وسط الخراب المتفحم والدماء التي صبغت الأرض، وقفت فايوليت في مركز الجحيم الذي صنعته بيديها. الهواء كان يشتعل برائحة الرماد واللحم المحترق، يمتزج فيه صدى الصرخات الأخيرة التي لم تهدأ بعد في رأسها. النيران كانت تلتهم كل شيء، كانت تتراقص حولها بجنون، تلتهم ما تبقى، كأنها وحوش جائعة تزدرد كل شيء بلا رحمة. لكن وسط هذا الجحيم، لم تشعر بأي انتصار.
. كانت قد أنهت انتقامها، أنهته شرّ إنهاء، ومع ذلك… لم تشعر بالرضا الذي توقعت أن يغمرها.
بدلًا من ذلك، كان الفراغ يزحف إلى قلبها.
الانتقام الذي كان يومًا كل حياتها، لم يجلب معه أي شفاء. كأن قلبها، الذي ظل مشتعلاً بالحقد لسنوات، يتحول الآن إلى رماد. لا نشوة، لا راحة، فقط صمت داخلي مخيف، كأن شيئًا فيها مات مع الذين أبادتهم يداها. شعرت ببرودة غريبة تتسلل إلى صدرها رغم النيران المستعرة، فراغ ثقيل يتغلغل في أوردتها، يجرّدها من كل إحساس اعتقدت أنها ستشعر به عند تحقيق انتقامها.
لطالما عاشت لأجل هذه اللحظة، كان انتقامها هو نبضها، هو الدافع الوحيد الذي جعلها تتجاوز كل ليلة مظلمة، كل طعنة خيانة، كل ألم.
لكن الآن؟
الآن لا شيء. لا غضب، لا حقد، لا حتى راحة.
مجرد شعور خانق… كما لو أنها طائر ظل محبوسًا طويلًا في قفص، وحين فُتح الباب له، لم يعرف كيف يستخدم جناحيه.
لكن وسط هذا التيه، ظل هناك شيء واحد يقف كالحقيقة الوحيدة في عالمها… دانييل.
عادت إليها ذكرياتهم—
تذكرت كيف كانت تخبره عن أزهار البنفسج، عن الأشياء الصغيرة التي تحبها في عالم لم يعطها سوى الكوابيس. تذكرت نبرة صوته وهو يستمع إليها، كيف كان ينظر إليها، ليس كأداة، ليس كمقاتلة، بل كإنسانة. شخص رآها كما لم يفعل أحد من قبل.
ظل صوته يتردد في ذهنها. ترددت كلماته في أعماقها، كأنها خيط أخير يبقيها متصلة بالحياة. اعترافه، صدقه العاري الذي اخترق أسوارها العالية. شيء فيها كان يرتجف.
كان قلبها يخفق، ليس بفعل المعركة، ليس بفعل النيران التي تهدد بابتلاعها،
بل من أجله هو.
لم تكن بحاجة لأن تسأل نفسها، لأنها تعرف الإجابة… هي تحبه.
كانت دائمًا تحبه، لكنها غرقت في الظلام طويلًا لدرجة أنها لم تدرك تلك الحقيقة الواضحة. والآن، بعد أن احترق كل شيء، بعد أن لم يتبقَ سوى الرماد، أدركت أن الشيء الوحيد الذي يستحق النجاة من هذا الخراب… هو دانييل.
— "يجب أن أخبره."
بلا تردد، بدأت تركض وسط النيران، متجاوزة الجثث المحترقة والأنقاض المتساقطة.
الحرارة كانت تخترق جسدها، العرق يختلط بالغبار والدماء على بشرتها، لكن النيران احتدمت فجأة من حولها، كأنها تحاول إيقاظها من ذكرياتها، وكأنها تجبرها على رؤية الواقع.
وحين رفعت عينيها… تجمدت أنفاسها.
هناك، وسط الرماد واللهب، كان دانييل.
كان جسده ملقى على الأرض، قريبًا من النار التي كادت تلتهمه، كأن ألسنتها تمتد نحوه لتسرق منه ما تبقى من حياته. الدماء لطخته، اختلطت بالغبار والعرق، أنفاسه متقطعة، عينيه نصف مغلقتين، وكأنهما تقاومان السقوط في الظلام.
وأمامه، كان سايمون.
وجهه مشبع بالكراهية، ملامحه مشوهة بالغضب والانتقام، ينهال عليه بالرصاص كما لو أنه يحاول محو وجوده بالكامل، كأن دانييل مجرد خطيئة يجب أن تُباد، كأن حياته لا تستحق أن تستمر.
— "دانييل!!".
الصرخة انطلقت من أعماقها، ممزقة كل شيء داخلها. شعرت بقلبها ينفجر داخل صدرها، بأحشائها تتقلص كأنها تلوت عليها يد غير مرئية. لم تشعر بنفسها وهي تندفع نحوه. اندفعت بجنون، تخترق النيران، لم تشعر بالحرارة التي كادت تحرق جلدها، كل ما شعرت به هو رعبها من فكرة فقدانه.
ليس الآن…
ليس بعد أن عرف قلبها طريقه إليه.
أدركت تماما أنها تحبه.
ليس كرفيق، ليس كحليف، ليس كظلٍ في حياتها القاحلة، بل كجزء لا يتجزأ منها. كأنه قطعة منها، كأن فقدانه يعني فقدانها هي. لم يكن هناك شك بعد الآن، لم يكن هناك تردد. لم تستطع تخيّل حياتها بدونه، لم تستطع التفكير في يومٍ لا يكون فيه إلى جانبها.
هي فايوليت، التي قتلت بلا تردد، التي لم تعرف معنى الخوف، والآن… هي مرعوبة حتى النخاع من فكرة فقدانه.
كان بإمكانها أن تقتل والدها بسهولة. كان بإمكانها أن تنهيه بضربة واحدة.
لكنها لم تفعل.
بدلًا من ذلك، ركضت.
ركضت كأن حياتها تتوقف على ذلك، كأن الكون كله يتمحور حول لحظة واحدة— إنقاذه.
دفعته بعيدًا عن النيران، سحبته بيديها المرتعشتين، دون أن تهتم بالجروح التي انفتحت على ذراعيها، بالخدوش التي ملأت بشرتها. كل ما يهم هو أن تبعده عن هذا الجحيم، أن تأخذه بعيدًا—
ولكن فجأة—
انفجار.
لغم مزروع بالأرض انفجر بجوارها، قوة الانفجار قذفتها في الهواء، شعرت بالعالم يدور بعنف، وكأن الزمن توقف للحظات. لحظة واحدة كانت كافية لانتزاع يدها اليمنى، لتمزيقها بعيدًا عنها، كأنها لم تكن جزءًا منها قط.
لم يكن مجرد ألم، بل نارًا مشتعلة في كل خلية بجسدها، كأنها احترقت من الداخل. وعيها تذبذب للحظات، رأسها دوّى، نزيفها كان كارثيًا، دماؤها تدفقت كالسيل، لونها الأحمر الحار امتزج بالرماد، ولكن رغم ذلك—
لم تتوقف.
بيد واحدة، بأسنانها، بكل ما تبقى لها من قوة، سحبت دانييل بعيدًا.
نزفت، تهاوت، ركبتاها ارتجفتا تحتها، لكن لم يكن هناك خيار. الألم لم يكن يهم، النزيف لم يكن يهم، الشيء الوحيد الذي يهم هو أنه بين يديها… وأنه يتنفس.
لم تتوقف حتى وصلت إلى بر الأمان، حتى شعرت أنه بعيد عن الجحيم الذي كاد يبتلعه.
وهناك… بين أحضانه، خارت تمامًا.
— "لا… لا تتكلمي، لا تتكلمي أرجوك!"
يده كانت تضغط على جرحها، راحتيه مرتجفتان، أصابعه تلطخت بدمها الدافئ، كانت بين ذراعيه، تتلاشى ببطء كأنها حلم على وشك أن يتبدد.
صوته كان مهتزًا، مرتعشًا، يائسًا. نبرته لم تكن مجرد نداء، بل استجداء، توسّل لحياة تتسرب من بين يديه رغمًا عنه.
لكنها ابتسمت… رغم الألم، رغم الموت الذي كان يزحف إليها كقدر لا مهرب منه. ابتسامتها كانت واهنة، بالكاد مرئية، لكنها حملت كل الدفء الذي لم تعترف به من قبل.
— "على الأقل… هذه المرة أنا من أنقذك، وليس العكس."
ضحكة خافتة اهتزت على شفتيها، لكنها سرعان ما تحولت إلى سعال مؤلم، قطرة دم سالت على طرف فمها، لكنها لم تهتم.
نظر إليها بعينين ذاهلتين، كأن عقله يرفض تصديق ما يحدث، كأن قلبه يتمسك بمعجزة مستحيلة.
— "دانييل…"
اسمه خرج من شفتيها كآخر نغمة ناعمة في سيمفونية على وشك أن تنتهي.
عيناه اغرورقتا بالدموع، صوتُه كاد ينكسر.
— "لا، لا تفعلي هذا بي، لا تفعلي هذا!"
لكنها لم تكن تسمع رجاءه، أو ربما سمعته، لكنها لم تستطع الاستجابة له.
— "أنا… نادمة."
رمشت ببطء، عيناها ضبابيتان، لكن فيهما سكينة لم تكن فيهما من قبل.
— "نادمة لأنني لم أعترف أبكر… نادمة لأنني جعلتك تنتظر."
سقطت دموعه، وهو الذي لم يره أحد يبكي من قبل. شعرت بدفئهم على خدها، امتزجت بدمها، وكأنها آخر شيء يربطها بالحياة.
أخذت نفسًا متقطعًا، وكل شهقة كانت كأنها انتزاع لجزء منها.
— "أحببتك، دانييل… كنت دائمًا أحبك."
ارتجف، أمسك وجهها كما لو كان يمكنه منع الحياة من التسرب منها، كأن لمسته تكفي لإبقائها هنا، معه. لكن شحوبها كان يتزايد، ونظرتها كانت تبتعد أكثر من أي وقت مضى.
— "أنت أثبت لي أن العالم ليس أسودًا بالكامل…"
شفتاها ارتعشتا، كأنها تحاول أن تتمسك بصوتها، أن تتمسك بوجودها معه ولو للحظات أخرى.
— "أنك مختلف… أنك إنسان."
شهقت، جسدها بدأ يفقد حرارته، بردت أطرافها بين يديه، لكن رغم ذلك، حاولت أن تبتسم.
— "فايوليت، توقفي، توقفي عن إخافتي، أرجوك!"
— "أنت طيب، دانييل…"
حاولت رفع يدها لتلمس وجنته، لكنها لم تستطع، فلم يكن أمامها سوى أن تهمس بما تبقى لها من صوت.
— "لهذا يجب أن تكمل حياتك."
— "لا، ليس بدونك، لا تتركيني، لا أستطيع—"
لكنها أسكتته بإيماءة ضعيفة.
— "وصيتي الوحيدة…"
تنفست بصعوبة، صوت أنفاسها كان متقطعًا، متلاشيًا، لكنها رغم ذلك، تمكنت من رسم ابتسامة صغيرة— دافئة وسط الموت البارد.
— "أن تضع أزهار البنفسج على قبري."
ثم، وكأنها كانت تنتظر أن تنطق هذه الكلمات، أغمضت عينيها، تاركة خلفها صمتًا موجعًا، وفراغًا لن يُملأ أبدًا.
أخيرًا، تهاوت جفونها.
وأظلم كل شيء.
وفي نفس اللحظة—
دَوّى آخر مدفع.
وأُعلن انتصارهم.
لكن بالنسبة لدانييل… كان فقدانها أكبر من أي جرح، أكبر من أي معركة... كان الخسران الذي لا شفاء منه.
هو لم ينهَر فورًا. لم يصرخ، لم يبكِ… جلس هناك، جسده في حالة شلل تام، كأن الحياة قد خرجت منه مع آخر نفس لفايوليت. عيناه، اللتان كانتا دائمًا مليئة بالحياة، أصبحتا فارغتين، كبحر ساكن بلا أمواج. ذراعاه تطوقان الجسد الذي لم يعد ينبض بالحياة.
في لحظة واحدة، زال كل شيء؛ أمله، حلمه، حبه، وكل ما كان يتطلع إليه.
— "فايوليت؟"
كان صوته مبحوحًا، واهنًا، أشبه بنسمة خافتة.
لم تجب.
بلل شفتيه الجافتين، يديه المرتعشتين أمسكتا بوجهها برفق، كأنها قطعة زجاج قد تنكسر بين أصابعه إن ضغط عليها أكثر من اللازم.
— "فايوليت، استيقظي…"
أصابعه مررت على وجنتيها، جسدها كان دافئًا بعد، لم يبرد تمامًا… هذا يعني أنها ما زالت هنا، أليس كذلك؟! يمكنه إيقاظها… يمكنه…
— "فايوليت؟"
مرة أخرى، لا إجابة.
ضغط على يدها، انتظر أن تبادله الضغط كما كانت تفعل دائمًا، لكنه لم يجد شيئًا سوى الخواء.
كانت راحة يدها دافئة حين أمسكت به للمرة الأولى. والآن… لم تكن سوى قطعة جليد.
عينيه المتسعتين راحتا تدرسان ملامحها، يبحثان عن أي علامة للحياة، عن أي دليل على أنه لم يفقدها حقًا.
لكنها كانت هناك، بلا حراك، بلا نفس، بلا ضوء في عينيها المغلقتين.
كأن الحقيقة كانت تصفعه ببطء، تمزقه بأسنانها الحادة دون أن تعطيه فرصة للهرب.
ابتلع ريقه بصعوبة، قلبه ينبض بعنف، أنفاسه ثقيلة، متقطعة، وعيناه…
عيناه بدأتا تلمعان رغمًا عنه.
لكنه رفض البكاء.
رفض أن يصدق.
— "لا يمكنكِ فعل هذا بي…"
حاول أن يبتسم، ابتسامة مكسورة، مرتجفة، كأنها محاولة فاشلة للتمسك بالأمل.
— "هذه ليست إحدى ألعابكِ السخيفة، أليس كذلك؟ لن تفتحي عينيكِ فجأة وتضحكي عليّ، صحيح؟"
رفع رأسه قليلًا، تنفس بعمق، يحاول الحفاظ على تماسُكه… لكنه لم يستطع.
انحنى إلى الأمام، جبينه يستند إلى جبينها، أنفاسه الساخنة اختلطت ببرودتها، أغمض عينيه بقوة.
"لا يمكنكِ الرحيل، فايوليت…"
كانت الكلمات محبوسة في حلقه، مثلما كان قلبه مكبلًا. كيف له أن يتحمل هذه الخسارة؟ كيف يستطيع أن يواصل بدونها؟
أصابعه انغرست في قماش ملابسها الممزقة، يحاول أن يهزها، أن يوقظها، أن يعيدها…
لكن الجثة لا تستيقظ.
— "لا… لا، لا، لا، لا، لااااا!!!"
يداه، المرتجفتان شدت جسدها إليه. شعرها المتسخ بالدماء انساب بين أصابعه، لكنه لم يهتم. كان يريد فقط أن يشعر بها، أن يصدق أنها ما زالت هنا، أن هذه ليست نهاية قصتهما.
كانت لحظاته تلك عذابًا نقيًا، تمزقًا نفسيًا، ألمًا لا حد له. دفن وجهه في صدرها، يجهش ببكاء لم يسمح لنفسه به منذ الطفولة، دموعه تتساقط على جسدها البارد، كأنها رجاء يائس لإعادتها للحياة.
كان كل شيء… فارغًا.
تذكر… تذكر كيف ضحكت يومًا، كيف رفعت حاجبها بسخرية عندما كان يتحدث معها، كيف رمقته بتلك النظرة التي كانت تعني أنه أحمق لكنه أحمقها المفضل.
— "فايوليت… عودي إليّ…"
كان يهمس، يكررها، كأن تكرارها كافٍ لصنع معجزة. لكن المعجزات لم تُخلق لأمثالهما.
فتح عينيه المغرورقتين، نظر إليها جيدًا، إلى وجهها المسالم، إلى تلك الابتسامة الباهتة التي بقيت على شفتيها حتى وهي في الموت.
— "كنتِ أقوى مني دائمًا، فايوليت… حتى في النهاية."
كان يهمس في أذنها، رغم علمه بأنها لن تسمعه: "أنا آسف، فايوليت. آسف على كل شيء."
شعر بألم فظيع يعتصر صدره، كأن قلبه يرفس داخله يريد الخروج، يريد اللحاق بها، يريد الموت حيث ماتت.
كل شيء كان ضبابيًا حوله. ومع كل لحظة تمر، كان قلبه يتقلص أكثر. كيف يمكنه العيش بعد هذا؟ كيف يمكنه الاستمرار في عالم لا يوجد فيه سوى الفراغ، والدماء، والألم؟
لكنه بقي هناك، محتفظًا بها بين ذراعيه، غير قادر على التحرر من هذا الحزن الذي سحقه. لم يكن هناك شيء آخر في عالمه سوى جثة فايوليت التي تحتضنها يديه، وكل ما كان يستطيع فعله هو أن يدفن رأسه في شعرها، في محاولة يائسة أن يستشعر ولو جزءًا من وجودها.
وفي لحظة…
لحظة واحدة فقط، عندما أيقن أنه فقدها حقًا، أن لا شيء سيُعيدها، أن الحياة قد نزعت منها بالقوة—
دوى صوته عاليًا في أرجاء المكان، صرخة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتُسقط السماء فوقه.
تلك الصرخة كانت كل ما تبقى من روحه وهو يحتضنها، وهو يدفن أنفه في شعرها، وهو يترك دموعه تسقط أخيرًا، ببطء، بهدوء، كما لو كانت آخر ما يملكه من حياة.
----
يتبع...
salcafeine