هـمـسـات الإتـهـام

هـمـسـات الإتـهـام

13 0

إتجهنا نحو مصدر الصوت المريب، خطواتنا مثقلة بالتوجّس والرهبة. كل حركة بدت وكأنها تخرق الصمت القاتل في الممرّ الضيق. لم نكن نعلم ما سنجده، لكنّ القلب كان يسبق الخطى.

دفع أحدنا باب الغرفة بهدوء... فإذا بفادي جالسٌ هناك، على كرسي خشبي أمام البيانو، رأسه مائلٌ بانحناءة غريبة فوق المفاتيح، كأنه غفا فجأة أو استسلم للإرهاق.

قالت ديمة بارتياح مشوب بالدهشة: - "وأخيرًا وجدناك يا فادي."

اقتربت منه يارا ببطء، وعيناها تبحثان عن طمأنينةٍ غائبة: - "ما بالك؟ استيقظ، ما خطبك؟"

تقدّم فهد نحوه بخطى حذرة، كأن الهواء نفسه بات كثيفًا وصعب الاختراق. مدّ يده إلى كتفه وهزّه برفق...

وفجأة، سقط جسد فادي على الأرض كدمية بلا روح.

شهق فهد، وقد تجمّدت ملامحه وصوته: - "إنه... ميت!"

تراجع أنس وهو يحدّق في المشهد بعينين مذعورتين: - "ماذا؟!"

اقترب فهد بخوف وانزلقت عينه إلى بقعة داكنة بدأت تنتشر على قميص فادي: - "إنه مطعون... في بطنه."

سكت الجميع، والهواء امتلأ بثقل لا يُحتمل. تبادلنا النظرات المرتجفة، وكأن الشكوك بدأت تتسلل إلينا دون استئذان. حاولت كسر ذلك الجمود الثقيل بصوتٍ منخفض: - "كنا متفرقين... كلّ منا في جهة. أي واحد منّا كان يمكنه أن يرتكب الجريمة."

صاحت يارا بعصبية وقد اغرورقت عيناها: - "لكن... لماذا؟! كلّنا نحب فادي! لقد كان أقرب الأصدقاء إلينا."

رفع فهد حاجبيه فجأة، كمن التمعت في ذهنه شرارة مفاجئة: - "أنا أعرف من القاتل..."

توجهت نحوه الأنظار دفعة واحدة، بقلوب نابضة وسكونٍ متوتر.

قال فهد بنبرة جازمة: - "إنها... أسمهان. نعم، لديها الدافع."

إتسعت عينا أسمهان في ذهولٍ ممزوج بالارتباك: - "أنا؟! لا... هذا مستحيل، أقسم أنني لست من فعلها!"

أشار فهد إليها بحدة، وكأنّه ينطق بالحكم: - "لا تقاطعيني! لقد قتلتِه لأنه سخر منك كما يفعل دائمًا... أليس كذلك؟"

هزّت رأسها بانكسار وهمست: - "لا... لم أفعل ... وهل هذا سبب يدفعني لقتل صديقٍ لي !! ."

تدخلت ديمة، ناظرةً إلى فهد بنفور: - "كلّنا سخرنا منها في لحظةٍ ما، هل يعني هذا أن دورنا قادم؟"

قال أنس وهو يحدّق في الأرض بقبضتيه المشدودتين: - "ربما...."

ضحكت يارا بسخرية وسط هذا الجنون: - "يا له من سيناريو مثير... سأدوّنه في روايتي."

أجهشت أسمهان بالبكاء فجأة، وكأنها انهارت من ثقل الضغط: - "أقسم أنني لم أقتله!"

قلت ببرود، محاولًا الحفاظ على السيطرة: - "وما دليلكم؟"

أنس أجاب مستغربًا: - "هل نحتاج إلى دليل؟ الجريمة واضحة."

ضحكتُ بسخرية وأنا أقطع عليه منطقه: - "تخيل نفسك شرطيًا، هل ستزجّ بأحدهم في السجن فقط لأنك تشك فيه؟"

ارتبك أنس وتمتم: - "لا أدري... ليست لدي خبرة في التحقيق."

قلت وأنا أزفر بعمق: - "دعونا من الفرضيات. يجب أن نبقى معًا الآن أكثر من أي وقت مضى."

أومأت أسمهان برأسها بصمت: - "نعم... أظن أن هذا هو الحل."

لكن فهد لم يتراجع: - "بالطبع ستوافق، فذلك يناسب مخططاتها."

صرخت ديمة وهي ترفع يدها في الهواء: - "فهد! كف عن هذه الترهات، لسنا في فيلم أكشن!"

ردّ بعناد: - "أنا لا أمزح... أنا متأكد، مئة في المئة، أنها القاتلة."

صرخت: - "كفى! ، صديقكم ميت أمامكم وأنتم تتشاجرون !.... ألهذه الدرجة لم يكن يعني لكم فادي شيئا !!!."

صمت الجميع وتوجهت أنظارهم إلى فادي وكأن كلامي قد أعادهم إلى واقعهم المرير . قاطعت هذا الصمت قائلا : "هيا إلى الغرفة الآن ."

وقبل أن نتحرّك، قالت ديمة بقلق مفاجئ: - "هناك شيء غريب..."

نظرت إليها: - "تقصدين عزف البيانو؟ كيف عزف وهو ميت؟"

هزت رأسها بالإيجاب فأشارت إلى طرف البيانو، حيث كان هناك مسجّل ومكبّر صوت فردت : - "آه، هكذا إذًا..."

خرجت من الغرفة، وأحضرتُ غطاءً أبيض من أحد الأدراج، ثم عدت وسَترتُ به جسد فادي بصمتٍ خاشع. انتقلنا جميعًا إلى غرفة أخرى... غرفة مربعة الشكل، جدرانها الزرقاء تتخللها خطوط صفراء باهتة، يتوسّطها سريرٌ واحد وتلفاز معلق. المكان بدا وكأنه جزء من فندقٍ نُسي في الزمن.

جلسنا جميعًا على أطراف السرير، الغموض يلفّ أرواحنا، والقلق ينهش صدورنا.

قالت أسمهان بصوت خافت: - "ماذا سنفعل الآن؟"

ضحك فهد بسخرية كأنّه يهرب من الحقيقة: - "ربما نتفرق لكي تُتيح لكِ الفرصة لقتل شخصٍ آخر ."

رمقته يارا بنظرة قاتلة: - "كفى سخافة. هل تريد أن تكون الضحية التالية؟"

نظرت أسمهان إليها ببرود: - "هل تقولين هذا لتبعدي الشك عن نفسك؟"

ردّت يارا بثقة: - "أنا لا أُبعد الشك، لأنني واثقة أنني لست القاتلة."

قالت أسمهان بجفاف: - "إن كان ذلك يُريحكم، فليكن."

أنس بدأ ينهار من جديد: - "لا... لا أريد جريمة أخرى. فادي المسكين... لماذا قتلته؟"

رفعت أسمهان حاجبًا، ثم تمتمت ببرود غير متوقع: - "أنا... جائعة."

نهض أنس بهدوء وتوجه إلى المطبخ. وبعد نحو ربع ساعة، عاد يحمل صينية عليها بعض السندويتشات والعصائر الباردة.

- "تفضّلوا."

- "شكرًا، أنس."

جلسنا نتناول الطعام بصمت، نحاول طرد الرعب بالحديث العابر. للحظة قصيرة، شعرنا وكأننا عدنا أصدقاء كما كنا قبل أن يضرب الموت بيننا.

أنهينا الطعام، فتوجهت ديمة ويارا وأسمهان لتنظيف المطبخ.

قال فهد وهو يتنهّد: - "مللت من هذه الغرفة."

أنس: - "وأنا أيضًا... أحتاج هواءً نقيًا."

ياسر (أنا): - "إذهبا إن أردتما، فقط لا تبتعدا."

خرج الاثنان، وبعد لحظات، دخلت ديمة ويارا. لاحظتُ غياب أسمهان.

- "أين أسمهان؟" سألت.

قالت ديمة بهدوء: - "قالت إنها ذاهبة إلى الحمّام."

هززت رأسي، لكن القلق بدأ يزحف إلى قلبي دون سبب واضح... فقط شعور داخلي بأن الأمور على وشك أن تزداد سوءًا.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

معزوفة الموت

المؤلف Raven Blake
2025/10/28 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة