عاد دانييل إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه بصمت. لكنه لم يكن بحاجة إلى النظر ليعرف ما الذي ينتظره.
كان بإمكانه سماع صوت التمزق الخافت، صوت الأنياب وهي تغرس في القماش، والمخالب وهي تنغرس في الحشو الناعم، تمزقه كما لو كان لحمًا حيًا.
رفع عينيه ببطء، ليجد "ناو" هناك، وسط الفوضى.
كانت الدمى الممزقة مبعثرة حوله، كأنها بقايا معركة وحشية. بعضها ممزق إلى أشلاء متناثرة، وبعضها الآخر لا يزال بين فكيه، يُحكم قبضته عليه قبل أن يلوح به في الهواء ويرميه بلا مبالاة على السرير.
تقدم دانييل خطوة، فرأى كيف كانت الدمى تتراكم هناك، فوق فراشه، كما لو أن "ناو" يخزن صيدًا ثمينًا ليأكله لاحقًا.
زفر ببطء، ثم خلع سترته ورماها على الكرسي.
— "انتهيتَ؟"
رفع النمر رأسه، زمجر بصوت خافت، ثم دفع إحدى الدمى بمخلبه لتسقط فوق كومة التمزيق.
نظر دانييل إلى سريره الفوضوي، ثم إلى الوحش الكبير الذي يحدق به وكأنه يتحداه أن يعترض.
— "حسنًا، فهمت."
تقدم، سحب إحدى الدمى من تحت كف "ناو"، ألقاها بعيدًا، ثم جلس على حافة السرير، غير مكترث بالأشلاء المحشوة تحته.
بعد لحظات، تحرك "ناو"، زحف إلى جواره، ثم استلقى بجانبه، ودفن رأسه في الفراش.
ربت دانييل على رأسه بصمت.
— "نم الآن، أيها الغاضب."
كان "ناو" قد هدأ أخيرًا، زفر أنفاسه الدافئة وهو يستلقي بجوار دانييل، رأسه الضخم مستند إلى طرف الفراش، وصدره يهبط ويرتفع بإيقاع ثقيل.
لكن دانييل نفسه لم يهدأ.
ظل جالسًا، ظهره مستند إلى الحائط، وعيناه مسمرة على العتمة أمامه. ورغم كل محاولاته لتجاهل الأمر، إلا أن أفكاره انزلقت نحوها مجددًا.
فايوليت.
ملامحها قبل لحظات... الجمود في عينيها... الوضعية القتالية التي اتخذتها وكأنها وُلدت للقتل... كيف أمسكت بالسلاح دون تردد، وكأن يدها اعتادت عليه؟
لقد كان يراها فتاة رقيقة. أميرة مدللة لا يليق بجمالها إلا أن تُغمر بالرفاهية والحماية. لا أن تمسك بسكين كأنها امتداد لذراعها.
من أين تعلمت هذه الصلابة؟
كيف استطاعت أن تمحو كل أثر للخوف؟
ما الذي أوصلها إلى هذه المرحلة من التأهب الدائم؟
لم يكن لديه إجابات، لكنه شعر بشيء لم يكن معتادًا عليه.
إحساس خفي، لم يكن ارتيابًا، ولم يكن إعجابًا. كان مزيجًا مشوشًا بين الفضول والانزعاج، وبين الحيرة التي تأبى أن تغادره.
---
كان الفجر قد شق طريقه في الأفق حين بدأت التدريبات لليوم الجديد. الهواء البارد لم يكن رادعًا كافيًا أمام الصرامة التي فرضها الجدول القاسي، والأوامر كانت تتوالى دون توقف.
لكن فايوليت... كانت مختلفة.
كان هذا اليوم الثالث على التوالي الذي تمضيه دون أن تضع لقمة في فمها. تجاوزت موعد وجبتها الوحيدة عمدًا، متجنبةً الاختلاط بأي شخص أو الانخراط في أي حديث لا تريده. لا أحد سأل، ولا أحد لاحظ—أو بالأحرى، لم يكن هناك من يهتم بما يكفي ليتساءل.
ورغم ذلك، لم يظهر عليها الوهن.
في حين تذمر البعض من قسوة التدريبات، كانت الوحيدة التي استمرت في أداء كل تمرين بصمت مطبق. لم تصرخ، لم تتأوه، لم تتوقف لالتقاط أنفاسها أكثر مما ينبغي. كانت تُنفّذ كل شيء كما هو مطلوب، ثم تغادر دون أن تلتفت لأحد.
بالنسبة لها، لم يكن هذا المكان أكثر من محطة مؤقتة... ووجود الآخرين لم يكن سوى ضوضاء لا حاجة لها بها.
مرّت الأيام على هذا النحو، روتين صارم لا يتغير... تدريبات شاقة، صمت مطبق، وإصرار لا ينكسر. لكن حتى الصلابة لها حدود، وحتى أقوى الأجساد تهتز حين يُنهكها الجوع والتعب.
بدأ الآخرون يلاحظون. رأوا كيف أصبحت حركاتها أبطأ قليلًا، كيف بدأ وزنها يتناقص، وكيف صارت تنهض من الأرض بعد التمارين بتلك الثواني الإضافية التي لم تكن تحتاجها من قبل.
الجميع كان يحمل في صدره حنقًا متراكمًا تجاهها. تلك الفتاة النحيلة التي هزمتهم واحدًا تلو الآخر، جعلتهم يبدون ضعفاء أمامها، لم تمنحهم حتى فرصة للشعور بأنهم أقوى منها ولو للحظة.
----
كانت الغرفة مظلمة باستثناء ضوء خافت ينبعث من المصباح الصغير بجانب السرير. جلست فايوليت على الأرض، ظهرها مستند إلى الحائط، عيناها شاخصتان نحو اللاشيء، كعادتها بعد كل تدريب.
جاء الطرق على الباب خفيفًا، مترددًا. تجاهلته في البداية، متوقعة أن يرحل الطارق كما يفعل الجميع عندما لا يلقون ردًا.
لكن الباب فُتح ببطء، وظهر منه رأس كلوي.
"أعلم أنكِ هنا." قالت بصوت خافت، ثم دخلت دون انتظار إذن.
كانت تحمل صينية صغيرة، وضعَتها على الطاولة القريبة قبل أن تلتفت نحو فايوليت التي لم تحرك ساكنًا.
"لم تأكلي شيئًا منذ أيام، أليس كذلك؟"
لم تتلقَّ إجابة.
تنهدت كلوي وجلست القرفصاء أمامها، حاجبيها معقودين بقلق. "أعلم أنكِ تظنين أنكِ تستطيعين التحمل، لكن هذا ليس ذكاءً. إن كنتِ تفكرين في النجاة، فكيف ستفعلين ذلك بجسد ضعيف؟"
تشنج فك فايوليت قليلًا، لكنها لم تتكلم.
انتظرت كلوي لحظة، ثم دفعت بالصينية نحوها قليلًا. "لن أجبركِ على الأكل، لكن فقط خذي قضمة واحدة. وبعدها، إن لم تريدي المزيد، فلن أزعجكِ ثانية."
بقيت فايوليت صامتة، عيناها تنتقلان بين كلوي والطعام أمامها. لم يكن الأمر عن الجوع، لم يكن عن العناد أيضًا.
كان عن الحدود التي وضعتها بينها وبين الجميع، وعن هذا الشرخ الصغير الذي بدأت كلوي بإحداثه دون استئذان.
مرت لحظة أخرى من الصمت المشحون، قبل أن تمتد يدها أخيرًا نحو الطعام.
راقبتها كلوي بصمت، ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهها، وكأنها فهمت أكثر مما قيل.
لم تكن هذه صداقة بعد، لكنها كانت الخطوة الأولى.
-----
في مكان آخر...
كانت طاولة البلياردو مضاءة بأنوار خافتة تلقي بظلال طويلة على الجدران، بينما ارتفع صوت اصطدام الكرات بخشونة، يتخلله أحيانًا صوت ضحكة مكتومة من سون وهو يسخر من أداء دانييل.
"أقسم أنك أسوأ لاعب قابلته في حياتي." قال سون وهو يسند العصا على كتفه.
دانييل لم يرفع عينيه عن الطاولة، فقط أدار العصا بين أصابعه ببطء قبل أن يهمس: "كنت أفكر في شيء آخر."
رفع سون حاجبيه باهتمام. "الجنود؟"
"فايوليت."
توقف سون عن اللهو بعصاه، متكئًا عليها وهو ينظر إليه.
تابع دانييل بصوت أخفض، كأنه يتحدث مع نفسه: "كيف يمكن لفتاة أن تكون قاسية هكذا؟ باردة، متيقظة كأنها تنتظر الموت في أي لحظة، تتلقى الضربات وكأنها لا تشعر بها، تتجاهل التعب والجوع وكأن جسدها لا يعنيها." رفع عينيه نحو سون أخيرًا. "أمر غير طبيعي."
ابتسم سون بسخرية خفيفة وهو يحرك إحدى الكرات بعصاه. "هذا ما يحصل عندما تقضي قطة منزلية عامين في الشوارع."
ضاق حاجبا دانييل، وهو يهز رأسه ببطء. "لا، ليس هذا فقط. أنا أيضًا نشأت في الشوارع، لكن ما أراه فيها يتجاوز مجرد التشرد. تحركاتها، استجابتها، طريقة تأهبها... كلها تفوق ذلك."
مرر سون لسانه ضد خده، مترددًا للحظة قبل أن يقول بصوت أكثر جدية: "لأنها لم تكن مجرد متشردة، دانييل."
انتظر الآخر أن يكمل، وحين لم يفعل، ضغط عليه بنبرة حادة: "ماذا تعرف؟"
نظر إليه سون لثوانٍ قبل أن ينفث نفسًا طويلاً ويستقيم واقفًا. "تحمستُ قليلًا أثناء البحث عنها... ووجدت أشياء مثيرة للاهتمام."
دانييل لم يقطع نظرته عنه، فتنهد سون أخيرًا واستسلم.
"لنقل فقط أن فايوليت لم تكن مجرد فتاة تائهة... بل ناجية."
---
قبل عام
كانت سماء روسيا قد انفجرت بغضبها، تمطر بغزارة لا ترحم، تلفح الشوارع القذرة بمياهها الباردة. الطرقات خالية إلا من الظلال المنهكة والمشردين الذين وجدوا لأنفسهم زوايا للاختباء. في أحد الأزقة المظلمة، كانت فايوليت تحتضن جسدها المرتعش، تحتمي بجدار بارد بينما تتمنى أن يتوقف المطر قريبًا.
لكن الأمنيات لا تتحقق في هذا العالم.
كانت الليلة باردة، والمطر يقرع الأرض كطبل حرب، لكن أنفاسه الساخنة كانت تحرق رقبتها.
— "لماذا تختبئين وحدك، عزيزتي؟"
كان صوته مترنحًا، متثاقلًا، مزيجًا من السكر والخبث، قادمًا من رجل ترنح وهو يقترب منها. عطر الكحول القوي امتزج برائحة عفن الشارع، وعيناه الغائرتان التمعتا بشيء بشع تحت ضوء مصباح مهترئ.
تحرك ببطء، لكن قبضته كانت كافية لتغرس الرعب في عمودها الفقري.
حاولت الابتعاد، لكنه كان أسرع.
"لمَ كل هذا الخوف؟ جميلة مثلك لا يجب أن تبقى وحدها في هذا البرد القاسي..."
رفعت يدها بسرعة، دفعت صدره بضعف، لكن الضحكة التي خرجت منه جعلت قلبها يسقط في هاوية.
أمسك بمعطفها، سحبها نحوه بقوة جعلت الهواء يهرب من رئتيها.
— "آه، جميلة وغاضبة، يعجبني ذلك."
ضحك، ضحكة جعلت معدتها تنقلب. حاولت الصراخ.
لكن يده لطمت وجهها بقسوة، رأسها ارتطم بالجدار خلفها، والدنيا التفت للحظات حولها.
— "لا حاجة للصراخ، لن يسمعك أحد."
أصابعه تجولت على ذراعها، محاولة خلع معطفها، وسرعان ما تحول الأمر إلى عنف.
لكنها لم تكن فتاةً عادية، ولم يكن لها مكان تهرب إليه.
نظرت حولها ، وعندما سقطت عيناها على زجاجة الشامبانيا التي ألقاها أرضًا، لم تفكر.
رفعت قدمها، سحقتها بكعبها حتى تحطمت، ثم قبضت على عنق الزجاجة المكسورة، أدارت معصمها بضربة خاطفة، غرست الزجاج المتشظي في عنقه بكل قوتها.
مرة، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة.
عينيه اتسعتا، شهقة مختنقة خرجت منه، وتراجع يرفع يديه إلى الجرح النازف بينما الدماء الحمراء القانية انسابت، تندمج مع المطر فوق الإسمنت المبلل.
لم يكن يعرف حتى ماذا حدث.
فتح فمه كما لو كان سينطق بشيء، لكنه لم يجد أي كلمات. فقط سقط على ركبتيه، يختنق بدمه، جسده يرتعش بقوة بينما الحياة تتلاشى من عينيه.
أما فايوليت، فلم تتحرك.
وقفت هناك، تتنفس بعنف، قبضتها لا تزال تشد على الزجاج الدامي، عيناها الخالية من الحياة تراقبان كيف يتحول جسده من رجل إلى جثة، وكيف يختلط دمه بالمطر ليجرفه الشارع كما لو أنه لم يكن موجودًا قط.
ولكن في اللحظة التي اخترق فيها الزجاج عنقه... لم تكن وحدها.
على بعد خطوات، عند مدخل الزقاق، وقف مراهق تحت المطر، كان يبحث عن ملجأ يهرب إليه عندما وقعت عيناه عليها.
لم يكن المشهد قابلاً للتفسير أو الشك. فتاة وحيدة، تمسك بزجاجة مكسورة مغروسة في عنق رجل، والدماء تتدفق كالشلال فوق الأرض.
عينيه اتسعتا برعب، أنفاسه حبست في صدره، ثم استدار... وركض بكل ما أوتي من قوة.
لم تحاول اللحاق به. لم تحاول تبرير شيء.
في الواقع، لم تكن قد استوعبت حتى أنها رُؤيت، لكن هذا لم يغير شيئًا.
دقائق فقط، دقائق قليلة، كانت كافية لتحاصر الأضواء الزرقاء الشارع، تصدح صفارات الإنذار لتخرق عواء الريح والمطر.
قبل أن تدرك حتى ما يجري، وجدت فايوليت نفسها مرمية على الأرض، وجهها يلامس الإسمنت البارد، وأيادٍ خشنة تثبت ذراعيها خلف ظهرها.
— "يديك خلف رأسك! لا تتحركي!"
لم تقاوم، شعرت بالقيود المعدنية تُطبق حول معصميها، والمطر يختلط بالدم العالق في يديها، ورجال الشرطة يحيطون بجثة الرجل الغارقة في دمائها.
— "لدينا قاتلة هنا!"
-----
القيود الحديدية كانت باردة، تضغط على معصميها النحيلين بقسوة، لكن البرد لم يكن السبب في ارتجافها.
الهواء كان مشبعًا برائحة العفن والعرق، ممزوجًا برائحة حديد الدم الطازج العالق في ثيابها. كانت ركبتاها تنزلقان فوق البلاط القذر وهم يسحبونها بعنف، صوت خطواتهم العسكرية يخترق أذنيها كطبول حرب تقترب من نهايتها.
كل شيء حدث بسرعة.
صرخات متداخلة، وميض أضواء الشرطة الذي شق عتمة الزقاق مثل شفرة جزار، الوجوه المصدومة التي تجمعت حول الجثة، النظرات التي لم تحمل سوى الاشمئزاز. لم يسألها أحد "لماذا؟" لم يسأل أحد "ماذا حدث قبله؟" فقط رأوا فتاةً غريبة، وحيدة، تحمل زجاجة مكسورة مدماة، ووراءها جسد رجل لا يتحرك.
لم يُسمح لها بالتحدث.
حين حاولت، تلقت لكمة في معدتها، جعلت الهواء يُسحب من رئتيها بقسوة. صوت السجّان علا فوقها كصوت قاضٍ أصدر حكمه بالفعل.
"اخرسي."
لم يُمنح لها محامٍ، جلس القاضي خلف مكتبه الفخم، لم يرفع عينيه عنها إلا للحظات خاطفة. لم يسأل عن حالتها، لم يهتم بأنها كانت ترتجف بملابسها الممزقة، لم ينظر حتى إلى يديها النحيلتين المقيدتين.
لم تحصل حتى على نظرة تفهُّم واحدة. لم تكن سوى "أجنبية"، شبحًا لا يهم أحدًا إن تم دفنه خلف القضبان. لم يكن هناك من يهتم بقصتها، لم يكن هناك من يعترض حين صدر الحكم أخيرًا، صوته يتردد في القاعة الخالية من أي تعاطف.
"حُكم عليكِ بالسجن خمسين عامًا بتهمة القتل العمد."
سقطت الكلمات على رأسها كالمقصلة. الخمسون عامًا ترددت في عقلها كصدى بعيد، كضربة جلاد تُنفذ ببطء، لكن الشيء الذي خنقها أكثر لم يكن الحكم نفسه، بل... حقيقة أنها لم تفاجأ. لم تتوقع منهم غير ذلك.
لكنها لم تهرب من سجن جورجيو لتُسجن هنا. لم تهرب من الجحيم الأول كي تحترق في جحيمٍ آخر.
داخل زنازين الظلام تلك... أدركت أنها لن تقضي حياتها هنا.
لا فرق بين الليل والنهار، لا فرق بين الألم واليأس، لا فرق بين الجلادين والمساجين... الجميع محكوم عليهم بشيء ما، حتى لو لم يكونوا خلف القضبان. كانت ترى عيونهم، تحدق بها كضحية أخرى، كشيء يمكن كسره بسهولة.
لكنها لم تكن من ذلك النوع. لم تكن ضحية سهلة... ولن تصبح واحدة الآن.
داخل السجن، لم يكن هناك مجال للضعف.
منذ اللحظة التي عبرت فيها البوابة الحديدية، شعرت بعيونٍ تنهشها من الداخل، نظرات مسمومة تزنها، تقرر إن كانت فريسةً سهلة أو خصمًا يستحق القتال. الجدران هنا كانت متسخة بالذكريات القذرة، الأغطية الممزقة تفوح منها روائح العفن والرطوبة، والهواء مشبع بالخوف والغضب. لم يكن السجن مكانًا للعقاب فحسب، بل كان غابة لا ينجو فيها إلا الأقوى.
تعلمت ذلك من الليلة الأولى.
حين استلقت على سريرها الضيق، محاولةً تجاهل الضوضاء التي تعج بها الزنازين الأخرى، لم تدرك أن هناك أعينًا تراقبها، تنتظر سقوطها في غفوة. لم تشعر بالخطر حتى استيقظت على أيدٍ خشنةٍ تمسك بمعصميها، وجسد ثقيلٍ يضغطها إلى السرير.
"أوه، تبدين لذيذة، يا صغيرة."
لم يكن لديها وقت للتفكير. ركبتاها ارتفعتا تلقائيًا، ارتطمتا بمعدة المرأة الضخمة فوقها، لكنها بالكاد أثرت بها. في لحظة، كان هناك المزيد. يدٌ تجذب شعرها، أخرى تحاول تكميم فمها، قهقهات ساخرة، أنفاسٌ ثقيلة مليئة بالقذارة والشر.
لكنها لم تكن ضحية سهلة.
صرخت، قاتلت، غرست أظافرها في اللحم، عضّت حتى تذوّقت الدم، وعندما أمسكت شيئًا حادًا—فرشاة شعر مهشمة، ربما—غرسته في عين إحداهن بكل قوتها.
لم تتوقف حتى شعرت بسائلٍ دافئٍ يتدفق على أصابعها.
عندما نهضت، كانت الغرفة غارقة في الفوضى. النساء اللواتي هاجمنها ملقَياتٍ على الأرض يصرخن، والدم يلطخ الأرضية الباردة. لم يكن هناك حراس يأتون لإنقاذ أحد، لم يكن هناك قانون يحميها. هنا، لم تكن العدالة سوى القوة المطلقة.
لكنها لم تستطع النوم بعدها. كلما أغلقت عينيها، كانت تشعر بيدٍ وهمية تمتد نحوها، جسدٍ آخر يحاول السيطرة عليها، كابوسٌ يعيد نفسه مع كل غمضة عين.
----
لم تكن تعرف كيف وصلت قضيتها إلى محامٍ، كيف حصلت على محاكمة جديدة، لكن لم يكن ذلك مهمًا. فرصة… مهما كانت صغيرة، مهما كانت غامضة، كانت أفضل من الموت البطيء في تلك الزنزانة.
وقفت في قاعة المحكمة، عيناها مثقلتان بالسهر، جسدها يحمل كدماتٍ لم تلتئم بعد، لكنها هذه المرة لم تكن مجرد متهمة بلا صوت.
"لقد قتلتُه لأنه كان سيقتلني."
قالتها بثبات، دون خوف، دون رجاء.
كان هناك شهود… لكنه لم يكن عدلًا. لم يكن أي شيء في حياتها عدلًا. شهاداتهم لم تكن لصالحها، لكنها كانت كافية لقلب القضية إلى دفاعٍ عن النفس. ومع ذلك، لم يكن أحد ينوي منحها الحرية ببساطة.
"حكمٌ جديد: ستة أشهر، مع تنفيذ ثمانين جلدة يوميًا."
عندما سمعت الحكم، لم تشعر بأي شيء. كانت عالقة في نقطة ما بين الإدراك والفراغ، حيث لا معنى للألم ولا للنجاة. ستة أشهر... كان من الممكن أن تكون خمسين سنة. كان من الممكن أن تكون إعدامًا. كان من الممكن ألا تحصل على فرصة ثانية أبدًا.
لكن ثمانين جلدة يوميًا؟
لم تستوعب معنى ذلك حتى وجدت نفسها هناك، مكبّلة، يداها مربوطتان فوق رأسها، ووجهها ملامسٌ لطاولة خشبية باردة تفوح منها رائحة العفن والدم القديم، وقبل أن تدرك الأمر، سقط السوط الأول.
مزّق ظهرها كالنار.
لم تصرخ، ليس لأنها لم تشعر بالألم، بل لأنهم أرادوا ذلك، أرادوا سماع انهيارها.
السوط الثاني، الثالث… العاشر.
الجلد لم يكن مجرد ضرب، كان طقوسًا تُنفَّذ بدقة، ببطء، كي تشعر بكل لحظة، كي يُترك الألم محفورًا في ذاكرتها.
ثمانون مرة.
في الليلة الأولى، لم تستطع حتى الجلوس. لم يكن هناك أي وضع لا يؤلم، لا طريقة لتنام دون أن تشعر وكأنها تحترق من الداخل.
لكنها لم تكن وحدها.
في ذلك السجن، حيث لا وجود للرحمة، كانت محاطة بمجرماتٍ حقيقيات. قاتلاتٌ محترفات، مهرّبات مخدرات، نساءٌ لم يكن لديهن شيء ليخسرنه. كنّ يلاحظن ضعفها، يترصّدن للحظة سقوطها، لليلةٍ تنهار فيها تمامًا، ليومٍ تصبح فيه طريدة سهلة.
في الليلة الثانية، عندما حان دورها مجددًا، فكرت في الهروب، فكرت في الصراخ، في التوسل. لكنها لم تفعل. وقفت مكانها، نظرت إلى الجلاد مباشرة، كأنها تتحدّاه بأن يجعلها تنهار. عندما جرّوها مجددًا، لم يكن جسدها قد تعافى بعد. كانت الجروح مفتوحة، تنزف دمًا، ولم يكن هناك وقتٌ للشفاء.
لم تستطع كتم صرختها هذه المرة.
الليلة الثالثة، بدأت تفهم الدرس أدركت أنها يجب أن تتحمّل، لا أحد ينجو دون أن يدفع الثمن.
بعد أسبوع، كان جسدها أشبه بخريطة من الجروح والتورمات. كانت تنزف من أماكن لم تعتقد أن بإمكانها النزيف منها. عندما كانت تستلقي، كان الألم يشقّ عمودها الفقري كنصل بارد. كل نفس كان يعيد إشعال الحرائق تحت جلدها.
خلال ذلك الأسبوع حاولت إحداهن انتزاع طعامها. لم تتكلم، لم تناقش، فقط غرست السكين البلاستيكية التي حصلت عليها في يد المرأة حتى اخترقتها تاركة المرأة تغرق بصراخها.
كل يوم كان جرحًا جديدًا، كل ليلة كانت كابوسًا لا ينتهي.
في الأسبوع الثاني، كانت قد بدأت تستوعب القواعد هنا. لا أحد يهتم، لا أحد يتدخل، لا أحد يرحم. في منتصف الليل، شعرت بالحركة حولها، كان هناك همسات، أصوات أقدام حافية على الأرضية الإسمنتية. هذه المرةاستيقظت في منتصف الليل، ووجدت أربع أيادٍ تحاول تمزيق قميصها.
عندما حاولت إحدى السجينات الإمساك بكتفها، استدارت فجأة، غرزت أسنانها في يدها حتى شعرت بالعظم، لم تتوقف حتى صرخت المرأة وسحبَت يدها، ملطخة بالدم، وبأربع أصابع فقط! ،حينها بصقت فايوليت الأخير من فمها بالأرض بإهمال، غارقا وسط الدماء. هاجمتهن بشراسة، وعندما انتهت، كانت الوحيدة التي لا تزال قادرة على الوقوف.
لم يكن موقفًا واحدًا، بل كان نمطًا متكررًا… كابوسًا يتجدد كل ليلة، بشكل مختلف، بوجوهٍ أخرى، بنفس الرائحة العفنة.
ومع استمرار جلسات العذاب كل يوم... تأقلمت.
أدركت كيف تحرّك عضلاتها قبل الضربة كي تخفف الألم، كيف تتحكم بأنفاسها، كيف تضعف الإحساس بجسدها كيلا تمنحهم متعة رؤيتها تتلوّى.
---
وفي أحد الأيام، عندما ذهبت إلى الحمام، وجدت نفسها محاصرة. ثلاثة منهن، ضخمات، يملكن أذرعًا مليئة بالوشوم والندوب، نظراتهن تحمل تهديدًا صامتًا.
"عليكِ أن تتعلمي درسكِ، أيتها الصغيرة."
لم تهدر واحدة منهن وقتها، كانت الضربة الأولى مباشرة إلى معدتها، سقطت على ركبتيها، لكن هذا لم يكن كافيًا. قبضت إحداهن على شعرها، جذبت رأسها للخلف بينما الأخرى دفعت وجهها بقوة إلى الحوض المعدني. شعرت بطعم الدم يملأ فمها.
كان عليها أن تفعل شيئًا.
بيدها المرتجفة، أمسكت بالأنبوب المكسور بجانب الحوض، وضربت به إحداهن بكل قوة.
الصراخ ملأ المكان، الدم انتشر على البلاط.
ركلت الأخرى في وجهها، اندفعت نحو الباب، لم تنظر للخلف. لم يكن هذا انتصارًا، بل كان إنذارًا.
بعد شهر، لم تعد تسقط على ركبتيها بعد الجلد. لم يعد أحد يجرؤ على الاقتراب منها.
لكن لم يكن الأمر جسديًا فقط، بل نفسيًا.
كانت هناك من تقف بجوار زنزانتها، تهمس بكلمات تهديدية، تصف لها كيف ستنتقم، كيف ستجعلها تدفع ثمن عنادها. في أوقات الطعام، كانت تجد قطع زجاج صغيرة في طبقها.
لكنها لم تنكسر.
بل تعلمت كيف تهاجم أولًا.
بعد شهرين، أصبحت تُعيد ترتيب ثيابها بهدوء بعد كل جلسة عقاب، تخرج دون أن تنظر لأحد.
عندما اقتربت منها إحدى السجينات وحاولت دفعها للحائط، لم تنتظر. أمسكَت بيدها، لوتها للخلف بقوة حتى سُمعت الطقطقة المريعة للعظام، وقبل أن تصرخ المرأة، لكمتها بقوة على فكّها، جعلتها ترتطم بالأرض.
لم يكن عليها أن تقاتل كل يوم، لكن كان عليها أن تكون مستعدة كل يوم.
في الشهر الثالث، لم تعد تحسب عدد الضربات.
بقيت عينها مفتوحة أثناء النوم. لم تعد تأكل أي شيء يُقدَّم لها إلا بعد أن تراه بعناية. في الحمام، كانت تقف وظهرها للحائط، لا تُنزل رأسها أبدًا.
ببطء، تحولت من فريسة محتملة إلى شخص لا يجرؤ أحد على لمسه.
وبعد ستة أشهر، عندما فتحت بوابة السجن وألقوا بها إلى الخارج…
لم تكن فايوليت هي من خرجت. كانت شخصًا آخر تمامًا.
لم تكن تلك الأشهر سجنًا فقط… بل كانت درسًا في البقاء. السجن لم يُضعفها، بل صقلها، جعلها أقوى، جعلها وحشًا لا يُمسّ.
----
يتبع...
salcafeine