Colonel 5

Colonel 5

16 0

كانت الغرفة هادئة، الضوء الأبيض البارد كان حادًا بعض الشيء، يعكس ظلالًا خفيفة على الجدران المعقمة مشوشًا بعض الشيء، عيناها تحاولان التأقلم مع الإنارة بعد الظلام والدماء. الألم كان حاضرًا، لكنه مألوف.

جلست فايوليت على السرير، كتفاها متراخيان قليلًا بفعل الإرهاق، بينما ضمادات حديثة تغطي ذراعيها وجانبًا من جبهتها، تتفحص الضمادات التي تغطي ذراعيها، أثر المعركة لا يزال ينبض في جسدها، وعلى الجانب الآخر من الغرفة… كان هناك.

دانييل، واقفًا عند الحائط، ذراعيه معقودتان أمام صدره،عينيه مثبتتان عليها بنظرة هادئة، لكنها لم تكن فارغة. وجهه جامد كما هو معتاد. لكنه لم يكن عاديًا الآن.

لقد كان قلقًا.

كان هذا أول ما أدركه فور رؤيتها مغطاة بالكدمات، والدماء التي لم تكن كلها لها، لكن بعضها كان كذلك. لم يكن يفترض أن يهتم، لم يكن يفترض أن يشعر بشيء، لكن… ها هو هنا، عالق معها، يراقبها دون أن يتمكن من المغادرة.

زفر ببطء، مقنعًا نفسه أن السبب ليس أكثر من فضوله.

نعم… هذا كل ما في الأمر.

"أنتِ بخير." لم تكن جملة سؤال، كانت أشبه بملاحظة يقرر بها الحقيقة بدلًا من انتظار تأكيدها.

رفعت نظرها إليه، لم تستغرب وجوده، لكنها أيضًا لم تحاول تبريره.

"كما ترى." ردّت ببساطة، وكأنها لم تكن قبل قليل بين الحياة والموت بين أيدي عشرة جنود.

مرر يده في شعره، متمتمًا بنبرة بدت له باردة لكنها لم تخفَ عنها:

"كانوا عشرة. وأنتِ كنتِ وحدكِ."

بعد لحظات من الصمت، قال أخيرًا، بصوت بطيء، كأنه يلقي بجملة عابرة:

"يبدو أن لديكِ سجلًا حافلًا بالانتصارات."

لم ترد.

انتظر للحظة، ثم أضاف، بنبرة أكثر خفوتًا:

"لكنكِ كنتِ مرهقة اليوم. لم تكوني بنفس مستواك المعتاد، ومع ذلك…"رفع حاجبه قليلًا، كأنه يترك الفراغ لتملأه بنفسها. "ما زلتِ تتمكنين من النجاة."

رفعت زاوية شفتيها بابتسامة لم تصل لعينيها.

"هل يعقل أنكَ قلق عليّ؟"

سقطت كلماتها كحجر ثقيل وسط هدوء الغرفة. للحظة، لم يقل شيئًا. لم يحرّك ساكنًا.

ثم، وكأنه استيقظ، ضحك بصوت خافت، شبه ساخر.

"لا تأخذي الأمر على محمل الجد." قال بنبرة لا مبالية مصطنعة. "أنا فقط أتساءل… كيف تمكنتِ من الوقوف حتى الآن؟"

"أنتِ قوية،" قال، بنبرة تحمل شيئًا من الفضول الحقيقي. "لكن لا أحد يولد هكذا. شخصٌ مثلكِ… لا يصل إلى هذه المرحلة بدون سبب."

كان الأمر واضحًا الآن.

إنه يحاول استدراجها. يريد معرفة كيف أصبحت بهذه القوة. لماذا؟ منذ متى؟ كيف؟

لكنها لم تكن مستعدة للإجابة.

راقبها بعناية، يبحث عن أي تعبير قد يكشف شيئًا مما تخفيه. لكنه لم يجد شيئًا.

هي فقط تنهدت، مالت برأسها قليلًا، ثم أجابت، كما لو أنها تتحدث عن الطقس:

"ربما لأنني لم أكن أملك خيارًا آخر."

صمت.

لم يكن هذا ما أراد سماعه، لكنها كانت تتوقع منه ذلك. كان يراقبها، يحلل ردّ فعلها، يبحث عن أي شيء يمكنه استخدامه لفهمها.

لكنها لم تمنحه شيئًا.

حدّق بها للحظة طويلة، زفر ببطء، وكأنه استسلم، لكنه لم يبتعد. فقط أدار وجهه جانبًا، ابتسامة شبه ساخرة ترتسم على شفتيه.

ما الذي جعلكِ تصلين إلى هذه المرحلة، فايوليت؟

أراد أن يسألها. أراد أن يعرف. لكنه كان يعلم أنها لن تجيب.

----

لم تكد الممرضة تثبّت آخر ضمادة حول ذراعها حتى تحركت فايوليت. دفعت الغطاء جانبًا ونهضت دون تردد، وكأنها لم تكن قبل لحظات فقط جالسة على سرير طبي بعد معركة غير متكافئة.

لكن ما إن استقامت حتى اجتاحها دوار خفيف، كاد أن يجعلها تتراجع.

لكنها لم تفعل. عضّت على أسنانها، أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتها مجددًا، متجاهلة الألم الذي حاول التسلل إلى وعيها. لا وقت لهذا، تحرّكت بخطوات ثابتة نحو الباب.

"إلى أين تظنين أنكِ ذاهبة؟"

صوته كان هناك، منخفضًا، لكنه ممتلئ بسيطرة لا يمكن تجاهلها.

توقفت، استدارت برأسها نحوه، عيناها جامدتان. "أعود للتدريب."

رفع حاجبه، وكأنه لم يسمع جيدًا. "أنتِ بالكاد قادرة على الوقوف، فايوليت."

"لستُ بحاجة لأن أكون قادرة على الوقوف." ردّت بصوت هادئ، لكنه يحمل إصرارًا من النوع الذي لا يُقاوم. "أنا بحاجة لأن أكون قادرة على القتال."

نظرت إليه للحظة أخرى، ثم تابعت طريقها، وكأن ما قاله لم يكن يستحق حتى التفكير فيه.

راقبها وهي تعبر الباب، كتفيها مرفوعين، خطواتها واثقة رغم جراحها. كان بإمكانه رؤية الحقيقة بوضوح

جسدها يصرخ بألمها، لكن إرادتها ترفض الاستسلام.

زفر ببطء، ثم هز رأسه لنفسه.

"هذه الفتاة… ستقتل نفسها في يومٍ ما."

لكن رغم كلماته، لم يكن قادرًا على إنكار شيء واحد:

لقد احترمها أكثر من أي وقت مضى.

----

مرت الأشهر..

السماء كانت قاتمة، تحمل رمادية ثقيلة كأنها تستعد لاستقبال شيء لا يُبشر بخير. رغم نسيم الصباح البارد، كان الجو في المعسكر مشبعًا بشيء آخر… توتر خفي، ترقبٌ صامت.

وقف دانييل أمامهم، ظهره مستقيم، عينيه تمشطان الوجوه التي تغيّرت على مدار الأشهر الماضية.

لم يعد هناك جنود مبتدئون. الكل كان مختلفًا، الأجساد أكثر صلابة، النظرات أكثر قسوة. حتى هي…

عيناه توقفتا عند فايوليت.

الفتاة التي دخلت هذا المكان ككتلة من الجليد العنيد، أصبحت الآن كآلة مبرمجة للقتال، صقلتها التدريبات المستمرة حتى لم يعد هناك أي أثر للتردد.

أخذ نفسًا صغيرًا، ثم تكلّم بصوت واضح، جاف:

"انتهى وقت التدريب. لقد اجتزتم كل ما يمكن لهذا المكان أن يمنحكم إياه. الليلة، سننتقل إلى المعسكر الرئيسي، استعدادًا للحرب."

لم يكن هناك همسات، لم يكن هناك تذمر. لقد كانوا يعرفون أن هذا اليوم سيأتي.

"نغادر عند منتصف الليل. الطريق طويل، سنصل مع شروق الشمس. استعدوا، فهذا سيكون آخر صباح هادئ يمر عليكم." ثم استدار، دون أن يضيف شيئًا آخر.

لكن قبل أن يبتعد، لم يستطع منع نفسه من النظر إليها مجددًا.

لم يَكُن واثقًا ممّا رآه في عينيها في تلك اللحظة. هل كان ذلك الحماس؟ أم شيء آخر… شيء أعمق، أكثر قتامة؟

مهما يكن، فقد كان متأكدًا من شيء واحد:

عندما تشرق الشمس عليهم في المعسكر الجديد، لن يكون هناك طريق للعودة.

----

عند منتصف الليل..

كانت العربة المدرعة تهتز مع حركة العجلات فوق الطريق الوعر، والظلام في الخارج كان كثيفًا، يبتلع أي ضوء شارد. داخل العربة، كان الجنود متراصّين في أماكنهم، بعضهم مسترخٍ بقدر ما يسمح به الوضع، وآخرون غارقون في أفكارهم.

لكنها…

فايوليت جلست على الأرض، ظهرها مستندٌ إلى الجدار المعدني البارد، وسكينتها بين أصابعها تدور ببطء، انعكاس الضوء الخافت يتراقص على سطحها الحاد.

لم تتغير منذ الصباح، عيناها كانتا جامدتان، تفترسان الفراغ كأنها ترى شيئًا لا يستطيع أحد سواها رؤيته.

جاء وجلس بجوارها دون أن يقول شيئًا في البداية. لم يكن من السهل التحدث إليها، ليس الآن. ليس وهي في هذه الحالة.

أراح مرفقه على ركبته، ونظر إليها بطرف عينيه، ثم قال بصوت هادئ:

"أنتِ تفكرين بشيء، وتكرهينه في الوقت نفسه."

لم تتحرك، لكن أصابعها توقفت عن تحريك السكين.

"ليس عليكِ أن تحملي السلاح حتى وأنتِ جالسة داخل عربة نقل."

هذه المرة، نظرت إليه. لم يكن في عينيها تحدٍّ، لكن لم يكن فيهما قبول لكلامه أيضًا. كان في نظرتها شيء أقرب إلى… الحذر.

"الأعداء لا ينتظرون حتى ترفعي سلاحك." قالتها بهدوء، لكن بنبرة تقطع أي نقاش.

ابتسم طرف شفتيه بسخرية طفيفة.

"هذا صحيح. لكن في هذه العربة، لا يوجد أعداء."

نظر إليها للحظة بعد كلماته، مترقبًا أي رد فعل منها، لكنه لم يحصل على شيء… في البداية.

ثم، دون أن ترفع عينيها عن السكين التي تدور ببطء بين أصابعها، همست بصوت بارد، ثابت:

"لا يوجد مكان في هذا العالم يخلو من الأعداء."

قالتها ببساطة، وكأنها حقيقة لا جدال فيها، وكأنها ليست مجرد فلسفة بل قانون عاشته بكل تفاصيله.

ارتفع حاجباه قليلًا، لم تكن إجابة توقعها… لكنها لم تفاجئه. على العكس، تلك الجملة فقط أكدت ما كان يعرفه مسبقًا:

فايوليت لم تعد ترى الأمان كمفهومٍ قابلٍ للوجود.

ولسببٍ ما، ذلك أزعجه أكثر مما أراد الاعتراف به. لكنه بذات الوقت شعر وكأنها سمحت له برؤية جزء بسيط من شيء أعمق… شيء لا تزال تخفيه عنه وعن الجميع.

ورغم ذلك، لم يسأل أكثر.

تركها مع سكينها وأفكارها، لكنه لم يبتعد. فقط جلس هناك، إلى جوارها، داخل العربة التي كانت تهتز في طريقها نحو ما سيغير حياتهم جميعًا.

كان الظلام لا يزال مخيمًا حين توقفت العربة المدرعة، وبمجرد أن فُتح الباب الخلفي، قفز الجميع إلى الخارج، أسلحتهم مرفوعة، أنفاسهم محبوسة. لم تكن هناك حاجة للأوامر… المشهد أمامهم كان كافيًا ليخبرهم بكل شيء.

الحرب قد بدأت بالفعل.

كانت النيران تلتهم بعض المباني البعيدة، أصوات الانفجارات المكتومة تتردد في الأفق، والهواء مشبعٌ برائحة البارود والموت. لم يكن هذا تدريبًا بعد الآن، لم يكن هناك تراجع، لم يكن هناك وقت للتفكير.

عليهم التسلل بصمت.

تحركت الوحدة بانضباط، أعينهم تراقب كل زاوية، خطواتهم محسوبة بعناية، ولكن كما هي العادة… الخطط نادرًا ما تصمد أمام الواقع.

ظهر فجأة. مجرد جندي أوكراني واحد، ربما كان في نوبة حراسة، ربما كان يحاول الفرار، أو ربما… كان على وشك إطلاق الإنذار.

لم يمهله أحد وقتًا كافيًا حتى يفعل.

لم تُمهله فايوليت.

تحركت قبل أي شخص، وكأن جسدها قد استجاب قبل عقلها، وكأنها لم تعد بحاجة للتفكير.

في لحظة واحدة، انقضّت عليه، يدها قابضة على السكين، وعلى مرأى من الجميع… شقت رقبته بحركة واحدة، نظيفة، قاسية، لا مجال للخطأ فيها.

لم يكن هناك وقت لصرخة، فقط شهقة قصيرة، ثم انهار الجسد بلا مقاومة، والدم بدأ يتسرب إلى الأرضية المتسخة.

الصمت أعقب ذلك.

نظراتهم كانت مصوبة نحوها، مزيجٌ من الدهشة، الاستيعاب… وربما شيء آخر، شيء يشبه الحذر.

كانت أول من يهرع إلى سفك الدماء.

كانت أول من يقتل.

وقفت فوق الجثة، أنفاسها هادئة، عيناها جامدتان، كأن ما حدث للتو كان مجرد خطوة في روتينٍ متكرر. لم تكن هذه المرة الأولى… ولن تكون الأخيرة.

أما دانييل، فكان قد راقب كل ذلك بصمت.

هذه الفتاة…

شيء ما في داخله أخبره أن عليها ألا تكون بهذه السرعة، بهذه القسوة… لكنها كانت كذلك.

ورغم ذلك، لم يستطع إنكار شيء واحد:

لم يشعر أحد قط أن شخصًا ما خُلق للقتال بقدر ما شعر الجميع بها الآن.

لم يكن سقوط الجندي الأوكراني كافيًا لإنقاذهم. على العكس، كان بداية الجحيم.

لحظة سقوط جثته على الأرض، وكأنها كانت الإشارة التي أيقظت باقي فيلقه

لم يكن موته كافيًا ليمروا بسلام، بل كان الشرارة التي أيقظت الجحيم.

لم يكونوا وحدهم. في أقل من ثانية، دوى صوت طلق ناري… ثم آخر، ثم انطلقت الصرخات. لم يكن هناك وقت للتراجع، لم يكن هناك مكان للاختباء.

إما أن تقتل… أو تُقتل.

لم يكن هناك خيار آخر. واندلعت الفوضى.

الرصاصات مزقت الظلام، السكاكين شقت الأجساد، وحتى الأيدي العارية تحولت إلى أسلحة قاتلة. كل شيء صار مباحًا، كل شيء صار وحشيًا.

لم يكن هناك مجال للرحمة.

فايوليت تحركت بسرعة، لم تفكر، لم تتردد. سكينتها غرست في حلق جندي آخر قبل أن يستدير، وركلته، دفعت جسدًا آخر إلى الأرض حيث لم ينهض مجددًا.

دانييل لم يكن بعيدًا عنها، كان يقاتل بشراسة، يراقبها من طرف عينه، يرى كيف تتحرك، كيف تقتل بلا تردد، بلا خطأ.

لم تكن تقاتل كإنسان…

بل كشيء بُرمج على القتل.

لكن لم يكن هذا وقت التفكير. كان الوقت فقط للنجاة.

الدماء أغرقت الأرض، والأصوات امتزجت بين الصرخات والطلقات، ووسط كل هذا…

كانت فايوليت تبتسم.

امتدت المعركة لساعاتٍ طويلة، حتى اختلط الليل بالصراخ، والرصاص بأنفاس الجنود المقطوعة، والدماء بالطين الذي غاصت فيه أقدامهم.

كانت معركة البقاء، معركةٌ لا ينتصر فيها إلا من يتمسك بالحياة بأظافره وأسنانه.

الآن، وقد هدأ كل شيء… لم يكن هناك سوى الصمت، والموت، والقلوب التي لم تعد كما كانت.

كانت الأجساد المتعبة تترنح وهم يتراجعون إلى المخيم، بعضهم يسير بصمت، والبعض الآخر يتمتم بالدعوات أو يضحك بجنون وكأنما يحاول التخلص من ضغط اللحظة الأخيرة، وكأنما لم يكونوا على وشك الموت قبل دقائق فقط.

في مكانٍ آخر، وقف القادة، يراقبون من تبقى، يحصون الناجين كما يُحصى المال بعد خسارةٍ فادحة.

"أحسنتم عملًا، أيها الكلاب القذرة!" كان أحد الضباط يصرخ وسط الجنود، وجهه مغطى بالدماء، عيناه تقدحان حماسًا رغم التعب الذي ينهش جسده. "لقد سحقتمهم! لقد جعلتموهم يندمون على مواجهتنا!"

رفع أحد الجنود سلاحه في الهواء، صاح بحماس متقطع، ليتبعه آخرون، وكأنهم يحتاجون لهذا الوهم، لهذا الإيمان بأنهم خرجوا منتصرين، ولو كان النصر مكلفًا حد الألم.

لكن وسط ذلك كله، كانت هناك نظرات أخرى…

عيون انطفأ منها بريقها، ووجوه لا تزال عالقة في أهوال الساعات الماضية، وكأنهم ما زالوا يرون الدماء رغم الظلام.

"خذوا قسطًا من الراحة! لا نريد جثثًا متحركة في المعركة القادمة!" جاء الأمر الأخير من أحد الضباط الأعلى رتبة، قاطعًا الحماس المبالغ فيه لبعضهم، والشرود العميق للآخرين.

وهكذا، انقسم الجنود… البعض تراجع للخيام، يخلع ملابسه المبللة بالعرق والدماء، يرمي بنفسه على أي سطحٍ مستوٍ، لا يهم إن كان صندوقًا، لا يهم إن كانت الأرض نفسها. كانوا بحاجة للنوم، ولو لخمس دقائق.

والبعض الآخر أخذ مواقع الحراسة، عيونهم لا تزال تبحث في العتمة، أسلحتهم ممسكةٌ بشدة كما لو أنهم سيُهاجمون في أي لحظة.

لكنها لم تكن مع أيٍ من هؤلاء.

لم تكن مع من ذهبوا للراحة، ولم تكن مع من بقوا للحراسة.

بل كانت وحدها…

جالسة على الأرض، وظهرها مسنودٌ إلى صندوق ذخيرة فارغ، سكينتها تدور بين أصابعها بحركةٍ رتيبة، لا تفكر في شيء محدد، ولا تحاول حتى أن تشعر بأي شيء.

كانت لا تزال متسخةً بالدماء، لكن لم يكن هناك فرق…

لم تكن ترى فرقًا بعد الآن.

جلست هناك، بعيدًا عن بقية الجنود، سكينتها تدور بين أصابعها بحركة رتيبة، كأنها امتداد ليدها، كأنها الشيء الوحيد الذي تملكه حقًا.

عينها على الفراغ، لكن عقلها لم يكن ساكنًا.

كان يعيد عرض المشهد مرارًا…

الدماء، الصرخات، الأجساد التي سقطت دون أن تنهض مجددًا.

كم من الوقت مضى منذ أن بدأ القتال؟ كم مضى منذ أن أزهقت أول روح بيديها اليوم؟

لا يهم.

لم يكن يهم أبدًا.

لكن ما كان يهم… ما كان يعبث برأسها هو ذلك الشعور.

الابتسامة التي وجدت طريقها لشفتيها وسط المعركة.

لماذا؟ لماذا لم تستطع منعها؟

رفعت يدها، نظرت إلى أصابعها المغطاة ببقايا دم لم يُغسل بالكامل، ثم مررتها على شفتها، كأنها تحاول استيعاب ما حدث.

"هل أنتِ فخورة بنفسك؟"

توقفت أصابعها عن اللعب بالسكين، أغلقت يدها عليه ببطء قبل أن ترفع عينيها.

دانييل كان يقف أمامها، لم يكن غاضبًا، لم يكن مستاءً… لكنه كان ينظر إليها نظرة مختلفة، وكأن ما رآه منها اليوم جعله يعيد التفكير بكل شيء.

لم تجب، هو لم يكن يتوقع منها أن تجيب.

لكن ذلك لم يمنعه من الجلوس بجوارها، متكئًا للخلف، محدقًا في السماء السوداء المثقلة بالدخان والبارود.

"الابتسام وسط القتال ليس أمرًا طبيعيًا، فايوليت."

ليس طبيعيًا، لكنه شعور حقيقي.

شعور لا يمكنها إنكاره، ولا يمكنها تفسيره.

هي لم تبتسم لأن الأمر كان ممتعًا…

بل لأنها شعرت بشيء مختلف، شيء لا تستطيع وصفه بكلمة واحدة. كان أقرب إلى التحرر… كأنها لأول مرة منذ وقتٍ طويل تستعيد شيئًا من ذاتها الضائعة.

نظرت إلى يديها مجددًا، إلى الدم الجاف الذي التصق بأناملها، إلى الجرح الصغير على مفصلها الذي لم تلحظه وسط القتال.

دانييل لم يبعد عينيه عنها، رغم أنه ادّعى الانشغال بالنظر إلى السماء.

"هل استمتعتِ بقتلهم؟"

كان سؤاله هادئًا، لكنه حمل شيئًا آخر في طياته، شيئًا لم تستطع تحديده.

لم تجبه مباشرة. بل أبقت عينيها على يديها، وأخذت نفسًا بطيئًا قبل أن تضع السكين جانبًا أخيرًا، وكأنها استنزفت حاجتها إليها في هذه اللحظة.

"أنا فقط… لم أشعر بالخوف."

لم يكن هذا جوابًا مباشرًا، لكنه كان الحقيقة.

دانييل أطلق ضحكة قصيرة، لكن لم يكن فيها سخرية، ولم يكن فيها مرحٌ أيضًا.

"الخوف يجعلكِ بشرية."

رفعت عينيها نحوه أخيرًا، نظرة باردة، جامدة… لكنها تخفي خلفها اضطرابًا لا تستطيع تفسيره.

"أنا لا أحتاج إلى ذلك."

"أوه، بل تحتاجين." التفت نحوها أخيرًا، وعيناه تتفحصان ملامحها المرهقة، المشحونة بشيء آخر غير التعب. "حين تفقدين الخوف بالكامل، تفقدين أكثر مما تعتقدين، فايوليت."

مررت لسانها على شفتيها، كأنها تحاول إزالة ذلك الطعم المعدني العالق بهما منذ ساعات.

"الخوف يجعلك تتردد. التردد يجعلك تموت."

وهذا آخر شيء تريده.

دانييل لم يعترض على كلامها، لكنه لم يوافق عليه أيضًا. فقط راقبها بصمت، قبل أن ينهض، ينفض الغبار عن ملابسه، ويمد يده إليها.

"تعالي. بقاؤكِ هنا لن يفيدكِ بشيء."

لم تتحرك، فقط رمقته بنظرة غير مفهومة.

"ولماذا تعتقد أنك تعرف ما يفيدني؟"

رفع حاجبه، لكنه لم يسحب يده.

"لأنني رأيت تلك الابتسامة."

كتمت أنفاسها للحظة. هو لم يكن يسأل عن سببها هذه المرة… بل كان يؤكد أنها موجودة، وأنه رآها، وأنه يعرف أنها ليست شيئًا عابرًا.

لكنها لم تعطه اعترافًا، ولم تمسك بيده.

بل اكتفت بإمالة رأسها قليلًا، ثم نهضت وحدها، متجاهلة يده الممدودة، متجاهلة كل ما قد يربطها بأي شيء في هذه اللحظة.

"أنا بخير هنا." تركته خلفها، واتجهت إلى حيث لا يوجد أحد.

----

بعد مدة من تركها وحدها، عاد دانييل إليها حاملًا بعض الطعام. لم يقل شيئًا وهو يجلس أمامها، فقط وضع الطبق بينها وبينه، منتظرًا منها أن تأخذ شيئًا، لكنه لم يكن يتوقع أن تكون أول كلماتها شيئًا آخر تمامًا.

"لقد كنت في السجن."

لم يلتقط الجملة في البداية، ملامحه كانت مسترخية كما هي، لكنه سرعان ما عقد حاجبيه قليلًا.

"ماذا؟"

"لقد كنت في السجن... هذا هو السبب."

كررت كلماتها مجددًا بنفس البرود، دون أن تضيف أي تفاصيل إضافية، وكأنها كانت تلقي حقيقة لا تحتاج إلى تفسير.

لكن تلك الحقيقة وحدها كانت كفيلة بجعل عينيه تتسعان أخيرًا، بينما استوعب مغزى كلماتها.

هذا هو السبب..

السبب خلف طريقتها في القتال؟ خلف نظراتها الفارغة؟ خلف الطريقة التي تحمل بها سكينتها وكأنها جزء لا يتجزأ منها؟

لكن بدلاً من إخماد فضوله، كانت كلماتها كمن أشعل فتيلًا جديدًا في عقله.

متى؟ كيف؟ لماذا؟ وأين؟

لم يطرح أيًا من هذه الأسئلة، لكنها كانت تتدفق في رأسه دفعة واحدة، متشابكة ومزعجة. لم ينطق بها، لكن نظراته كانت تتحدث بصوت أعلى من كلماته، وعندما رآها تبتسم فجأة، أدرك أنها فهمت تمامًا ما يدور في رأسه.

كانت ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، لكن وقعها كان غريبًا. لم تكن ساخرة، لم تكن مستفزة... بل كانت مجرد ابتسامة صافية، وكأنها نسيت للحظة كيف يكون الابتسام.

كانت تلك أول ابتسامة يراها على وجهها منذ أن جاءت.

لا، بل كانت أول ابتسامة ترسمها منذ عامين كاملين. عامان لم يرَ فيها أحد تلك الابتسامة، ولم تسمح لنفسها بها.

حتى اليوم.

مدّت يدها أخيرًا وأخذت الطعام الذي أحضره لها. لم يكن الأمر سهلاً عليها، لكنها كانت تعلم جيدًا أنها ستنهار إن لم تتغذَّ، وليس هذا ما تريده.

رغم ذلك، لم تتخلَّ عن حذرها، لم تكن لتفعل أبدًا. كانت عيناها تراقب دانييل، تدرس ملامحه، تزن كل حركة منه وكأنها تنتظر منه خطأً غير مرئي.

لا أحد يُمكن الوثوق به.

كانت تعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر.

بلطفه، بهدوئه، بصبره... لم يكن دانييل مختلفًا. بل على العكس، أكثر الثعابين لطفًا هو أكثرها سُمّية.

وهي لم تكن هنا لتُلدغ.

راقبها دانييل بصمت وهي تمدّ يدها وتأخذ الطعام، وكأنها تخوض حربًا داخلية قبل أن تستسلم للحاجة الملحّة لجسدها. لم يكن متأكدًا مما يشعر به بالضبط، لكنه وجد نفسه… مرتاحًا؟

لأيام، بل لأسابيع، راقبها وهي تستهلك نفسها في التدريب، تدفع جسدها لما هو أبعد من حدود التحمل، وكأنها تعتبر الطعام رفاهية لا تستحقها. لكنها الآن تأكل. وأيًّا كان السبب، فإن جزءًا منه شعر بالارتياح لرؤيتها تفعل ذلك.

"أخيرًا." قالها بنبرة هادئة، تكاد تكون ساخرة، لكن في عينيه كان هناك شيء آخر... شيء أقرب إلى الرضا.

رفعت عينيها نحوه، نظرة عابرة، لكنها لم تقل شيئًا. لم تكن بحاجة لذلك، فمجرد قبولها للطعام كان بمثابة تنازل لم تكن ستفعله لأي شخص آخر.

ورغم ذلك، كانت يقظتها لا تزال حادة، تشع من كل حركة، كل نفس تأخذه.

هو لاحظ ذلك.

حتى عندما تستسلم لاحتياجاتها الأساسية، فهي لا تزال تقاتل.

كانت مثل ذئب جائع، لا يأكل إلا وعيناه تراقبان محيطه، جاهزًا للانقضاض عند أول بادرة تهديد.

ابتسم دانييل لنفسه، مزيج من التسلية والتقدير.

"هل أنتِ دائمًا بهذا الحذر؟" سألها، رغم أنه يعرف الإجابة بالفعل.

لم تنظر إليه، فقط رفعت قطعة من الطعام إلى فمها وأخذت قضمة، تمضغها ببطء قبل أن تجيبه بصوت هادئ لكنه قاطع:

"البقاء على قيد الحياة يتطلب ذلك."

تلاشى المرح من ملامحه، مستبدلًا بشيء أكثر عمقًا. لم تكن كلماتها مجرد جملة عابرة، كانت حقيقة... حقيقتها.

----

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة