مـن رمـاد الألـم يـولـد الـمـحـقـق

مـن رمـاد الألـم يـولـد الـمـحـقـق

15 0

---

كان الهدوء الذي خيّم على السفينة بعد الكارثة لا يشبه أي سكون عرفه ياسر من قبل... لم يكن سكونَ راحة، بل سكونَ ما بعد العاصفة، حيث تهدأ الأمواج لتكشف عن الخراب.

انفزع سامي وأبعد يده بسرعة حين لمس ذراع ياسر.

سامي (بصدمة):

– هل أنت مصاب؟ لماذا لم تخبرنا من قبل؟ تعال بسرعة، يجب أن نذهب إلى طبيب السفينة!

ياسر (بهدوء، يخفي ألمه):

– لا داعي للقلق، إنه جرح سطحي لا أكثر.

سامي (ساخرًا وهو يرفع حاجبه):

– هل أثرت فيك أفلام الأكشن والدراما؟ هه!

ياسر (مبتسمًا بفتور):

– ربما، لكنني أؤكد لك أنه بسيط.

سامي (مصممًا):

– هيا، لا جدال في الأمر.

لم يكن أمام ياسر خيار، إذ أمسك سامي بذراعه وسحبه نحو الطبيب الذي استقبلهم بنظرة قلقة. فحص الطبيب الجرح بعناية، ثم قال بصوت هادئ:

الطبيب:

– الجرح ليس عميقًا، لكنه بحاجة إلى تعقيم وربط جيد. ستحتاج إلى الراحة.

سامي (مبتسمًا):

– سأحرص على تنفيذ أوامرك، دكتور. هذا الرجل لا يعرف كيف يرتاح.

خرج الطبيب بعد أن ضمّد الجرح، تاركًا ياسر يتنهد وهو يحدق في السقف المعدني.

ياسر (بضجر):

– أكره أن أكون مريضًا.

سامي (ضاحكًا):

– حقًا؟ لو كنت مكانك لطرت من الفرح! لا مهام، لا مسؤوليات... فقط نوم وطعام.

ياسر:

– في هذه الحالة... اجلب لي بعض الطعام، فأنا جائع!

سامي (جالسًا بجانبه):

– قبل ذلك، لدي سؤال واحد فقط... كيف عرفت أنه هو؟ القبطان؟

ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة، ثم بدأ يسرد الحكاية... منذ أول شكوكه، حين لاحظ نظرات القبطان الغريبة في الغابة، وصولاً إلى الأدلة التي تجمعت أمامه، كخطوات على الرمال، والقصص المتناقضة، وحديثه الغامض عن الجزيرة...

سامي (متأثرًا):

– لا أصدق... كل هذا كان أمامنا ولم نرَ شيئًا!

ياسر:

– لأننا لم نكن نبحث... كنا نحاول النجاة فقط.

سامي (ينهض):

– حسنًا، سأجلب لك الطعام. ابقَ هنا ولا تتحرك.

خرج سامي، وقبل أن يغلق الباب، دخل شرطي يرتدي زيًا رسميًا.

الشرطي:

– السيد ياسر، يمكنك الآن رؤية القبطان.

ياسر (ينهض ببطء):

– حسنًا، أين هو؟

الشرطي:

– اتبعني، سأقودك إليه.

نهض ياسر وتبع الشرطي عبر ممر طويل حتى وصلا إلى غرفة جانبية منعزلة. فتح الشرطي الباب، دخل ياسر الغرفة بوجه جامد ، لكن قلبه يغلي . جلس أمام القبطان الذي كان مقيدًا وذابل النظرات ، عيناه متعبتان كﭢنهما تحملان قروناً من الندم والغضب .

ياسر ( يخاطب الشرطي ) :

– هل يمكنك تركنا لوحدنا رجاءً؟

الشرطي:

– كما تريد، سيدي... إن احتجتني فأنا بالخارج.

خرج الشرطي وأغلق الباب خلفه.

ياسر (بصوت هادئ يخفي الغليان): لماذا قتلتهم؟

القبطان (ينظر إلى الحائط بلا تركيز): من تقصد؟

ياسر (بحدة): لا تتذاكى... القتلى الذين سقطوا واحدًا تلو الآخر، على تلك الجزيرة... أجب.

صمت القبطان للحظة، ثم أغمض عينيه وقال:

القبطان: تلك الجزيرة... كانت كل حياتي. أنا من اكتشفها، أنا من رسم خرائطها بيدي، أنا من كاد أن يموت بسبب العواصف للوصول إليها أول مرة... ثم، جاء "هو"... أخذ كل شيء.

ياسر: من "هو"؟

القبطان: القبطان الرسمي... الذي كنت أعمل تحت قيادته. خانني، سرق اكتشافي، ونال الشكر والتكريم، بينما تم نقلي إلى سفينة صدئة، ثم فُصلت... لا أحد سمع قصتي. لا أحد صدقني.

ياسر (بغضب): فقررت أن تتحول إلى قاتل؟ تنتقم من كل من تطأ قدمه تلك الأرض؟

القبطان (بمرارة): عندما ترى حياتك تنهار، تنكسر من الداخل. بدأت أتكلم مع نفسي، مع البحر، مع الظلال... لم أعد أعرف من أنا. الجزيرة أصبحت ملاذي، و... قبر من خانني.

ياسر: وماذا عن أصدقائي؟ عن الأرواح التي أزهقتها بلا ذنب؟

القبطان (ينظر إليه بعينين دامعتين): كنت أراهم كمتطفلين... ثم كأشباح... ثم لم أعد أراهم بشرًا. أنا... لا أعلم متى ضاع إنسانيتي.

ياسر (بصوت متهدج من الغضب): لا. أنت تعلم جيدًا. لقد اخترت هذا الطريق. وكل نفس أزهقتها ستلاحقك إلى آخر يوم في حياتك.

القبطان (بصوت خافت): وهل تظن أنني أنام ليلًا؟ لا... كل وجوههم... تطاردني.

نهض ياسر وصرخ:

ياسر: يكفي! ستدفع الثمن، ليس بيدي، بل بيد القانون.

خرج ياسر وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا القبطان في ظلال غرفته، تلتف حوله كجحيم صنعه بنفسه.

سامي (يعقد ذراعيه):

– لا أصدق أنك خرجت من سريرك!

ياسر (بتعب):

– أردت أن أنهي كل شيء بيدي.

سامي:

– حسنًا، المفتش يريد رؤيتك.

وصلا إلى مكتب صغير حيث جلس المفتش محمد، رجل في منتصف العمر، بنظرة حادة لكن عادلة.

محمد:

– تفضل، اجلس يا ياسر.

ياسر:

– حاضر، سيدي.

محمد:

– ما فعلته أنقذنا من كارثة. لديك عقل المحقق وجرأة القائد.

سامي:

– قلت له نفس الشيء!

محمد (مبتسمًا):

– ما رأيك بالانضمام إلينا؟ ستكون محققًا رسميًا.

ياسر:

– بصراحة... لا أحب القيود.

سامي:

– إذاً كن مثل شارلوك هولمز! حرّ لكن لا يستغني عنه أحد.

محمد:

– سيكون لك مطلق الحرية. فقط أجب: هل تقبل؟

ياسر (بهدوء):

– أجل... لكن بشرط.

محمد:

– ما هو؟

ياسر:

– أن أُحقق العدالة بطريقتي... لأجلهم.

وقّع ياسر على الأوراق، وهو يشعر بشيء جديد يُولد بداخله. لم يكن الأمر وظيفة... كان وعدًا.

---

بعد شهر:

هدأ البحر... وانقشعت سحب اللعنة.

في مكتب صغير تملأه رائحة القهوة والملفات، جلس ياسر، يحدّق في أول قضية توضع أمامه كمحقق رسمي.

سامي (واقف عند الباب):

– أول مهمة، يا محققنا الجديد. جريمة قتل في الضواحي... لا شهود، لا أدلة واضحة.

ياسر (ينظر للملف بابتسامة جانبية):

– ممتاز... أحب الغموض.

فتح الملف، مرّت أمامه وجوه أصدقائه الذين فقدهم... فادي، أسمهان، أنس، فهد، ديمة، يارا.

همس لنفسه:

ياسر:

– لن أسمح أن تكون دماؤهم بلا معنى.

نهض، أخذ معطفه، وهمّ بالخروج.

سامي:

– انتظر! نسيت شارة الشرطة!

ياسر (من دون أن يلتفت):

– لا أحتاجها... الحقيقة لا تتطلب شارة، بل قلبًا لا يعرف الخوف.

"معزوفة الموت... كانت البداية فقط."

– النهاية –

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

معزوفة الموت

المؤلف Raven Blake
2025/10/28 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة