Colonel 2

Colonel 2

26 0

لم يكن الليل في هذا المعسكر فرصة للراحة، بل كان امتحانًا آخر للنجاة.

نهض من مكانه، يذرع الممرات بخطوات ثابتة، يطرق طرقتين على كل باب مضاء. إشارة صامتة لمن لم يغلبه النوم بعد. كانت القاعدة واضحة، ومن يخالفها سيفهم العواقب لاحقًا.

وحين مر أمام غرفتها، انخفضت نظرته تلقائيًا نحو أسفل الباب.

كان الضوء مشتعلاً، ولكنه انطفأ بلحظة قبل أن يطرق الباب حتى؛ كانت هناك، تحدق بظلال قدميه أسفل الباب، رغم أنها لم تكن تنوي النوم بعد.

لم يكن ليدرك أنها تجهل القواعد، لذلك زفر الهواء بهدوء، ورفع يده ليطرق مرتين، قبل أن يخطو مبتعدًا، يكمل تفقده دون أن يلقي بالًا لما قد يحدث خلفه.

انتظرت برهة، ثم تقدمت نحو الباب، فتحته بحذر، لتلمحه في الممر، كان يتحرك بهدوء، خطواته مدروسة كعادته.

أرجعت السكين خلف ظهرها تلقائيًا، أصابعها تشتد على مقبضه.

توقف. التفت ببطء، حاجبه يرتفع عندما رأى ظلها الصغير في العتمة. لم تقل شيئًا، لكنها لم تكن ساذجة لتقف أمامه دون سلاح. كانت يدها اليمنى مخبأة خلف ظهرها، أنفاسها هادئة بشكل مصطنع، لكن دانييل التقط الوميض المعدني في يدها على الفور.

سكين.

استدار ببطء لينظر إليها، ثباته مريب، نظراته جافية لا تحمل أي تعبير واضح.

— "ماذا؟"

صوته كان بنفس هدوئها، لكن وقع كلمته حمل شيئًا لم تتمكن من تجاهله.

— "ما الماذا؟ ألم تطرق بابي قبل لحظة؟"

رفعت حاجبًا وهي تسأله، صوتها يحمل ذات الرتابة.

لم يرد. اكتفى بتحريك قدميه، يقترب منها بخطوات ثقيلة، بطيئة، متعمدة، يدخل إلى الغرفة دون إذن، يجبرها على التراجع حتى اصطدم ظهرها بالحائط.

— "ما الذي يبقيكِ مستيقظة حتى هذا الوقت؟"

كان صوته باردًا، لكنه محملٌ بسلطة لا تقبل العبث.

لم ترمش حتى، قبضتها على السكين ازدادت قوة، لكنها لم تتراجع.

— "بدلتُ ثيابي لأنام... هل قطعت كل تلك المسافة فقط للسؤال عن هذا؟"

لم يمهلها فرصة للمراوغة.

بضربة سريعة، قبض على معصمها، شدها نحوه قبل أن يدفعها إلى الحائط، يلوي ذراعها خلف ظهرها بينما يثبتها بجسده.

قبض على معصمها بقسوة، ثم دفعها للخلف، يثبتها ضد الجدار.

— "من الذي تحاولين إيذاءه بهذا؟"

كلماته كانت باردة، لكن الضغط على يدها لم يكن كذلك.

— "أفلِتني!"

شهقت بصمت، الهواء يُنتزع من رئتيها تحت قوته الجارفة. لكنها لم تكن فتاة ضعيفة، لم تسمح لنفسها يومًا بأن تكون كذلك.لم تكن هشة، ولم تكن معتادة على الاستسلام، لهذا حاولت المقاومة، دفعت جسدها للأمام حتى تخلق مسافة، ثم رفعت ساقها في محاولة لركله بقوة.

لكن ركبته سبقتها، انزلقت بين فخذيها، تمنعها من الحركة، فيما شدّ على معصمها بقوة كادت تفقدها الإحساس به.

— "تعلمين أني لا أحب المتطاولين."

كان صوته قريبًا، قربًا جعل أنفاسه تلامس أذنها. يدها ملتوية خلف ظهرها، وجسدها محاصر تمامًا بين الجدار وصدره العريض.

شهقت بصمت، الألم يزداد حول معصمها، عظامها تحت ضغط قبضته بدت وكأنها ستتكسر في أي لحظة. الألم سرى في أوصالها، لكنها رفضت إظهار أي علامة ضعف. لم تجفل، لم تستنجد، فقط رفعت عينيها إليه بتحدٍّ مشوب بالغضب.

وفي النهاية، سقطت السكين من يدها.

— "ما الذي تريده؟" نطقت ببطء، تحاول السيطرة على ارتجافها الطفيف.

ضحك بخفوت، لم يكن ذلك ضحكًا حقيقيًا، بل صوتًا أشبه بالاستمتاع الساخر.

— "أنا؟" أمال رأسه قليلاً، شدّ أصابعه على عنقها من الخلف، يجبرها على البقاء مكانها. "السؤال الحقيقي هو: ما الذي تريدينه أنتِ بقدومك إلى هنا؟"

نبرته تغيرت، حملت شيئًا أشد خطورة.

رفعت ذقنها قليلًا، عيناها الزرقاوان مشتعلة كما لو أنهما تلمعان في العتمة.

— "الانتقام."

لم يكن هناك تردد في صوتها، لا خوف، لا تراجع.

— "أريد سفك الدماء... أريد أخذ الثأر."

راقبها بصمت للحظات، انتبه للهيب المشتعل في حدقتيها، للهزة الطفيفة التي اعترت شفتيها عندما قالتها. قبل أن يهمس بصوت خافت:

— "من عائلة جورج؟"

لم تحتج لأن تجيب. فهم ذلك من النظرة التي أحرقت عينيها، من الطريقة التي ضاقت بها قبضتها رغم أنها لم تعد تحمل شيئًا.

ثم، وبحركة بطيئة، خفف قبضته عن معصمها، أصابعه ما زالت تحيط بها لكنها لم تعد تضغط.

— "حثالة."

قالتها بوضوح، بإصرار، وكأن الكلمة تختصر كل شيء.

عندها فقط، ابتسم ابتسامة بطيئة، لم تكن ساخرة ولا متعجرفة... بل كانت ابتسامة رجل قرر مصيرًا جديدًا للتو. مال نحوها أكثر، هذه المرة كلماته كانت أشبه بأمر:

— "إذا كانت رغبتك هذه شديدة، فخذي حذرك ..واخضعي لي."

شعرت بشيء بارد يزحف إلى عمودها الفقري من كلماته.

— "إذا كنتِ تريدين الانتقام حقًا، فلن تنجحي وحدك." رفع ذقنها بإصبعه، يجبرها على مواجهته. "أنا من سيجعلكِ قادرة على ذلك."

ترك يدها أخيرًا، ابتعد كما لو لم يكن قد فعل أي شيء منذ لحظات.

— "وأطيعيني، كي لا أنفذ ما أنا على وشك فعله الآن."

ثم خطا نحو الباب، فتحه دون أن ينظر إليها، وقبل أن يخرج، قال ببرود:

— "بالمناسبة، الطَرق على الباب كان تحذيرًا." توقف عند العتبة، التف إليها بنظرة باردة. "إذا رأيت الضوء مشتعلاً مرة أخرى، فلن يكون هناك تحذير آخر."

لم تجبه، اكتفت بمسح معصمها الذي تحمر من شدته، همست بتهكم:

— "كان يمكنك قولها من البداية."

التفت إليها، لم يبتسم، لكن نبرته حملت تحذيرًا واضحًا:

— "حذّرتك."

ثم خرج، يغلق الباب خلفه بصمت.

وفي الممر، أخرج هاتفه، أرسل رسالة مقتضبة قبل أن يكمل طريقه.

وفي مكان آخر، عقد سون حاجبيه فور تلقيه الرسالة.

لم يكن من عادته أن يلغي أوامر أصدرها مسبقًا.

لكن هذه المرة... فعل.

----

فور أن دخل دانييل إلى المعسكر، لم يكن بحاجة إلى البحث طويلًا. كان الصوت العميق، المكتوم، الذي يزمجر من أعماق صدر "ناو" كفيلًا بجذب انتباهه على الفور.

زفر دانييل بصمت، خطا عبر الممرات نحو الساحة الخلفية، وهناك وجده، مستلقيًا لكن جسده متحفز، أذناه تتحركان بانتباه لأي حركة، وأنيابه تظهر قليلًا كلما انطلق زمجراته غير المستقرة.

اقترب منه دون تردد، جلس القرفصاء بجانبه، ومد يده نحو رأسه، لكن ناو لم يهدأ، بل زأر بخفوت، كأنه يحذر صاحبه نفسه.

— "ما الذي دهاك؟"

مرر أصابعه على الفرو الكثيف، لكن النمر لم يتفاعل كما كان يفعل دائمًا. رفع رأسه قليلًا، زفر بغضب، ثم أشاح بوجهه كما لو أنه مستاء من شيء لا يستطيع وصفه.

دانييل لم يكن بحاجة إلى تفسير، فقد سمع بالضجة التي حدثت صباح اليوم، عندما أصيب "ناو" بنوبة اضطراب غريبة فور أن رآها…

فايوليت.

حيوانه الشرس، الذي لم يهتز أمام أصوات الرصاص، ولا أمام رائحة الدم، أصبح فجأة مضطربًا بسبب فتاة ذات ملامح لطيفة؟

— "هل أخافتك؟" سأل بنبرة ساخرة، وهو يمرر يده على رأس النمر، لكن هذا الأخير لم يكن في مزاج للمزاح، بل زأر مرة أخرى، كما لو أنه يرفض الفكرة.

رفع دانييل حاجبًا، ثم صمت قليلًا قبل أن يهمس بنبرة أكثر هدوءًا:

— "أم أنك لا تعرف كيف تتعامل مع شيء… ليس مثلك؟"

بدت الفكرة أكثر منطقية. ناو لم يكن يخاف، بل لم يفهم. لم يعتد الوجوه الهادئة، اللطيفة، لم يفهم النظرات التي لا تحمل تهديدًا، ولم يدرك لماذا لم يكن يرى في فايوليت عدوًا… ولا صديقًا.

ربّت دانييل على رأسه مرة أخرى، هذه المرة بخفة أكثر، حتى هدأت الزمجرة تدريجيًا، ومعها، استرخى جسد النمر الضخم شيئًا فشيئًا.

— "ستعتاد عليها."

كلماته كانت بسيطة، لكنها حملت يقينًا لا يقبل الجدال.

"ناو" لم يتحرك، لكنه أصدر صوتًا خافتًا، أقرب إلى تأفف مُرهق، ثم أرخى رأسه أخيرًا، يستسلم لراحة كان يرفضها طوال اليوم.

ضحك دانييل بصوت خافت، تمتم ساخرًا:

— "أنت أكثر تعقيدًا مما ظننت."

راقب دانييل جسد "ناو" وهو يسترخي أخيرًا، زمجراته تهدأ لتتحول إلى أنفاس بطيئة. لكنه لم يكن ساذجًا ليعتقد أن هذا النمر سيعود لطبيعته بين ليلة وضحاها.

زفر بخفوت، ثم مد يده إلى عنقه، داعب الفراء الكثيف هناك قبل أن يتمتم بنبرة منخفضة:

— "تعال."

رفع "ناو" رأسه ببطء، حدّق فيه للحظة كما لو كان يقيّم الأمر، ثم نهض في النهاية، تمطّى بكسل، وسار خلفه كما لو كان ظلًا له.

دانييل لم يضطر حتى للنظر خلفه، كان واثقًا أن خطوات "ناو" الثقيلة تتبعه عبر الممرات حتى وصلا إلى غرفته. فتح الباب دون كلمة، سمح للنمر بالدخول أولًا، ثم أغلقه بهدوء.

تقدم "ناو" بلا تردد، قفز على السرير كما لو كان ملكه منذ الأزل، واستدار مرتين قبل أن يستلقي، يدفن رأسه بين مخالبه.

نظر إليه دانييل للحظة، ثم هز رأسه بضحكة قصيرة، خلع سترته، ورمى جسده بجانب النمر المستلقي، لم يمر الكثير من الوقت حتى شعر بثقل رأسه يستند على صدره.

1

رفع يده بكسل، مرر أصابعه عبر فروه الدافئ، وهمس دون أن يكون متأكدًا إن كان يخاطبه أم يخاطب نفسه:

— "أحلام سعيدة، أيها الوحش."

لكن "ناو" لم يرد، كان قد غرق بالفعل في نوم هادئ… مطمئن أخيرًا.

----

في الفجر، حيث لا شيء سوى الانضباط والقسوة، وحيث تُختبر الإرادة قبل الأجساد.

في الساحة الرملية، كان الهواء باردًا يحمل معه رائحة العرق والتراب، لكنه لم يكن أكثر قسوة من الأوامر التي انطلقت بصوت صارم عبر الساحة. الجنود مصطفّون في صفوف منظمة، كان المكان ينبض بالقوة والانضباط، لا مجال للراحة هنا، ولا مكان للضعفاء.

على أحد الجوانب، وقف دانييل، عيناه تمرّان على الوجوه بتمهل، كأنّه يبحث عن شيء ما... أو عن شخص محدد.

وحين وقعت عيناه عليها، توقفت نظرته للحظة.

كانت فايوليت هناك، وسط الصفوف، واقفة باستقامة تامة، لا تبدو مرتاحة، لكنها لا تبدو مترددة أيضًا. لم تتكئ على ساق أكثر من الأخرى، لم تعبث بيديها كما يفعل بعضهم عندما يتملكهم التوتر، فقط كانت... ثابتة.

انطلقت الأوامر، وبدأت التدريبات.

الجري أولًا.

اندفع الجميع للأمام فورًا، الأقدام تضرب الأرض بقوة، تشق طريقها عبر الساحة الرملية التي بدأت ذراتها تتطاير تحت وقع الخطوات المتسارعة. الهواء البارد الذي يسبق شروق الشمس كان يلهب الرئتين بدلًا من أن ينعشها، والعرق بدأ يتصبب باكرًا، يلتصق بالأجساد المتوترة رغم برودة الجو.

البعض بدأ يلهث مبكرًا، والبعض الآخر حاول الحفاظ على إيقاع ثابت، لكن السرعة لم تكن رحيمة بأحد.

أما فايوليت...

لم تكن الأسرع، لكنها لم تكن تتأخر أيضًا. لم تحاول اللحاق بمن سبقوها، ولم تسمح لنفسها بالتراجع. كانت تركض بثبات، ساقاها تتحركان بإيقاع ثابت، أنفاسها منتظمة، وكأنها تعرف بالضبط متى تُسرع ومتى تبطئ لتحافظ على قوتها.

لم تلتفت لمن تجاوزها، لم تتوتر حين تخطّاها بعضهم، ولم تحاول زيادة سرعتها فجأة كما يفعل الآخرون عندما يشعرون بأنهم يتراجعون.

كان الجري مجرد خطوة أخرى ضمن سلسلة طويلة من الخطوات التي عليها اجتيازها، لا أكثر.

وبينما كان البعض يتخبط بالفعل، كانت هي ببساطة... تمضي قدمًا.

ثم تمارين الضغط.

الأجساد تهوي على الأرض، ترتفع وتنخفض بوتيرة مؤلمة، كأنها تصارع وزنها ووزن الإرهاق المتراكم منذ لحظة بدء التدريب. أنفاس الجنود تتسارع، البعض يطلق شهقات متقطعة، وآخرون يعضّون على أسنانهم ليكتموا الألم.

كان الصراخ المتقطع يتردد في الأجواء، أنين التعب، تأوهات الاستسلام البطيء... لكن صوتًا واحدًا كان مفقودًا تمامًا.

فايوليت.

كانت هناك، كتفيها تتحركان بقوة كلما دفعت جسدها للأعلى، ذراعاها ثابتتان رغم الارتجاف الخفيف في عضلاتها. كان واضحًا أن التمرين ينهكها، لكن ملامحها لم تعكس شيئًا. لا انزعاج، لا ألم، لا أي علامة على أنها قد تفكر في التوقف قريبًا.

وحين وقع نظر دانييل عليها، لاحظ ذلك فورًا.

نظر إليها لثوانٍ، عينيه تضيقان في تأمل بارد، قبل أن يصدر قراره الصامت.

— "استثنها."

التفت المدرب بجانبه إليه باستغراب، لكنّه لم يجادل. أعطى إشارة سريعة، ثم اتجه نحوها، وقف فوقها مباشرة، أشار بيده.

— "توقفي."

لكنها لم تفعل.

استمرت كما هي، لم ترفع عينيها إليه، لم تتحدث، لم تحتجّ. فقط واصلت، كما لو أن أحدًا لم يقل شيئًا، كما لو أن الأمر لا يعنيها على الإطلاق.

ارتفع حاجب دانييل قليلًا. لم يكن بحاجة إلى التحديق بها طويلًا ليفهم أنها لن تقبل الاستثناء.

ولم يكن بحاجة لوقت أطول ليشعر بأن الأمر... لم ينتهِ بعد.

كانت عيناه ثابتتان عليها، لا يتحدث، لا يتدخل، فقط يُراقب كيف تواجه كل ذلك بصمت مخيف.

ثم حدث الأمر...

زمجرة مفاجئة اخترقت الضوضاء. تحركت الأجساد بارتباك، التفتت الرؤوس، والجميع رأى المشهد في اللحظة نفسها—

"ناو" كان يندفع مباشرة نحوها!

لم يكن يزمجر فقط، بل كان يستعد للهجوم، مخالبه غُرست في الأرض، وعيناه تحدقان في الفتاة كما لو كانت خطرًا. الأوامر التي صدرت لم تعنِ له شيئًا، والصوت الذي ناداه لم يكن كافيًا لإيقافه.

تحرك دانييل فورًا.

لكن ما أوقفه للحظة...

هو أنها لم تتحرك.

لم تتراجع، لم ترفع يديها دفاعًا، لم تصرخ، لم تجفل، لم يكن في نظراتها أي خوف.

وقبل أن يصل إليها "ناو"، كان دانييل هناك.

يده أمسكت برقبة النمر بشدة، أوقف اندفاعه في اللحظة الأخيرة، جسده كان الحاجز الوحيد بينه وبينها. زمجر "ناو" بقوة، قاوم قليلاً، لكنه لم يتحرك، فقط راقبها بعينين مشتعليتين بالرفض.

أما هي؟

حتى عندما تدخل دانييل في اللحظة الأخيرة قبل أن يصل إليها، حتى عندما كافح النمر تحت قبضته... لم تحرّك رمشًا. رفعت حاجبًا ببرود، وكأن شيئًا لم يكن.

حدّق فيها دانييل للحظة، قبل أن يلتفت إلى "ناو"، وضغط أكثر على فرو رقبته، يهمس له بصرامة لا تسمح بالجدال:

— "هدّئ من روعك."

زأر النمر منخفضًا، لكنه لم يُكمل الهجوم.

حينها فقط، أرخى دانييل قبضته، وتركه يبتعد ببطء.

وسط الساحة، كان الجميع لا يزالون تحت تأثير الصدمة مما حدث قبل لحظات. الهجوم المفاجئ، التدخل السريع لدانييل، والهدوء الغريب الذي استقبلت به فايوليت كل ذلك.

لكنها؟

لم تفعل شيئًا سوى العودة إلى موضعها، كما لو لم يكن هناك وحش كاسر قد حاول التهامها، كما لو لم يتدخل أحد لإنقاذها، وكأنها لم تكن هدفًا للموت قبل لحظة فقط.

عادت لتكمل تدريبها.

كان القتال التدريبي قد بدأ، والجميع متحمسون لاختبار قوتهم. عندما وقفت فايوليت في الحلبة، لم يستطع أحد مقاومة التعليق.

"حقًا؟ هذه الفتاة الصغيرة ستقاتل؟"

"أشفق على من سيكون خصمها، سيشعر بالسوء عندما يسقطها بضربة واحدة."

تردد بعض الضحكات، لكن فايوليت؟ لم تتحرك. لم يتغير شيء في ملامحها، لم تتراجع، ولم تدافع عن نفسها. فقط وقفت هناك، تنتظر، كأنها لم تسمع شيئًا.

نظراتها؟

خالية، باردة، بلا حياة.

كأن ما حولها لا يعنيها.

خصمها، وهو رجل طويل وذو بنية قوية، كان أكثر المتحمسين. تبسم بسخرية وهو يتقدم.

"حسنًا، لنأمل ألا تنكسري بسهولة."

لم تجب.

أطلق الحكم الإشارة، وتحرك الرجل فورًا، مسددًا لكمة مباشرة.

لكن في اللحظة التالية...

لم يكن هناك أحد أمامه.

اختفت.

أو هكذا بدا الأمر، حتى أدرك الجميع أنها لم تختفِ، بل تحركت بسرعة جعلت أعينهم تتأخر عن ملاحقتها، لم يكن هناك تردد أو ارتباك. مجرد حركة صافية، محسوبة بدقة. التفّت بجسدها، انخفضت لتتفادى الضربة الأولى، ثم استدارت بمرونة جعلت شعرها يلف حول كتفها، قبل أن يتمكن الرجل من استيعاب الموقف، كانت ساقها ترتفع، تنطلق كالسوط نحو نقطة قاتلة في جسده. الضربة أصابت هدفها في ثوانٍ، ومعها، سقط بجسد ثقيل ارتطم بالأرض بصوت مدوٍ..

سقط؟ ببساطة؟...

الصمت حلّ فجأة،كانت تلك اللحظة التي تحولت فيها السخرية إلى دهشة.

لم يأخذ الأمر منها أكثر من ثانية.

وقف المتدربون متجمدين، والخصم الذي كان قبل لحظة يمزح، لم يستطع النهوض على الفور.

لم يكن مستعدًا لهذا، ولم يكن أي شخص آخر مستعدًا لرؤية مهارة بهذا المستوى. التقط أنفاسه بصعوبة، وهو يحدّق بها بذهول، بينما هي فقط... عادت لموضعها، انتظرت بلا كلمة، بلا حتى تغير في ملامحها، بنفس النظرة الخالية، وكأن شيئًا لم يحدث.

دانييل، الذي كان يراقب بصمت منذ البداية، لم يقل شيئًا أيضًا، لكنه ضيّق عينيه قليلًا وهو ينظر إليها.

لم تكن قوتها فقط ما أثار انتباهه.

بل الطريقة التي قاتلت بها، وكأنها... لم تكن تحاول، وكأن هذا كله لم يكن أكثر من مجرد جزء آخر من التمرين.

-----

كان الجميع يستغل الاستراحة بأشكال مختلفة—البعض جلس يتنفس بصعوبة، البعض تمدد على الأرض بلا حراك، وآخرون تجمعوا ليتحدثوا عن التدريب القاسي. أما فايوليت؟

لم تفعل شيئًا من ذلك.

بهدوء، انسحبت نحو الظل، أمسكت بمنشفة وجففت العرق عن جبينها، ثم بدأت بتمديد عضلاتها بحركات انسيابية مذهلة. لم يكن هناك أي تردد أو تصلب، فقط مرونة مطلقة، كأن جسدها صُمم لهذا. لم تكن مجرد تمديدات عادية، بل أشبه بعرض احترافي للجمباز، حيث كانت ترفع ساقها بزاوية مستحيلة تقريبًا، ثم تنحني بمرونة وكأن عظامها لا تعيقها أبدًا.

بعض المتدربين لمحوا ذلك، تبادلوا النظرات، لكن لم يجرؤ أحد على التعليق بعد ما رأوه منها قبل قليل.

بعد دقائق، جلست أخيرًا، ملتقطة أنفاسها على أحد المقاعد، تسكب الماء البارد فوق رأسها، تسمح للبرودة بأن تخفف من تأثير الشمس اللاهبة. أغمضت عينيها للحظة، تشعر بالراحة العابرة، لكن...

بينما كان الآخرون غارقين في استراحتهم، لم يكن دانييل كذلك.

على بعد أمتار، وقف بجانب مجموعة من الأوزان الثقيلة، التقط واحدة منها بيد واحدة، وكأنها لم تكن سوى قطعة معدنية عادية، رغم أنها تجاوزت التسعين كيلوغرامًا.

رفعها دون جهد يُذكر، قبضته محكمة، وعضلاته المشدودة تتحرك بسلاسة تحت بشرته. لم يكن هذا تدريبًا استعراضيًا، بل قوة حقيقية، نابعة من سنوات من التمرين والانضباط القاسي.

خفض الوزن ببطء، ثم رفعه مجددًا، وتكرر الأمر وكأنه مجرد إيقاع اعتاد عليه. عيناه لم تزيغا لحظة عن نقطة ثابتة أمامه، تركيزه أشبه بحد السيف، بينما أنفاسه تخرج متزنة، محكومة.

كان هناك شيء مهيب في طريقته، في هدوئه وسط هذا الضغط الهائل، في الطريقة التي بدا بها وكأن هذه الأوزان لا تعني له شيئًا، وكأن قوته تجاوزت مفهوم الجهد ذاته.

من مكانها، دون أن تدرك، كانت فايوليت لا تزال تراقبه. لم تتغير ملامحها، لم يكن في نظرتها انبهار أو دهشة، فقط صمت... وتركيز يشبه تركيزه.

----

بينما كانت فايوليت تراقب دانييل بصمت، انقطع تركيزها بصوت ناعم بجانبها:

— "إنه قوي، أليس كذلك؟"

التفتت ببطء، لتجد فتاة ذات ملامح ودودة وشعر مربوط للخلف تجلس بالقرب منها، تمسك بزجاجة الماء خاصتها وتبتسم بلطف.

— "أنا كلوي. أعتقد أننا في نفس المجموعة."

أومأت فايوليت ببطء، لكنها لم تقل شيئًا، أعادت نظرها إلى الأمام، وكأن المحادثة لم تبدأ من الأساس.

لكن كلوي لم تستسلم بسهولة، تابعت بابتسامة صغيرة:

— "أنتِ مذهلة حقًا. لم أركِ تتعبين مثل الآخرين، حتى عندما حاول دانييل استثنائك."

هذه المرة، التفتت فايوليت إليها، نظرتها كانت خالية، ثابتة، لكنها لم تكن حادة أو رافضة، فقط هادئة... وبعيدة.

— "شكرًا." قالتها بنبرة هادئة خالية من أي انفعال، ثم عادت للصمت، تمسكت بزجاجة الماء خاصتها وأخذت رشفة أخرى.

ترددت كلوي للحظة، محاولة إيجاد مدخل آخر للمحادثة، لكنها شعرت وكأنها تحاول الإمساك بالريح. لم يكن في فايوليت أي عدوانية أو جفاء صريح، لكنها أيضًا لم تكن تفتح بابًا لأي تقارب.

وأخيرًا، ابتسمت كلوي بخفة، وكأنها فهمت الأمر.

— "حسنًا، أراكِ لاحقًا."

نهضت بهدوء، غادرت دون إلحاح، تاركةً فايوليت تعود لصمتها من جديد، وكأن شيئًا لم يحدث.

----

بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، مع نهاية التدريب، كان الجميع يلتقط أنفاسهم، بعضهم ينظر في الأرض وآخرون يشتكون في صمت. الجميع كان ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانصراف، متلهفين للراحة بعد يوم شاق.

دانييل، كعادته، يراقبهم بتركيز، عينيه جامدتين، معتادًا على التذمر بشأن معاملته القاسية.

اقتربت فايوليت منه بعد انتهائها من التمارين، توقفت أمامه وقالت ببساطة، بصوت هادئ:

— "شكرًا على مجهودك."

لم يكن في كلماتها شيء يثير الإعجاب، ولا أي نية خاصة، كانت كلماتها بسيطة، مجرد عادة تلقائية من طفولتها مع معلميها.

لكن تأثير كلماتها كان أكبر مما توقعه دانييل.

لامست شيئًا جديدًا في داخله، هو الذي لم يعتد يومًا على تلقي الشكر. ارتسمت على وجهه لحظة من الدهشة المختلطة بالامتنان، قبل أن يعود صمته المعتاد.بقي مدهوشًا للحظة، عينيه محدقتين فيها، الكتابات اليومية له كانت مليئة بالشكوى والغضب، لكنه لم يسمع شكرًا قط.

أدرك متأخرًا أنه كان يحدّق بها بصمت.

فايوليت لم تبدُ وكأنها لاحظت تأخره في الرد. فقط أومأت بإيماءة صغيرة، ثم استدارت ومضت بهدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا يستحق التوقف عنده.

  أما هو، فقد بقي مكانه، يراقبها لفترة، قبل أن يزفر بخفّة، وكأنه استوعب للتو ما حدث. لم يكن متأكدًا مما يفترض أن يشعر به. لكنه، بشكل ما، لم يكره ذلك الشعور.

جاءها صوت كلوي مترددًا، لكنه لم يلبث أن اكتسب بعض الثقة:

— "هل لديكِ شيء لفعله بعد الاستحمام؟"

لم تجب فورًا. لم يكن التجاهل مقصودًا، لكنها ببساطة لم تجد السؤال يستحق الرد. أخذت وقتها في ترتيب زجاجة الماء بجانبها، في تمرير يدها على منشفتها الملقاة على كتفها، قبل أن تمنح الفتاة نظرة باردة بالكاد تعني شيئًا.

— "لدي."

كلمة واحدة. هادئة، غير مستفزة، لكنها كافية لإنهاء المحادثة قبل أن تبدأ. لم تكن تهدف لإهانة الفتاة، ولم تكن تحاول إثارة أي اهتمام. فقط لم تكن مهتمة. لم يكن في نيتها بناء أي روابط هنا، أو في أي مكان آخر. لم تكن تريد ذلك. لم تكن تحتاجه. لقد نالت كفايتها من البشر.

----

تقدّم عبر الممرات المظلمة بخطوات صامتة، عيناه تمسحان المكان بعناية، كما اعتاد كل ليلة. كان نوم الجنود أمراً أساسياً، وأي مخالفة لذلك تستوجب تنبيهاً حازماً. ألقى نظرة سريعة عبر الأبواب المفتوحة جزئيًا، أصغى للأنفاس المنتظمة، ثم واصل طريقه.

لكنّه توقّف عند نهاية الممر.

ضوء خافت تسلل من تحت باب إحدى الغرف.

عَقَد حاجبيه. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها هذا المشهد. بل بات الأمر متكرراً إلى حدٍ مزعج. دفع الباب دون تردد، وما إن اجتاز العتبة حتى وقعت عيناه عليها.

كانت نائمة، لكن ليس على سريرها.

جسدها الصغير كان مُكَوَّراً على الأرض، تحتضن ساقيها إليها كما لو كانت تحتمي من شيء غير مرئي. أنفاسها كانت هادئة، لكن المشهد بحد ذاته لم يكن طبيعياً.

زفر بصمت واقترب، عازمًا على رفعها للسرير.

لكنّ كل شيء انقلب بلحظة.

ما إن كاد يلمسها، حتى انتفضت كما لو تعرّضت لصعقة كهربائية.

قفزت للخلف بحركة سريعة، خاطفة، أشبه بانعكاس غريزي للنجاة. المسافة بينهما زادت في أقل من ثانية، وفي اللحظة التالية، كانت واقفة بوضعية دفاعية، جسدها مشدود، عيناها مظلمتان... والسكين استقر بثبات بين أصابعها.

نظراتها لم تكن فارغة، لم تكن ناعسة، لم تكن حتى متفاجئة.

كانت قاتلة.

نظرته اللطيفة المعتادة اختفت، وحلّت محلها تلك النظرة التي يعرفها جيدًا. النظرة التي رآها مرارًا في عيون القتلة الحقيقيين.

ترك الغطاء من يده، ورفع كفيه بهدوء، حركة مدروسة لا تحمل تهديدًا، قبل أن ينبس بصوت منخفض، ثابت:

— "اهدئي."

لكن كلماته لم تفعل شيئًا. لم تتحرك عضلة واحدة في وجهها، ولم يختفِ ذلك الجليد القاتل من عينيها. بقيت متحفزة، مستعدة للانقضاض في أي لحظة، كأنها آلة مبرمجة للبقاء على قيد الحياة بأي ثمن.

راقبها لثوانٍ، ثم أدرك أن لا جدوى من الحديث.

لم يكن هذا خوفًا... كان شيئًا أعمق، شيئًا متجذرًا لن يُمحى بكلمات بسيطة.

لذلك، اختار التراجع.

خطوة للخلف، ثم أخرى، وعيناه لم تفارقا عينيها حتى أصبح خارج الغرفة تمامًا.

أغلق الباب بهدوء، دون صوت، تاركًا خلفه صمتًا أكثر ثقلاً من أي صراخ.

داخل الغرفة، بقيت كما هي للحظات. لا تتحرك، لا تومئ، فقط تتنفس ببطء. ثم، شيئًا فشيئًا، بدأ التوتر ينسحب من أوصالها، استرخى جسدها أخيرًا، لكن دون أن تفقد حذرها تمامًا.

مدّت يدها إلى المصباح، أطفأته، ثم عادت لمكانها على الأرض، تلف ذراعيها حول ساقيها كما كانت من قبل.

لكنها لم تنم بالكامل.

لا زالت مستيقظة... نصف صاحية، نصف غارقة في الظلام.

----

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة