الليلة كانت هادئة، أو ... هكذا بدت قبل أن تنفجر الفوضى في الظلام.
لم تكن هذه سوى مهمة أخرى، عملية يجب أن تتم بصمت وسرعة، دخول نظيف، قتل مستهدف، خروج بلا أثر. لكنها، كما هو الحال دائمًا، لم تسر كما خُطط لها.
في لحظات شق الرصاص الهواء، الدماء رسمت خطوطًا على الجدران المهترئة، والأصوات تحولت إلى خليط من الصرخات والخطوات المتخبطة. ووسط كل ذلك كانت فايوليت تتحرك بسلاسة وسط المعركة، تقتل دون تردد، تنجو دون توقف.
لكنها هذه المرة لم تكن وحدها.
دانييل كان هناك، كما اعتادت مؤخرا أن تجده. كان يقاتل بجوارها، ظهره يحمي ظهرها، وكأنهما جسدان بروح واحدة. خطواتهما، ضرباتهما، حتى نظراتهما كانت تتواصل بلا حاجة للكلمات.
في لحظة خاطفة، سقط سلاحها من يدها. لحظة واحدة فقط، لكنها كادت أن تكون الأخيرة.
رغم سرعة فايوليت ولكنها فور التفاتها وجدت العدو يندفع نحوها، عينيه مصوبتين على عنقها العاري، يده تمتد بسرعة قاتلة... الورقة الرابحة لعدوهم ستكون بين يديه!
لكن لم يصل إليها.
قبل أن يُطبق أصابعه حولها، كان قد فقد الإحساس بهم، ثانية واحدة من الصمت، كانت كفيلة بجعل صوت سحق العشب أسفل يده المبتورة واضحا. وقبل أن يعي ذلك حتى، كانت سكين دانييل قد سبقته، مغروسة بوحشية في عنقه.
سقط الرجل بلا صوت، جسده ينهار بثقل عند قدميها، وعندما رفعت عينيها، وجدت دانييل يحدّق بها. لم يكن هناك غرور أو فخر في ملامحه، فقط تلك النظرة التي لم تودّ أن تعتادها.
تنفست ببطء، حدقت في الجثة للحظة، ثم نظرت إليه.
"لم أكن بحاجة إلى إنقاذك." قالت بصوت منخفض، كأنها تحاول استيعاب ما حدث.
لقد كانت على بعد شعرة من الموت للتو!
"أعلم." أجاب وهو يسحب سكينه من الجثة، بيننا نظراته لم تفارقها. "لكنني فعلت."
كانت تستطيع الرد، كانت تستطيع إنكار حاجتها إليه أو السخرية من تدخله، لكنها لم تفعل.
للحظة، لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه-ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تشعر بالتيقظ الحاد، لم تشعر بضرورة رفع جدرانها الدفاعية.
لم يكن هذا إرتباكًا، كان شيئًا آخر.
راحة؟
لم تعرف متى بدأ الأمر، متى أصبح وجوده بجانبها أمرًا مألوفًا، متى بدأ شعور الأمان هذا يتسلل إليها بلا استئذان. لكنها الآن، وهي تقف بجانبه وسط ساحة الموت هذه، أدركت أن الفرق شاسع بين أن تخوض الحرب وحدك، وبين أن يكون هناك من يحمي ظهرك دون أن تخشى غدره.
وإن كان هناك من يستحق هذه الثقة... فربما، فقط ربما، يكون دانييل.
---
توقفت المعارك لأيام قليلة، لكن الطقس لم يكن أقل قسوة من الحرب. العاصفة الثلجية كانت كوحش هائج، تزأر فوق المعسكر الصغير الذي أقاموه في قلب الجحيم الأبيض. الرياح تصفع الخيام، والثلوج تتراكم بسرعة، تبتلع كل شيء تحتها.
كانت فايوليت جالسة على صخرة بالقرب من النار التي لم تعد تقدم سوى دفء خافت، عيناها نصف مغمضتين، أطرافها متيبسة، وكأن البرد يزحف ببطء ليمتص الحياة منها.
"تبدين كجثة." جاء صوت دانييل من خلفها، محاولًا إخفاء قلقه بسخرية معتادة.
"وأنت تبدو كشبح." ردت بصوت خافت، دون أن تلتفت.
خطا نحوها، وبلا مقدمات، ألقى معطفه الثقيل فوق كتفيها. دفئه المفاجئ جعلها تنتفض قليلًا، لكنها سرعان ما دفنت أصابعها فيه، دون أن تعترف بذلك.
"لا تكوني عنيدة." قال بصوت حازم، وكأنه لا يمنحها خيارًا.
رفعت عينيها إليه، محاولة أن تعيد المعطف، لكنه جلس بجوارها، أقرب مما يجب، وجذبها نحوه بقوة، يحيطها بذراعيه كما لو كان درعًا يفصلها عن البرد القاتل.
تصلبت للحظة، جسدها يقاوم... لكنها سرعان ما استسلمت. سمحت لنفسها أن تسترخي قليلًا، أن تشعر ولو للحظات بأنها ليست وحيدة في هذه العاصفة.
"فايوليت القوية، هل تخشى البرد؟" سألها بنبرة ساخرة، بينما كانت أنفاسه الدافئة تلامس شعرها المتجمد.
"لا." أجابت بصوت منخفض، لكنه سمع الحقيقة في نبرتها.
لم يكن البرد ما تخشاه. بل أن تعتاد على الدفء.
صمت للحظات، وكأن كلمتها لمسته عميقا أكثر مما ينبغي. ثم، بصوت خافت بالكاد يسمع وسط العاصفة، همس:
"إذا كنتِ ستعتادين على شيء... فليكن هذا الدفء."
لم تجبه، لكنها لم تتحرك بعيدًا أيضًا.
وكان ذلك كافيًا بالنسبة له.
----
بعد تلك الليلة العاصفة، لم يكن هناك وقت للراحة.
عندما انحسرت العاصفة أخيرًا، لم يكن ذلك بشارة خير. على العكس، كان الصمت الذي أعقبها أكثر رعبًا من العاصفة نفسها، وكأن الأرض تحبس أنفاسها قبل الانفجار القادم.
في الصباح البارد، وقفت فايوليت بجوار دانييل، تنظر إلى الأفق حيث بدأت الشمس بالكاد تشق طريقها بين السحب الرمادية. كانت الأرض تحتهم مغطاة بطبقة من الجليد، لكنه لم يكن نقيًا. آثار الأقدام، بقع الدم القديمة، والخيام الممزقة كانت شاهدة على أن الحرب لم تكن بعيدة.
"لن يدوم هذا الهدوء طويلًا." قال دانييل، صوته محايد، لكنه كان يعرف الحقيقة جيدًا.
"لم أفكر بذلك أصلًا." ردت فايوليت، وهي تتفقد سلاحها، تتأكد أن كل شيء في مكانه.
نظر إليها للحظة، يراقب كيف تحرك أصابعها الذخيرة بمهارة باردة، وكيف كانت عيناها صلبة كالفولاذ، وكأنها مستعدة لما هو قادم.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم مد يده وانتزع معطفه عن كتفيها، دون أن يعلق على حقيقة أنها كانت لا تزال ترتديه منذ الليلة الماضية.
"حان الوقت." قال بصوت منخفض، قبل أن يدير ظهره متوجهًا إلى الجنود الذين بدأوا بالتجمع استعدادًا للمسير.
لكن قبل أن يبتعد، سمع صوتها.
"دانييل."
توقف، التفت إليها، منتظرًا.
نظرت إليه للحظة، ثم قالت بهدوء، دون أي نبرة ضعف:
"ابقَ حيًا."
نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت.
"هذا هو الاتفاق، أليس كذلك؟" ثم استدار ومشى.
وفايوليت، دون أن تدري، شعرت أن شيئًا في داخلها بدأ يتغير... ببطء، لكن بلا رجعة.
وبعد ساعات قليلة، كانت الحرب تنتظرهم.
----
المعركة الكبرى ضد أوكرانيا لم تكن مثل أي قتال خاضوه من قبل. هذه المرة، لم يكن الموت مجرد احتمال... كان حقيقة، تقترب منهم مثل ظل لا مفر منه.
وسط الفوضى، وسط أصوات الرصاص المنهمر والانفجارات التي مزقت الأرض، وجد دانييل نفسه منفصلًا عن بقية جنوده، محاصرًا بين أنقاض مبنى منهار. الدماء تسيل من جرح غائر في كتفه، سلاحه شبه فارغ، والعدو يقترب.
أدرك أن النهاية وشيكة.
رفع مسدسه، لكنه كان يعلم... طلقة واحدة لن تكفي. والفرار لم يكن خيارًا.
ثم، قبل أن يسقط... كانت هناك.
فايوليت.
ظهرت من العدم، مثل شبح، مثل لعنة... أو ربما مثل منقذة أرسلها القدر في اللحظة الأخيرة.
بضربات سريعة وقاتلة، أسقطت أعداءه واحدًا تلو الآخر، كما لو أن جسدها تحرك وحده، كما لو أن حياتها لم تكن مهمة بقدر حياته. رصاصاتها لم تخطئ، وسكينتها تشق الهواء كأنها تجسّد غضبها.
وحين انتهى كل شيء، وقفت أمامه، والدماء تلطخ وجنتها الباردة، نظر إليها بعيون لم يرها بها من قبل.
أخذ نفسًا متعبًا، قبل أن يهمس، وكأنه يخشى أن يخذله صوته:
"قلت لكِ أن تبقي حية."
رغم الإنهاك، رغم الدماء، رغم الفوضى، ابتسمت. ابتسامة لم تكن ساخرة، لم تكن متهكمة... بل صادقة، بشكل مؤلم.
"وأنا أبقيتك حيًا."
للحظة، وسط الدمار والموت... كان هناك شيء آخر. شيء لم يكن من المفترض أن يوجد في ساحة المعركة.
لكن رغم كل شيء، وجد دانييل نفسه يتمسك به.
تمامًا كما تمسكت به فايوليت.
----
السماء كانت رمادية، مشبعة برائحة البارود والدم. الأرض تحولت إلى ساحة جحيم، حيث الجثث متناثرة، والأنين يتلاشى مع صرخات القتال. الحرب، رغم نهايتها الوشيكة، لم تكن رحيمة بأحد.
وسط ساحة المعركة، كان دانييل يلتقط أنفاسه بصعوبة، يده تقبض بقوة على سلاحه المغطى بالدماء. جسده كان متعبًا، لكنه لم يكن يملك رفاهية التوقف. العدو لم يستسلم بعد، وما زال القتال مستمرًا حتى الرمق الأخير.
وفجأة، وسط الفوضى، سمع صوتًا مألوفًا.
"دانييل، لا تخبرني أنك ستتركني أستمتع بهذه المجزرة وحدي!"
التفت بسرعة، ليجد سون، صديقه القديم، واقفًا على مسافة ليست بعيدة، مبتسمًا رغم الدماء التي غطت وجهه. كان سيفه الخاص لا يزال مشتعلاً بالقتال، ووراءه، كان جنوده يقاتلون بشراسة لا تقل عن جنود دانييل.
رغم الوضع، لم يستطع دانييل منع نفسه من الضحك بخفوت.
"كنت أعتقد أنك في الجبهة الشرقية، سون." نطق وهو يخطو نحوه، يسحق الأرض الموحلة تحت قدميه.
"كان المفترض ذلك، لكنني فكرت أن الجبهة الغربية تبدو أكثر إثارة." رد سون، قبل أن يسدد طعنة خاطفة إلى أحد الأعداء دون أن يشيح بنظره عن دانييل.
"دائمًا ما تحب سرقة الأضواء." نبس دانييل بتهكم، بينما استعد بدوره للهجوم.
سون ابتسم، ثم رفع سيفه نحو السماء. "فلننهي هذا إذًا، كما اعتدنا دائمًا."
لم يكن هناك وقت لمزيد من الكلمات.
انطلقا معًا، كما اعتادا منذ سنوات، ظهر كل منهما يحمي الآخر، ينسجان بينهما رقصة موت لا يمكن لأحد مقاطعتهما فيها. كانا سلاحًا لا يُكسر، يدًا واحدة تحصد الأعداء بلا هوادة.
لكن الحرب، رغم كل شيء، لا تمنح أحدًا نصرًا كاملًا.
بعد ساعات من القتال المستمر، ومع آخر صرخة للعدو، انتهى كل شيء.
وقف دانييل وسط ساحة الحرب، يده لا تزال تقبض على سيفه بإحكام رغم أن القتال قد انتهى. بجواره، كان سون يحدق بالمذبحة التي خلفوها، جسده مُنهك وروحه أثقل من أن يحتملها. الأرض تحت أقدامهم لم تعد سوى خليط من الطين والدم، تتناثر عليها جثث لا حصر لها. بعضهم أعداء، وبعضهم... لم يكن من المفترض أن يكونوا هنا. جثث جنودهم امتزجت بجثث الأعداء، ورائحة الموت كانت ثقيلة كأنها ستبقى للأبد.
النصر كان لهم، لكن بأي ثمن؟
استند دانييل على سيفه، أنفاسه متقطعة، بينما راح عينيه تتفحصان الجنود القلائل المتبقين. فقدوا نصف جيشهم. نصف إخوتهم في السلاح. نصف من تقاسموا معهم الليالي الباردة والضحكات العابرة وأحلام ما بعد الحرب.
بجانبه، زفر سون زفرة ثقيلة، ثم قال بصوت أجش:
"هذا... لا يبدو وكأنه نصر."
ألقى دانييل نظرة أخرى على الدماء التي غمرت الأرض، على العيون المفتوحة التي لن تغلق أبدًا، ثم همس بصوت بالكاد يسمعه أحد:
"الحرب لا تعطي شيئًا دون أن تأخذ أكثر."
لم يجب سون. فقط وقف هناك، صامتًا بجواره، كما لو أن الصمت كان الطريقة الوحيدة لاحترام من سقطوا.
كان الصمت الذي أعقب القتال أكثر رعبًا من ضجيج المعركة نفسها.
وبين كل هذا، كانت فايوليت هناك، لكنها لم تكن تنظر إلى المشهد ككل.
كانت عيناها مسمرة على نقطة واحدة.
لم تكن ترى الجثث المبعثرة، لم تكن ترى الأرض الملطخة بالدماء، ولا حتى السماء الرمادية التي شهدت هذه المجزرة.
كانت ترى فقط كلوي.
أو بالأحرى... ما تبقى منها.
رأسها فقط، مفصول عن جسدها، ملقى على الأرض بجانب جثة العدو الذي كان السبب في موتها. عينَا كلوي كانتا مفتوحتين، تحدقان في الفراغ كما لو أنها لم تستوعب بعد كيف انتهى كل شيء بهذه السرعة.
ركعت فايوليت ببطء، ركبتاها تغوصان في الوحل، لم تشعر بالبرودة، لم تشعر بشيء.
كانت كلوي ألطفهن. لم تكن متمرسة كالبقية، لم تكن قوية بما يكفي... لكنها كانت دائمًا تبتسم. دائمًا ما تحدثت عن الأيام التي ستأتي بعد الحرب، عن العالم الذي تريد أن تعيش فيه بعد أن ينتهي كل هذا.
لكنها لن تراه أبدًا.
مدّت فايوليت يدها ببطء، وأغلقت عيني كلوي بأطراف أصابعها المرتعشة.
"لقد فعلتها." همست، لكنها لم تكن تعرف لمن كانت توجه كلماتها.
ربما لنفسها، ربما لكلوي، وربما لذلك الجندي الذي مزقها بهذه الوحشية، والذي أصبح الآن جثة هامدة تحت قدميها، بفعل يديها هي.
كانت تلك أول مرة تقتل شخصًا بدافع الغضب. بدافع الانتقام الصرف، دون أي عقلانية، دون أي استراتيجية.
لم تشعر بالانتصار حين فعلت.
لم تشعر بالراحة.
شعرت فقط بالفراغ.
من خلفها، اقترب دانييل، لكنه لم يقل شيئًا. فقط وقف هناك، ناظرًا إلى جسد كلوي، إلى الطريقة التي تجمدت بها فايوليت أمامها، إلى الدماء التي لطخت يديها والتي لم تكن كلها من العدو.
أما سون، فكان صامتًا بدوره، يدرك أن بعض الجراح لا تحتاج إلى كلمات لتتعمق أكثر.
بعد لحظات طويلة، نهضت فايوليت ببطء، لكنها لم تمسح الدماء عن يديها. فقط التفتت إلى دانييل، وعندما التقت عيناها بعينيه، لم يكن هناك أي شيء مما عرفه عنها سابقًا.
لم تكن فايوليت القوية، الجريئة، العنيدة.
كانت فايوليت... فارغة.
"لننهي هذا." قالت بصوت هادئ، لكنه كان يحمل داخله عاصفة قاتلة.
أدرك دانييل أن الحرب لم تأخذ منها كل شيء مرة واحدة.
بل كانت تسرقها ببطء.
قطعة بعد أخرى.
وجاء دور قطعة أخرى الآن، ولن تعود أبدًا.
----
بدأ الجنود بجمع الجثث بصمت، وكأن الحرب امتصت منهم القدرة على الحديث. لم يكن هناك ضجيج سوى صوت الريح الباردة، وصدى الخطوات الثقيلة فوق الأرض الملطخة بالدماء.
كان دانييل يعمل معهم، لكنه كان يراقب فايوليت بين الحين والآخر. لم تكن تتحدث، لم تكن تطلب المساعدة. كانت تتحرك كما لو أن شيئًا لم يحدث، تحمل الجثث مع الآخرين، يداها مغطاة بالدم، عيناها جامدتان.
إلى جانبه، وقف سون وهو يراقبها أيضًا، قبل أن يقول بصوت منخفض:
"إنها مختلفة عن آخر مرة رأيتها فيها."
نظر إليه دانييل للحظة، قبل أن يعود بعينيه إلى فايوليت.
"هي دائمًا كانت هكذا،" قال بهدوء. "لكن الحرب... تأكل الباقي."
لم يكن سون بحاجة إلى تفسير إضافي. كلاهما يعرف كيف تلتهم المعارك أجزاءً من البشر حتى لا يتبقى منهم سوى أصداء ما كانوا عليه.
عندما عادوا إلى المعسكر، لم يكن هناك احتفال بالنصر. لم يكن أحد يملك طاقة لذلك.
أُقيمت الخيام الطبية بسرعة، وبدأ الأطباء في معالجة المصابين، بينما جلس البقية في زوايا المعسكر، بعضهم يحدق في الفراغ، والبعض الآخر يحاول النوم رغم الكوابيس التي تنتظرهم.
في إحدى زوايا المعسكر، كانت فايوليت تجلس بصمت، تنظر إلى يديها المتسختين بدماء لم تعد تعرف لمن تعود.
شعر دانييل بشيء في داخله ينكسر وهو يراها بهذه الحالة. كان معتادًا على برودها، على صلابتها، لكنه لم يرها بهذا الشكل من قبل... بهذا الثقل الذي يبدو وكأنه يجرّها إلى أعماق لا يستطيع الوصول إليها.
جلس بجانبها دون أن يقول شيئًا، مد يده وأخذ قطعة قماش مبللة، ثم بدأ بمسح الدم عن يديها.
تصلبت للحظة، كما لو أن لمسة شخص آخر كانت أمرًا غير مألوف لها، لكنها لم تبعد يديها. فقط راقبته وهو ينظف آثار الحرب عنها بصمت.
عندما انتهى، نظر إليها مباشرة، عينيه ثابتتان على عينيها.
"أنتِ لستِ وحدك." قالها بهدوء، لكن بقلق لا يمكن إنكاره.
رفعت عينيها إليه، وبدا لوهلة وكأنها على وشك قول شيء ما... لكن الكلمات لم تخرج.
وفي النهاية، فقط أومأت، بصمت، لكنها لم تسحب يديها من يديه.
لم يكن الأمر كبيرًا. لم يكن تحولًا دراميًا، ولم يكن حلاً سحريًا لكل شيء.
لكنه كان لحظة.
لحظة كان فيها شخص ما بجانبها، رغم كل شيء.
على الجانب الآخر من المعسكر، كان سون يشرف على علاج أحد جنوده، لكن عينيه التقتا بدانييل وفايوليت.
ابتسم بخفة، قبل أن يهز رأسه، ويتمتم لنفسه:
"عنيد كما هو دائمًا."
لم يكن سون بحاجة إلى تفسير، لأنه يعرف صديقه.
يعرف أنه لن يتركها تسقط، حتى لو اضطر إلى حملها بنفسه.
----
ظل دانييل إلى جوارها، رغم صمتها، رغم الجمود الذي يحيط بها كجدار لا يُخترق. لم يكن مضطرًا للبقاء، كان بإمكانه العودة إلى خيمته مثل الآخرين، لكن فكرة تركها وحدها في هذه اللحظة لم تكن واردة.
أدار علبة سجائره بين أصابعه دون أن يشعلها، وعيناه تراقبانها من زاويته. بدت وكأنها تنتمي أكثر إلى الظلام حولها، كما لو أن الحرب صنعتها لتكون جزءًا منها.
"أتذكرين عندما أخبرتني لماذا انضممتِ للجيش؟"
لم تحرك رأسها، لكنها أغمضت عينيها للحظة، كأنها تحاول استدعاء تلك الذكرى، أو ربما محاولة دفنها مجددًا.
"عائلة جورج،" أكمل هو بصوت خافت. "رغبتك في الانتقام منهم."
هذه المرة، التفتت نحوه، نظرة باردة على وجهها، لكنها لم تكن بحاجة للحديث، فقد عرف أنها تمقت أن يأتي أحد على سيرتهم،أولئك الحثالات المختبئون أسفل غطاء السلطة.
لكنه لم يتراجع.
"ما رأيك أن أقتلهم بدلاً منك؟" قالها بجدية، دون تردد، كأنه يعرض عليها صفقة عادية.
حدقت فيه، في عينيه التي لم يرمش فيهما، قبل أن تضحك بسخرية، كأنها لا تصدق ما تسمع.
"هل تمزح؟"
"أنا جاد،" قال بثبات. "سأحضر لكِ جثثهم كدليل، وأنتِ... تنسحبين. تتركين هذا المكان، هذه الحرب، وتعيشين."
اتسعت عيناها قليلًا، لكن الدهشة في لحظة تحولت إلى غضب محدق إشتعل شراره في عينيها. نهضت من مكانها، قبضتاها مشدودتان بجانبها.
"هذا... شفقة؟" كان صوتها منخفضًا لكنه بدأ يعلو شيئا فشيئا مشحونًا بغضب عارم.
"إن لم أكن أنا من يقتلهم، سيكون انتقامًا بلا معنى." نظرتها كانت نارية، مليئة بإصرار شرس. "أنا من يجب أن أنهي الأمر، لا أحد غيري. لا أريد أن يعتمد مصيري على أحد. ولا أريد أن أكون مدينة لأحد."
توقف الزمن بينهما للحظة.
نظر دانييل في عينيها المليئتين بالظلام، بالإصرار، بكل شيء جعلها تصبح المرأة التي يعرفها اليوم. ظل يحدق في النار المشتعلة داخلها، قبل أن يتنهد، يمرر يده في شعره بتعب.
"حسنًا، إذن افعليها بنفسك."
رفعت حاجبها ببطء، وعلامات الحذر تملأ ملامحها.
"ولكن بعد أن تنتهي، ستنسحبين. ستخرجين من كل هذا، وسأساعدك على ذلك."
ضاقت عيناها، كأنها تحاول قراءة ما وراء كلماته، قبل أن تهمس:
"ولماذا تهتم؟"
نظر إليها لثانية طويلة، ثم ابتسم نصف ابتسامة، لكنها لم تكن سعيدة.
"لأنني لن أتحمل رؤيتك تتأذين أكثر."
كان هذا كل شيء. الحقيقة العارية، التي لم يحاول تغليفها أو تلطيفها.
شاهد كيف تجمدت عيناها، كيف كانت على وشك الرد، على وشك دحض كلماته، لكنه تحدث قبلها، صوته أهدأ، لكنه أكثر وضوحًا مما كان يومًا.
"لأنني أحبك، يا حمقاء."
هذه المرة، لم يكن لديها رد جاهز.
شعرت كأن الهواء انقطع عنها للحظة، وكأن كل الضوضاء في رأسها توقفت فجأة. تجمدت في مكانها. لم تكن تتوقع ذلك، لم تكن مستعدة له.
لقد كانت تتوقع الصراخ، المزيد من العناد، لكن ليس هذا... ليس هذا.
لكن دانييل لم يكن ينتظر ردها، لم يكن بحاجة إليه الآن.
"لذا، سأساعدك في انتقامك، وسأكون هناك حتى النهاية." ابتسم بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة رجل منتصر، بل شخص يعرف أنه يسير إلى حتفه بإرادته.
"وبعدها، إما أن نعيش، أو نموت معًا."
كانت هذه هي وعود الحرب الوحيدة التي يمكن أن تُحفظ.
للمرة الأولى... لم تعرف فايوليت كيف ترد.
كانت دائمًا تلك المرأة التي لا تهتز، التي لا تتلعثم، التي لا تدع شيئًا-أو أحدًا-يؤثر على إيقاعها. لكنها الآن، أمام هذا الاعتراف المفاجئ، أمام الرجل الذي تفترض أنها تعرفه جيدًا... كانت مختلفة تمامًا.
كأن شيئًا ما داخلها اختلّ.
خفقاتها التي لم يُبطئها الجوع، ولم يُسرّعها الخطر، ضربت صدرها بجنون، متخبطة بلا إيقاع، وكأن قلبها قرر، أخيرًا، أن يتمرد عليها.
"لأنني أحبك، يا حمقاء."
كلماته كانت بسيطة، لا تملك أي زينة أو تلاعب، لكنها حملت ثقلًا لم تكن مستعدة له.
شعرت بالبرد والدفء في آن واحد. شيء غريب زحف تحت جلدها، جعل أطرافها ترتجف رغم أن جسدها لم يكن يعاني من البرد قبل لحظات. لم يكن هذا ارتعاش الخوف... ولا حتى الغضب. كان شيئًا لم تعترف بوجوده من قبل.
عيناها بقيتا معلقتين على ملامحه، تدرس كل تعبير، كل تفصيلة، تبحث عن أي دليل على التلاعب... لكنها لم تجد شيئًا سوى الصدق.
وما زاد الطين بلة؟ أنه كان مستمتعًا برؤيتها هكذا.
شفتيه التويتا بخفة تظهران شبح ابتسامة مستمتعة، عيناه تراقبان اضطرابها بشيء من التسلية، وكأنه كان يتوقع تمامًا أنها ستنهار بهذه الطريقة، أنها ستفقد صلابتها في هذه اللحظة.
يا إلهي... كم أرادت أن تمسح هذه النظرة من وجهه، أن تستعيد تماسكها، أن تعود فايوليت التي لا تؤثر فيها الكلمات.
لكنها لم تستطع.
كان الأمر أشبه بمحاولة استعادة السيطرة على جسد خذلها بالكامل.
حاولت فتح فمها، لكنها لم تجد ما يمكن قوله، لم تجد كلمات مناسبة لترد على ما قاله، على ما فعله بها. وحتى عندما حاول عقلها أن يجد مهربًا، أن يرفض هذه المشاعر تمامًا، كان جسدها يخونها... قلبها يخونها.
دانييل، ذلك الجحيم المتحرك، كان ينظر إليها وكأنه يعرف تمامًا ما يدور في رأسها، وكأنه يستمتع برؤيتها تحاول عبثًا إنكار الأمر.
"لماذا تبدين وكأنك رأيتِ شبحًا؟" سأل أخيرًا، صوته يحمل نبرة ساخرة، كانت محاولة منه لتلطيف الأجواء.
لقد كان... لطيفًا معها فقط.
كأنما لا يريد أن يدفعها بعيدًا، بل يريدها أن تبقى، أن تفهم، أن تستوعب.
ولكن هذا كان أسوأ.
فايوليت لم تكن تعرف كيف تتعامل مع اللطف، مع الاهتمام الذي لا يحمل خلفه دافعًا خفيًا.
لذا، فعلت أكثر ما تجيده.
أجبرت نفسها على رفع ذقنها، على أن ترميه بنظرة متماسكة... أو هكذا اعتقدت.
لكن صوتها، حين خرج، لم يكن كالسابق. كان خافتًا، مرتجفًا، بالكاد يشبه صوتها المعتاد.
"أنت... أنت مجنون."
ضحك دانييل، لم يحاول حتى إخفاء ابتسامته المتسلية، قبل أن يميل نحوها قليلًا، يقرب وجهه حتى أصبح على بعد أنفاس منها.
"ربما،" همس، "لكنني على الأقل أعترف بمشاعري. ماذا عنكِ؟"
وكان هذا هو الهجوم القاتل.
لقد علقّت، تجمدت تمامًا، وعقلها يصرخ بحثًا عن أي رد، أي مخرج، أي شيء يمكن أن يعيد إليها توازنها.
لكن المشكلة كانت أنها لم تكن تملك إجابة.
لأنها، لأول مرة في حياتها، لم تكن متأكدة مما تشعر به.
بيدين مهتزتين أكثر مما أرادت الاعتراف به، دفعت صدره بقوة، كأنها تحاول خلق مسافة بينها وبينه.
لم تقل كلمة واحدة، فقط استدارت وهربت.
خطواتها السريعة كانت تترجم فوضى عقلها، بينما تحاول السيطرة على ارتعاش أصابعها وحرارة وجهها التي لم يسبق أن شعرت بها من قبل. لم تكن تعرف إلى أين تذهب، فقط أرادت الابتعاد عنه، عن نظرته، عن ذلك الصوت العميق الذي لازال يكرر كلماته في رأسها "لأنني أحبك، يا حمقاء."
لكن دانييل لم يلحق بها.
ظل واقفًا في مكانه، يراقب رحيلها بعينين تعكسان شيئًا آخر غير الإحباط... لم يكن غاضبًا، ولم يكن حتى متفاجئًا. بل على العكس، كان هناك ظل ابتسامة صغيرة على وجهه، وكأنه كان يتوقع تمامًا أن تفعل ذلك.
ثم جاء صوت مألوف من خلفه، بنبرة ساخرة، تملؤها متعة خالصة:
"ذوقك غريب يا رجل."
استدار دانييل ببطء، ليجد سون واقفًا هناك، يراقب المشهد منذ البداية، يديه معقودتان فوق صدره، وابتسامة مستمتعة تزين وجهه.
رفع دانييل حاجبًا، قبل أن يغمغم بنبرة جافة: "مراقبة الناس خِصلة قبيحة، يا سون."
ضحك سون بخفة، وتقدم ليقف بجواره، وعيناه لا تزالان تتابعان الاتجاه الذي هربت إليه فايوليت.
"ما كان عليّ أن أفوّت رؤية هذا. أعني... لم أتخيل يومًا أن أرى فايوليت تهرب."
دانييل زفر ببطء، قبل أن يشق ابتسامة جانبية، يده تتسلل إلى جيب سترته. "ليست هروبًا، بل وقتًا لتستوعب الأمر."
سون هز كتفيه بعدم اقتناع، ثم التفت نحوه مجددًا. "إذن؟ ما خطتك أيها العاشق المأساوي؟"
"أنتظر." كانت إجابته بسيطة، لكن واثقة.
سون تأمله للحظة، ثم هز رأسه، وكأنه يعترف بهزيمته أمام عناده. "حسنًا، لنرى كيف سينتهي هذا."
ثم، دون مقدمات، ربت على كتف دانييل، وبنبرة أكثر جدية، قال: "لنكمل حديثنا في شقتك. أعتقد أنك أردت معرفة شيء ما، أليس كذلك؟"
دانييل لم يرد مباشرة، فقط قاد الطريق نحو شقته، وعيناه تعكسان إدراكه أن ما سيأتي لن يكون سهلًا.
خلال الطريق، لم يكن هناك حديث بينهما. دانييل لم يضغط، لكنه كان واضحًا في نظراته أنه لن يدع الموضوع يسقط بسهولة.
وحين وصلا إلى شقته، لم يضيع الوقت. بمجرد أن جلسا، استدار إليه دانييل، نبرته كانت أشبه بتحذير أكثر من كونها سؤالًا:
"احكِ لي كل شيء، سون."
سون تأمل صديقه لوهلة، ثم زفر، ومرر يده بين خصلات شعره بتوتر نادر.
"أنت لا تفهم، دانييل... بعض الأمور، كلما بقيت مخفية، كان ذلك أفضل."
لكن دانييل لم يكن من النوع الذي يقبل بذلك.
"ليس عندما يتعلق الأمر بها."
حدق سون في عينيه للحظات، ثم، بعد صمت طويل، هز رأسه، واستسلم أخيرًا.
"حسنًا... لكن لا تلمني إذا لم تتمكن من النظر إليها بنفس الطريقة بعد الآن."
ثم بدأ يحكي-عن تلك الليلة، عن السجن، عن الألم الذي عاشته فايوليت، وكيف خرجت منه أقل إنسانية مما دخلت.
ودانييل، رغم كل شيء... استمع.
ومع كل كلمة، كان يدرك أكثر أن فايوليت التي يعرفها لم تكن وليدة الحرب فقط، بل ولدت في الجحيم قبل ذلك بكثير.
كان الغضب يتصاعد في عروقه كما لو أن نارًا متأججة قد أشعلت بداخله، تحرقه ببطء، لكن دون أن تلتهمه بالكامل. عيناه أظلمتا، لم يعد يرى سوى الاسم... ذلك الاسم اللعين الذي تفوّه به سون، كأن الحروف نفسها كانت محفورة على روحه.
دانييل لم يكن رجلًا رقيقًا، لم يكن ممن يملكون قلوبًا تهتز بسهولة أمام الألم... لكنه الآن؟ الآن، كان يشعر أن قلبه نفسه قد تحطم، لا بفعل الحزن، بل بالغضب.
كيف لهم؟ كيف يمكن أن يوجد في هذا العالم حثالة قادرة على محاولة كسر امرأة مثلها؟
لم يكن يحتاج لسماع المزيد... لم يكن بحاجة لمعرفة التفاصيل كلها، لأن ما سمعه كان كافيًا ليوقظ داخله رغبة قاتلة، حاجة مدمّرة لأن يسوّي الأمور على طريقته الخاصة.
"ما اسمه؟"
كانت نبرته خطيرة، منخفضة، لكنها تحمل وعيدًا خالصًا.
سون لم يكن أحمق، ولم يكن شخصًا يخاف بسهولة... لكنه حين رأى تلك النظرة في عينيّ دانييل، حين سمع تلك النبرة، أدرك أنه ليس في موضع يسمح له بالاعتراض.
"دانييل-"
"اسمه، سون."
الهدوء في صوته لم يكن هدوءًا حقيقيًا، بل كان أشبه بالعاصفة التي تسبق الطوفان، تلك اللحظة التي يبدو فيها البحر ساكنًا تمامًا... قبل أن يلتهم كل شيء أمامه.
أطلق سون زفرة، كأنه يدرك أن محاولة إيقافه بلا جدوى، ثم قال:
"ليونارد ميلر."
الاسم سقط في عقل دانييل كرصاصة.
"غدًا... سيكون هذا الاسم محفورًا على أحد شواهد القبور."
كانت هذه جملة لم يقلها كتهديد، بل كحقيقة مؤكدة، كأنه يعلن شيئًا محتومًا لا رجعة فيه.
لكن رغم كل هذا، رغم هذا الغضب العاصف، رغم النار التي تأكل داخله... لم يكن كل ذلك كافيًا لنسيان شيء واحد:
فايوليت.
تلك المرأة التي عرفها دومًا قوية، صارمة، بلا خوف... الآن، كان يدرك حقيقتها بالكامل.
لم تكن مجرد جندية متمرسة، لم تكن مجرد محاربة اعتادت القتال... بل كانت فتاة، رقيقة أكثر مما تعترف، تحملت من القبح ما يكفي لأن يحوّل أي شخص آخر إلى ظلٍ مشوه من نفسه.
لكنها لم تتحطم. لم تستسلم.
وكان هذا ما جعله يدرك شيئًا آخر...
الانتقام.. ليس بهذه البساطة أبدًا!
إن فعلها بدلاً عنها، إن سلبها حقها في إنهاء ذلك بنفسها، فهو لا يختلف عن أي شخص آخر حاول السيطرة على حياتها.
كانت تستحق أن تختار مصيرها بنفسها، حتى لو كان طريقًا مؤلمًا.
لكن هذا لا يعني أنه لن يكون هناك لحمايتها، حتى النهاية.
منذ تلك اللحظة، كان قراره قد حُسم.
حين تنهي انتقامها، حين تحرر نفسها من سلاسل الماضي، هو من سيحررها من كل شيء آخر.
سيكون لها الدرع الذي يحميها، واليد التي تنتشلها من الظلام، والقوة التي تستند عليها حين تترنح من ثقل ما حملته لسنوات. لن يكون لها قائدًا أو حاكمًا... بل سيكون لها عونًا وسندًا، الشخص الذي يقف بجوارها، لا أمامها ولا خلفها.
كان يراها، يراها كما لم يرها أحد من قبل. ليست الجندية الصلبة التي لا تهتز، وليست المرأة التي تلطخت يداها بالدماء حد أن باتت تنظر لها وكأنها جزء منها... بل يراها كما هي في أعماقها، تلك الأنثى التي لم يُسمح لها يومًا بأن تكون.
كانت فايوليت مثل زهرة نمت وسط الرماد، جميلة وقوية، لكنها لم تعرف قط كيف يكون الهواء النقي، لم تعرف كيف يكون الدفء بلا ثمن، لم تعرف كيف تكون مجرد... امرأة.
وهذا ما سيمنحه لها.
حين تأخذ انتقامها بيدها، حين تنتهي الحرب في قلبها وعقلها... سيحررها من كل شيء.
من الألم، من الخوف، من القسوة التي لم تكن يومًا جزءًا منها... بل كانت مجرد قناع ارتدته كي تبقى على قيد الحياة.
سيجعلها تشعر بالأمان كما لم تفعل يومًا، سيمنحها فرصة لتعيش، لا كجندية، ولا كقاتلة، ولا كروح تحاول النجاة وسط الجحيم... بل كإنسانة، ببساطة.
سيمنحها العالم الذي تستحقه.
وحين يأتي ذلك اليوم... حين تقف أمامه، حرة من كل شيء، سينظر في عينيها ويخبرها بالحقيقة الوحيدة التي لم يعد يستطيع إنكارها:
أنه لم يكن يريدها حرة لأجلها فقط... بل لأجله هو أيضًا.
---
يتبع...
salcafeine