصاعد ألسنة النيران من كل اتجاه، كانت فايوليت تتنقل كالريح بين الحشود المتقاتلة. جسدها النحيل يختفي في الزحمة، روحها الحاقدة تشعل الأرض من تحت قدميها. سيفها كان يشق الأجساد بلا رحمة، يقطع الأعداء كما لو كانوا مجرد عوائق. عيناها الزرقاوان كانتا لا تشبعان من النظر إلى ميدان القتل، وداخل قلبها كان الحقد يشتعل بشدة.

لم تكن هذه الحرب هي نفسها تلك الحروب التي خاضتها في الماضي.

هذه المرة كانت تنتقم.

كل خطوة تخطوها، وكل عدو تسقطه، خطوة نحو الانتقام الذي طالما حلمت به. الانتقام من والدها بالتبني، الرجل الذي جعل حياتها جحيمًا حيًا.

كان الغضب يملؤها. كان عليها أن تراه.

أن تراه وهو يرى كيف سقطت كل القيود التي كان يظن أنها ستحبسها. كانت تستمد قوتها من الحقد الذي كان يكتنف قلبها، لا من أي شيء آخر.

وفي وسط الفوضى، بينما كانت تشتبك مع جندي آخر، كانت عيناها تبحث عنه. كانت تعلم أنه في مكان ما، في هذه الجبهة أو تلك، كان والدها بالتبني. كان الرجل الذي زرع فيها كل هذا الألم، والآن كان عليه أن يدفع الثمن.

...

ساعات من القتال مضت، وكل ثانية كانت كالدهر بالنسبة لها. ومع كل ضربة وكل طعنة، كان قلبها ينبض بشدة أكبر، كان الحقد فيها يتصاعد حتى وصل إلى ذروته. أخيرًا، حين رأته وسط الفوضى… كان هو، والدها بالتبني، يقف هناك بين صفوف الأعداء.

ارتجفت يديها لحظة. كان يراها الآن. كان يعلم أن اللحظة التي كانت تنتظرها قد حانت.

فايوليت، بنظرات مشتعلة، تقدمت إلى الأمام. لم يكن هناك أي مجال للتراجع. هذه اللحظة هي لحظة الانتقام.

ستحصل على العدالة التي طالما حلمت بها.

العدالة التي لم يكن أحد ليمدها إياها.

— "أنت."

كانت الكلمة الوحيدة التي نطقتها، وحينها رآها. كانت تتجه نحوه بخطوات واثقة، والدماء تغطي جسدها.

أخيرًا، عندما أصبحت على مقربة منه، توقفت. ووسط النار والدمار، نظرت إليه للمرة الأخيرة.

— "لقد انتظرت هذه اللحظة طويلًا، وأخيرًا ستحصل على ما تستحقه."

قالت الكلمات، وعيناها تشعان بغضب لم يسبق له مثيل، وكأن العالم كله في تلك اللحظة كان يشهد النهاية التي طالما حلمت بها.

عندما توقفت أمامه، لم تكن مجرد امرأة تحارب من أجل قضية وطنية أو من أجل العدالة. كانت تحارب من أجل نفسها القديمة، تلك الفتاة التي دفعتها الحياة في أروقة الميتم إلى الحافة، تلك الفتاة التي كانت تبحث عن الحب وسط الصراعات لكنها لم تجد سوى العنف والكره. تلك الفايوليت، التي منحته قلبها وسلامتها النفسية فحطمها بيديه. هي لم تكن هنا لتطلب اعتذارًا، بل لتأخذ ثأرها، لتجعله يشعر بما شعرت به هي طوال سنوات من العذاب.

أمامها، كان يقف الرجل الذي كان سببًا رئيسيًا في أن تُبتلى هذه الفتاة ذات القلب الطيب بكل هذا الشر، رجلٌ ظن أنه بعيد عن المتناول، وأنه قادر على إخفاء معالم جريمته. لكن اليوم، كل شيء سيتغير.

كان يراها، يراها بفزعٍ يكاد لا يُحتمَل، ويعلم في أعماق قلبه أن الفتاة التي أمامه ليست هي نفسها التي تركها منذ سنوات. الفتاة الصغيرة التي كانت تترجاه أن ينقذها من جحيمه. الآن، فايوليت التي كانت تتناثر ملامح البراءة على وجهها صارت وحشًا يزأر. هي لا تعرف الرحمة.

— "لقد كنت تعتقد أنني سأنسى، أليس كذلك؟ كنت تظن أنني لن أعود إليك، بأيدي ملطخة بالدماء، لأطالب بحقوقي."

صوتها كان هادئًا، لكن الكلمة التي قالتها كانت تحمل عاصفةً من الغضب. عينيها الزرقاوين تشتعلان شررًا، وكان قلبها ينبض مع كل خطوة تخطوها نحو ضحيّتها. لقد أصبح الآن هو المستهدف، ليس فقط بيدها، بل بماضيها الذي كان حيًا في كل جزء من جسدها.

"فايوليت القديمة" التي كانت مليئة بالحب والضعف، كانت قد ماتت. وقفت مكانها فايوليت الجديدة التي لم تكن تهتم بتقديم التبريرات أو البحث عن الاعتذارات. هذه الفايوليت كانت تبحث عن الانتقام، وكان الانتقام هو المسار الوحيد الذي تعرفه الآن.

"لقد كنت السبب في أن أعيش في الجحيم، والآن ستذهب أنت للجحيم."

لحظة صمت ثقيلة سادت بينهما. كانت فايوليت تقف أمامه، لا يدرك ما ستفعله. كان يعتقد للحظة أن هناك فرصة للهروب، أو ربما لحظة ضعف ستُعطيه مجالًا ليتكلم، لكن خطأه كان قاتلًا.

في لمح البصر، هاجمته. كانت سريعًة، مثل قفزة نمر مفترس في الظلام، أخذته بعيدًا عن ساحات المعركة، إلى مكان معزول عن القتال، حيث يمكنها أن تركز عليه وحده.

فتح عينيه فزعًا ليجد نفسه وجهًا لوجه مع ابتسامتها المختلة، كانت جالسة بجواره، رأسها قريب من وجهه، وفي يدها كانت تحتضن سكينًا لامعًا. كانت الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها ليست ابتسامة انتصار، بل ابتسامة جنونية، كأنها تلعب مع دمية لا قيمة لها.

"هل تذكرني الآن؟" قالت بنبرة هادئة، وكأنها تحكي قصة قديمة. بينما كانت ترفع السكين وتلتقطه من النار المشتعلة على مسافة غير بعيدة. سكينها المحبب، الذي كانت تعتني به دائمًا كطفلة تعتني بلعبتها المفضلة.

ومع ابتسامتها التي لا تخلو من السخرية، بدأت تضع السكين على وجهه، تبعثر الدماء على بشرته الملطخة بالألم. كانت تدندن بأغنية هادئة بينما كانت السكين تتسلل نحو وجهه، حيث رسمت خطوطًا من الألم على جفنه. كانت وكأنها تعزف لحنًا متناسقًا مع كل جرح، كل ضربة تجد فيها لذة فريدة.

في لحظة غضب متفجرة، تحركت يدها في حركة سريعة، طاعنة ساقيه دون رحمة. كان جسده يتلوى من الألم، وصرخاته تملأ الأجواء، لكنه لم يستطع الحراك. ساقاه أصبحتا غير قادرتين على الحركة. لم يكن هناك هروب، لم يكن هناك مفر.

وبينما كانت تنهض لتقف أمامه، تمتمت بهدوء، ثم انتزعت ساقيه بكل عنف، مثلما يقتلع أحدهم جذورًا قديمة في الأرض. دون أن يظهر عليها أي علامات ضعف أو تردد، رمت ساقيه المقطوعتين أمامه، حيث تلمس الأرض لتبقى مشهدًا بربريًا تزينه النيران التي كانت تتأجج في الخلف.

كانت السكينة التي جلبتها فايوليت تتنقل بين يديها بمهارة، كأنها لا تشعر إلا بلذة وحشية تنبع من أعماقها. وسط صراخه المتألم والذعر الذي بدأ يظهر في عينيه، استمرت هي في عذابها له، كما لو كانت هذه اللحظات هي كل ما كانت تريده طوال حياتها.

انحنت قليلاً، ثم دفعت ساقيه المقطوعتين إلى فمه، تمامًا كما كانت تحشر في فم الطفل المذنب حبة الحلوى المرة. وبالرغم من صراخه الهائل، كانت يدها ثابتة، لا تُظهر أي رحمة. قسوة في عينَيها، تلك العينين الزرقاوين اللتين أضأت بريقًا مرعبًا، بينما كانت تضغط على فمه بقوة، لدرجة أنها كانت تراه يتلوى في محاولات يائسة لكي يتنفس.

صرخاته المتقطعة لم تكن سوى أصوات غير مفهومة، كانت صدى في أذنها، أصواتها التي كانت تملأ رأسها بالضوضاء ازدادت حدتها مع كل لحظة. وفجأة، كأن صوته قد صار بالنسبة لها عبئًا ثقيلًا.

رفعت سكينها، ونظرت إلى قلبه المرتجف. وفي لمحة من غيظٍ قاتل، طعنت قلبه مرة واحدة، دفعتها بكل قوتها لتغرسها في جسده، وتغمره بشلال من الدماء. كان الصراخ يزداد، لكن فايوليت لم تتوقف.

توقفت فجأة، كان جسده الآن في حالة ضعف تام، نظراته تتساقط من بين أنفاسه المتسارعة.

في لحظة ما، فكرت في شيء أكثر وحشية. شيء يضاهي مدى تدميره لها.

"لن تموت سريعًا، عليك أن تشهد ما بقي من النهاية."

بيد واحدة، أمسكت برأسه من شعره، وبدأت تقطع رأسه بدم بارد. تحركت السكين بسرعة، وكأنها تقطع خيطًا رفيعًا بين الحياة والموت. في لحظة واحدة، سقط الرأس، وتدلى من شعره، معلقًا بين يديها كما لو كان لعبة قديمة.

كان الدم ينفجر من جروحه، مغطياً يديها، ولكنه كان يبدو كمجرد سائل أحمر لم يعد يمثل شيئًا بالنسبة لها. لم يعد هناك شيء إنساني في أفعالها الآن.

حملت الرأس بحذر، كان وجهه الميت بنفس الملامح المقززة التي تركت في قلبها سنوات من العذاب. بينما هي على أتم استعداد لإكمال انتقامها.

"أرقد بالجحيم... والدي" همست لنفسها، بينما كان رأسه يتدلى بين يديها، يراقبها... في هذا العالم الذي لم يكن لأي منهما مكان فيه.

----

كانت فايوليت تسير بثبات بين سحب الدخان والدوي العنيف للرصاص الذي يملأ الأجواء، عيونها الزرقاء تتقد بعزمٍ وحقدٍ لا يرحم. كانت أهدافها واضحة في ذهنها، وكل خطوة تخطوها كانت تقترب أكثر من الرجل الذي كان يعادل جحيمها. كان "أخوها" هو هدفها التالي، وألمه سيكون بمثابة الخاتمة المدوية لكل السنوات التي عاشت فيها تحت وطأة العذاب.

في لحظة، بينما كانت تجتاز أرض المعركة، سمعت صوتًا غريبًا يأتي من خلفها، صوتًا رجوليًا ينادي:

"جورج؟"

توقف قلبها للحظة، ولم تستطع أن تتجاهل ذلك الصوت الذي كان يشق صمت الحرب وكأنما كان يرسخ شيئًا في ذاكرة أعمق من أي شيء آخر. التفتت فجأة، وعينيها تتسعان بحدة، فوجدت أمامها رجلاً يرتدي زيًا عسكريًا، وتبدو عليه علامات الصدمة.

وفي تلك اللحظة، دوى صوته في الأجواء، عينيه تملؤهما الدهشة والارتباك، وهو ينظر إلى رأس الرجل المعلق بيدها:

"فانتين، ما الذي تفعلينه هنا؟!"

لم يكن الاسم غريبًا عليها، فقد مر في ذهنها مرات عديدة على مر السنين، وكان يشبه أحد الخيوط التي كانت تقاوم النسيان. فانتين، اسم والدتها التي كانت قد غادرت حياتها منذ فترة طويلة. ولكن ما فاجأها أكثر من ذلك هو الهلع الذي غطى وجه الرجل، ما جعلها تبتسم ابتسامة جنونية جديدة، ابتسامة تشبه الوحش الذي لا يعترف بالرحمة.

رغم ذلك، كان الاضطراب في ملامحه يفتح نافذة جديدة للصدمة في داخلها. هي التي عاشت سنوات طويلة من الألم والتساؤلات حول رحيل والدتها، الآن تجد هذا الاسم أمامها، في مكان لا تتوقعه، وسط بحر من الدماء والخراب.

نظرت إليه، ولم تكتفِ بالإجابة، بل تركت الصمت يملأ الجو بينهما لفترة طويلة. كانت تراقب عينيه وهو يتنقل بين وجهها وبين رأس الرجل الذي كان يتدلى كرمز لانتقامها. لم يكن هناك وقت لأسئلة تافهة، ولا مجال للحديث عن الماضي. هي لم تعد فايوليت، الفتاة التي كانت تبحث عن حب واهتمام، بل أصبحت قوة انتقام لن تتوقف عند أي شيء.

ابتسمت ابتسامة باردة، وقالت بنبرة هادئة تحمل بين طياتها ما يشبه الجنون:

"فانتين كان اسمها... ولكنني هنا أبحث عن شيء آخر."

ثم أضافت دون أن تلتفت إليه:

"عليك أن تسأل نفسك عن سبب وجودك هنا. ربما... ستكون أنت التالي."

ثم لم تلبث أن واصلت سيرها وسط المعركة، مستمرة في طريقها الذي حددته.

-----

قبل سنين طويلة، قبل أن يولد شيء واحد يحمل اسم فايوليت. كانت والدتها فانتين شابة شديدة الجمال، واحدة من أولئك الذين لا تمر عليهم عين دون أن يلتفتوا إليهم. شعرها الأشقر الطويل ينسدل بنعومة على كتفيها، وعيناها الزرقاوان كسماء صافية في صباح مشرق، كان هناك شيء هادئ في ملامحها، شيء يجذب الجميع إليك دون أن تقول كلمة واحدة. كانت تعرف كيف تجعل قلبك يهيم دون أن تبذل جهدًا. كانت فتاة رزينة، دافئة، تحمل في طياتها صفاءً داخليًا لا يشبهه شيء.

وقد أتى ذلك الشاب الذي اعتاد على زيارة المقهى الذي كانت تعمل فيه. كان يقف هناك كل يوم تقريبًا، يراقبها عن كثب ويغازلها بأدبٍ، يضع لها الهدايا الصغيرة التي تحمل معاني أكبر من حجمها، يمدح جمالها بالكلمات التي تحرك قلب أي فتاة في ذلك العمر. كان يثير في قلبها اهتمامًا خفيًا، شيئًا لم تستطع مقاومته، ولا حتى تفهمه في تلك اللحظة. هو، الذي كان يحمل في عينيه بريقًا غريبًا، كان يحسن التعامل معها ويجعلها تشعر بأنها هي الوحيدة في هذا العالم.

كانت تلك اللمسات البسيطة من الاهتمام تكفي لأن تفتح قلبها له. وبمرور الوقت، وشيئًا فشيئًا، وقعت فانتين في حبه. ومع كل جلسة في المقهى، كان يزداد تمسكها به، ليقنعها بأن حبه لها كان حبًا صادقًا، وأنه لن يغادرها أبدًا. بعد مرور عام تقريبًا من تلك العلاقة التي بدأت بلمسات من الاهتمام، قام هو وأصدقاؤه بدعوتها وصديقاتها إلى العشاء.

كان ذلك العشاء بالنسبة لفانتين، بداية الحلم الذي طالما راودها. في تلك اللحظة، ظنت أن هذه الدعوة هي علامة على خطوة جديدة في علاقتهم. ربما سيطلب يدها في هذا العشاء، ربما سيكون هذا هو اليوم الذي يتحقق فيه حلمها بأن تكون جزءًا من حياة ذلك الرجل. ولكنها لم تكن تعلم أن حياتها ستتغير إلى الأبد في تلك الليلة.

انتظرت فانتين مع صديقاتها في المطعم، كل واحدة منهن تتبادل الحديث بأمل وسعادة. مر الوقت، وبدأت نظرات فانتين تتجه نحو الباب بين الحين والآخر. كان الجميع في انتظار عودتهم من الحمام. لكن الوقت مضى أكثر مما يجب، ساعة ونصف مرت ولا أحد منهم عاد. بدأت القلق يتسلل إلى قلبها، لكن فانتين لم تجرؤ على قول شيء.

ثم جاء النادل إلى الطاولة، وفي يده رسالة صغيرة وضعها أمامها، وابتعد بسرعة دون أن يقول كلمة. نظرت فانتين إلى الرسالة، شعرت بشيء غريب في قلبها.

فتحت الرسالة في صمت، وعيناها تتسعان مع كل حرف تنقله عيناها. كانت الكلمات التي قرأتها بداية النهاية، كانت تلك الرسالة بداية مذبحة لقلبها، إعلانًا عن خداع لم يكن يتوقعه أحد.

كتب في الرسالة:

"يا حبيباتنا،

فلتعلمن أن لنا أهلا، ربما لا تدركن جيدًا معنى الكلمة، إنها ما ندعوه بالقانون المدني آباء وأمهات بسطاء ولكنهم شرفاء. هؤلاء الأهل يحنون إلينا ويطالبون بعودتنا، هؤلاء الرجال الطيبون والنساء الطيبات يدعوننا بالأبناء الضالين ويتمنون عودتنا ليذبحوا العجول على شرفنا. ولتنبل أخلاقنا، سنطيعهم.

في الوقت الذي تقرأن فيه هذه الرسالة، ستنطلق بنا أربع عربات عائدة بنا إلى أهلنا. ستنتشلنا من الهاوية، وما الهاوية إلا أنتن يا صغيراتنا الحسناوات.

إننا عائدون إلى المجتمع، إلى الواجب والنظام، عائدون على عربة بسرعة ١٠٠ كيلو متر بالساعة. من المهم للوطن أن نكون مثل بقية الناس: ولاة، أرباب عائلات، رجال شرطة، ومستشارين لدى الدولة. قدرنا، فإننا نضحي بأنفسنا.

إذرفن الدموع علينا بسرعة، واستبدلننا على عجل. وإن مزقت هذه الرسالة أفئدتكن، فمزقنها.

على مدة سنتين جلبنا لكن السعادة، فلا تحملن حقدًا تجاهنا.

وداعًا.

حاشية: حساب العشاء مدفوع."

كانت تلك الكلمات أشبه بصفعة على وجهها، تلك الرسالة التي كتبها الرجل الذي ظنته حبيبها، كانت تعبيرًا عن الخيانة والكراهية التي لا تتخفى. في تلك اللحظة، استقبلت فانتين تلك الكلمات بمرارة لا حدود لها، ولكن أكثر ما آلمها هو أنه اعتبر كل لحظة معها مجرد لعبة في حياته.

تلك الكلمات كانت تحتوي على لامبالاة كبيرة، وكأن كل شيء كان مجرد نكتة. خذلانهم لهن كان أعمق من أي خيانة. كانت هذه الرسالة، في جوهرها، تعبيرًا عن قسوتهم ورغبتهم في العودة إلى "الواقع"، وتخليهم عنهن وعن أي شيء قد يرتبط بهن. كان هذا آخر شيء كانت يتوقعنه.

عادت إلى غرفتها في منزلها، الغرفة التي كانت تحمل معها كل ذكرياتها، كل آمالها وأحلامها التي تحطمت في لحظة واحدة. كان الظلام يحيط بها كما لو أنه يعكس الظلام الذي غمر قلبها. جلست على السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وذرفت الدموع بحرقة لم تشعر بها من قبل. كانت تندم على تلك اللحظة التي قررت فيها أن تعطيه نفسها، كما لو كانت ملكه. كانت تندم على تلك اللحظة التي صدقت فيها حبه، وأظن أنه لم يكن هناك شيء يجرحها أكثر من أن تجد نفسها محطمة دون أن يُعترف بها كما كانت تأمل.

تلك اللحظة كانت كفيلة بكسرها تمامًا، لم تكن تريد الانتقام الآن. كل ما كانت تريده هو أن تكون قادرة على العودة إلى الماضي وتغيير كل شيء، ولكنها كانت تدرك جيدًا أن ذلك مستحيل. لقد كسرت داخليًا، وتركت قلبها يتناثر إلى قطع صغيرة، كانت جزءًا من نفسها قد مات في تلك اللحظة.

كانت قد مرّت ساعات طويلة في ذلك المساء، تنتظر تلك اللحظة التي طالما حلمت بها، حين يطلب منها اعترافًا، حين يعترف بحبها، وحين يعترف بالطفل الذي سيجمع بينهما. كانت تنتظر أن يأتي إليها، ليقول لها إنها ستكون زوجته، أمًا لطفلهما، وأن كل شيء سيكون على ما يرام. لكن بدلاً من ذلك، وجدته قد اختفى، كما لو أن كل الأحلام التي كانت تبنيها حولهما قد انهارت في لحظة.

فانتين لم تكن تتوقع أن يكون هذا هو المصير. لم تكن تتخيل أن من كان يغازلها ويحبها بكل ذلك الاهتمام قد يصبح هو نفسه من يتخلى عنها فجأة. كان يملك الكلمات الجميلة والوعود، لكنه تراجع أمام المسؤولية، وتركها هنا، بمفردها، مع كل تلك الأسئلة التي لا جواب لها.

داخلها كان هناك شعور بمرارة غريبة، وكأن كل شيء كان خطأ منذ البداية. هي لم تكن تستحق أن تكون في هذا الموقف. كانت تستحق حبًا حقيقيًا، وكان من المفترض أن يكون بجانبها الآن. لكن هذا لم يحدث. هي الآن في غرفة مظلمة، مع طفل ينمو بداخلها، بدون أن تجد من يشاركها هذا الحمل، أو حتى يعترف به.

---

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة