Colonel 10

Colonel 10

17 0

ليلٌ باردٌ يلفُّ المدينة بستائره السوداء، لكن في قلب فايوليت، تشتعل النيران.

لم يكن الانتقام خيارًا، بل قدرًا سطره أولئك الذين ظنوا أن بإمكانهم سحقها تحت أقدامهم دون أن تُبعث من رمادها. أخوها، الذي حملته يومًا في قلبها كدرع، خانها. خطيبها، الذي ظنّت أنه الملاذ، كان خنجرًا مغروسًا في ظهرها. كلاهما، على حدٍّ سواء، ارتكب خطيئة لن تُغفر.

بخطوات هادئة، تسير فايوليت وسط الرصاص المتناثر، عيناها مثل شفرتين من جليد، لا تحملان أي أثرٍ للشفقة. إنها الليلة التي ستُعيد فيها كفة الميزان إلى نصابها، الليلة التي ستجعلهم يدفعون ثمن خيانتهم بصمتهم الأبدي.

لن يكون انتقامها عادياً، لن يكون مجرد ردّ فعل غاضب، بل سيمثل فنًا دقيقًا من العذاب، حيث سيتذوقون الألم كما سقوه لها، قطرةً بقطرة، نبضةً بنبضة، حتى يدركوا— متأخرين جدًّا— أنهم لم يكونوا أذكى منها، بل كانوا مجرد دمى في لعبتها الأخيرة.

وسط ألسنة اللهب المتراقصة، تسير فايوليت حاملة رأس جورج بقبضتها، يتدلى شعره بين أصابعها كدمية بالية. كانت خطواتها ثابتة، وملامحها لا تحمل أي أثر للرهبة أو التردد. لم تكن مجرد ناجية، لم تكن مجرد امرأة انتُزع منها كل شيء—بل كانت العاصفة التي جلبت الخراب بيديها.

عيناها تتفحصان الخراب من حولها، تبحث عن هدفها الأخير. لم يستغرق الأمر طويلًا، فهناك، بين الظلال، كان يقف. أخوها. ذات الوجه، ذات النظرة، وذات الابتسامة المتغطرسة التي رافقته دائمًا، كما لو كان العالم كله يدور تحت قدميه. لكن اليوم… اليوم ستُسلب منه تلك السلطة الوهمية، وستُمحى تلك الابتسامة من محياه للأبد.

رمت برأس جورج أمامه، ليرتطم بالأرض محدثًا صوتًا مكتومًا، تدحرج قليلًا ليستقر عند قدميه. للحظة، لم يصدق ما تراه عيناه، لكنه لم يُمنح الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة.

"دورك الآن."

قالتها بصوت منخفض، لكنه حمل من الوعد ما يكفي لجعل الهواء ثقيلًا بينهما. لا مزيد من الكلمات، لا مجال للمفاوضة. كان الانتقام يسري في عروقها مثل سم قاتل، وكان هو الضحية الأخيرة التي ستجعل ليلتها هذه مكتملة.

هل كان مستعدًا؟.. لا يهم.

القدر لا ينتظر أحدًا.

في اللحظة التي انطلقت فيها نحوه، لم تكن فايوليت إنسانة بعد الآن—كانت نصلًا حادًا، جمرة متوهجة من الغضب والانتقام. تداخل الحقد والدم في عروقها، أعماها عن أي شيء سوى الصورة الوحيدة التي تشتهيها روحها المنكسرة: سكينتها العزيزة وهي تغوص في جسده، تمحو اسمه من الوجود كما محى حياتها ذات يوم.

لكن… قبل أن تلمس نصلها جلده، يد قوية اجتذبتها للخلف، فصلتها عن هدفها كما يُنتزع الحيوان المفترس عن فريسته. الهواء البارد قطع اندفاعها العنيف، وعلى حين غرة، وجدت نفسها تواجه شخصًا لم تتوقع رؤيته في هذه الليلة المشؤومة.

نواه.

الرجل الذي كان يُفترض أن تكون له، الرجل الذي نبذته عندما اختارت حريتها، الرجل الذي لم يكن له مكان في قصتها بعد الآن. لكنه الآن كان هنا، يقف كعقبة أخيرة بين شفرتها وقلب ضحيتها. لم يكن يدرك أنه بفعلته هذه لم ينقذ أحدًا—بل فقط ضم نفسه لحفلة من الجثث.

نظرت إليه، وعيناها المتوهجتان بالجنون لم ترَ فيه فارسًا، ولا منقذًا، ولا حتى ماضيًا يمكنها التمسك به. كان مجرد عائق آخر… وعليه أن يزول.

بحركة واحدة.

لم ترمش، لم تتردد، لم تمنحه حتى لحظة ليستوعب خطأه.

كان كل ما ظهر على وجهها ابتسامة ساخرة، كأنها تسخر من سذاجته، من وهمه بأنه قادر على إيقافها، على كبح العاصفة التي تحولت إليها. ثم، في طرفة عين، كان هناك وميض معدني، تلاه صوت وحيد…

صوت اللحم وهو يُمزق بسلاسة

تلاه سقوط جثته بثقل على الأرض. لم يكن هناك صراخ، لم يكن هناك مقاومة. فقط صمت الموت. ورأسه، ذاك الذي كان يحمل ذات يوم وعودًا فارغة عن الحب والمستقبل، تدحرج بعيدًا، يقوده القدر إلى أحضان النيران المشتعلة.

فايوليت لم تمنحه نظرة أخرى. لقد كان مجرد عقبة، والآن أصبح لا شيء.

التفتت… وعيناها اصطادتا الهدف الحقيقي.

أخوها.

كان لا يزال واقفًا هناك، بعناده المغرور، بتلك الابتسامة المتعجرفة التي لطالما استفزتها. لكن هذه المرة، كانت تعلم جيدًا أنها ستنزعها عن محياه للأبد.

ابتسمت. أوسع، أعمق، أكثر جنونًا.

ثم، دون إنذار، غرست سكينتها بعينه.

صرخة.

لم تكن مجرد صرخة، بل مزّقت الهواء، عارية من كل شيء سوى الألم. لم يكن هناك كبرياء في صوت أخيها الآن، لا غطرسة، لا تحدٍّ. فقط عذابٌ نقيّ، صافٍ، يملأ الليل كأنه لعنة وُلدت في هذه اللحظة ولن تُمحى أبدًا.

سكينتها غاصت بعمق في عينه.

شعرت بالمقبض يرتجف للحظة بين أصابعها وهي تشق نسيج اللحم الرقيق، تخترق كرة العين، تحطم الغلاف الجيلاتيني، تصل إلى عصب الرؤية وتحطمه.

"آآآآآه!!"

اندفع للوراء، يده ترتجف وهي تحاول أن تنزع السكين من وجهه، أن يمسكها بأي طريقة، لكن الألم كان أقوى. كان كالنار، يتغلغل في جمجمته، يحرق خلاياه من الداخل، كأن رأسه يشتعل بلا رحمة.

ركلها بعنف، لكنها بالكاد تحركت. كان أقوى منها، ربما، لكن الغضب الذي كان يتدفق في عروقها جعلها وحشًا لا يتوقف.

ضربها على كتفها، ثم قبض على معصمها محاولًا انتزاع السكين، إلا أنها ببساطة، لوت قبضتها.

الشفرة استدارت داخل عينه، ثم بحركة واحدة،

اقتلعتها.

"آآآآآه! لا… لا!!"

تراجع مترنحًا، نصف وجهه الآن يغرق في الدم، في السائل اللزج الذي كان يُبصر به العالم يومًا. كان جسده يهتز، يحاول فهم الألم، لكنه لم يكن مجرد ألم… كان دمارًا.

ركع على الأرض، يده المرتجفة تحاول أن تغطي الفراغ الذي كان يومًا عينه. الدم كان يتدفق بلا توقف، يتغلغل في فمه، في أنفه، يملأ كل شيء بلزوجته القذرة.

لكنه لم يمت بعد.

لا، فايوليت لن تسمح بذلك.

انحنت إليه، يداها تمسكان رأسه كما لو كانت تحنو عليه… لكنها لم تكن كذلك. لا، لقد كانت تُجبِره على النظر إليها، أو بالأحرى، تجعله يشعر بها، يشعر بوجودها الطاغي حتى وإن كانت عيناه قد خانتاه.

"هل يؤلمك هذا؟" همست، نبرتها ناعمة، شبه دافئة… لكنها كانت مشبعة بالسخرية.

لم يجب. فقط أنين متحشرج، أنفاسه متقطعة، كأنه لم يعد قادرًا حتى على تجميع الكلمات.

لكنها لم تنتهِ بعد.

دفعت جسده على الأرض بقوة، ركبته ارتطمت بالصخور، صرخة أخرى ترددت، ثم وضعت قدمها على صدره، ضاغطة عليه حتى كاد قفصه الصدري أن يتحطم.

"أتعلم؟" قالت وهي تفرغ قنينة من الكحول عليه تغرق ثيابه المهترئة بها، "لطالما ظننتُ أن النار تطهّر… أظن أن الوقت قد حان لتجرّبها بنفسك."

أخرجت عود ثقاب.

قربته من فمه… جعله يتذوق طعم النهاية قبل حدوثها.

"وداعًا، أخي العزيز."

ثم، بحركة واحدة، ألقت العود عليه.

اشتعل جسده.

النار التهمته كما لو كانت وحشًا جائعًا، لهيبها انعكس على ملامح فايوليت التي لم ترمش حتى وهي تراقب الرجل الذي دمر حياتها وهو يتلوى، يصرخ، يحاول الفرار من الألم الذي صنعه بيديه يومًا ما.

لكنه لن يفر.

ليس هذه المرة.

ليس منها.

-----

في مكان آخر

وسط الظلام الذي لف المعسكر، اقتحم الرجل المكان بخطوات متسارعة، أنفاسه مضطربة، ويداه ترتجفان وهو ينتشل سلاحه من فوق الطاولة الخشبية المهترئة. لم ينتبه للعيون التي التفتت إليه، مستغربةً من فوضويته غير المعتادة.

أحد الرجال، الذي كان يشحذ سكينه، رفع حاجبه ببطء قبل أن يسأله ببرود:

"سايمون؟ ما الذي يجري؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا."

لكن سايمون لم يضحك، لم يعلّق حتى، بل رفع رأسه وعيناه متسعتان بجنون، كأن مجرد الكلمات أعادت الكابوس إليه.

"إنها هنا."

ساد الصمت للحظة، قبل أن يعبس أحدهم: "من؟"

ازدرد ريقه، وشعر أن الهواء يضيق حوله. صوته خرج متحشرجًا حين لفظ الاسم الذي لم يكن يجب أن يعود أبدًا:

"فانتين."

لم يكن عليهم السؤال عن أي فانتين يقصد. كل شخص هنا يعرف القصة. المرأة التي اختفت ذات يوم، المرأة التي تحدّت شخصًا لا يجب لأحد أن يتحداه… المرأة التي قُتلت.

1

تحرك أحد الرجال من مكانه، استقامة جسده عكست توترًا لم يحاول إخفاءه. "هذا مستحيل… لقد تأكدنا من موتها، أليس كذلك؟"

ما الذي تفعله هنا؟ كيف استطاعت الوصول إلى هذا المكان؟!

عقله لم يستوعب الأمر في البداية، لكنه فجأة تذكر… تذكر كيف انتهى كل شيء حين ظهرت فانتين قبل سنوات، مطالبة بحقوقها وحقوق ابنتها.

تذكر الخطر الذي شكّلته، تهديدها برفع دعوى، نظراتها المليئة بالغضب والاحتقار. يومها، كان يعلم أنه لن يسمح لها بتدمير حياته.

لذا، قتلها.

قتلها بنفسه، ورمى جسدها حيث لن يعثر عليها أحد أبدًا.

لكنها الآن…

كيف؟

كيف يمكن لها أن تكون هنا؟

أدرك الحقيقة أخيرًا، ليست فانتين… لكنها شيء أسوأ.

إنها ابنتها.

دمه، ماضيه، خطاياه التي عادت لتحرقه..

لكن سايمون هز رأسه بعنف، قبضته على السلاح ازدادت إحكامًا كأنه يخشى أن ينتزع منه. كان قلبه يخبره أن الأمر لم ينتهِ بعد، أنه إذا لم يتحرك الآن، فسيكون هو التالي.

"يجب أن أنهي هذا بنفسي." قال بصوت أجش، وخرج قبل أن يعترضه أحد.

اندفع إلى الخارج، متجهًا حيث يجب أن تكون، حيث كان الدخان والنار يرقصان في الأفق، كإشارة واضحة إلى الخراب الذي حلّ.

ولكن…

قبل أن يتمكن من التقدم أكثر، وقف دانييل هناك، جسده حاجز بين سايمون وفايوليت، كأنها كنزه الوحيد في هذا العالم. لا، لم تكن مجرد كنز… كانت كل شيء. كانت الوحيدة التي أعادت لروحه لونها حين صار رماديًا بالكامل، الوحيدة التي تسربت إلى تشققات قلبه كأنها ضوء صغير يتحدى العتمة.

توقّف فجأة، وعيناه التقيتا بعينين أخريين، هادئتين، لكنه كان يعلم أن تحتهما جحيمًا ينتظر الانفجار.

لم يكن يحمل سلاحًا واضحًا، لم يرفع حتى يده، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. كانت عيناه وحدهما كافيتين لإيقاف الرجل في مكانه.

"لن تذهب إلى هناك." قالها بهدوء، وكأن الأمر حقيقة لا تقبل الجدل.

لكن سايمون لم يكن في مزاج يسمح له بالخضوع بسهولة. أصابع يده تشددت حول مقبض السلاح، والغضب في صدره كان يغلي.

"إنها يجب أن تموت."

لكن دانييل لم يتحرك، لم يغير حتى تعبيره. فقط نظر إليه كما لو كان بالفعل جثة هامدة، ثم، بصوت لم يحمل أي تردد، نطق بالحكم الأخير:

"أنت لن تصل إليها حيًا."

حينها، فهم سايمون… لم يكن أمامه خيار.

استدار فورًا، مستعدًا للركض إلى وجهة أخرى، وجهة آمنة، لكنه لم يتمكن من التحرك خطوة واحدة.

شيء بارد التصق برقبته.

قبل أن يدرك ما يحدث، ضغطت شفرة حادة على جلده، وقبل أن يصرخ، سُمع صوت همس منخفض خلفه:

"أين تظن نفسك ذاهبًا؟"

كانت نبرته باردة، ساكنة، لكنها تحمل تهديدًا خالصًا لا يحتاج إلى تفسير.

حاول أن يستدير ببطء، ليواجهه، لكنه شعر بضغط أقوى على نحره، كأن الشفرة تتوغل أكثر، تحذره من فعل أي حركة غير محسوبة.

ثم، همس دانييل من جديد، هذه المرة أقرب، وأكثر تهديدًا:

"لن تقترب منها."

كانت كلماته قصيرة، لكنها حملت حكمًا نهائيًا، غير قابل للمفاوضة.

  كان سايمون أمامه يتنفس بعنف، وعيناه تضيقان بغضبٍ قاتم. رفع سلاحه، إصبعه يضغط على الزناد، لكن دانييل تحرك قبل أن يُمنح فرصة.

بسرعة وحشية، انقضّ عليه، ركل السلاح من يده، ثم سدد لكمة قاسية إلى ضلوعه، جاعلًا الهواء يفرّ من رئتيه مع شهقة ألم. لكن سايمون لم يكن ضعيفًا، سرعان ما استعاد توازنه وهاجم بدوره، قبضته القاسية اخترقت فك دانييل، فتذوق طعم الدم على لسانه.

لكن الألم لم يوقفه، لم يهزّه حتى.

كل ما كان يملأ عقله الآن هو صوتها…

"دانييل، هل تعلم؟ أنا أحب أزهار البنفسج… رائحتها ناعمة، تشعرني وكأن العالم لا يزال جميلًا.. رغم أنه ليس جميلًا." كانت قد قالت ذلك ببرود وقتها.

لكنها ضحكت، ضحكة خافتة، كأنها لحن خاص بها وحدها. ثم ابتسمت له… ابتسامة هادئة، صافية، نقية بطريقة لم يفهمها.

والآن… الآن، وهو هنا، واقف أمام هذا الرجل الذي أراد أن يسلبها منه، أدرك شيئًا لم يدركه من قبل:

إنها الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يحمل قيمة بالنسبة له. شرفه، روحه، كل ما تبقى منه.

كان بإمكانه أن يتراجع، أن يسمح لهذا الوغد بأن يمر، لكنه لم يكن ليسمح بذلك. لم يكن ليسمح لأي شيء بأن يهددها.

دانييل تحرك كإعصار، قبضته اصطدمت مجددًا بوجه سايمون، ثم سحب سلاحه من جرابه بسرعة قاتلة.

بالكاد استوعب الآخر ما حدث، بالكاد أدرك أن دانييل قد سبقه بخطوة. حاول التحرك، حاول أن يرفع يده، أن يهاجم، أن يركض، لكن فات الأوان.

دانييل لم يمنحه الفرصة.

ضغط على الزناد دون تردد، ودوى صوت الرصاص...

-----

قبل 16 عامًا

السماء كانت مغطاة بمسحة رمادية، والشمس تذوب ببطء في الأفق، كأنها تتوارى خجلًا من قسوة هذا العالم. وسط هذا الغروب، كانت فانتين تمشي بهدوء، متشابكة الأصابع مع طفلتها الصغيرة.

فانتين… كم تغيرت خلال السنوات الأخيرة. لم تكن المرأة الشابة الجميلة التي خطفت القلوب يومًا، بل مجرد ظل باهت لذاتها السابقة. بشرتها فقدت نضارتها، جسدها بات نحيلًا كأنه يحمل همومًا لا تطاق، وخصلاتها فقدت بريقها. لم تكن مسنة، لكنها بدت كذلك… الإرهاق والخذلان قد أنهكاها حتى العظم.

وبجانبها، كانت تسير طفلتها الصغيرة، صورة مصغرة عنها… بنفس العينين، بنفس التعابير، بنفس الجمال الهادئ. لكنها كانت نحيلة بشدة، كأن الحياة أخذت منها أكثر مما أعطتها.

كانت الطفلة تسير بصمت، لكنها لم تستطع كبح جوعها بعد الآن. شدت طرف فستان والدتها برقة، محاولة لفت انتباهها:

— "ماما... ماما..."

انتبهت فانتين إليها فورًا، كأن صوتها أعادها للحياة للحظة. انحنت نحوها بابتسامة متعبة:

— "نعم يا حلوتي؟"

رفعت الصغيرة يدها إلى بطنها، تربت عليها بحركة طفولية، ثم قالت بصوت خافت:

— "فايوليت جائعة."

تجمدت ابتسامة فانتين للحظة، لكن سرعان ما أعادت رسمها مجددًا. كيف تشرح لها أنها لم تأكل بدورها منذ الأمس؟ كيف تخبرها أن العالم لا يملك رحمة لامرأة ضعيفة وابنتها؟

ربتت على شعر طفلتها بلطف، ثم أخذت يدها وسحبتها نحو باب معدني قديم. وقفت هناك، وجلست القرفصاء أمامها، ممسكة بكتفيها برفق:

— "انتظري ماما هنا، حبيبتي، ماما ستحضر الطعام من المحل وتأتي، حسنًا؟"

أومأت الصغيرة بطاعة، لم تكن طفلة مشاغبة، بل كانت هادئة دائمًا… ربما أكثر مما يجب. بقيت واقفة هناك، تراقب والدتها تغادر عبر الباب المعدني، ثم أخذت تلعب مع الفراشات التي كانت تحلق بجوارها.

انتظرت...

ثم انتظرت أكثر...

لكن فانتين لم تعد أبدًا.

مرت الشمس من الأفق إلى العتمة، ثم أشرقت من جديد، ومع ذلك بقيت الصغيرة هناك، قدماها الصغيرتان تؤلمانها، معدتها الفارغة تحتج، لكنها لم تتحرك.

مر يومٌ تلو الآخر…

والباب المعدني بقي مغلقًا إلى الأبد.

----

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة