"الصياد و الفريسة"

"الصياد و الفريسة"

17 0

|| IN THE DEPTH OF HER EYES ||

             || في عمق عينيها ||

||الفصل السابع||

                            "الصياد والفريسة"

"حين يبلغ الحبُ أقصاه، لا يعود شعورًا… بل يصبح هوسًا يتجاوز الإرادة، ويعيد تشكيل العالم حول شخصٍ واحد، حتى يختفي كل شيء سواه."

                                                            ||كلير||

||آريا||

كنت أترنّح وأنا أصعد درجات الفندق.

ركبتي تنزف، كعبي مكسور، ثوبي متسخ ببقع التراب، وشعري..... شعري يبدو وكأن إعصارًا مرّ فوق رأسي ....

دفعت باب الغرفة بجهد، وما إن فُتح حتى اندفعت نحوي عاصفة بشرية وردية.....

"آااارياااا! أخيرًا!"

قفزت إيميليا من السرير كانت ترتدي بيجامتها الوردية المليئة بقلوب صغيرة، وشعرها الملفوف فوق رأسها جعلها تبدو كفطيرة لطيفة.....

ركضت نحوي بعينين واسعتين...

"يا إلهي! ما الذي حدث لكِ؟! وجهك شاحب! ركبتك تنزف! وثيابك.... يا رباه! أين كنتِ؟! كنتُ خائفة للغاية!"

أغمضت عيني لثانية، محاولة تنظيم أنفاسي....

"إيميليا.....من فضلك.....اتركي لي مجالًا كي أتنفس...."

لكن لا فائدة...... أمسكت بكتفيّ وهزّتني كأنها تريد استخراج الحقيقة بالقوة.....

"أخبريني فورًا! هل خرجتِ مع رجل؟! هل كنتِ ثملة؟! "

كاد رأسي يسقط من كثرة الهزّ.....

لم أعرف هل أهين، أم أضحك، أم أصرخ.

رفعت حاجبي وأنا أشاهد في مرآة الباب كيف أبدو…

لا ألومها أنا لو رأيت نفسي الآن لظننت أنني هربت من كلب مسعور  أو دب بري...

وللاسف هذا ما حصل فعلا...

لكن لا، لا يمكنني قول هذا لها. إيميليا لديها قلب ضعيف؟ مستحيل.

"إيميليا، توقّفي! لم..... لم أكن مع رجل...."

"على الأقل ليس بالطريقة التي تتخيلينها...."

ضيقت عينيها فورًا..

"ماذا؟! هل هذا إعتراف منك؟! أنا كنت أعرف! كنت أعرف!"

ضربت جبهتي بكفي....

"لا! ليس....رجلًا، رجلًا...أعني..."

حاولت التفكير بسرعة....

رفعت حاجبًا عاليًا بطريقة تشكّك بكل كلمة قلتها...

"حقًا؟ لأنّ اختفاءك مع ذلك الرجل الضخم طوال الليل لا يوحي بأنّك كنتِ تصلّين، مثلًا...."

تجمدّتُ....

يا رب… لقد رأت....

حاولت التماسك...

"ذلك...لم يكن ما تعتقدينه..."

اقتربت أكثر، ملامحها تزداد خبثًا..

"آه طبعًا.... إذن ماذا كان؟"

ابتلعت ريقي، وبدأت أبحث سريعًا عن عذر أي عذر لأخفي حقيقة أنني كنت أهرب من تاجر اسلحة مختل ومنحرف، الليلة الرومانسية التي كانت تتخيلها هذه الغبية كانت بالنسبة لي الجحيم بعينه...

"كنتُ في...الغابة..."

حدّقت بي طويلاً، ثم قالت ببطء شديد..

"في الغابة؟ في هذا الليل؟ وأنتِ ترتدين ثوب سهرة؟"

لم أجد ردًا رفعت كتفيّ بلا حيلة...

"نعم... أردتُ بعض الهواء...."

أمسكت جبهتها بيدها...

"هواء؟ وآخر الأمر تجدين الهواء في الغابة؟ ألم يكفك هواء الفندق والحديقة والشارع؟! هل الهواء هناك ألذ؟!"

تنفست بعمق، أحاول منع ضحكة عصبية من الخروج...

"لقد.... تعثرت، وسقطت، و....."

قاطعتني بقفزة...

"بالطبع! تعثّرٌ أنتج كل هذه الكدمات، والوحل على ثوبك، والدم على ركبتك! يبدو أنكِ سقطتِ من جبل وليس تعثرا بسيطا في غابة!"

أعدتُ النظر إلى نفسي في المرآة...

لا ألومها حقًا...

"إيميليا..صدّقيني، لا شيء خطير...أنا فقط...سقطت..."

حدّقت بي طويلًا..ثم أطلقت حكمها النهائي...

"أنتِ أسوأ كاذبة عرفها الوجود.."

شهقتُ بإهانة مزعومة..

"أنا؟! أنتِ التي تتخيّلين قصصًا رومانسية في كل زاوية!"

وضعت يدها على خصرها ورفعت ذقنها...

"إذن قولي لي...أين اختفى ذلك الرجل الوسيم الذي كنت معه البارحة؟ ولماذا تبدين وكأنك هربتِ من مذبحة؟"

كاد قلبي يتوقف...

"أ...أنتِ رأيتِ؟!"

ابتسمت بخبث،

"كنتُ خلفك...رأيتُ كل شيء."

كل... شيء؟

يا الله…...

"لا شيء حدث بيننا!" قلتُ بسرعة.

رفعت يدها تمنعني من الاستمرار،

"لا بأس، لا بأس... لن أضغط عليكِ."

ارتخت عضلاتي قليلًا...

ثم اقتربت منّي، خفّضت صوتها، وغمزت...

"لكن إن كان ذلك الرجل هو..حبيبك السري..."

ابتسمت بفخر غريب....

"فأنا فخورة بك.."

صرختُ فورًا...

"إيميليا! أقسم بالله ليس حبيبي!"

ضحكت وهي تتراجع...

"كما تشائين... يا آريا الغامضة..."

رفعت وسادة ورميتها عليها، فصرخت وضحكت، ثم انفجرنا نحن الاثنتان في ضحك خفيف خالٍ من التوتر... لأول مرة منذ ليلة الرعب التي خضتها أمس ....

جلستُ على السرير، أراقب ركبتَي المتورمتين، وأمسح وجهي المرهق...

......

كانت تجلس على حافة السرير في غرفة الفندق، ساقاها متيبّستان، والجرح في ركبتها ما يزال يلسعها كلما لامسته ملابسها الممزّقة....

وقفت إيميليا أمامها، تحمل في يدها حقيبة الإسعافات الأولية، وعلى وجهها مزيج من القلق والدهشة والفضول الذي لا يمكن كبحه....

قالت إيميليا وهي تضع الحقيبة بقوة على الطاولة كأنها ستجري عملية جراحية..

"اجلسي جيدًا.... ولا تتحركي.... أقسم يا آريا، عندما رأيتك تدخلين بتلك الحالة، كادت روحي تخرج!"

أخفضت آريا رأسها بطريقة مسالمة، وهي تشاهد صديقتها تفتح العلبة وتخرج منها القطن والمطهر والشريط اللاصق..

"إيميليا..الأمر ليس بتلك الخطورة..."

رفعت إيميليا حاجبًا واحدًا، النظرة التي تعني.. أنتِ تكذبين، وأنا أعلم، لكنني سأسامحك مؤقتًا....

"ليس خطيرًا؟ ملابسك ممزقة، ركبتك تنزف... لا أعرف ماذا أيضًا.....ثم تختفين نصف الليل وتعودين مع شروق الشمس؟!"

ابتلعت آريا ريقها، تحاول تذكّر العذر غير المنطقي الذي اختلقته سابقًا...

"أنا فقط كنتُ أركض وتعثرت...."

توقفت إيميليا عن التنظيف فجأة.... حدّقت فيها وكأن آريا تحاول إقناعها بأن الشمس تشرق من الغرب....

أطلقت إيميليا تنهيدة طويلة، امتزج فيها اليأس بالشفقة...

«آريا..أنتِ ممتازة في كل شيء، لكن في الأكاذيب... كارثة...»

أخفضت آريا عينيها بخجل...

"لا أريدك أن تقلقي..هذا كل شيء..."

لم تقل إيميليا شيئًا لوهلة؛ فقط بدأت تمرر القطن على جرح الركبة بلطف، بينما كانت آريا تعض شفتها كي لا تصرخ من الألم...

"أوه! إيميليا! على الأقل حاولي ألا تنهي رجلي الثانية..."

ردّت وهي تنفخ على الجرح بخفة،

"لو كنتِ جئتِ قبل أن يجف الدم، لكان أفضل.... ولكن آنستي الشريفة فضّلتِ أن تتجولي في الفندق بقدم تنزف نصف ساعة؟"

ابتسمت آريا بخجل، ورفعت كتفيها...

"كنت أحاول...ألا ألفت الأنظار...."

"أوه نعم، بالتأكيد...دخولك الفندق كأنك هاربة من معركة  لم يلفت الأنظار أبدًا...."

ضحكت آريا رغم الألم، ضحكة صغيرة دافئة...

كانت تشعر للحظة أن عالمها يعود لمساره الطبيعي.. بعيدًا عن ذلك الرجل، وعن رائحة الخطر التي التصقت بها...

بعد أن انتهت إيميليا من وضع الضماد، صفّقت بيديها بخفة وقالت..

"ها قد انتهينا.....مع أنها تحتاج إلى طبيب، لكن لا بأس... الآن هل تستطيعين الوقوف؟"

جربت آريا الوقوف، تمسكت بيد صديقتها وتأنّت قليلًا..

"أستطيع بصعوبة ولكن سأتحمل..."

ابتسمت إيميليا برضا..

"جيد لأن علينا الآن جمع الأمتعة قبل أن يتصل بنا المشرف عشر مرات أخرى...."

بدأتا في التحرك داخل الغرفة، إيميليا تسحب الحقائب من تحت السرير، وآريا تلتقط ملابسها المبعثرة وتحاول طيها رغم تلعبها....

قالت إيميليا وهي تضع حقيبتها على الأرض وتغلق السحاب...

"أتعلمين؟ ما زلت أظن أنك لم تتعثري فقط..."

كادت آريا تسقط من توترها...

"م...ماذا تعنين؟"

"أظن..."قالت وهي تقترب وترفع حاجبها بابتسامة مشاكسة،

"أنكِ كنتِ مع حبيبك،وأردتِ التهرّب مني!"

جفلت آريا، كتمت شهقة محرجة...

"ماذا؟! أية هراء هذا؟! أي حبيب؟! لا يوجد!"

ضحكت إيميليا بحرارة وهي تسحب حقيبتها نحو الباب...

كادت آريا تطير من مكانها...

"إيميليا! توقفي!"

"أمزح..امزح فقط...."

ثم أضافت بغمزة,

"لكن لن أتوقف حتى تعترفي يومًا ما...."

وقفت آريا أمام المرآة لثانية، تنظر إلى الضماد على ركبتها، والملابس التي غيرتها، والهالات القاتمة تحت عينيها....

نفس طويل...

عليها أن تنسى....

على الأقل الآن...

استدارت نحو الباب، وابتسامة صغيرة رسمت نفسها رغم كل شيء...

"هيا لنعد إلى مدينتنا قبل أن تحدث كارثة جديدة...."

كان الصباح بارداً على نحو غير معتاد، والمدينة التي قضوا فيها الرحلة المدرسية تستيقظ ببطء، كأنها تتثاءب تحت ضباب خفيف يلامس الأسطح والحجارة القديمة....

تجمّع الطلاب في ساحة الفندق الواسعة، يحملون حقائبهم، يلتقطون صوراً أخيرة، ويتبادلون الضحكات المتعبة، بينما كان بيريزيو كعادته يحصي الأسماء بصوت مرتفع...

وقفت آريا قرب الحافلة، تحمل حقيبتها بإحدى يديها، فيما تداعب الأخرى الضمادة على ركبتها دون قصد....

كانت عيناها تتجولان في المكان للمرة الأخيرة...

الطريق الحجري الضيّق، الأشجار المبتلة بالندى، الجدار القديم للفندق...

كل زاوية كانت تُذكّرها بما جرى لها من حوادث غريبة....

لكنها أخذت نفساً عميقاً ....نفساً أرادت أن تقنع به نفسها أن كل شيء انتهى.....

اقتربت إيميليا منها وهي تشد معطفها حول جسدها..

"آه.... لن أفتقد هذا المكان... الفندق كان جميلاً، نعم، لكن الجو؟ كارثة!"

ضحكت آريا ضحكة خفيفة، ليست من القلب تماماً، لكنها كافية...

"على الأقل سنعود إلى سريرنا الحقيقي...."

"وسأجعلك تحكين لي القصة الحقيقية عندما نصل....."

غمزت إيميليا بنبرة ماكرة، لتتجاهلها آريا ببطء مع تنهيدة مجهدة...

بدأ الطلاب بالصعود إلى الحافلة واحداً تلو الآخر، بينما المحرك يصدر هديراً خافتاً ينساب في الهواء مثل تمهيد للرحيل...

وقفت آريا لحظة…

حدّقت في المدينة مرة أخيرة.

بدت هادئة… أكثر هدوءاً مما تستحقه.

كأن شيئاً لم يحدث...

شعرت بنسمة باردة تمرّ على عنقها، كأنها تربّت عليها لتطمئنها....سحبت آريا نَفَساً عميقاً....

انتهى....

هكذا حاولت إقناع نفسها....

صعدت إلى الحافلة، وجلست إلى جانب النافذة، بينما إيميليا راحت تثرثر عن المدرسة والصور والذكريات...

كانت الأصوات حولها تتداخل..

ضحكات، نكات، شكاوى من التعب، وصوت الحقائب ترتطم بالرفوف...

لكن عقل آريا كان بعيداً...

بعيداً تماماً...

مع تحرّك الحافلة ببطء، وبدء الطريق الطويل نحو مدينتهم، أطبقت عينيها لثوانٍ، وشعرت بالراحة للمرة الأولى....

هو لن يجدني... مستحيل...لقد نجوت..

قالت لنفسها...

بدأت المدينة تتلاشى خلفهم شيئاً فشيئاً، حتى لم يتبقَّ منها سوى خيال ضبابي يختفي خلف المنعطف....

وضعت رأسها على الزجاج البارد...تغمض عينيها بتعب...

||بعد 15 يوم||

كانت الغرفة تغرق في ضوء رمادي باهت يتسلّل من بين ستائر شفّافة تتماوج مع نسمات الصباح....

أطلق المنبّه صوته الرتيب، كأنه ينذر ببدء يومٍ آخر لا يحمل جديداً....

مدّت آريا يدها بخمول نحو الطاولة الصغيرة، أوقفت المنبّه، ثم ظلّت ساكنة للحظة....

مرت خمسة عشر يوماً منذ الرحلة…....

خمسة عشر يوماً من محاولات الإقناع أن كلّ ما حدث كان مجرّد كابوسٍ نابع من ارهاقها.....

دفنت وجهها في الوسادة، تتنفس ببطء، كأنها تبحث فيه عن طمأنينة ضائعة....

رفعت جسدها بتثاقل، جلست على طرف السرير، شعرها البني المتموّج ينسدل على كتفيها ، وعيناها الخضراوان ذابلتان...

كل شيء في شقتها كان على حاله...

اللوحة المائلة على الجدار، الكتب المتناثرة على الأرض، الكوب الذي لم تغسله منذ ثلاثة أيام، ونافذة تطلّ على مدينتها الجميلة......

تنهّدت، تمرّر أصابعها على جبينها.....

"خمسة عشر يوماً....وما زلت غير قادرة على نسيان ما مررت به...."

وقفت ببطء، تقدّمت نحو المرآة.....

انعكاسها كان مألوفاً وغريباً في الوقت ذاته وجه شاحب، نظرات مثقلة  ....

لثوانٍ ظنّت أن ملامحها تغيّرت، أنّ تلك الطفلة التي كانت في المرآة يوم الحريق عادت تنظر إليها من جديد.....

أغمضت عينيها بقوّة.....

"توقّفي يا آريا... لقد انتهى الأمر...."

لكن شيئاً في داخلها لم يصدق تلك الجملة....

اتّجهت نحو المطبخ الصغير، أعدّت لنفسها قهوة سوداء، جلست بجانب النافذة، تراقب الشارع تحتها  الحياة تمضي ببساطة مستفزّة، كأن لا أحد يدرك أنها كانت على بُعد خطوة من الموت قبل أسبوعين فقط.....

رفعت الكوب إلى شفتيها، ارتشفت رشفة صغيرة، وعقلها يعود رغمًا عنها إلى تلك الليلة...

ارتجفت أصابعها....

وضعت الكوب بسرعة على الطاولة، تناثرت بضع قطرات على الأرض....

"كان مجرد رجل التقيته في حفلة، هذا كل ما في الأمر... مجرد رجل، مجرد صدفة، مجرد كابوس...."

كرّرت العبارة لنفسها حتى كادت تصدّقها، ثم نهضت بعزمٍ خافت، جمعت شعرها ورفعته للأعلى، ارتدت معطفها الطويل واستعدّت ليومها الجامعي....

......

كانت شمس الصباح تتسلّل بخجل بين الأبنية العالية، ترسم خيوطاً ذهبية على الأرصفة المبتلّة بمطر الليلة الماضية.....

آريا سارت بخطوات ثابتة، حقيبتها معلّقة على كتفها، ومعطفها الأسود يتمايل مع حركة الريح الباردة....

رائحة القهوة والدخان الخفيف تتصاعد من محلات الشارع، والمدينة تستيقظ ببطء.....

لكن خطوتها توقفت عندما.... رنّ الهاتف....

تجمّدت لثانية...

هناك فقط شخصان يملكان رقمها..

إيميليا…...وخالها لوسيان....

والصوت الذي دوّى في أذنها منذ الرنّة الأولى....

لم يكن إلا صوت الرجل الذي يخيفها ويطمئنها في اللحظة ذاتها....

رفعت الهاتف بتوتر خفيف، لكنها أجابت بنبرة واثقة، كأنها نسيت كل الكوارث التي تركتها خلفها منذ الرحلة....

"صباح الخير خالي,كيف حالك؟"

لكن ما جاءها لم يكن صباح الخير..

بل إعصارًا....

"كنتُ بخير إلى أن رأيت الجريدة يا ايتها المصيبة !"

شدّت آريا عينيها، تجهّز نفسها....

"واللعنة عليكِ يا آري! ما قصة حضورك حفلة معرض ميلانو؟! والأدهى…..رقصة مع لعنة آل مارينو!

واللعنة...سأجنّ!

كم مرة حذّرتك من مغادرة المدينة اللعينة؟!"

قربت الهاتف من أذنها وهي ترفع حاجبًا ساخرًا....

"لقد اشتقت إليك أيضًا يا خالي..." تمتمت بين أسنانها.

ثم بصوت منخفض، محاولة تهدئته...

"انتظر خالي...لم أفعل شيئًا... كانت مجرد رقصة...هو... هو أجبرني عليها..."

"آري... واللعنة!

لا تعلمين حجم المصيبة التي فعلتها!

من بين كل الناس... تلتقين به هو؟!"

توقفت عند إشارة المرور، وضعت يدها على جبينها...

كان صوته يسبب صداعًا أكبر من كابوسها الأخير....

"خالي اهدأ...وتوقّف عن اللعن قليلاً...

ما مشكلتك مع هذا الرجل؟ إنها رقصة....رقصة فقط! ثم ذهب كلٌّ منا في طريقه....."

"آري...واللعنة اصمتي!

اسمعيني جيدًا غداً سأرسل لك جاك بالسيارة.

أريدك أن تعودي للبيت لفترة حتى نجد حلًا للمصيبة التي أوقعتِ نفسك فيها...."

"ماذا؟! مستحيل! والجامعة؟"

"الجامعة إلى الجحيم!

أكملي دوامك اليوم فقط

وغداً ستجدين السيارة أمام باب شقتك.

وإيـاكِ.... إيـاكِ أن تخالفي كلامي !"

عضّت شفتها بقهر، ثم صرخت بدون تفكير..

"اللعنة عليك يا خالي لوسيان الأصلع!"

ساد صمتٌ حاد ثوانٍ ثم جاء صوته مبحوحًا من الصدمة والغضب...

"مَـن الأصلع يا عديمة التربية؟!

شعري الأشقر الكثيف يمكن رؤيته من مئات الأمتار!"

ثم  وبكل برود ...

أغلقت الخط في وجهه...

وقفت في منتصف الطريق، أغمضت عينيها، أطلقت تنهيدة طويلة....

"يا إلهي بدأ اليوم بطريقة كارثية."

لكن شيئًا ما في صدرها خفّ…...

....

كانت الجامعة تغلي بالحركة الصباحية....

طلاب يركضون، آخرون يتثاءبون، والبعض يراجع محاضراته بعين نصف ميتة....

أما آريا… فكانت تمشي بخطوات سريعة، حقيبتها تتمايل خلفها، وشعرها البني الطويل يتقافز مع كل خطوة....

نظرت إلى الساعة في يدها...

08:10

"اللعنة تأخرت...."

دفعت باب القاعة الكبيرة بهدوء ...

المقاعد الأمامية ممتلئة بالكامل كالعادة أما الخلفية فكانت للأولاد الفوضويين.....

تبادلوا النظر حين رأوها....

بعضهم صمت فجأة...

والبعض رفع حاجبه بدهشة لأنها اختارت الجلوس بينهم لأول مرة....

لكنها لم تبالِ...

سحبت الكرسي وجلست،فتحت دفترها.....

حتى دخل أستاذ الرياضيات وهو يلهث قليلاً...

"صباح الخير جميعًا رجاءً الهدوء.... لدي إعلان من الإدارة...."

لم يبدُ على أحد الاهتمام إلى أن فتح الباب مجددًا...

وقف مدير الجامعة بنفسه....

استقامت ظهور الطلاب فورًا....

حتى أولئك الذين ينامون في الخلف فتحوا أعينهم....

اقترب المدير من المنصة، صوت خطواته يملأ القاعة...

'أيها الطلاب كما يعرف أغلبكم، جامعتنا كانت في الأصل مدرسة فنون عريقة قبل توسعها لتشمل الرياضيات والعلوم...."

همهمة خفيفة انتشرت...

آريا رفعت حاجبها....

إلى أين يريد الوصول؟

تابع المدير بجدية...

"وبما أنكم طلاب قسم الرياضيات، نرى أنه من المهم أن تطّلعوا على مجالات أخرى أيضاً لذلك سنستضيف اليوم شخصية مرموقة في عالم الفن أحد أشهر فناني العصر... والذي سيقدم لكم محاضرة قصيرة عن الربط بين الفن والتحليل العقلي..."

بعض البنات في الأمام بدأن يتهامسن بحماس..

"يا إلهي! من هو الفنان؟.."

" هل هو أحد رسامي ميلانو؟.."

"أتمنى أن يكون ذلك النحات الوسيم!.."

ابتسم المدير وقال..

"اسم الضيف دايمان مارينو..."

آريا توقفت عن التنفس....

ارتطم اسم الرجل داخل رأسها كصاعقة.

سمعت هذا الاسم من قبل أين؟ تبحث في ذاكرتها بسرعة…....قبل أن تكتمل الفكرة....

فتح الباب....

ودخل الرجل....

القاعة كلّها صمتت دفعة واحدة...

خطوته كانت ثابتة، بطيئة، واثقة...

يرتدي بدلة سوداء بالكامل، وشعره الفحمي ينساب فوق جبينه بلمعة خفيفة، وملامحه… كانت حادة كما رأتها آخر مرة، لكن أكثر ظلامًا...

وعيناه......وقعت مباشرة على آريا....

تجمّد الدم في عروقها....

جسدها قشعر....

أنفاسها اختفت....

بينما هو....

ابتسم.....

ابتسامة صغيرة، مصممة فقط لها.....فتحت فمها...

" تبا لماذا هو ...لا.... لا يمكن..."

"فنان وتاجر اسلحة يال سخرية القدر...."

لكن الرجل وقف أمام المنصة، رفع رأسه بخفّة، ثم نطق بصوت هادئ ...

"صباح الخير، طلابي...."

"طــلابــي.."

"كنت اعلم ان حظي لعين لاكن ليس لهذا الحد..."

جلست آريا في مقعدها الخلفي تُحاول جاهدة تهدئة اضطراب أنفاسها. كانت تُقنع نفسها، بإصرارٍ يكاد يكون هذيانًا، أنّ وجوده هنا لا يعني شيئًا....

مجرد مصادفة، محاضرة، ثم سيغادر إلى عالمه اللعين الذي لا يمتّ لها بصلة......لكن كل شيء فيها كان يرتجف.....

بدأ دايمان حديثه عن فنّه السوداوي الغريب، صوته عميق ثابت، لكن عينيه لم تتحرّكا عنها لحظة واحدة.... نظراته مربوطة بها يبتلعها بها....

وحين انتهت المحاضرة، وقف الطلاب يجمعون أغراضهم، يتحدثون بحماس عن المحاضرة ... أمّا آريا، فكانت تحاول الفرار قبل أن.....

"آنسة آريا مورلين…....

انتظريني بعد خروج الجميع.... أحتاجك في أمرٍ عاجل..."

تجمّدت.....

اللعنة..... اللعنة عليه..... وعلى اسمها.... وعلى حظّها البائس.....

لا يمكنها الهرب الآن...ثمانون طالبًا سينظرون إليها إن فعلت.... ستصبح حديث الجامعة.....

ابتسم دايمان ابتسامة بطيئة مُستفِزّة، كأنه يقرأ كل ما يدور في رأسها حرفًا حرفًا....

وحين خرج آخر طالب......

اقتربت آريا بتوتر شديد، محافظة على مسافة أمان كبيرة  أو كما حلمت أن تكون كذلك.....

تظاهرت بالجهل، شعرها يغطي نصف وجهها كدرع .....

"تفضل يا بروفيسور... ما الأمر الذي تحتاجني فيه؟"

لم يُجب....

بل بدأ يتقدّم بخطوات ثابتة، محسوبة، تُشبه تخطّي وحشٍ مسافةً تفصل بينه وفريسته.....

كلما خطا خطوة..... تراجعت هي خطوة....

حتى .....

ارتطم ظهرها بحافة المكتب......

حبست أنفاسها في اللحظة التي انحنى فيها بكل هدوء، كفي ذراعيه الموشومتين تطوّقانها دون أن يلمساها، لكنها صارت محاصرة بين جسده والمكتب، بلا أي مهرب....

همس بصوت عميق ممزوج بمدّ خطير من الغضب والوله...

"كرستالتي الفاتنة أتظنين حقًا أنني لم أتعرف عليك؟"

رفع يده، ببطء مريع، كأن الزمن كله يتباطأ عند أصابعه... أبعد خصلة شعر عن وجهها ووضعها خلف أذنها....

في تلك اللمسة وحدها شعر أنّ كل قوته تذوب ...

قربها له كان خانقًا خانقًا حدّ الارتعاش...

"لاتحرميني من عيناكِ وتيني فأنا بدونهما عليل على فراش الموت وجوهرتاك دواء علتي .."

حاولت دفعه....

"ابتعد عنّي، يا هذا! لا أعرفك أصلاً...."

نقر لسانه بخدّه بضجر قاتل...

مدّ يده ببرودة تُذيب العظام ومرّر أصابعه الطويلة على عنقها، صعودًا.... ثم نزولًا، ببطأ وكأنه يعاقبها على جملتها..

"آري...

أنتِ لا تعرفينني؟ هكذا؟

وماذا عن جلوسك بين أولئك الشبّان في الخلف؟ هل استمتعتِ بإغاظتي؟"

كاد صبرها ينفجر...

"من أنت أصلاً لتعلق على تصرفاتي؟!"

رد عليها بهدوء كأن ما يقوله شيء طبيعي وحقيقة ثابتة...

"زوجك المستقبلي ووالد اطفالك فاتنتي انتي خاصتي...."

"واللعنة...."

وصلت لآخر مرتاح الصبر ...

دفعته بكل قوتها....

لم يتحرك...

بدأت تتخبط بذراعيه، تضربه، تحاول الإفلات من بينه وبين المكتب....

وفجأة وبلا تفكير  رفعت يدها وصفعته....

صفعة حقيقية مدوّية....

حتى الهواء اهتزّ معها....

توقف دايمان....

أنفاسه ثقلت...

جفّ فمه...

عروقه نبضت بوضوح تحت بشرته....

كانت ما تزال تتخبط، فاندفع فجأة نحوها...

أمسك خصرها بقوة...رفعها في الهواء بلا جهد...

ثم ألقى جسدها على كتفه....

"أَنزِلْنِي!!تبا لك ايها العجوز المنحرف دعني.. "

كانت تصرخ، تشدّ شعره بقوة، تركله، تضرب ظهره...

"افلتني الآن!!"

صرخة محمّلة بالهستيريا أكثر من الشجاعة....

لكن العملاق كما تلقبه هي لم يتحرك قيد أنملة....

خرج من القاعة بها على كتفه، يسير في ممرات الجامعة بكل ثبات، وكل من حولهما  طلاب، أساتذة، موظفون  يحدقون مذهولين، لا يفهمون ما يحدث....

زمجر أخيرًا بصوته الخشن وهو يشدّ عليها كي لا تهرب...

"اثبتي مكانك الآن.... قبل أن أفقد آخر ذرة صبر لدي....وصدقيني ياصغيرة غضبي ليس بشيء يمكن اللعب به...أبدا..."

           ||هكدا اسدل الستار على الباب السابع||

                   ايها القارىء الفضولي....

لا تقلق الجحيم الذي دخلته ليس نهائيًا. لكنه يعرف طريقه إليك إن قرّرت البقاء معي حتى النهاية......

  لقد قرأت ما يكفي الليلة ،نلتقي  اعزائي قريبا مع فصل جديد....

"الصياد الحقيقي لا يركض خلف فريسته؛ يكفيه أن يجعلها تأتي إليه وهي تظن أنها حرة."

    || وُقّعت هذه اللعنة باسم: [ كلير | KLIR ] ||

     ||التي تكتب بعينٍ مفتوحة على الجحيم....||

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

|| IN THE DEPTH OF HER EYES ||

المؤلف Klir
2025/09/09 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة