|| IN THE DEPTH OF HER EYES ||
|| في عمق عينيها ||
•
•
•
||الفصل الرابع||
"لقاء"
•
•
•
"الشوق ليس حنينًا بريئًا، بل سجن مظلم تُقيّد فيه الروح، كل ذكرى تتحول إلى قيد، وكل لحظة غياب تصبح محاكمة صامتة للقلب الذي لم يعرف كيف ينسى."
| كلير
•
•
•
•
||•نابولي•||
في عمق قصرٍ فخم، تتناثر جدرانه بظلال حمراء تسرق البصر......
في تلك الغرفة المظلمة التي تنبعث منها رائحة الدخان الممزوجة برائحة طلاء زيتي ثقيل... جلس الرجل ذو العيون الحادة على كرسي جلدي عريض.
سيجارة نصف محترقة التي تستريح بين أصابعه المغطاة بالقفاز لم تكن مجرد عادة.... كانت طقسًا....
يرفعها ببطء، يدخنها كما لو كان يستنشق الذكريات نفسها، ثم يزفر الدخان نحو اللوحات كأنما يقدّم لها قربانًا......
الرماد المتساقط على الأرضية الرخامية البيضاء ترك بقعًا رمادية، كأنها بقايا رماد جثث سابقة.....
سكون ثقيل يلف المكان، لا يُسمع سوى تكتكة ساعة قديمة على الجدار.....
في تلك اللحظة، انفتح الباب بصرير خافت، ودخل رجل بملامح مشدودة، يرتدي بدلة سوداء متقنة، شعره الرمادي يلمع تحت ضوء المصابيح الخافتة، عيناه صارمتان لا تجرؤان على التحديق طويلًا في سيده.....
كان لورينزو، أقرب المقربين إليه وأكثرهم وفاءً.....
تقدّم ببطء، حتى وقف على بعد خطوتين، وانحنى احترامًا بصوت خفيض يحمل ثقل الأخبار......
– سيدي… لقد حان وقت الاجتماع. رؤساء العائلات ينتظرون حضورك. إنهم… لا يجرؤون على البدء دونك.
لم يردّ الرجل في البداية، وكأن كلمات مساعده لم تصل بعد إلى مسامعه......
ظلّ جالسًا، يحدّق في اللوحة بعيون مشتعلة بحرارةٍ لم يعرفها بشر..... رفع يده المغطاة بالقفاز الأسود، وكأنّه يلامس برفق خدّ الفتاة المرسومة أمامه.....
وأخيرًا، وضع الرجل السيجارة في منفضة بلورية، سحقها ببطء متعمّد حتى انطفأ آخر جمر فيها، ثم نهض من مقعده....
كان طويلًا، عريض الكتفين، يملك حضورًا يخنق الغرفة بأكملها.....
صوت خطواته على الرخام كان أشبه بقرع الطبول قبل إعلان حرب......
ابتسم ببرود، ابتسامة تكسوها قسوة ملك جالس على حافة جحيمه.....
– إذن… فلنذهب. لقد آن لهم أن يتذكّروا من يقود العالم السفلي. آن لهم أن يعرفوا… أنني لست مجرد رئيس شاب يستطيعون إستغلاله كما يريدون...
تراجع لورينزو بانحناءة، فتح له الباب.....
•
•
•
•
•
حين انفتحت أبواب القاعة العريضة في فيلّا قديمة على أطراف ميلانو، انحنى الحرس جانبًا....
ودخل داميان مارينو، الوريث الأخير لعائلة مارينو الإيطالية....
خطواته كانت محسوبة، وملامحه متجدة......
جلس في صدر الطاولة المستطيلة، حيث يلتقي كبار رؤوس المافيا من أربع قارات، وكل واحد منهم جاء محمّلًا بتاريخٍ أسود من الدماء......
إلى يمينه جلست امرأة باردة النظرات، شعرها الفضي يلمع تحت الأضواء الخافتة، إنها سيلينا فورستوفا، قائدة عائلة فورستوف الروسية.....
يلقبونها في الخفاء بـ"أرملة الشمال"، فقد ورثت العرش بعد اغتيال زوجها، ولم ينجُ أي متورط من انتقامها.....
ترفع كأس الفودكا إلى شفتيها ببطء، قبل أن تقول بلهجة ثقيلة......
— إبن العجوز ما زال على قيد الحياة… لم أتوقع أن مارينو الصغير سيحمل إرث والده بهذه السرعة.
ضحكت بخبث، فتوترت عضلات فكّ داميان، لكن عينيه ظلّتا ثابتتين عليها ببرود.......
على الطرف المقابل، جلس رجل نحيل، جلده مسفوع من شمس الغابات......
إنه أوغوستو سيلفا، زعيم عائلة سيلفا البرازيلية. يبلغ من العمر سبعين عامًا، لكنه ما زال يفرض هيبته بقسوة "الثعلب العجوز". ضرب عصاه على الأرض قائلاً بصوت أجش.....
— سيلينا… لا تنسي أن ابن العجوز هذا، كما سميتيه، قد أوقف شبكاتنا في البحر الأدرياتيكي بقرار واحد. ربما لم يعد صغيرًا كما تظنين.........
إلى جانب أوغوستو، جلس رجل بملامح آسيوية، كتفاه العريضتان مغطاتان ببدلة داكنة، وعيناه ضيقتان لكن حادتان.....
إنه كازوما هيروشي، ممثل عائلة هيروشي اليابانية، أحد أذرع الياكوزا القديمة. لم يقل شيئًا، فقط سحب سيجارة وأشعلها بهدوء، كأنه يراقب الصراع يتخمّر بصبر تنين قبل الانقضاض.........
وبالقرب من المدخل، جلس ميغيل دومينغيز، سيد المافيا الإسبانية.....
كان شابًا وسيمًا، ابتسامته ساخرة دائمًا، لكن قصصه كلها مرسومة بالدم. يلقبونه بـ"العندليب"، ليس لأنه يغني، بل لأنه يعرف كيف يجعل ضحاياه يصرخون حتى يصبح صوتهم موسيقى مميتة. رفع كأس النبيذ وقال بازدراء....
— كل هذا النقاش حول السلطة… لكننا نعرف أن من يحكم الليلة سيُحكم غدًا......
لكن الجو انقلب تمامًا حين انفتح الباب مجددًا، ودخل رجل طويل عريض المنكبين، ملامحه مشوهة بندبة تقطع وجهه من العين حتى الذقن..... عيونه سوداء، تحرق كالجمر.....
إنه فاليريو دي سانتوس، رئيس عائلة دي سانتوس، ألد أعداء مارينو منذ عقود.....
جلس ببطء، أسند مرفقيه إلى الطاولة، ثم قال ببرود قاطع....
— ها نحن نعود إلى نفس الدائرة… مارينو ضد دي سانتوس. أخبرني يا داميان، هل أنت أفضل من والدك؟ لأنه في آخر مواجهة… والدك نزف حتى الموت بين يدي.
سرت رجفة عبر القاعة، صمتت الكؤوس، توقفت الضحكات.....
داميان لم يرد مباشرة، فقط شبك أصابعه فوق الطاولة، وعيناه لم تفارقا عدوه....
ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة من يعرف أن الدماء وحدها ستفصل الحقيقة.....
ساد الصمت لبرهة، لا يُسمع سوى احتكاك عقارب ساعة قديمة تتوسط الجدار الحجري للقاعة....
الجميع يترقب، عيونهم تنتقل بين داميان وفاليريو كما لو أنهم يشاهدون مبارزة على وشك الانفجار.......
أخيرًا، حرّك داميان أصابعه ببطء، ثم انحنى قليلًا إلى الأمام. قال بصوت خفيض لكنه نافذ كالسيف......
— أتعلم يا فاليريو… والدي نزف حتى الموت، نعم. لكنك تنسى أن الدماء لا تجفّ في عائلة مارينو، بل تتحول إلى مدادٍ يكتب به الجيل الجديد حكايةً أظلم وأشدّ قسوة. لقد أخطأت حين تركتني على قيد الحياة، لأنني لست نسخة عن أبي… بل أنا إرثه وقد تجسّدت كشيطان يتغدى على دمكم.
شدّ أحد الحراس قبضته على سلاحه، فيما تبادلت سيلينا فورستوفا وكازوما نظرة سريعة، وكأنهما يشتمان رائحة الدم تقترب.....
ابتسم داميان ببرود وأردف....
— أنت تقول إنك هزمت أبي بيديك… حسنًا، سنرى من سينزف أخيرًا. تذكّر هذه الليلة، فاليريو، لأنها البداية النهاية لعائلتك.....
ضحكة فاليريو خرجت كالخناجر، عميقة، متحدّية.....ضرب بيده على الطاولة بقوة جعلت الكؤوس ترتجّ........
— سنرى، أيها الفتى. لكن تذكّر… أمثالي لا يموتون بسهولة.
ارتفعت الهمهمات من بقية الحاضرين...... الاجتماع الذي جُمع من أجل رسم خريطة النفوذ تحوّل إلى مسرح صراع شخصي........
والجميع يدرك أن الحرب بين مارينو و دي سانتوس ليست إلا مسألة وقت…......
وفي تلك اللحظة بالذات، أشعل كازوما سيجارته الثانية وقال بهدوء ساخر، كأنه يلقي نبوءة......
— الدماء ستغمر أوروبا من جديد.....
ارتفعت التوترات في القاعة كأمواج بحر هائج، لكن صوت سيلينا فورستوفا اخترق الضوضاء.....
ارتفعت من مكانها ببطء، سيجارتها بين أصابعها، دخانها يتلوى في الهواء كأفعى سامة....قالت بلكنة روسية ثقيلة....
— كفى مسرحيات صبيانية… لسنا هنا لنعيد جراح الماضي. الليلة هناك صفقة ستقرر مصير طرق أوروبا كاملة، ومن لا يريد المشاركة فليغادر الطاولة......
ألقى كازوما ضحكة قصيرة وهو يضغط برفق على ولاعته السوداء.....
— كالعادة… الروسية تعرف كيف تضع السكين على الحلق لتعيد النظام.......
ضحك بعض الحاضرين بخفوت، لكن سرعان ما عمّ الصمت حين رفع فاليريو كأسه مجددًا، صوته أجشّ.......
— تفضل يا داميان. بما أنك تترأس الطاولة الليلة… أطلعنا على الخطة.......
مال داميان للأمام، مرفقيه على الطاولة، يداه المغطيتان بالقفازات السوداء تتشابكان بتأنٍ.....
نظر إلى الحاضرين نظرة باردة، عيونه الزرقاء الحادة تخترق كل واحد فيهم.......
قال بهدوء يشبه صفير الرياح.....
— الليلة في معرض الفنون الذي اتراسه ، سيتحرك كل شيء..... تحت أقدام كبار المشاهير، ستتم الصفقة الليلة دون اي خطأ.
ضغط على زر صغير أمامه، فارتفعت شاشة سوداء خلف الطاولة، تعرض صورًا ومخططات.....
— الشحنة الأولى: أسلحة هجومية طراز AK-103، خمسة آلاف قطعة، مجهزة بمخازن معدلة ونظارات للرؤية الليلية. مصدرها من أوكرانيا، وستخرج من المعرض في صناديق خشبية من قبل رجالنا.....
انحنت سيلينا للأمام، عينها تلمع بجشع....
— خمسة آلاف قطعة؟! كرمٌ منك يا مورينو… من نصيب من؟
ابتسم داميان ببرود....
— ثلث لموسكو، ثلث لساو باولو، والباقي سيكون من نصيبكي يا أفعى روسيا......
همهمة خفيفة دارت في القاعة.....
أكمل داميان وهو يقلب الصفحة الإلكترونية على الشاشة....
— الشحنة الثانية: كوكايين نقي بنسبة 94%، قادم من كولومبيا، مغلف في لوحات زيتية مزيفة. إجمالي الوزن: طنّ ونصف. سيُسلم الليلة لضيوفنا من البرازيل......
هنا، العجوز كارلوس دي سانتوس، بعيونه الغائرة وندوب وجهه، ضرب الطاولة بعكازه وهو يقول بصوت مبحوح....
— أريدها أن تصل دون خدش… تعلم يا فتى أن البرازيل لا ترحم من يفسد صفقاتها.....
انحنى داميان برأسه قليلًا، وكأنما يستهزئ بأدب....
— ستصل كما خرجت من مزارعكم… نقية كالثلج، لم يمسها أحد.....
رفع أحد الحاضرين، رجل أصلع ببدلة رمادية يمثل مافيا الأتراك، صوته قائلاً....
— وماذا عن الماس؟ سمعت أن في الأمر أحجارًا نادرة ستُهرب الليلة.
ابتسم داميانو ابتسامة شاحبة، وضغط مجددًا على الشاشة....
— الماسات ستُعرض علنًا… لكنها ستختفي قبل أن تغلق الأبواب...... قطعة (عين الثعبان)، 24 قيراط، ستُسلم لأحد المشترين السريين. الصفقة ستتم في قاعة كبار الضيوف، وأنا من سيشرف على انتقالها......
ضحك كازوما بخفوت، عينيه الضيقتين تتلألآن....
— آه… ما أروع أن تسرق عيون العالم تحت أنظارهم.
ساد الصمت مرة أخرى. كل واحد على الطاولة كان يستوعب حجم ما سيحدث الليلة....
معرض للفنون على السطح… وحرب تجارة عالمية تحت الأرض......
رفع داميانو سيجارته وأشعلها، نفث دخانها ببطء كأنه يرسم خيوطًا في الهواء.....
— تذكّروا… الليلة لسنا مجرد تجار، ومن يحاول أن يعرقلنا…
توقف لحظة، وابتسم بخفة قاتلة....
_سيُمحى من الوجود قبل أن يفتح فمه....
ساد صمتٌ قصير بعد آخر الكلمات، كأن الجميع ينتظر أن يُكمل الآخر.....
لكن لم يعد هناك ما يُقال. النظرات وحدها تكفّلت بالبقية...
لورينزو أعاد إغلاق دفتره الجلدي بهدوء، ثم وضع قلمه داخله بترتيبٍ اعتاد عليه دائمًا، إشارة واضحة إلى أن الاجتماع انتهى.....
سيلينا عدّلت وشاحها الحريري وأشعلت سيجارة جديدة، نفثت دخانها باتجاه السقف، ثم وقفت أول من غادر، خطواتها الواثقة تُحدث صدى خفيفًا في القاعة.....
العجوز فاليريو ظل جالسًا لحظات أطول، يراقب ظهرها ببرود قبل أن ينهض ببطء، عصاه تضرب أرض الرخام ضربات متزنة. تمتم بكلمات بالكاد تُسمع.....
ـ الليلة لن اتسامح مع أي خطأ،أتمنى أن تتم الصفقة بنجاح..
داميان كعادته، لم يبدُ في عجلة.....
وقف أخيرًا بعد أن خلت الطاولة تقريبًا، مسح بأصابعه أثر كأس النبيذ عن الحافة، ثم تبادل نظرة قصيرة مع لورينزو....
واحدًا تلو الآخر، غادروا القاعة......
أبواب القاعة الثقيلة أُغلقت وراء آخر الخارجين، تاركة المكان يغرق في صمتٍ ثقيل.....
على الطاولة بقيت بقايا قليلة.....أعقاب سجائر، كأس نصف ممتلئ، ورائحة مزيج من دخان وتبغ وعطر باهت......
•
•
•
•
•
•
في الفندق، كانت الغرفة تضج بالفوضى الصغيرة التي أحدثتها إيميليا أثناء تجهيز نفسها وصديقتها.....
_آريا، توقفي عن التململ!
قالت إيميليا وهي تضع اللمسات الأخيرة على شعرها في المرآة.....
أما صاحبة العيون الخضراء ،فكانت تقف أمام المرآة بارتباك، ترتدي فستانًا أحمر قانيًا ضيّقًا ينساب على جسدها كاللهب.......
كان الفستان مكشوف الكتفين، يلتف حول خصرها برشاقة، ويجعلها تبدو وكأنها خرجت لتوها من لوحة فنية أُسرفت في إتقانها......
لكن ملامحها لم تعكس الفتنة التي يراها أي عابر، بل الخجل والارتباك.......عضّت شفتها السفلى وهمست....
_إيميليا... هذا مبالغ فيه... لا أشعر بالراحة.....
ضحكت صديقتها بخفة، وهي تصلح العقدة الصغيرة في شعرها.....
_بالضبط! الراحة لا تُصنع للحفلات. الليلة يجب أن تظهري كقنبلة فاتنة وسط الحفل......
خرجتا من بهو الفندق وسط دهشة بقية الطلاب، الذين ظلوا يثرثرون عن الحفل وكبار الشخصيات الذين سيحضرونه....
إيميليا لم تخفِ غرورها الصغير بالفوز، وهي تتمسك بذراع رفيقتها وتلوّح بالتذكرتين....
_ ها قد أثبتنا أننا الأفضل. ليلة كاملة وسط النخبة، تخيلي ذلك يا آري!
أما تلك المتوترة فكانت تمشي بجانبها بخطوات مترددة، ترفع يدها بين الحين والآخر لتعدل الوشاح الذي يخفي جزءًا من وجهها.....
نظراتها لم تفارق الأرض، بينما ردّت بنبرة خافتة......
_لست واثقة أن هذا المكان مناسب لي... لا أحب الأضواء، ولا نظرات الغرباء......
ضحكت إيميليا وأجبرتها برفق على مواصلة السير.....
_كفي عن هذه السخافات، ستبدين كجوهرة وسطهم جميعًا. أتعلمين؟ لو كنت رجلا لتزوجتك من سيقاوم وردة فاتنة مثلك ،انتي تظلمين جمالك عزيزتي...
إبتسمت آري بخجل لمدح الأخرى لها...
كانت سيارة أنيقة بانتظارهما أمام المدخل..... لم يكن هناك أحد غيرهما.... الرحلة هذه المرة تخصّ الفائزتين فقط....
فتح السائق الباب الخلفي بابتسامة مهنية، فأسرعت إيميليا بالدخول وكأنها في فيلم سينمائي، بينما جلست آريا بجانبها بتردد، تضغط أطراف أصابعها معًا لتخفي توترها....
انطلقت السيارة في شوارع المدينة الليلية.....الأضواء تنعكس على زجاج النوافذ....
إيميليا تثرثر بحماس عن الحفل الذي قد يجتمع فيه فنانون ومشاهير ووجوه بارزة من العالم، وعن رجل أحلامها الوسيم الذي تأمل أن تلتقيه خلال الحفل، في حين بقيت آريا صامتة معظم الوقت، تراقب من النافذة....
توقفت السيارة أمام بوابة المعرض الكبرى، حيث الأضواء الذهبية تتلألأ على الرخام الأبيض، والضيوف يتوافدون واحدًا تلو الآخر بملابسهم الفاخرة، كأنهم شخصيات خرجت من قصة خيالية......
فتحت إيميليا الباب بخفة، نزلت أولًا بخطوات واثقة، والفستان الأسود الأنيق الذي ارتدته زاد من سحر حضورها....
التفتت نحو آريا بابتسامة متوهجة...
_حان وقت التألق يا عزيزتي....
لكن آريا بقيت للحظة عالقة في مقعدها، تشعر بجدران السيارة تضيق حولها.....
شدّت على أطراف الفستان الأحمر القرمزي، الضيق عند خصرها والمسترسل عند قدميها، وهي تتمتم مع نفسها....
ـ لماذا وافقت أن أرتدي هذا؟... سأكون محط أنظار المنحرفين وكم أكره ذالك ،اللعنة...
وأدركت أنها محقة....
فما إن نزلت من السيارة حتى التفتت إليها رؤوس عدة. نظرات رجال ونساء تسللت كالسكاكين على جسدها، تتفحص تفاصيلها بلا استئذان.....
الأضواء الكاشفة من المدخل ارتدت على لون الفستان فزادته بريقًا، حتى بدت وكأنها شعلة حمراء وسط أمواج من الأسود والذهبي.....
انخفضت نظراتها أرضًا، يدها تمسك بحقيبتها الصغيرة كمن يتمسك بطوق نجاة، قلبها يخفق بسرعة مؤلمة....
اقتربت منها إيميليا هامسة وهي تتعلق بذراعها....
ـ آريا... أنتِ مذهلة. تجاهليهم، إنهم يحدقون لأنكِ سرقتِ الأضواء، لا أكثر.....
لكن ذلك لم يمنع الارتباك الذي اجتاحها......كل خطوة نحو السجادة الحمراء بدت كرحلة طويلة، والهمسات التي تتبعها من الخلف لم تكن إلا قيودًا تشدّ على عنقها....
جلست آريا عند إحدى الطاولات المستديرة قرب حافة القاعة، تتنفس ببطء محاولةً إخفاء ارتباكها وسط الضوضاء والضحكات العالية.....
الأضواء المبهرة انعكست على الكؤوس البلّورية المصطفة أمامها، والأنغام الراقصة تملأ المكان بدفء مصطنع.....
وضعت الكأس أمام شفتيها، أخذت رشفة صغيرة فقط، لعل السائل العنّابي يهدئ من اضطراب أنفاسها.....
لم تكن معتادة على مثل هذه الأجواء؛ الضحكات المجلجلة، النساء بأزيائهن المتلألئة، والرجال ببدلاتهم الفاخرة....
شعرت وكأنها دخيلة في عالم لا ينتمي إليها.......
التفتت إلى يمينها، حيث اختفت إيميليا قبل قليل.....
رأت صديقتها تتمايل بخفة بين ذراعي شاب وسيم، شعره مصفف بعناية وبذلته أنيقة كأنها مفصّلة له خصيصًا......
كان يضحك معها بانسجام، وإيميليا بدورها غارقة في النشوة، ضحكتها المبهجة تضيع بين أصوات الموسيقى....
ابتسمت آريا بخفة وهي تهز رأسها.....
_كعادتها... قادرة على الاستمتاع في أي مكان...
لكن الابتسامة سرعان ما تلاشت. عادت لتضع يدها على الكأس، تحركه ببطء فوق الطاولة وكأنها تحاول الهروب من نظرات غامضة شعرت بأنها تتبعها من بين الحشود.....
كانت جالسة إلى الطاولة، تحاول أن تُبعد نظرات الفضوليين عنها وهي تعبث بكأسها بهدوء. لم تكن تحب هذا النوع من الحفلات ولا ذلك الفستان الأحمر الضيق الذي أجبرتها إيميليا على ارتدائه.....
فجأة توقّف ظل أمامها، رفعت رأسها لترى شابًا ينحني قليلًا بابتسامة عفوية قائلاً.....
_آنسة... هل أتشرف برقصة معك؟
ارتبكت لوهلة، وعندما تأملت ملامحه تجمّدت أنفاسها....
الشعر ذاته...،و العيون العابثة التي تحمل شيئًا غريبا....
انفرجت شفتاها دون وعي....
_أنت... شاب المكتبة!...
اتسعت عينا الغريب بدهشة حقيقية، كأنه لم يكن يتوقع اللقاء....
صمت برهة ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة وقد بدت نبرته أكثر خفة......
_حقًا... يا للصدفة! لم أتخيل أن أراكِ هنا......
آريا تراجعت قليلًا في مقعدها.........كانت آريا قد بدأت تسترخي قليلًا رغم انزعاجها الأولي....
الغريب ذو الشعر الناري بدا وكأنه يحاول كسر جمودها ببعض التعليقات الطريفة......... حكى لها بإيماءات مضحكة عن عدة مواقف مضحكة حصلت له.....
ضحكت آريا رغماً عنها، وهي تضع يدها على فمها لتكتم ضحكة صغيرة كأنها أُخذت على حين غرّة.....
_ها أنتِ تضحكين أخيرًا..
قال وهو يرفع حاجبه بخفة،
_كنتُ أظنّكِ تمثالًا لا يتزحزح من الجديّة.......
أطرقت بعينيها، ثم رفعت كأسها لتشرب جرعة صغيرة وهي تجيب بسخرية لاذعة......
_ربما لأنني لا أثق بالتماثيل المتحركة أمثالك....
ضحك الشاب بحرارة، ثم انحنى قليلاً، صوته خفت وهو يقول......
_إذن... ما رأيكِ أن نكسر تلك الجديّة برقصة؟
مدّ يده إليها، عيناه تلمعان بمزيج من التحدي والمرح، وكأن الأمر مجرد لعبة.....
آريا كانت على وشك أن تقبل، توتّرها ارتفع من جديد، لكن قبل أن تنطق، شعرت بقبضة قوية وخشنة تطوّق خصرها فجأة......
سُحبت بجسارة إلى الخلف، حتى ارتطمت بصدر صلب كالجدار......
رائحة عطر داكن، ثقيل كالدخان، تسللت إلى أنفها......
رفعت رأسها في ذهول، فرأت رجلاً طويل القامة، يرتدي بذلة سوداء أنيقة، عيناه زرقاوان حادتان ، يطلّان عليها بنظرة باردة تكاد تحرق الهواء من شدّتها........
تجمّدت آريا في مكانها، قلبها يقفز كالطائر في القفص....
الشاب ذو الشعر الأحمر وقف مذهولًا، وقد بدا الغضب مكبوتًا في وجهه، بينما الرجل الغريب الذي أمسكها تظاهر بابتسامة باردة وهو يخاطبها بنبرة محايدة، كأن شيئًا لم يحدث.....
_الحفلة صاخبة جدًّا... لم أجد مقعدًا فارغًا، فخطر لي أن أرافق هذه الآنسة الجميلة...
نبرته هادئة، لكن قبضته على خصرها كانت من شدّتها تكاد تسحق أنفاسها....
والمسكينة لم تفهم شيئًا، كل ما شعرت به أنّ هذا الرجل خطير، وخطورته ليست في مظهره فقط، بل في تلك الهالة الثقيلة التي تغلّف حضوره......
ريكو ضيّق عينيه وقال بلهجة متهكمة....
_لم أعلم أن الفتيات هنا يتم سحبهن بهذه الطريقة... كنت أظن أن الاستئذان عادة لا زالت قائمة.أليس كذالك سيد مارينو....
ابتسم الغريب ابتسامة باردة، عينيه لم تفارقاها وهو يجيب....
_بعض الأشياء... لا تُطلب، بل تُؤخذ......
شعرت آريا برعشة غامضة تسري في جسدها....... لم تعرف لماذا، شعرت كأنها ألتقت هذا الغريب من قبل لاكن لاتعلم أين ، قلبها كان يصرخ من الداخل....
هذا الرجل ليس كغيره. شيء فيه يثير خوفها... أو ربما شيئًا آخر لا تجرؤ على تسميته.....
أما الوحش بجانبها فقد كان ينفجر غيظًا في داخله.... كل ذرة في جسده كانت تصرخ ليمزّق وغد فاليريو الصغير هذا إربًا أمامها لعين خبيث يشبه والده ،ماعلاقته بآري واللعنة...
لولا إتفاق الهدنة بين العائلتين ، لشوه إبتسامته المغرورة تلك لكنّه كبَح نفسه...... اكتفى بأن يضغط أكثر على خصرها، كأنه يعلن ملكيّته علنًا.....
الاخرى المرتبكة بين الاثنين، لم تجد سوى أن تهمس بصوت مرتجف.... بينما تستجمع شجاعتها....
_د...دعني ياسيد ، أريد أن أعود إلى الطاولة....
شدّها داميان بقوة من خصرها ....... أصابعه على جسدها كأنها أصفاد غير مرئية.... ارتبكت ، تلعثمت وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث، بينما الشاب ذو الملامح الصاخبة وقف مذهولاً، غير مصدّق أن السفاح المرعب لأسرة مارينو يقوم بهذه التصرفات الصبيانية و انتزعها منه بهذه الجرأة....
اقترب داميان بانحناءة خفيفة، صوته عميق وهادئ، عكس العاصفة بداخله....
_ أعتذر، هذه السيدة ليست متاحة للرقص....
لم ينتظر ردًا، ولم يمنحها فرصة للاعتراض.... ببساطة سيطر على المشهد كأنه اعتاد أن يُطاع.....
أصابعها حاولت التحرر من قبضته، لكنها فشلت... بدت صغيرة بين يديه ،"اللعنة " لعنت بين أنفسنا لعجزها ،بينما جسمها كلها متوتر ....
همس لها، بصوت يكاد يكون مسموعًا لها وحدها...
_ارفعي رأسك… لا تجعليهم يروْن ارتباكك.
كانت عيناها تتسعان وهي تراه يقودها بخطوات محسوبة نحو الطاولة المركزية، حيث يجلس نخبة من المشاهير....
رجال أعمال ببدلات أنيقة، فنانات بأثواب لامعة، ووجوه بارزة في الإعلام. المكان يفيض بالأضواء والعدسات، وكل الأنظار تتبعهم......
جلست قربه رغمًا عنها، قلبها يدق كطبل، والهمس حول الطاولة بدأ يتصاعد....
ــ من هذه؟
ــ لم نرها من قبل…
ــ لا بد أنها عشيقته الجديدة…
ابتسم داميان ببرود وهو يتبادل التحية مع أحد المخرجين الكبار، ثم التفت إليها وكأنه يقدّمها رسميًا....
ــ رفيقتي ......
كلماته نزلت عليها كالصفعة. نظرت إليه بدهشة، شفتيها ترتجفان بالاعتراض لكنها لم تجرؤ على الكلام، خصوصًا مع عيون الآخرين التي تحاصرها........
مدّ النادل كأس نبيذ أحمر نحوها، يده كانت ثابتة لكنها شعرت أن الأرض تهتز تحتها. أخذت الكأس على مضض، محاولة أن تخفي اضطرابها......
اقترب منها داميان أكثر، صوته يخترق ضجيج الحفل، منخفضًا، آمرًا، وملغومًا بغليان مكتوم:
ــ أنتِ لا تدركين كم من العيون تتربص بكِ، آري لا تتركي نفسك فريسةً سهلة… لا معهم، ولا مع أي رجل آخر.....
لم تفهم قصده، لكنها أحست بنبرة التملك في كلماته ،والسؤال الوحيد الذي يجول في خاطرها من هذا الغريب وكيف يعرف إسمها.....
•
•
•
•
•
||هكدا، أسدل الستار على الباب الرابع||
هنا يُسدل الستار...
أيها الفضوليون الأعزاء.......
أشكركم على دفئ دعمكم وتشجيعكم في أولى خطوات قلمي........
قد يبدو لكم أن الأحداث تمضي ببطءٍ متعمّد.....
لكن لا تنخدعوا...
فما إن تنفتح الأبواب المظلمة..........
حتى تتلقّوا صدماتٍ لن تترك لأنفاسكم ملاذًا.........
•
•
•
"الإنسان يظن أنه يملك ممتلكاته، بينما الحقيقة أن ممتلكاته هي التي تملك روحه، تقيّده بخيوطٍ من الجشع والخوف، حتى يغدو عبدًا لها وهو يظن نفسه سيدًا عليها."
•
•
•
|| وُقّعت هذه اللعنة باسم: [ كلير | KLIR ] ||
||التي تكتب بعينٍ مفتوحة على الجحيم....||
Klir