Colonel 6

Colonel 6

15 0

وسط هدوء الليل، حين تبدّلت نوبات الحراسة وتراجع الجميع لأماكنهم، كانت فايوليت لا تزال مستيقظة. لم يغمض لها جفن، ولم يكن هذا غريبًا عليها.

كيف للنوم أن يجد طريقه إلى شخص أمضى حياته يتوقع هجومًا في أي لحظة؟

كانت جالسة هناك، قرب النار المشتعلة، عيناها تتابعان ألسنة اللهب المتراقصة كأنها تحاول أن تستخلص منها معنىً ما، لكنها لم تكن تفكر في أي شيء محدد. فقط… مراقبة. يقظة. مستعدة.

ثم…

حركة.

خفيفة. شبه غير مسموعة. لكنها سمعته.

كان تسللًا، واضحًا جدًا لمن يملك أذنًا مدربة كأذنها. لم تتردد، لم تنتظر تنبيه الآخرين. لم تكن بحاجة إلى ذلك.

إن كان هناك من يقترب من المخيم، فلن تسمح له بالوصول أبعد من هذا.

نهضت في لحظة، بلا صوت، بلا تردد، كأنها لم تكن جالسة هناك منذ ساعات. تحركت بين الظلال بخفة قاتل متمرّس، خطواتها مدمجة مع صمت الليل، كأنها لم تكن موجودة على الإطلاق.

كان الهدف واضحًا أمامها الآن، جسد يتحرك بين الأشجار، يظن نفسه غير مرئي.

كم أنت مخطئ…

قبضت على سكينتها، أصابعها تعرف ملمسها جيدًا، وكأنها قطعة منها. لا حاجة للتفكير… فقط الفعل.

في طرفة عين، كانت قد انطلقت نحوه.

لم تتردد، لم تمنحه فرصة حتى ليستوعب وجودها. غرزت سكينها في قلبه دفعة واحدة، بسرعة، بدقة قاتلة.

لحسن الحظ، كان وحده.

لم يُصدر صوتًا سوى شهقة قصيرة، ثم سقطت الحياة من عينيه تمامًا، وتراخى جسده بين يديها. لم تهتم لسقوطه، فقط أبقت عينيها عليه للحظة، تحفظ ملامحه جيدًا، قد تكون هناك مجموعة أخرى بانتظاره، وقد يُفيدها التعرف عليه لاحقًا.

ثم، بهدوء، جثت على ركبتيها وانتزعت بندقيته من يده المتراخية، تتفحصها سريعًا قبل أن تلقي نظرة أخيرة على الجثة، وتتراجع في الظلال كما جاءت، دون أن تترك أثرًا.

عادت إلى المخيم، خطواتها سريعة ولكن ثابتة، كأن شيئًا لم يحدث، رغم أن عينيها كانتا متوقدتين كما لو أن القتال لم ينتهِ بعد.

توجهت مباشرة إلى دانييل، ألقت البندقية أمامه بلا مقدمات.

"كان هناك متسلل."

نظر إليها، ثم إلى السلاح أمامه، ثم رفع حاجبيه قليلًا. "متسلل؟"

"لم يعد كذلك."

بقي صامتًا للحظة، ثم زفر بهدوء، متوقعًا الإجابة مسبقًا. لم يكن بحاجة للسؤال عما حدث، الأمر واضح كفاية.

لكن رغم ذلك… نظر إلى البندقية مجددًا، ثم إليها، وقال: "أتعلمين، كان بإمكانك إيقاظ أحدٍ غيرك."

نظرت إليه نظرة بلا تعبير. "لم يكن هناك وقت لذلك."

"وهل تأكدتِ أنه كان وحده؟"

"لم يكن أحد معه."

"هل تعلمين ذلك، أم تفترضينه فقط؟"

توقفت قليلًا، ثم قالت بثقة: "أنا أعلم."

تأملها لثانية، ثم ابتسم بخفة، يهز رأسه كمن لا يجد فائدة من الجدال معها.

"بالطبع تعلمين."

لم تكن ملاحظة الأمر صعبةً عليه. هي متعبة، أضعف مما تعتقد، وجسدها يئن بصمت رغم أنها ترفض الاعتراف بذلك.

بلمح البصر، مد يده وسحبها نحوه فجأة، أفقدها توازنها وأسقطها على الأرض، ثم وضع رأسها على فخذيه قبل أن تدرك حتى ما حدث.

"ماذا؟!" حاولت النهوض فورًا، جسدها المشدود يحاول الإفلات، لكن قبضته كانت حازمة. لم يكن ليصعب عليه السيطرة عليها الآن، وهي في هذه الحالة.

"هشش." صوته كان هادئًا، مطمئنًا، لكنه لم يخفِ الصرامة فيه. "لن أؤذيك، عليك أن ترتاحي قليلًا فقط… إن كنتِ تريدين العيش حقًا."

رآها تتوتر، ليس خوفًا منه، بل من الفكرة ذاتها… فكرة أن تسمح لنفسها بالاسترخاء، حتى ولو لثانية واحدة.

كان يعلم.

كان يعلم أن الأمر ليس مجرد عناد أو إهمال للنفس. هي لم تعد ترى الأمان كمفهوم حقيقي قابل للوجود، وكأنها لا تؤمن بأنه يمكنها إسقاط دفاعاتها دون أن تدفع الثمن غاليًا.

وهذا… أزعجه.

ليس لأنها تتعب نفسها… بل لأنها لا تزال ترى العالم كله كعدو، حتى حين لا يكون كذلك.

لذا قرر...

سيكون هو أمانها.

لكنها لن تكون فايوليت إن استسلمت ببساطة.

بدأت بالمقاومة، بجسد أضعفته المعارك، لكنه لا يزال يقاتل حتى النهاية.

زفر بخفة، لم يكن غاضبًا، فقط… مرهقًا من عنادها الدائم. نظر إليها، وعيناه تشعان بنظرة دافئة رغم كل شيء، ثم قال بنبرة هادئة:

"لقد مررنا بهذا سابقًا… كلانا نعلم أنني أستطيع إيذاءك إن كنتُ أريد. لكنني لا أفعل… لذا، ثقي بي."

للمرة الأولى… لم تجد في نظراته تهديدًا، ولا شفقة، ولا حتى شفقة متنكرة في صورة اهتمام.

وجدت الصدق.

كان ينظر إليها وكأنه يريدها أن تفهم، أن تصدق أنه لن يؤذيها… أن تسمح لنفسها بالتوقف عن القتال للحظة واحدة فقط.

وشعرت به.

ذلك الإحساس الغريب، الدافئ، الذي تسلل إليها دون استئذان، كأن شيئًا داخلها يذوب ببطء رغمًا عنها.

لم يكن شيئًا كبيرًا… لكنه كان كافيًا.

شيئًا فشيئًا، تناقص عنادها، وارتخت قبضتاها، لم تعد تقاوم، لم تعد تتشبث بالخوف والرفض كما تفعل دائمًا.

لم تكن تثق به تمامًا، لن تفعل ذلك أبدًا… لكن، لسبب ما، سمحت لنفسها بوضع جزء من الثقة به هذه المرة.

ورآها.... رآها تستسلم ولو قليلًا، لم يكن بإمكانه منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى شفتيه.

هذه الفتاة… حتى حين تستسلم، تفعلها وكأنها تدخل معركة جديدة.

لكن هذا لا يهم الآن.

زفر بخفة، ثم بدأ يمرر يده فوق رأسها ببطء، كما لو كان يهدئ طفلة صغيرة.

لم يستطع أن يشعر تجاهها إلا هكذا.

وانتهى بها المطاف بالنوم بين يديه.

لم يكن مجرد نومٍ عابر… بل نومٌ كامل، عميق، هادئ.

لأول مرة منذ سنوات، لم تكن نصف نائمة، لم تكن تترقب الخطر حتى في استرخائها، لم يكن عقلها يعمل في الخلفية مترقبًا أي تهديد محتمل.

فقط نامت بهدوء.

أنفاسها كانت هادئة ومنتظمة، كأنها وجدت أخيرًا تلك الراحة المفقودة، ذلك الحنان الذي لم تعرف متى احتاجته حتى حصلت عليه.

أما هو… كان يراقبها.

يبتسم بهدوء، مراقبًا ملامحها المسترخية وكأنها إنجاز ضخم بين يديه.

ربما لم يكن الأمر يعني شيئًا لها الآن…

لكن بالنسبة له؟

لقد كان يعني الكثير.

لاحظ ذلك الهدوء… ذلك السكون الذي لم يره منها من قبل.

وراقه الأمر... راقه أكثر مما كان ينبغي. وبالطبع، لم يسمح له أن يمر بشكل عابر.

انحنى ببطء… بهدوء، كأنه يخشى أن يبدد تلك اللحظة، أن يعيدها إلى واقعها الصاخب مجددًا.

اقترب أكثر… واستنشق رائحتها بسرية.

رائحة نظيفة، خفيفة، بالكاد ملحوظة، لكنها تدغدغ حواسه بطريقة غريبة، تترك أثرًا لا يمحى بسهولة.

فايوليت.

اسمها… جمالها… رائحتها… كل شيء بها كان يطابقه تمامًا.

إنها فايوليت حقيقية. وهذا كان كل ما يفكر فيه الآن.

----

كان الفجر رماديًا، مترددًا بين الظلام والنور، وكأنه لم يقرر بعد إن كان يريد أن يكون يومًا جديدًا أو امتدادًا لليلة دامية أخرى.

في ذلك الضباب البارد، كان الجنود نائمين، أو بالأحرى شبه نائمين، أجسادهم مرهقة، عقولهم متعبة، وأيديهم ما زالت تحتضن أسلحتهم حتى في أحلامهم.

ثم جاء الصراخ.

لم يكن إنذارًا رسميًا، لم يكن هناك وقت لإنذارات في ساحة حرب، كان الصراخ هو الفاصل الوحيد بين الموت والحياة.

وفي جزء من الثانية، تحول المخيم النائم إلى ساحة معركة.

الطلقات الأولى مزقت الهواء، والأرض اهتزت تحت وقع الخطوات المتراكضة. لم يكن هناك وقت لالتقاط الأنفاس، لم يكن هناك وقت حتى للتفكير.

فايوليت تحركت أولًا.

قفزت من مكانها، يدها قبضت على سكينها حتى قبل أن تفتح عينيها بالكامل، كانت غرائزها أسرع من وعيها. اندفعت وسط الفوضى، تمزق بسكينها أول من اعترض طريقها، دمه الساخن لطخ وجهها البارد، لكنها لم تهتز.

لم تكن تبالي بصخب الموت من حولها، كانت تتحرك وسط الفوضى كما لو أنها قطعة منها، كما لو أن الحرب نبضت في عروقها منذ ولادتها. لم تتردد للحظة قبل أن تسحب الزناد أو أن تتسلل سكينها إلى أعناق من يعترض طريقها.

لم يكن دانييل بعيدًا عنها... كان يراها… مزيجًا من الوحشية والجمال، كأنها خلقت للدمار، لكنه كان دمارًا مذهلًا لا يمكن صرف النظر عنه.

لم يكن هناك مجال للبحث عن بعضهم البعض، لكنهم كانوا دائمًا قريبين بشكل غريب، كأن الحرب نفسها تدفعهما ليكونا جنبًا إلى جنب.

وفي لحظة، لمحها ... مكشوفة، غير محمية، وهدفًا سهلًا لقناص كان يراقبهم من الظل.

لم يفكر.

تحرك قبل أن تفكر هي حتى.

اندفع بجسده، دفعها بعيدًا، وبدلًا من أن تخترق الرصاصة جسدها، استقرت في كتفه.

أحرقه الألم، لكنه لم يسمح له بإبطائه، بل كان العكس تمامًا.

"أيها اللعين…" تمتمت فايوليت بصوت خافت وهي تستدير بسرعة، لكنها لم تكن غاضبة منه… بل كانت غاضبة من العدو الذي جعله ينزف أمامها.

لم تقل شيئًا آخر.

كل ما فعلته هو أن تنقض كالحيوان المفترس على الرجل الذي أطلق الرصاصة، لم يكن لديه وقت حتى للندم، أنهت حياته بوحشية تامة وكأنه هو التهديد الوحيد الموجود.

دانييل، رغم الألم في كتفه، لم يتوقف. كان القتال قد تحول إلى مجزرة، وكل ما كان عليهما فعله هو البقاء أحياء.

"ابقي حية." قال بصوت منخفض لكنه صارم، ثم أعطاها نظرة طويلة قبل أن يعود للقتال.

1

ظهرهما متقابل، يحميان بعضهما البعض بوحشية.

الطلقات تنطلق من سلاحه، وسكينها تقطع الهواء بلا رحمة، كانوا يتحركون كما لو أنهم تدربوا على هذا لسنوات، لكن الحقيقة أنهم فقط فهموا بعضهم البعض.

كانت تلك بداية شيء لم يدركاه بعد…

لكن الحرب لا تنتظر أحدًا ليكتشف مشاعره.

----

كان الدم يغطي الأرض كأنه امتداد طبيعي لها، وكانت أجساد القتلى متناثرة بين الأنقاض والدخان المتصاعد.

لكن الصمت بدأ يتسلل أخيرًا.

لم يكن صمتًا حقيقيًا، بل هدنة مؤقتة بين صوت الرصاص وصرخات الألم. لم يكن هناك وقت للحزن أو التأمل، فالجنود الذين بقوا على قيد الحياة كانوا إما يضغطون على جراحهم، أو يتأكدون من أن أعداءهم لن ينهضوا مجددًا.

وسط ذلك، وقف دانييل، يضغط على كتفه المصاب، بينما عينيه تبحثان عن شخص معين.

وحين وجدها، كانت فايوليت تمسح سكينها على كم سترتها العسكرية، غير مكترثة بنظرات الجنود حولها. كان جسدها مثقلًا بالتعب، لكنه لم يهتز للحظة، وكأنها لم تشعر بإرهاق القتال، أو ربما كانت قد اعتادت عليه لدرجة أنها لم تعد تفرّق بينه وبين الراحة.

تقدّم دانييل نحوها، يضغط على جرحه الدامي في كتفه، عيناه مسمّرتان عليها بنظرة ثقيلة لم تستطع تجاهلها. لم يكن غاضبًا، لم يكن متألمًا حتى، لكن في نظرته شيء جعل الهواء حولهما أثقل.

وأخيرًا، بصوت هادئ لكنه حازم، قال:

"لا تعجبني فكرة تعريض حياتي للخطر من أجل شخص لا يهتم إن عاش أو مات."

توقفت أصابعها للحظة فوق مقبض سكينها، لكنها لم ترفع عينيها إليه. بقيت صامتة، كأنها لم تسمعه، كأن كلماته لم تتسلل مباشرة إلى موضع لم يلمسه أحد قبلًا.

ثم، بهدوء بارد، دون أن تنظر إليه، قالت:

"لم أطلب منك ذلك."

تشنّج فكّه للحظة، لكنه لم يُجب. فقط ظلّ يحدّق بها، يحاول أن يفهم، أن يخترق ذلك الجدار الذي تبنيه حول نفسها بإحكام. لكنه أدرك سريعًا أن هذا ليس شيئًا يمكنه هدمه بكلمات قليلة.

زفر بخفة، ثم مر بجانبها، متجاهلًا الألم الذي يمزق كتفه، وقال بصوت بالكاد تسمعه:

"في المرة القادمة، سواء طلبتِ أم لا… لن أسمح لكِ بالسقوط."

لم تلتفت نحوه، لكن أصابعها قبضت على السكين بقوة… بقوة أكثر مما ينبغي.

"تحركوا! سنتقدم إلى الموقع الجديد!"

لم يكن هناك وقت للراحة.

كانت هذه مجرد معركة واحدة، أما الحرب… فلم تنتهِ بعد.

بعد ساعة، كانوا قد انتقلوا إلى موقع مختلف، بعيدًا عن ساحة المعركة السابقة.

نُصبت الخيام، وأُشعلت النيران، والجنود الذين نجوا تجمعوا، بعضهم يتلقّى العلاج، وبعضهم يحدّق في الفراغ، مستوعبين أنهم ما زالوا على قيد الحياة.

أما فايوليت، فلم تكن مع أحدهم.

ابتعدت كما اعتادت، جلست قرب إحدى النيران تراقب اللهب الراقص أمامها، وكأنها تبحث عن إجابة لا تعرف حتى ما هي.

لكن هذه المرة، لم تكن وحدها.

دانييل جلس بجوارها، وضع سلاحه جانبًا، وراقب النيران بصمت.

لم يقل شيئًا، لكنها رغمًا عنها، شعرت أن وجوده بجانبها لم يكن ثقيلًا كما كان من قبل.

كان الأمر بسيطًا… لكنه لم يكن بلا معنى.

لم يكونوا مجرد جندية وجينيرال قاتلا في نفس المعركة، كانا شيئًا آخر، شيء لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يتشكل وسط النار والدماء.

بينما كانا يجلسان قرب النيران، حيث لم يبقَ حولهما سوى الهدوء المشوب برائحة الدخان والدم، ألقت فايوليت نظرة سريعة وسرية على دانييل. لم يكن منتبهًا لها، عيناه مثبتتان على اللهب المتراقص، وجهه غارق في التفكير.

تسللت نظراتها إلى كتفه، تتحقق من الجرح الذي أصيب به من أجلها. لاحظت الضمادة الملفوفة بإحكام فوقه، ورغم أن بقع الدم ما زالت تلطّخ القماش، أدركت أنه اعتنى به جيدًا.

شعرت بارتياح غريب، إحساس لا يشبهها، لكنه كان هناك. لم تقل شيئًا، فقط أعادت بصرها للنيران، وكأنها لم تفكر فيه للحظة.

لكن رغم ذلك، يدها التي كانت على سكينها… تراخت قليلًا.

ألقى دانييل نظرة جانبية نحوها، كان قد لاحظ كيف تفحّصت جرحه بصمت، كيف تأكدت أنه ضمّده جيدًا، وكيف عادت تتظاهر باللامبالاة بعد ذلك. ابتسم لنفسه قبل أن يردف بنبرة هادئة، لكنها حملت في طيّاتها أمرًا لا يقبل الجدال:

"يجدر بكِ تضميد جروحكِ أيضًا."

لم تلتفت نحوه، بل واصلت التحديق في اللهب كأنها لم تسمعه. ثم، وببرود تام، أجابت بصوت منخفض:

"لستُ بحاجة لذلك."

دانييل لم يكن من النوع الذي يترك الأمور تمر بسهولة. في لحظة واحدة، مدّ يده، قبض على معصمها وسحبها نحوه فجأة. لم يمهلها وقتًا للاعتراض قبل أن يجلسها أمامه ويبدأ بفحص جروحها بنفسه.

حاولت التملص، لكنه كان أسرع. ثبت قبضته حول يدها المصابة، ثم رفع نظره إليها قائلاً بنبرة هادئة، لكنها تحمل شيئًا من التحذير:

"لا تجعلي الأمور أصعب مما هي عليه، فايوليت."

لم تجبه، لكنها نظرت إليه نظرة تحدٍّ صامتة. رغم ذلك، لم تسحب يدها، وكأن جزءًا منها قد استسلم بالفعل.

بدأ دانييل بلف الضمادات حول جروحها بعناية، أصابعه تعمل بخفة ودقة، وكأنه معتاد على هذا الأمر. لم يكن الأمر لطيفًا، لم يكن حنونًا، لكنه كان ضروريًا.

أما فايوليت، فقد بقيت صامتة… عيناها تراقبان يديه دون أن تنبس بكلمة.

"لِمَ تهتم؟"

نطقت فجأة، قاطعة الصمت بينهما، لم تكن نبرتها حادة، لكنها حملت ثقلًا مختلفًا، ثقل الشكوك المتجذرة في أعماقها. كانت تحدق به بنظرة حذرة، وكأنها تحاول فهم دوافعه دون أن تضطر للسؤال. رغم أنها تحاول الارتياح معه، هناك جزء منها يصرخ بعنف، ذلك الجزء المجروح الذي تعرض للاستغلال بأشنع الطرق، الجزء الذي تعلم بالطريقة الصعبة أن لا شيء في هذا العالم يأتي دون مقابل.

خفضت عينيها للحظة، وكأنها تفكر في شيء ما، ثم عادت لترفعهما، نظراتها ثابتة هذه المرة وهي تتابع بصوت بارد، خالٍ من أي عاطفة:

"لِمَ تهتم لأمري؟ ما الذي تريد الحصول عليه وسأعطيك إياه."

كانت كلماتها مباشرة، غير مترددة. عرض واضح، كأنها تخبره أنها مستعدة للدفع مقابل تركها وشأنها، مقابل ألا يتعرض قلبها للخداع مجددا.

لكن دانييل لم يرد فورًا. بل بقي يحدق بها بصمت، عيناه تراقبان ملامحها المتماسكة ظاهريًا، لكنه رأى التوتر الخفي خلفها. شفتيه مالتا بابتسامة خفيفة، ثم رفع حاجبيه وهو يرد بهدوء، نبرته تحمل مزيجًا من التحدي والسخرية المستترة:

"متأكدة؟"

بساطة كلمته كانت مستفزة، وكأنه يسخر من طريقة تفكيرها دون أن يقول ذلك صراحة. طريقته في الرد زادت من ضيقها أكثر مما توقعت. حدقت به للحظة، تحاول قراءة ما يدور في رأسه، لكنه لم يمنحها أي شيء واضح.

شعرت بتلك الضيقة تتعمق في صدرها. لم تكن معتادة على شخص لا يُفصح عن نواياه بسهولة. في عالمها، الأمور كانت أوضح: إما عدو أو حليف بمصلحة مشتركة، لكن دانييل… لم يكن أيًّا منهما.

هو يعلم أنها لا تثق بأي شيء دون مقابل، وأنها تظن أن اهتمامه يحمل ثمنًا خفيًا، لكنه لم يكن في عجلة لإقناعها بغير ذلك… بعض الحقائق تحتاج وقتًا لتُفهم، وهو لم يكن ينوي التراجع.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إليها بجدية هذه المرة، نبرته أصبحت أكثر هدوءًا لكنها حملت شيئًا أعمق من مجرد اهتمام عابر:

"عليكِ أن تعتادي على فكرة أن بعض الأشياء لا تُشترى، فايوليت."

ثبت عينيه عليها، نبرته الهادئة لم تتغير، لكنه هذه المرة لم يترك لها مساحة للتهرب أو البحث عن معنى مخفي وراء كلماته. لم تكن هناك مصالح، لم يكن هناك ثمن، فقط حقيقة بسيطة، مجردة، وصادقة:

"أريدكِ أن تكوني بخير فقط."

لم يشرح أكثر، لم يحاول إقناعها، ولم يمنحها حتى فرصة للرد. فقط ترك كلماته تتغلغل في الصمت بينهما، تاركًا إياها تواجه واقعًا لم تعتد عليه—شخص يهتم بها، بلا شروط.

ثم نهض من مكانه، تاركًا إياها مع أفكارها المتشابكة.

----

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة