|| IN THE DEPTH OF HER EYES ||
|| في عمق عينيها ||
⋆༺ بداية الخطايا الهادئة ༻⋆
╔═══════ஓ๑♡๑ஓ═══════╗
⛧ “In silence, we plant the seeds of our undoing.” ⛧
⛧ "فِي الصَّمْتِ، نَزْرَعُ بُذُورَ هَلَاكِنَا." ⛧
╚═══════ஓ๑♡๑ஓ═══════╝
| كلير
|| •إيطاليا• | •كومو – Como• ||
في الهامش المنسي من الريف........
حيث لا تصل أصوات المدينة.......
ولا تطأ الخطايا سوى التراب.........
اختبأت الليلة خلف الأشجار المبلّلة، والغيم المتراكم في صدر السماء........
كان المطر قد توقّف.....
لكن أثره ظلّ يقطر من الأغصان الثقيلة، كأن السماء لم تنتهِ بعد من البكاء.......
الهواء بارد، كثيف، يشبه نفسًا أخيرًا قبل الغرق......
الرائحة الرطبة ظلت عالقة في الهواء، تلتف حول الأشجار مثل وشاح خانق.....
أوراق الخريف المبللة تصدر صوتًا خافتًا تحت خطواتها المسرعة،
وصدى أنفاسها المرتجفة كان الصوت الوحيد الذي تسمعه في ذلك الظلام الكثيف.........
كانت الغابة أشبه بمقبرة مفتوحة. الأشجار، عارية وملتوية، تقف كأنها شواهد قبور نُسيت أسماؤها......
الأرض موحلة، تُصدر صوتًا خافتًا لزجًا تحت قدميها، كما لو أنها تبتلعها ببطء... وتستمتع بذلك.....
ركضت، عيناها الواسعتان تلمعان تحت ضوء القمر الخافت، فيهما مزيج من الذعر والعناد......
شعرها البنيّ الفاتح ملتصق بوجهها، يقطر ماءً وارتباكًا، يتطاير خلفها مثل ظلٍ يُلاحقها من الداخل......
لا تعرف إلى أين... لكنها تعرف ممَّ تهرب.....
هناك شيء خلفها. لا تسمعه، لكنها تشعر به في عظامها.........
بردُ الليل لا يأتي من الطقس، بل من ذلك الوجود الذي يزحف بصمت خلفها........
الوجود الذي تعرفه دون أن تراه...........
الغابة خانقة، كأن الأشجار تتقارب كلما ركضت، تضيق الطريق، تخنق الهواء........
كل فرع يصفعها، كأنه يُعاقبها، كأنه يريدها أن تعود... أن تعود للجحيم.......
ركبتاها ترتجفان، يداها داميتان من السقوط السابق، لكنها تواصل الركض....... تركض بكل قوتها كفريسة تهرب لتنجو بحياتها .....
ثم توقفت...........
ليس بإرادتها............
بل كأن شيئًا في الظلام أمرها بالتوقف..........
الصمت كان مطبقًا، كثيفًا، يحمل وزنًا لا يُرى.....
كأن الغابة كلها حبست أنفاسها... في انتظار ما سيحدث....
عيناها جالت في السواد، تبحث عن الضوء، عن مخرج، عن خلاص.......
لكن لا شيء... سوى الهمسة...........
همسة باردة، مشبعة بنغمة لا تعرف الرحمة، خرجت من العدم، أو من عقلها... لم تعد متأكدة:
"أنتِ تستطيعين الركض... لكن حتى الزمن لن يسمح لكِ بنسياني....."
"You can run… but even time won’t let you forget me."
"ظننتِ أنكِ تستطيعين الهرب من قدركِ؟....."
"Did you really think you could run from your fate?...."
كانت الجملة كافية لشلّ أنفاسها.......
جسدها ارتجف، لا من البرد، بل من التذكّر......
الذكريات التي دفنتها، بدأت تحكّ جدران عقلها، تتسلل من بين الشقوق، كأنها تنتقم......
الغابة سكتت.........
وكل ما بقي... هو خوف فتاةٍ وحيدة، تطاردها ظلال رجلٍ لا يُشبه البشر.......
وفجأة، شيء ما انهار بداخلها.......
عيناها اتسعتا، ثم...
كل شيء انطفأ......
ومضى كل شيء إلى الوراء......
إلى حيث بدأ هذا الجحيم......
إلى أول نظرة... وأول لعنة.......
✦✦✦ 𝓕𝓛𝓐𝓢𝓗𝓑𝓐𝓒𝓚 ✦✦✦
في شقة صغيرة.....
لا تطل على شيء مبهر،
فقط على زقاق ضيّق تتراكم فيه أوراق الخريف، وتمرّ به القطط أكثر من البشر.....
النافذة الوحيدة تطلّ على صمتٍ رمادي، لا يتغير مهما تغيّرت الفصول....
هناك… كانت تعيش....
فتاة في العشرينات، تنتمي للروتين كما تنتمي أوراق دفترها للمعادلات......
أرفف كتب الرياضيات تغمر جدران الصالة....
دفاترها منظمة، وسريرها مرتب، لكنها كانت تشعر دائمًا أن هناك فراغًا لا يُرتب....
شيئًا غير منطقي… لا تدرّسه ولا تفهمه......
الصباح في شقتها الصغيرة يبدأ دائمًا بالصمت......
رنّ المنبّه في تمام السابعة ككل يوم، صوت رتيب لا يحمل مفاجآت......
مدّت يدها من تحت الغطاء الرمادي وأغلقته بضجر،
ثم جلست على السرير تتأمل الجدار المقابل......
جدار أبيض باهت عليه ظل شقّ صغير من الضوء يتسلل من الستائر....
تنفست بعمق، ودفنت وجهها بين يديها.
صباح آخر… يوم آخر من التكرار.....
لم تكن حزينة. ولم تكن سعيدة......
هي فقط… كانت "تعيش"،
تتكرر أيامها كأرقام لا نهائية في معادلة لا تملك حلاً....
سارت بخطى بطيئة نحو المطبخ،
ارتدت قميصًا قطنيًا واسعًا، وربطت شعرها المموج بشكل عشوائي....
أعدّت قهوتها كما تفعل كل صباح، وأخرجت شريحة توست واحدة، لم تكن جائعة، لكنها تأكل لأنها يجب أن تأكل.
وضعت كوب القهوة على الطاولة، ثم جلست وحدها، كما كل صباح، تنظر إلى دفتر محاضراتها...
في الخلفية، كانت الساعة الحائطية تدق كل دقيقة ببطء…
أما في داخلها، فكان الوقت يمشي بشكل أثقل...
دخلت إلى غرفتها الصغيرة، ارتدت كنزة كريمية اللون، سروالًا رسميًا داكنًا، وحذاءً بسيطًا.
وقفت أمام المرآة، رتبت خصلات شعرها التي تمردت، ثم نظرت إلى عينيها الخضراوين نظرة سريعة، بلا اهتمام....
رفعت حقيبتها، أغلقت الباب خلفها، وغادرت...
❝ 𝐀𝐫𝐲𝐚’𝐬 𝐕𝐨𝐢𝐜𝐞 ❞
أحيانًا أستيقظ في الصباح،
وأشعر وكأن كل شيء كان حلمًا، لكنني لا أستطيع تذكر متى كان ذلك الحلم حقيقيًا.
ذكرياتي مشوشة، متفرقة مثل شظايا زجاجية على الأرض.
أراها تتناثر أمامي...
وجهه، صوته، حتى اللمسات التي شعرت بها من قبل،
لا أستطيع أن أميز بينها.....
كيف يمكن للذاكرة أن تخونك إلى هذا الحد؟...
أعرف أنني لا أستطيع الهروب من تلك الوجوه التي تعيش في ذهني...
لكن كلما حاولت تذكر ما حدث، يتلاشى كل شيء في الضباب....
حتى هو، لا أستطيع أن أفرق بين الحلم والواقع....
هل كان يحاول قتلي، أم كان يحاول أن ينجيني؟
كلما كنت أظن أنني أقترب من الحقيقة، أكتشف أنني أغرق أكثر في الضباب.....
هل كنا قريبين من بعضنا، أم كان كل شيء مجرد خيال؟
هناك ظل في ذاكرتي… صوت يكاد يكون مألوفًا، وعيون لا أستطيع نسيانها......
لكن كلما حاولت تذكّر ملامحه… تتبخر، كالدخان بين يديّ......
هل كان حقيقيًا؟ أم أنه مجرد ندبة ترفض ذاكرتي أن تلتئم حولها؟..
كل شيء أصبح ضبابيًا. لكنني متأكدة من شيء واحد: مهما كانت الذكريات، فهي لا تتركني أبدًا.....
•
•
•
•
•
عندما أصل إلى الجامعة، كل شيء يبدو مألوفًا أكثر مما يجب....
بوابة حديدية قديمة، ممر طويل تصطف على جانبيه الأشجار، وبضع طيور لا تزال تغني رغم ضجيج الخطى المتسارعة من حولي.....
أسير بصمت، دون استعجال… لا أحب الازدحام، ولا أحب العيون التي تلاحقني دون داعٍ....
الطلاب يتجمعون قرب الساحة، البعض يضحك بصوت عالٍ، البعض يتحدث عن الامتحانات أو الحياة أو أي شيء…
أما أنا.....فأتسلل بين الظلال، كعادتي......
أصعد الدرجات المؤدية إلى المبنى الرئيسي،
أستمع إلى صوت كعبي على الأرض الحجرية، صدى خطواتي يرافقني كل صباح وكأنه يؤكد لي:
"ما زلت هنا، ما زلت على قيد الحياة...."
ألقي نظرة سريعة على لوحة الإعلانات، ليس لأني مهتمة، بل فقط كي أبدو مشغولة.....
ثم أتابع طريقي نحو القاعة… نفس القاعة، نفس المقعد، نفس الصمت الذي أرتاح فيه أكثر من أي مكان آخر....
"دخلت القاعة بهدوء، مثل كل صباح."
مقاعد مرصوفة في صفوف منتظمة،
لوحات على الجدران تحمل معلومات قديمة عن الدورات السابقة......
لا شيء جديد…
فقط رائحة الكتب والمقاعد الخشبية التي بدأت تعود إلى ذاكراتي كصور متكررة....
أنا أحب هذا الروتين… لا شيء يشغلني عن أفكاري.....
أخذت مكاني المعتاد قرب النافذة،
حيث يمكنني أن أرى العالم من بعيد، دون أن أكون جزءًا منه.....
أخرجت دفتري وقلماً أسود، وبدأت أكتب بعض الملاحظات التي غالبًا ما تتداخل مع أفكاري....
الطلاب بدأوا يدخلون واحدًا تلو الآخر، وكأنهم يشكلون جزءًا من ديكور ثابت....
لا يهمني حديثهم أو ضحكاتهم… كل شيء في هذا المكان يمر بي كأنه مجرد مشهد في فيلم مكرر...
لكن هذا الصباح، كان هناك شيء غريب.
شعرت بشيء يضغط على صدري، كأنني على وشك أن ألتقي بشيء غير متوقع، رغم أنني لا أريد ذلك...
•
•
•
•
•
اليوم كان طويلًا، وكأن ساعات المحاضرات لا تريد أن تنتهي.
الخوف من الروتين، والتوقعات التي أعيشها كل يوم، جعلني أخرج من القاعة وكأنني أهرب من شيء.....
بينما كنت أتمشى في الممرات الهادئة التي تزينها الأعمدة الرخامية القديمة،
شعرت فجأة أن هناك حركة بالقرب مني...
كانت صديقتي المقربة إلين تتجه نحو مكتب الأستاذ، تحمل كوبًا من القهوة في يدها وتسرع بأقدامها كأنها كانت على عجلة من أمرها....
إيلين إنتظريني ......... كان صوت آريا وهي تنادي عليها ،
•
•
•
•
كان رواق الجامعة يعج بالحركة، أقدام الطلاب تلتف هنا وهناك، وأصوات مختلطة بين ضحكات، خطوات مستعجلة، وصفحات كتب تُقلب......
آريا كانت تمشي بجانب إيلين بخطى مترددة، تنظر إلى الأرض أكثر مما تنظر أمامها، وكأنها تتمنى أن تبتلعها للأبد دون رجعة.......
ردّت إيلين بنبرة ساخرة وهي تلوّح بكتيب المعرض في يدها
ـ لن أسمح لكِ بالهروب يا أيتها الآنسة محبة العزلة، فكري بصديقتكي المسكينة هذه ،أحيانا تنتابني مخاوف من أن أجدكي يوميا ما متزوجة بكتابة الرياضيات .......
تنهدت آريا ببطء، كأنها تحمل العالم فوق كتفيها،
ـ لا فائدة من إقناعي،لن أذهب.
رفعت إيلين حاجبها، صوتها هذه المرة يحمل مزيجًا من التهكم والعناد،
ـ ستذهبين.
نظرت آريا إليها بنظرة جانبية،
-إيلين… أنا جادة.
- وأنا أكثر جدية. إن لم تأتي، سأقاطعك ثلاث ساعات كاملة.....
- ثلاث ساعات؟ كم أنتِ رهيبة.
ـ أنا رهيبة بما يكفي لأحب صديقة تظن أن المعارض الفنية مصيدة فئران.....
توقفت آريا أمام نافذة زجاجية، نظرت لانعكاسها ثم همست:
ـ "لم أطلب إذن خالي بعد"خاطبتها مترددة، هامسة كمن يعترف بجريمة،
لوّحت إيلين بيديها في الهواء كأنها تطرد ذبابة مزعجة،
ـ خالك يسكن على بعد مئة كيلومتر في بيت منسي بين التلال، ويظن أن الواي فاي وسيلة للتجسس! أرسلي له حمامة زاجلة وانتهي.....
أجابت آريا بنبرة باردة، دون أن تلتفت،
ـ لا أفهم سبب كل هذا الحماس… مجرد معرض فنون في روما، زحام، ضوضاء، ألوان مبعثرة لا تهمني.
وقفت إيلين فجأة في منتصف الرواق، نظرت إليها وكأنها اكتشفت كارثة
ـ روما، آريا! عاصمة الفن، التاريخ، الجنون! أرجوك، لا تكوني حجرا مملا هكدا،
ـ أنا لست حجرًا… فقط أحب الهدوء.
ـ ومن قال إننا سنذهب لنخوض معركة؟ سنتمشى، نأكل، نضحك… وربما تبتسمين قليلًا، من يدري.
ـ آريا… نحن نتحدث عن روما! العاصمة، هذا حلم الكثيرين ....
خفضت آريا بصرها وهي تهمس بنبرة تحمل شيئًا من السخرية
ـ أنا لا أحلم كثيرًا. أحب الهدوء، والبقاء في سلام ......
اقتربت منها إيلين أكثر، وضعت يدها على كتفها، صوتها هذه المرة خافت ولطيف
ـ ومن قال أن هذه الرحلة ستفسد هدوئكي؟ فقط تعالي معي… لا تفكري كثيرًا.
هزّت آريا رأسها، وكأنها لا تزال تصارع لإتخاد القرار....
ـ إن ظهر وجهي في صورة واحدة فقط… خالي لوسيان سيعتقد أنني أصبحت متمردة ضد العائلة......
ضحكت إيلين، ضحكة قصيرة خالية من الرحمة
ـ سنحذفك من كل الصور، أو نرسم فوقك قلبًا أسود… لا تقلقي إعتمدي علي ،كل شيء له حل ......
نظرت إليها آريا نظرة مزيج بين الإعجاب والانزعاج،
ـ أنتِ عبقرية… بشكل مزعج.
ابتسمت إيلين بانتصار، ودفعتها برفق نحو الدرج
ـ وأنا فخورة بذلك، هيا… روما لا تنتظر الكسولات!
...
حين تجمّع الطلاب أمام البوابة الرئيسية للجامعة....
ضحكات، أكياس سفر، كاميرات معلقة، وأصوات متقاطعة تتحدث عن الجمال والبيتزا ولوحات مايكل انجيلو....
إيلين كانت في قمة نشاطها، ترتدي سترة خفيفة ونظارة شمسية، بينما كانت تسحب آريا من يدها كطفلة خجولة في أول يوم مدرسي.....
ـ لا تظهري هذا الوجه الحزين، وكأننا في جنازة !
ـ أشعر أني أهرب من خالي، لا أذهب في نزهة.
ـ خالك في مكان لا تغطّيه إشارات الهاتف… ارتكبي ذنبك براحة ضمير.
اقتربتا من الحافلة البيضاء الكبيرة، حيث وقف الدكتور بريزيو يحمل لائحة الأسماء وينادي بحماس إيطالي صاخب، ممزوج بلكنته الإنجليزية الثقيلة.....
الطلاب يصعدون واحدًا تلو الآخر، وتتعالى الصيحات الداخلية بحثًا عن مقاعد أمامية أو بجوار النوافذ...
إيلين دفعت آريا برفق للصعود.
ـ أجلسي بجانبي، لا أريد سماع أنينك من المقعد الخلفي.
ـ فقط لا توقظيني إن نمت...
ـ أتوسل أن لا تكوني مملة....
جلسَتا في مقعدين بمحاذاة النافذة، حيث انعكست الشمس على الزجاج وشكّلت ظلالاً راقصة فوق يدي آريا.
أصوات الطلاب، ضحكاتهم، والموسيقى التي بدأت تنساب من هاتف أحدهم، صنعت مشهدًا صاخبًا خارج هدوءها المعتاد. كانت عيناها تتأمل الخارج بصمت، تشعر كأنها على وشك الدخول في عالم لا يشبهها…... وهي تخشى التغيير،
إيلين مدّت يدها تفتح كيسًا من رقائق البطاطا
ـ روما… انتظرينا!
آريا لم تجب.....
شعرت بوخز حاد، مفاجئ، كأن خيطًا رفيعًا ومشتعلًا انسلّ من مؤخرة رأسها إلى جبهتها. لم يكن صداعًا عاديًا، بل أشبه بشرارة كهربائية تلسع عقلها للحظة ثم تتلاشى، تاركة خلفها دوارًا خفيفًا وضجيجًا خافتًا في أذنيها....
أغمضت عينيها. وميض…
أوراق خريف تتناثر حولها، الهواء محمّل برائحة الدخان، وشيء ما يحترق خلف التل. ألسنة لهب تتصاعد من مسافة قريبة ، وصرخات بعيدة تنكسر وسط الريح....
كانت تجري… قدمها تنزلق في الطين، يدها الصغيرة ممزقة من الشوك، وعيناها تدمعان من الدخان.....
ثم...
صوت ولد. لا، ليس صوتًا تمامًا، بل شعور.....
يد دافئة سحبتها من الأرض، نظرة زرقاء ثابتة وسط الفوضى، وطمأنينة عابرة تسري في عروقها، كما لو كانت ستنجو فقط لأن هذا الشخص موجود....
ثم انطفأ كل شيء....
شهقت آريا ونظرت حولها بارتباك، التقطت أنفاسها كمن خرج لتوّه من حلم غارق بالماء.....
ـ آريا؟
همست بها إيلين، تتفحّص وجهها بقلق.
ـ لا شيء… مجرد صداع، لا تقلقي.
كان ذكرى، أو شبح ذكرى، ينبض في صدرها كندبة قديمة لم تُشفَ بعد....
أدارت وجهها نحو النافذة، تكتم اضطرابها خلف نظرة باردة، بينما كانت الحافلة تمضي بثبات نحو روما… دون أن تدري أن الماضي كان أسرع منها، وسبقها بخطوة...
.....
في منتصف الطريق، وبعد أن هدأ ضجيج الطلاب ، أمسك الدكتور بيريزيو بالميكروفون المتدلّي من سقف الحافلة، وضغط زر التشغيل، فصدر صوت خفيف من السماعات أعقبه clearing لصوته....
ـ آآه......
-تِستي-تِستي...
هل يسمعني الجميع؟ برافو!!
أجابت مجموعة من الطلاب بصيحات حماسية متفرقة، وبعض التصفيق المتكاسل...
ابتسم وهو يعدّل نظارته السميكة، وبدأ حديثه بنبرته المميزة التي تخلط بين الرسمية والعفوية:
ـ أيها الفنانون الصغار، محبّو الجمال … نحن الآن على بعد ساعة تقريبًا من روما، واسمحوا لي أن أشارككم مخطط الرحلة، حتى لا يتوه أحدكم ويعود إلينا متحوّلًا إلى تمثال من الرخام!
ضحك بعض الطلاب، بينما رمقته آريا بنظرة مشوشة ما بين الانتباه والشرود......
ـ أولاً، سننزل في فندق صغير لطيف جداً، لكنه ليس خمس نجوم! لذا، لا أحد يطلب جاكوزي، ولا نوتيلا على الوسادة!
يوم غد بعد أن نرتاح قليلاً، سنتوجه بعد الظهر مباشرة إلى غاليريا بورغيزي، حيث ستشاهدون كيف يمكن للرخام أن يتنفس، وكيف للحزن أن يسكن في تمثال......
رفعت إحدى الطالبات يدها بحماس:
ـ وهل سنزور معرض الفن الجديد؟
ابتسم الدكتور وربّت على الميكروفون كأنه يصفق لها
ـ بالطبع! رحلتنا تمت خصيصا لهذا الحدث… سترون كل ما يجعل القلب الإيطالي يغني. كما سنمر على النافورة، لكن رجاءً، لا أحد يقفز فيها… هذا يحدث كل عام، وأقسم أنني سأتظاهر أنني لا أعرفكم!
ضحكات خفيفة انتشرت في الحافلة. حتى إيلين ضحكت بصوت عالٍ، ثم همست لآريا:
ـ أنا بدأت أحب هذا العجوز المجنون.
لكن آريا اكتفت بابتسامة صغيرة، لا تزال نظرتها معلقة على الطريق، وكأن جزءًا منها لم يصعد إلى الحافلة أصلًا.
أكمل الدكتور بيريزيو قائلاً:
ـ وأخيرًا… لا تنسوا أن تسجّلوا انطباعاتكم، ترسموا، تكتبوا، تلاحظوا. هذه ليست مجرد نزهة، إنها تجربة فنية.
من يدري؟ ربما يولد فينا فنان لن يُنسى… أو عاشق لفن لا يُشفى منه.
ساد صمت قصير، ثم دوى تصفيق حار من المقاعد الخلفية.
ـ شكراً، شكراً، أنا متواضع، لكن عبقري!
ضحك الطلاب مجددًا، بينما الحافلة تواصل انسيابها بين الطرقات الريفية في طريقها إلى قلب العاصمة الخالدة....
•
•
•
•
وصلت الحافلة أخيرًا إلى وجهتها، وتوقفت أمام مبنى حجري قديم مكسوّ باللبلاب، تغمره أضواء صفراء دافئة تنبعث من نوافذه الصغيرة....
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا، والهواء يحمل برودة خفيفة تعبق برائحة الياسمين الرطب والشارع المبلل....
ترجّل الطلاب الواحد تلو الآخر، يجرّون حقائبهم الصغيرة على الأرض المرصوفة، يتثاءبون أو يضحكون بتعب، بينما كان الدكتور بيريزيو يقف أمام الباب كقائد قافلة، يعدّهم بعينه ويشير لهم بالدخول...
ـ أسرعوا، أسرعوا! غدًا يوم طويل، وربما مُتعب!
إيلين سارت بجانب آريا، وهي تمطّ كتفيها وتتذمر:
ـ كتفي ماتا من الجلوس. أقسم أنني سأستلقي على أول سرير أراه، حتى لو كان في الاستقبال!
ابتسمت آريا ابتسامة متعبة. لم تكن قادرة على التركيز في الضجيج. الحجارة تحت قدميها، البرودة، طنين خافت في أذنها… كل شيء بدا حقيقيًا أكثر من اللازم....
وقفوا أخيرًا في بهو الفندق، الذي كان صغيرًا ودافئًا، جدرانه مزينة بلوحات زيتية وأرفف خشبية مليئة بالكتب القديمة....
السيدة العجوز خلف مكتب الاستقبال رحّبت بهم بلهجة إيطالية ناعمة، ثم سلّمت الدكتور بيريزيو المفاتيح....
ـ الغرف موزعة على طابقين، لا أحد يبدّل غرفته دون إذني، ولا زيارات ليلية، ولا أصوات مزعجة. هذا فندق، لا ملهى!
ضحك البعض، وتوجّهوا بصخبهم نحو الدرج....
وقفت آريا للحظة في البهو، تتأمل لوحة لرجل وحيد يجلس على كرسي تحت شجرة عارية. لم تفهم ما الذي شدّها، لكنها شعرت أن الصورة تهمس لها بشيء… شيء قديم، ومجهول....
ـ آريا، هيا!
انتبهت لصوت إيلين، فتنهدت ببطء، وسارت خلفها.
صعدتا معًا إلى الطابق الثاني، وهناك، تحت ضوء خافت، وهدوء بدا غريبًا بعد عناء الطريق، دخلتا غرفتهما المشتركة.
رمت إيلين نفسها على السرير وغمغمت:
ـ ايقظيني إن اندلعت حرب فقط...
...
استسلمت إيلين للنوم سريعًا، بالكاد مرّت خمس دقائق حتى انطفأ صوتها وغاصت في أحضان الوسادة، تتردد أنفاسها بانتظام. بدا السكون في الغرفة كأنه قطن يغلف الأشياء، يبتلع الضوضاء ويجعل الزمن يتباطأ.....
آريا وقفت أمام المرآة، تفكّ أزرار قميصها ببطء.
أزاحت خصلاتها عن كتفها، وبدّلت ملابسها بهدوء إلى بيجاما قطنية رمادية، ثم رفعت شعرها بتراخٍ وألقت نظرة سريعة نحو النافذة التي أغلقتها منذ قليل....
تحسّست وجهها، متعبة، متوترة دون أن تدري لماذا...
ما إن وضعت رأسها على الوسادة، حتى داهمها إحساس مزعج بالجفاف.
حلقها كأنما مُلئ بالرمل، وعينيها لا تغمضان. تنهدت، ونهضت بتردد، حافية القدمين.
تسلّلت إلى الباب وفتحته ببطء، خرجت إلى الرواق المظلم إلا من أضواء خافتة تتوزع على الجدران القديمة. كانت الساعة تشير إلى الثانية إلا ربعًا....
نزلت السلالم بصمت، خطواتها تخشخش بخفة على الخشب العتيق. عرفت أن مطبخ الفندق في نهاية الممر الأيسر، بجوار صالة الطعام....
وصلت إلى الباب نصف المفتوح، ودفعته برفق...
المطبخ كان هادئًا، تفوح منه رائحة قهوة قديمة وخبز بارد. تقدمت نحو الثلاجة الصغيرة وهمّت بفتحها… ثم توقفت.
صوت خافت. لا، أشبه بهمهمة مكتومة، يتبعها ارتطام خفيف.....
انكمشت أنفاسها في صدرها، وألصقت جسدها بالحائط، تجرؤ بالكاد على النظر من زاوية الباب الخلفي المؤدي إلى مخزن صغير....
ومن هناك، رأت المشهد.....
رجل، طويل القامة، يرتدي معطفًا داكنًا وقناعًا أسود بلا ملامح. في يده اليمنى سكين طويلة تقطر دمًا، وفي الأخرى قبضة تسند جسدًا ينهار.
الضحية كان أحد موظفي الفندق، فتى شاب، عيناه متسعتان بالرعب، وفمه يتحرك بكلمات لا تُسمع، قبل أن يسقط أرضًا، يتلوى مرة، ثم يسكن كالصمت....
آريا كممت فمها بكفها. جسدها كله يرتجف. قلبها كطبول حرب داخل صدرها....
المقنّع انحنى فوق الجثة، مرر إصبعه على الدم ثم كتب شيئًا على الجدار القريب، ببطء، بعناية غريبة...
لم تكن قادرة على رؤية ما كُتب...
لكنها لم تنتظر لتعرف....
تراجعت للخلف بخطوات مرتعشة، اصطدم كعبها بكرسي، كاد يقع، فثبتته بيدها بصعوبة...
الهدوء عاد، لكنها شعرت بنظرة تُحدق..
رفعت عينيها…
ووجدته ينظر مباشرة نحوها...
لا صوت. لا صراخ....
ركضت...
ركضت بلا وعي...ركضت… لكن الوقت لم يسعفها...
لم تكد تلتف في الممر حتى ارتطمت بجدار من اللحم والعتمة....
ذراعٌ خشنة أمسكتها من عنقها بقوة، والصدر العريض للمقنّع يسدُّ الهواء من حولها. دفعت، صرخت، لكن صوته ابتلع أنفاسها قبل أن تخرج....
رفعها قليلًا عن الأرض، كما تُرفع دمية خاوية.
عيناه خلف القناع لا تُرى… لكنها شعرت بهما، كأنهما خيطان من جليد يخترقان جلدها...
كادت تختنق، أناملها تمسح الهواء تبحث عن نجاة....
لكن فجأة…
تجمّد...
الرجل تجمّد، وفتح عينيه على اتساعهما خلف القناع، كما لو أنه رأى شبحًا مألوفًا في ملامحها....
أنزلها ببطء، لكن يده ظلّت على عنقها...
وجهه اقترب، ثم ارتدّ فجأة… ارتجف، كأن نارًا اشتعلت بداخله...
همس بصوت مبحوح، أقرب إلى النحيب:
ـ أنتِ…؟ لا… هذا مستحيل…
تراجع خطوة...
يده اليمنى ما تزال تخنقها، رغم أن عينيه تهرب منها، تغصّ بنظرات مرتبكة، ذهول، شيء ما تحطّم في داخله...
ثم…
بغتة، رفع السكين… وغرسها بوحشيّة في يده التي كانت تطوّق عنقها!
تراجع، يلهث، الدم يقطر من أصابعه، وسكينه ترتجف داخل راحة كفه.
ارتدّت آريا خطوة إلى الوراء، شهقة حادّة شقّت صدرها، والدم يتناثر من قبضته المرتجفة.
راح يتنفس بعنف، وكل عصب في وجهه مشدود، يده الأخرى تضغط على موضع الجرح، بينما عيناه، خلف القناع، تهرب منها...
وبصوتٍ منخفض، عميق، كأنما خرج من قعر جهنم، قال:
ـ اخرجي… الآن… قبل أن يحدث ما لا يُمكن إصلاحه...
كان صوته خافتًا، لكنه مشحون بنبرة أشبه بالانفجار القريب...
نبرة رجل يمسك بجمرٍ داخل صدره… ويوشك أن يتركه يحرق كل شيء...
تراجعت آريا، تتعثر بأنفاسها، بقلب يطرق كالطبول، وفي عينيها هلع يتجمد...
ـ لا تظلي هنا… لا أضمن… نفسي…
جملته الأخيرة خرجت كأنها اعتراف، أو تحذير من مسخ داخله يستيقظ شيئًا فشيئًا...
تراجعت آريا وهي تسعل بعنف، تمسك رقبتها الملتهبة، قدماها تتعثّران، دموعها تنزل لا إراديًا… ليس من الحزن، بل من الرعب الصافي....
هربت...
ركضت بكل ما أوتيت من قوة،
والخوف ينهشها مثل سكاكين خفية. لم تلتفت، ولم تتوقف، حتى أغلقت باب غرفتها خلفها، وانهارت على الأرض، لا تعرف إن كانت تبكي… أم ترتجف فقط من الحقيقة التي اصطدمت بها...
•
•
•
•
•
•
هاكدا الفصل قد انتهى،
لكن شيئًا آخر بدأ.........
نظراتٌ لا تُشبه الغرباء، وصوتٌ يحمل ثقل الذاكرة…
وامرأةٌ لم تعد متأكدة إن كانت تتذكّر أم تتنبأ.....
في مكانٍ يفيضُ بالروتين، دخل شخصٌ كأنما كُتب على حضوره أن يختلّ معه كلّ شيء......
صمتٌ تشقّه الأسئلة، لكن لا أحد يجيب....
فأخبروني أنتم…....
•هل يُمكن لعينٍ أن تفضح ماضياً لم يُقال؟
•من هو ذاك الذي يختبئ خلف القناع ؟
•أحقًا التقاها اليوم لأول مرة… أم أنه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن؟
•لماذا لم ترتجف يداها، بل قلبها؟
•وهل كل اللقاءات مصادفات… أم بعضها أفخاخٌ تنتظر؟
•كيف لإنسانٍ غريب… أن يشبه ظلاً من كابوس قديم؟
•من يراقب من…؟ ومن الضحية ومن الصيّاد؟
•وهل آريا... بالفعل بأمان؟
•
•
•
•
•
لا شيء يحدث بلا سبب…
لكن بعض الأسباب تُخفيها الظلال......
خطوة واحدة كانت كافية...........
لتعود كل الأرواح القديمة للهمس.........
ولتفتح الأبواب التي لم يكن يجب أن تُفتح أبدًا.......
في ذلك اليوم، في تلك اللحظة،
لم تكن مجرد صدفة.....
بل كانت البوابة.......
بوابة لحكاية لم تبدأ من هنا…...
بل من مكانٍ مظلم، حيث تنبت الهواجس على هيئة وجوه مألوفة،
ويُصبح الماضي أقرب من النفس.......
والآن، قل لي…
هل كانت آريا تمشي على الأرض؟
أم على خيطٍ خفيٍّ من قدرٍ كُتب بحبرٍ أسود؟
|| •احذر عزيزي القارىء الفضولي• ||
ليس كل من ابتسم لك، يُريد إنقاذك.....
بعض الابتسامات... هي فخاخ للروح.....
✦ 𝒯𝒽𝑒 𝓈𝓉𝑜𝓇𝓂 𝒽𝒶𝓈 𝓌𝒽𝒾𝓈𝓅𝑒𝓇𝑒𝒹 𝒽𝑒𝓇 𝓃𝒶𝓂𝑒...
𝒶𝓃𝒹 𝓉𝒽𝑒 𝓈𝒽𝒶𝒹𝑜𝓌𝓈 𝒽𝒶𝓋𝑒 𝒷𝑒𝑔𝓊𝓃 𝓉𝑜 𝓇𝑒𝓂𝑒𝓂𝒷𝑒𝓇 ✦
✦ العـاصفـةُ هَـمـسـت بِـاسـمِـهـا...
وٱلـظِـلالُ بـدأت تَـتـذكّـر ✦
Klir