||حين يبتسم الجحيم||

||حين يبتسم الجحيم||

17 0

|| IN THE DEPTH OF HER EYES ||

             || في عمق عينيها ||

||• الفصل الثالث •||

"حين يبتسم الجحيم"

"الهوس ليس حبًّا، بل هاوية يبتلع فيها العاشق ذاته قبل أن يبتلع الآخر. إنّه قناع العاطفة يخفي أنياب التملّك، ولعنة تتزيّن بوجه الشغف لتجرّ صاحبها إلى الفناء، حيث يمتزج الجنون بالولع فلا يبقى فرق بين المحبّ والسجين."

|  كلير

كان الطريق إلى الفندق أشبه بمسرحٍ صامت... الأرصفة مبتلة ببقايا المطر، والسماء ما زالت متلبدة بغيوم خريفية ثقيلة.....

خطوات آريا تتسارع كمن يسابق ظلّه.... كانت تعلم أن إيميليا، بصراحتها الحادة ولسانها اللاذع، لن تترك خروجها المفاجئ في الصباح الباكر بلا حساب......

ضغطت آريا كفيها داخل جيوب معطفها بتوتر....

_ماذا سأقول لها؟ هل سأكذب؟ أم أختلق عذرًا تافهًا؟

همست في عقلها بارتباك....

لم تكن تكره إيميليا، على العكس، لكنها كانت تخشى عتابها مثل طفلةٍ تم ضبطها متلبسة بفعلٍ محظور.....

كل ما كانت تتمناه ، أن تتمكن من التسلل إلى الغرفة دون أن تثير جلبة، دون أن تسمع صوت صديقتها وهي تصرخ:أين كنتِ؟ وما الذي جعلكِ تخرجين وحدك؟.....

كلما اقتربت آريا من الفندق.... تعثّرت أفكارها بما تحاول دفنه في أعماقها.......

صورة الجثة المشوهة، الدماء المتناثرة، والعيون الزرقاء الحادة لذلك المقنّع الذي كاد يخنقها..... كأنها لُطخت داخلها بلونٍ لا يمحى....

حاولت طرد المشهد من عقلها، أو بتعبير أدق تجاهل ماحصل وإلقاء اللوم على خيالها كأن ماعاشته مجرد شيء حاكه عقلها، لكن ارتجافة يديها فضحت ما تحمله من رعب....

دفعت باب غرفتها بتردد، تنفست ببطء وهي تأمل أن تتسلل إلى الداخل بهدوء....

لكن ما إن خطت خطوتها الأولى حتى انقضّت عليها إيميليا، وذراعاها معقودتان أمام صدرها، ووجهها متجهّم بطريقة مبالغ فيها.....

– آآآريا! هل جننتِ؟!

قفزت إيميليا أمامها كقطة متأهبة، ثم أشارت إليها بإصبعها قائلة بنبرة مسرحية.....

– تخرجين في الفجر كالشبح، تتركيني نائمة وحدي، وتعودين متظاهرة بالبراءة وكأن شيئًا لم يحدث؟!

تجمدت آريا في مكانها، عيناها متسعتان من المفاجأة، بينما إيميليا تواصل عتابها وكأنها مدرّسة غاضبة من طالبة مشاغبة....

– هل تعرفين كم من الكوابيس رأيتها وأنا نائمة بسببيك؟ لقد حلمتُ أنك اختُطفتِ من عصابة مهرجين!

رغم التوتر الذي يخنق صدرها، لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى شفتيها.....

– إيميليا… أرجوكِ، لا تبدأي بالدراما الآن.

رفعت إيميليا حاجبها بخبث، ثم وضعت يديها على خصرها

– لا تخبريني أن رفيقتي تواعد خلف ظهري.هممم ،من هو صهري المستقبلي هل هو وسيم دعيني أتزوج اخوه مارأيك...

تنهّدت آريا بقلة حيلة....

_أنت تعلمين أن إسمي وكلمة حب لا يلتقيان ....

إنتفضت الأخرى بإنزعاج..

_يالكي من صديقة مفسدة للمتعة....حسنا تزوجي من كتاب الرياضيات لا أهتم...

تنهدت ، وهي تسقط حقيبتها على الكرسي وتخلع معطفها بسرعة، محاولة إخفاء ارتجافة جسدها.....

لو تعلمين ما رأيته الليلة الماضية يا إيميليا.....لَما اكتفيتِ بالعتاب.....

إيميليا لم تكتفِ بتمثيل دور الغاضبة، بل أسرعت نحو حقيبة آريا وبدأت تعبث بمحتوياتها......

– قفي هناك، لا تتحركي! لقد حُكم عليكِ رسميًا أن تستمعي إلى خطتي الصباحية.

رفعت آريا حاجبًا بضيق... بينما جلست على حافة السرير تحاول استعادة هدوئها.....

– إيميليا… ليس الآن، أرجوكِ.

تجاهلتها صديقتها تمامًا، وأخرجت ثوبًا بسيطًا من حقيبتها ولوّحت به أمامها....

– ها هو، ارتديه بسرعة. الطلاب سيتجمعون في قاعة الفندق لتناول الفطور، ودكتور بيرزيو سيقتلنا إن تأخرنا....

زفرت آريا ببطء، ثم قالت بنبرة منهكة...

– إذن كل هذا العتاب لأنك تخافين أن نصل متأخرتين؟

ابتسمت إيميليا ابتسامة طفولية وهي تضع الثوب في يد رفيقتها.....

– بالضبط! وصدقيني، غضبي صباحًا أخطر من غضب بيرزيو نفسه....

لم تستطع آريا سوى أن تهزّ رأسها بيأس، بينما تنهض متثاقلة لتستعد....

ازدحم بهو الفندق بأصوات الطلبة وضحكاتهم وهم يتجمعون حول الطاولات المصفوفة للفطور....

رائحة القهوة الساخنة والمخبوزات الطازجة ملأت المكان، بينما آريا وإيميليا جلستا في ركن شبه هادئ، تراقبان الزحام.....

وفجأة، ارتفع صوت مألوف جعل الجميع يلتفتون.....

الدكتور بيرزيو، بوجهه المشرق ونظارته المستديرة التي لم تفارق أنفه يومًا، كان يصفق بيديه كقائد أوركسترا يستدعي انتباه فرقة موسيقية....

– أصدقائي الطلبة!  أرجوكم اتركوا الكرواسون لأشخاص آخرين ، ليس عليكم التهامه كله!

تعالت الضحكات، وبعضهم حاول بسرعة إخفاء أطباقهم المكدّسة بالطعام....

أكمل بيرزيو، وهو يعدل ياقة معطفه الطويل ......

– لدينا يوم حافل أمامنا! بعد نصف ساعة بالضبط، سنتحرك جميعًا لزيارة المعرض الفني في روما...... أريدكم أن تكونوا بكامل نشاطكم، ولا أريد أن يغمى على أحد من التخمة وهو يتأمل لوحة فنية تعود للقرن السادس عشر!

ابتسمت إيميليا وهي تهمس للجالسة بجانبها.....

– أقسم أنه يجب أن يترك التدريس ويتجه للكوميديا.

بينما ملكة الكآبة كما تلقبها صديقتها قد احتضنت كوب قهوتها بكلتي يديها، و اكتفت بنظرة صامتة نحو بيرزيو......

بعد أن انتهوا من فطورهم، اصطف الطلاب أمام الفندق بانتظار الحافلة السياحية........

الهواء البارد الممزوج برائحة المطر المتبقي من الليلة الماضية منح المكان نكهة خريفية منعشة.....

بينما الأصوات المتداخلة من الضحكات والثرثرة جعلت المشهد أشبه برحلة مدرسية أكثر من كونه برنامجًا جامعيًا....

وصلت الحافلة أخيرًا، بيضاء كبيرة بزجاج عاكس يعكس الغيوم المتفرقة في السماء.....

ارتفعت هتافات الطلبة وهم يهرعون إلى الداخل لاختيار المقاعد الأفضل، بعضهم يتشاجر بخفة، وآخرون يغنون أو يلتقطون الصور.....

صعد الدكتور بيرزيو آخرهم، رافعًا يديه كقائد يخاطب جيشًا......

– الهدوء أيها الطلبة! أذكّركم أن هذه رحلة علمية، وليست حفلة موسيقية!

ثم ابتسم بخبث مضيفًا.......

– لكن لا بأس إن غنّيتم قليلًا… طالما لا تكسرون زجاج الحافلة!

تعالت القهقهات، وجلست إيميليا بجانب آريا، تدندن بلحن عشوائي.......

أما آريا فأسندت رأسها على زجاج النافذة، تراقب قطرات المطر الصغيرة وهي تنزلق ببطء......

كلما ابتعدت الحافلة عن الفندق، تباين المشهد في داخلها وخارجها.......الداخل مليء بالحياة، بأحاديث الطلاب وأحلامهم، أما داخل آريا فكان ساكنًا، مثقلًا بالصور الممزقة التي لا تفارقها.......

وصلت الحافلة إلى ساحة المعرض.......اصطف الطلاب بترتيب بينما قادهم بيريزيو بابتسامته المعتادة إلى الداخل.......

داخل القاعة.....

انفتحت أمامهم مساحة هائلة، جدرانها مزينة بعشرات اللوحات من مختلف المدارس الفنية.....

الطلاب تفرقوا متحمسين، بعضهم يلتقط الصور، وآخرون يناقشون الألوان والتقنيات.....

أما آريا، فقد سارت بخطى بطيئة بجوار إيميليا. أذرعها متشابكة، وعيناها تتنقلان بين اللوحات ببرود......

قالت بتذمر خافت....

_كم لوحة يجب أن أشاهد قبل أن تنتهي هذه الجولة؟

_أنتِ مستحيلة يا آريا… هذا فن عالمي!

لكن آريا لم ترد، فقط حولت نظرها إلى السقف وكأنها تبحث عن مخرج......

وفجأة، ارتفع صوت عبر الميكروفون من مقدمة القاعة...

ظهرت سيدة أنيقة ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، تمسك ببطاقة ذهبية في يدها......

ابتسمت باناقة.....

_مرحبًا بكم أيها الطلاب. لتكون زيارتكم أكثر متعة، قررنا تنظيم تحدٍ بسيط بينكم. ستختارون لوحة واحدة تلهمكم، ثم تكتبون عنها جملة أو وصفًا قصيرًا. بعد ذلك ستُعرض كتاباتكم على لجنة التحكيم......

توقفت قليلًا، ثم رفعت البطاقة الذهبية......

_والفائز… سيحصل على تذكرتين لحضور حفل الليلة المخصص لكبار الفنانين والضيوف المرموقين!

تعالت أصوات الطلاب بضحكات وحماس، بعضهم بدأ يلتفت حوله بحثًا عن اللوحة التي قد تعطيه الحظ...... صاحبة النمش البرتقالي لمعت عيناها بحماسة وهمست للتي بجانبها....

_هل تسمعين؟ تذكرتان! تخيلي فقط من يمكن أن نقابل هناك…..

أما آريا فاكتفت بابتسامة صغيرة...

عندما أعلنت المنظمة عن التحدي، ارتفعت همسات الطلاب بالحماس، بينما بقيت آري واقفة بصمت، تتأمل اللوحات بملامح خالية من الاهتمام....

_هيّا يا فتاة، لن نخسر فرصة مثل هذه!

هزّت كتفيها بلا مبالاة....

_لا يهمني الفوز… هذه مجرد لعبة.....

ورغم ذلك، لم تستطع عيناها أن تنفصلا عن إحدى اللوحات......

كانت مليئة بتفاصيل متناقضة: ابتسامة هادئة لامرأة، وظلال قاتمة تبتلع الخلفية.....

شيء ما في تلك التناقضات أثار حواسها. أخذت ورقة وقلمًا وكتبت جملة قصيرة، كأنها خرجت من أعماقها بلا تفكير......

حين جاء دورها، قرأت اللجنة عبارتها، وساد المكان صمت غريب.....

جملتها لم تكن طويلة، لكنها كانت عميقة، تمس جوهر اللوحة .....

همس أحد أعضاء اللجنة بدهشة.....

_هذا بالضبط ما أراد الفنان أن يُقال.....

بينما تعالت همسات الطلاب بدهشة وحسد، أعلنت المنظمة الفائزة....

_الطالبة آريا مورلين !

التفتت إليها إيميليا بعيون متسعة وصرخت بفرح...

_أرأيتِ! كنتُ أعلم أن لديكِ شيئًا مميزًا!

رفعت آريا التذكرتين بيدها ببطء، وعيناها تتأملان الورق الذهبي كأنها لم تصدق....لم تكن تريد هذا الفوز.... لكنه أتى إليها رغمًا عنها......

ابتسمت إيميليا بحماس وهي تتعلق بذراعها......

_الليلة سنكون بين الكبار يا آريا.......علينا شراء فساتين جديدة والتجهيز ....

أما آريا، فابتسمت ابتسامة باهتة..... وعقلها في مكان آخر.....

||•نابولي•||•Napoli•||

في غرفة غارقة  بالعتمة، لا يقطعها سوى وهج أحمر خافت يتسرب من مصابيح مائلة، يلمس ببرود لوحات معلقة على الجدران..... كانت غرفة أشبه بمعبد شخصي للجنون.....

الضوء الخافت من مصباح يتدلى من السقف يترنح كأنفاس مشنوق..... يرسل ظلالًا مشوهة على الجدران الملطخة بألوان الدم القاني......

كل جدار كان مسرحًا لعشرات اللوحات، وكل لوحة تروي وجهًا واحدًا….... فتاة واحدة......

عينان خضراوان....شعر بني فاتح... ابتسامة خجولة.......

نفس الملامح، نفس العينين، لكن بأعمار مختلفة، من طفلة صغيرة بجدائل بريئة، حتى امرأة شابة بملامح مكتملة....

جلس رجل فوق كرسي جلدي ثقيل يتوسط الغرفة....

ظهره مستند، ساقاه متقاطعتان، وسيجار مشتعل بين أصابعه الطويلة......

جسده الضخم مسترخٍ على نحو يوحي بالكسل...في يده اليمنى سيجار مشتعل، يذوب ببطء، والدخان يتصاعد في دوائر كثيفة.......

على الطاولة بجانبه، وُضع قناع أسود لامع، مشوه الملامح كابتسامة ساخرة من الجحيم.......

كانت أطرافه ملطخة بخطوط حمراء باهتة، يصعب تحديد إن كانت مجرد صبغة….....أم شيئًا آخر أكثر فظاعة.....

مدّ يده اليسرى، تلمس سطح إحدى اللوحات الكبيرة أمامه..... أصابعه المغطاة بالقفاز ضغطت على الخطوط الزيتية، وكأنه يحاول اقتلاعها من مكانها......

ابتسم…..... لا، لم تكن ابتسامة، بل انحناءة ملتوية لشفتيه، مزيج من الشوق والهوس، من الوله والغضب......

_كنتِ هنا.... أمامي مند البداية.... آري خاصتي.....

تمتم بصوت مبحوح، كل كلمة خرجت وكأنها قَسَم ملوث بالدم.....

_وها أنا ما زلت أتنفسكِ...

رمى السيجار على الأرض، ووطئه بحذائه حتى تلاشى وهجه الأخير.......

ثم انحنى قليلًا للأمام، يحدق مباشرة في لوحة الفتاة شابة، ملامحها ،تفاصيلها، وكم هو عاشق لكل مايتعلق بها...

_ستأتين إلي، شئتِ أم أبيتِ…....لأن لا أحد يهرب من القدر…....... ولا أحد يهرب منّي.......

ارتد للخلف على كرسيه، التقط القناع ببطء، ورفعه أمام عينيه........

الضوء ارتطم به، فظهر وكأنه وجه شيطان يستعد للخروج من الظلام........ليبتلع كل شيء.........

         ||هكدا أسدل الستار على الباب الثالث||

               أيها القُرّاء الفضوليون......

                بلغنا نهاية الباب الثالث.....

ما عشتموه حتى الآن لم يكن سوى شذرات متناثرة من الظلام........

محض تمهيد لرقصة أعمق ستبدأ في قلب العاصفة...

                     من الباب القادم.......

تبدأ الحقيقة في إماطة اللثام عن وجهها......

ويبدأ الدم في الانسياب كسطور حمراء على أرضية الرواية......

                        تهيأوا.......

لأن ما ينتظركم ليس رواية تُقرأ.....بل لعنة تُبتلى بها.....

       فلتثبتوا شجاعتكم.......أيها القرّاء ......

       لأن الصرخة الحقيقية.......لم تبدأ بعد....

"البشر أقنعة متغيّرة؛ يبتسمون لك اليوم، ويطعنونك غداً، ومن يضع قلبه أمانةً في أيديهم، كمن يسلّم سيفه لجلاده."

|| وُقّعت هذه اللعنة باسم: [ كلير | KLIR ] ||

         ||التي تكتب بعينٍ مفتوحة على الجحيم....||

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

|| IN THE DEPTH OF HER EYES ||

المؤلف Klir
2025/09/09 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة