في مساءٍ رماديّ تلبّدت فيه السماء بالغيوم وبدأت نسمات الخريف تنفث برودتها في الأجواء، إجتمع عددٌ من الأصدقاء داخل منزلٍ هادئ ذي طابقٍ واحد . كانت أنفاسهم تختلط برائحة القهوة وهدير الأحاديث الجانبية. الأجواء بدت عادية ، لكن خلف تلك الابتسامات العابرة، كان هناك ما يُدبَّر... مغامرة غير عادية.
ياسر، وهو يتكئ على الأريكة بعينين تلمعان بمزيجٍ من الحماسة والجنون، قال مبتسمًا:
"ما رأيكم أن نخوض مغامرة؟ نذهب إلى جزيرةٍ نائية... نبتعد عن كل شيء، فقط نحن والطبيعة!"
ساد الصمت لوهلة، وتبادلت العيون النظرات، ما بين الدهشة والفضول.
قفز أنس بحماسة قائلاً:
"فكرة رائعة! أنا معك تمامًا."
ديمة ابتسمت بثقة وهي تحرك شعرها:
"لا مانع لدي، فقلبي ينبض للمغامرات."
توالت الموافقات تباعًا... إلا أسمهان.
كانت تحدق في الأرض، مترددة، لا تُجيب.
نظر إليها فهد وقال ممازحًا:
"ما بكِ يا أسمهان؟ أأنتِ خائفة؟"
أسمهان (بصوت خافت):
"لست خائفة... أنا فقط..."
لكن كلماتها ذابت وسط موجةٍ من الضحك والضجيج.
تقدّم أنس نحو ياسر وسأله بفضول:
"عن أي جزيرة تتحدث؟"
ردّ ياسر بنبرة غامضة وهو يضع كوبه جانبًا:
"اسمها نارفاي."
فهد انفجر ضاحكًا:
"إسمها وحده فيلم رعب! لماذا اخترت هذه الجزيرة بالذات؟"
أجاب ياسر وهو ينظر نحو النافذة:
"قرأت عنها في إحدى المنتديات على الإنترنت . جزيرة مهجورة، لا يسكنها أحد، لا شبكة، لا كهرباء... لا شيء. تحيط بها الكثير من القصص والأساطير، وهذا ما أثار اهتمامي."
مرت لحظة من الصمت، ثم قال وهو يبتسم بثقة:
"ألا تعتقدون أنها المكان المثالي لمغامرة لا تُنسى؟"
.........
بعد أسبوع ....
حين وصلوا إلى الجزيرة، كانت الشمس تغرب في الأفق، والضباب يزحف على أطراف الغابة التي تحتضن الشاطئ. الجزيرة بدت كأنها خرجت من كابوس قديم. بين الأشجار المتشابكة والطرق الموحلة
فهد ( وعيناه تجول متفحصةً المكان ) :
"أوه... كم هذا مشجّع. كأننا في فيلم رعب من الدرجة الثالثة."
فادي (ضاحكًا بصوت عالٍ وهو يدفع فهد):
"أجل! وسنكون الضحايا الذين يموتون في أول نصف ساعة"
ضحك الجميع و واصلوا سيرهم وتوقفوا جميعا أمام المنزل الذي سيتخذونه ملاذا لهم . وقف الجميع في صمت أمامه ، بدا كأنه يحدق فيهم أكثر مما هم يحدقون فيه .
كان المنزل عتيقًا، يوحي من أول نظرة بأنه مهجور منذ سنين طويلة. جدرانه باهتة، مغطاة بالطحالب، بابه الخشبي يصدر صريرًا خافتًا مع كل نسمة هواء. لا توجد نوافذ في الطابق الأرضي، والنوافذ العلوية الصغيرة كانت مغلقة بإحكام، كأنها تحبس شيئًا بداخلها.
لكن المفاجأة كانت في الداخل.
حين فتحوا الباب، تفاجؤوا بأن المنزل من الداخل كان نظيفًا بشكل غريب. الأرضية الخشبية لامعة، الأثاث مُرتب، لا غبار، لا رائحة عفن... كأن أحدًا يعيش فيه أو غادره للتو.
قال أنس وهو يدور بنظره حول الصالة:
"هذا غريب... من ينظف منزلًا في جزيرة مهجورة؟"
ردّ فادي ساخرًا وهو يسير بخطوات حذرة:
"ربما الأشباح تهتم بالنظافة."
ضحكوا جميعًا، لكن شيئًا غامضًا بدأ يزحف في قلوبهم... كأنهم دخلوا لعبة لا أحد يعرف نهايتها.
---
توزعوا في أرجاء المنزل، وكلٌّ منهم يحاول استيعاب ما يراه. كانت الجدران مدهونة بلونٍ سكريّ دافئ، تزيّنها لوحات قديمة الطراز، والسقف يحمل ثريا كريستالية خافتة الضوء، وكأنها تضيء ما يكفي لرؤية الطريق... دون أن تبدّد الظلال.
همس فهد وهو يتفحّص إحدى اللوحات:
"هذا المنزل لا يبدو مهجورًا أبدًا... بل يشبه منزلًا يسكنه شخص ثري يحبّ الكلاسيكية."
قالت يارا وهي تمرّر يدها على طاولة جانبية:
"ولا ذرة غبار... هذا مستحيل!"
ديمة كانت تتقدّم ببطء، عيناها تدوران في المكان وكأنها تخشى أن تلمح شيئًا لا ينبغي لها رؤيته. ثم قالت:
"ربما أتى أحد قبلنا؟"
ردّ فادي بسخرية:
"أو لم يغادر قط."
ضحك، لكن ابتسامته ذابت في صمتٍ مفاجئ عمّ المكان.
في تلك اللحظة، هبّت رياح خفيفة من الخارج، فتأرجح الباب الخشبي قليلاً قبل أن يُغلق بنفسه ببطء، مُصدرًا صريرًا طويلًا جعلهم جميعًا يتلفتون.
قال ياسر بسرعة:
"هدوء... إنها مجرد رياح ."
لكن نظراتهم المتبادلة لم تكن مطمئنة.
اختاروا غرفة الجلوس كمركز لتجمعهم، وأشعلوا المدفأة، التي وجدوها تعمل على الفحم القديم. لم يكن أحد منهم مرتاحًا تمامًا، لكن الجميع تظاهر بالحماس.
قال فهد وهو يمدّ رجليه باتجاه النار:
"هذه أول ليلة لنا... فلنستمتع بها قبل أن نبدأ جولتنا في الجزيرة غدًا."
أجابه أنس مبتسمًا:
"أقترح أن نقضي الليل في سرد القصص، كلٌّ منا يحكي أغرب شيء مرّ به."
قالت ديمة:
"أوه، أحب هذه اللعبة!"
لكن أسمهان كانت شاردة. تجلس في أحد الزوايا، يداها ملتفتان حول ركبتيها، وعيناها تتفحّصان الجدران كأنها تقرأ ما لا يُكتب.
اقتربت منها يارا وهمست:
"ما بكِ؟ لا تبدين مرتاحة."
تمتمت أسمهان بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"هذا المكان... لا يطمئنني. أشعر وكأننا لسنا وحدنا هنا."
نظرت إليها يارا بقلق، لكنها حاولت إخفاء توترها، وقالت ضاحكة:
"بل نحن سبعة... أكثر من كافٍ لمواجهة أي شبح!"
لكن أحدًا منهم لم يضحك هذه المرة.
---
مرت الساعات الأولى من الليل في هدوء نسبي. تبادل الأصدقاء النكات والقصص، لكن شيئًا ما في الجو كان يخنق الضحك قبل أن يكتمل. حتى النور المنبعث من المدفأة بدا خافتًا أكثر من المعتاد، وكأن جدران هذا المنزل تمتص الضوء... وتمتص شيئًا آخر لا يمكن تسميته.
في لحظة من اللحظات، وقف فادي وقال بصوت متصنع الحماسة:
"أنا ذاهب لأتفقد الطابق العلوي. ربما أجد غرفة لأستولي عليها بمفردي !."
صرخ أنس ضاحكًا:
"لا تنسَ أن تطلب إذنًا من الأرواح أولًا!"
ضحك الآخرون، بينما اختفى فادي في الدرج الخشبي الذي أصدر صريرًا تحت قدميه.
مرت دقائق.
دقيقة...
اثنتان...
ثلاث.
ثلاثون دقيقة ....
قالت ديمة وهي تحدّق في السقف:
"هل تأخّر؟"
ردّ فهد بابتسامة مرتبكة:
"يبدو أنه وجد غرفةً تليق بمقامه."
لكن نبرة القلق بدأت تتسلل إلى الأحاديث، خاصة عندما انقطع الصوت تمامًا من الأعلى. لا حركة. لا وقع أقدام.
وقفت يارا وقالت:
"سأصعد لأتأكد أنه بخير."
أمسكت ديمة بذراعها وقالت :
"سآتي معك ."
تحركت الفتاتان نحو الدرج، وحين صعدتا، بدأتا تناديان:
"فادي؟ أين أنت؟ توقف عن المزاح..."
لكن ما من جواب.
الغرف العلوية كانت شبه مظلمة، ولم يكن معهما سوى مصباح صغير تلوح به ديمة في الهواء. وجدت يارا أحد الأبواب مواربًا، فدفعته ببطء... لا أحد.
الغرفة مرتبة، نظيفة، كما باقي المنزل، لكنها فارغة.
قالت ديمة بصوتٍ منخفض:
"هل يُعقل أنه نزل من دون أن ننتبه؟"
أجابت يارا :
"أو... أنه لم يكن هنا من الأساس."
وفجأة... صوت خطوات سريعة من الأسفل. صراخ فهد:
"وجدته! كان في القبو!"
ركض الجميع للأسفل، ليجدوا فادي واقفًا بملابسه المغطاة بغبار خفيف، يلهث.
قال وهو يضحك:
"عذرًا على التأخير... فتحت بابًا ظننته غرفة، فوجدت نفسي في درج يقودني للأسفل! الظلام دامس هناك، و... لا أدري لماذا، شعرت بشيء خلفي."
قالت أسمهان وقد شحب وجهها:
"شيء؟ مثل ماذا؟"
هز فادي كتفيه:
"ربما خيالي... أو ربما لا."
ساد صمت ثقيل.
قال ياسر محاولًا التخفيف من التوتر:
"لا بأس. غدًا في الصباح نستكشف المكان كله سويًا، ولا أحد يتجول بمفرده. اتفقنا؟"
هز الجميع رؤوسهم.
لكن عيونهم لم تكن مطمئنة.
---
مع بزوغ أول خيوط الضوء، قرّر الأصدقاء الخروج في جولة لاكتشاف الجزيرة.
كانت الأشجار تطوّق المكان كأنها جدران سجن طبيعي، وأرض الغابة مبللة بندى الصباح، تفوح منها رائحة الطين والعزلة.
قال أنس وهو يربت على كتف ياسر:
"يا رجل... لقد أحسنت الاختيار! المكان فعلاً مثالي لفيلم رعب!"
ضحكت يارا وقال:
"لو نجونا بعد هذه الرحلة... سأكتب عنها رواية!"
تفرّقوا، كلٌّ ذهب في اتجاه مختلف، مدفوعًا بفضولٍ لم يُقاوم.
كانت الجزيرة هادئة حدّ التوتر... لا طيور، لا حفيف، كأن الزمن توقف هنا.
مرّت ساعة... ثم أكثر.
بدأوا يعودون واحدًا تلو الآخر إلى المنزل.
أنس... ديمة... فهد... يارا... أسمهان... ياسر.
لكن...
فادي لم يعد.
سأل ياسر وهو يتفقد الوجوه:
"أين فادي؟ ألم يكن مع أحدٍ منكم ؟"
قالت ديمة وهي تلتقط أنفاسها:
"لا، ظننت أنه معك أنت."
قالت يارا :
"آخر مرة رأيته كان عند الصخور غرب الجزيرة. قال إنه سيصوّر شيئا ويعود سريعًا."
توترت الأصوات، وتبدلت الوجوه.
قال أنس وهو يتوجه للباب:
"علينا العودة والبحث عنه!"
لكن في اللحظة نفسها...
دوّى صوت نغمة بيانو من داخل المنزل.
نغمة واحدة... ثم أخرى... ثم بدأت المعزوفة تتكوّن.
كانت الموسيقى هادئة... لكنها كئيبة، موحشة، وكأنها خارجة من غرفة تُخفي أكثر مما تُظهر.
تجمّد الجميع في أماكنهم.
قالت أسمهان وهي تتراجع بخطوة:
"لم يكن هناك بيانو حين دخلنا... أليس كذلك؟"
أجاب ياسر وقد شحب وجهه:
"لا... لم أرَ أي آلة موسيقية في الطابق الأرضي..."
قال فهد هامسًا:
"ربما في الطابق العلوي..."
لكن لم يتحرك أحد.
في مساءٍ رماديّ تلبّدت فيه السماء بالغيوم وبدأت نسمات الخريف تنفث برودتها في الأجواء، إجتمع عددٌ من الأصدقاء داخل منزلٍ هادئ ذي طابقٍ واحد . كانت أنفاسهم تختلط برائحة القهوة وهدير الأحاديث الجانبية. الأجواء بدت عادية ، لكن خلف تلك الابتسامات العابرة، كان هناك ما يُدبَّر... مغامرة غير عادية.
ياسر، وهو يتكئ على الأريكة بعينين تلمعان بمزيجٍ من الحماسة والجنون، قال مبتسمًا:
"ما رأيكم أن نخوض مغامرة؟ نذهب إلى جزيرةٍ نائية... نبتعد عن كل شيء، فقط نحن والطبيعة!"
ساد الصمت لوهلة، وتبادلت العيون النظرات، ما بين الدهشة والفضول.
قفز أنس بحماسة قائلاً:
"فكرة رائعة! أنا معك تمامًا."
ديمة ابتسمت بثقة وهي تحرك شعرها:
"لا مانع لدي، فقلبي ينبض للمغامرات."
توالت الموافقات تباعًا... إلا أسمهان.
كانت تحدق في الأرض، مترددة، لا تُجيب.
نظر إليها فهد وقال ممازحًا:
"ما بكِ يا أسمهان؟ أأنتِ خائفة؟"
أسمهان (بصوت خافت):
"لست خائفة... أنا فقط..."
لكن كلماتها ذابت وسط موجةٍ من الضحك والضجيج.
تقدّم أنس نحو ياسر وسأله بفضول:
"عن أي جزيرة تتحدث؟"
ردّ ياسر بنبرة غامضة وهو يضع كوبه جانبًا:
"اسمها نارفاي."
فهد انفجر ضاحكًا:
"إسمها وحده فيلم رعب! لماذا اخترت هذه الجزيرة بالذات؟"
أجاب ياسر وهو ينظر نحو النافذة:
"قرأت عنها في إحدى المنتديات على الإنترنت . جزيرة مهجورة، لا يسكنها أحد، لا شبكة، لا كهرباء... لا شيء. تحيط بها الكثير من القصص والأساطير، وهذا ما أثار اهتمامي."
مرت لحظة من الصمت، ثم قال وهو يبتسم بثقة:
"ألا تعتقدون أنها المكان المثالي لمغامرة لا تُنسى؟"
.........
بعد أسبوع ....
حين وصلوا إلى الجزيرة، كانت الشمس تغرب في الأفق، والضباب يزحف على أطراف الغابة التي تحتضن الشاطئ. الجزيرة بدت كأنها خرجت من كابوس قديم. بين الأشجار المتشابكة والطرق الموحلة
فهد ( وعيناه تجول متفحصةً المكان ) :
"أوه... كم هذا مشجّع. كأننا في فيلم رعب من الدرجة الثالثة."
فادي (ضاحكًا بصوت عالٍ وهو يدفع فهد):
"أجل! وسنكون الضحايا الذين يموتون في أول نصف ساعة"
ضحك الجميع و واصلوا سيرهم وتوقفوا جميعا أمام المنزل الذي سيتخذونه ملاذا لهم . وقف الجميع في صمت أمامه ، بدا كأنه يحدق فيهم أكثر مما هم يحدقون فيه .
كان المنزل عتيقًا، يوحي من أول نظرة بأنه مهجور منذ سنين طويلة. جدرانه باهتة، مغطاة بالطحالب، بابه الخشبي يصدر صريرًا خافتًا مع كل نسمة هواء. لا توجد نوافذ في الطابق الأرضي، والنوافذ العلوية الصغيرة كانت مغلقة بإحكام، كأنها تحبس شيئًا بداخلها.
لكن المفاجأة كانت في الداخل.
حين فتحوا الباب، تفاجؤوا بأن المنزل من الداخل كان نظيفًا بشكل غريب. الأرضية الخشبية لامعة، الأثاث مُرتب، لا غبار، لا رائحة عفن... كأن أحدًا يعيش فيه أو غادره للتو.
قال أنس وهو يدور بنظره حول الصالة:
"هذا غريب... من ينظف منزلًا في جزيرة مهجورة؟"
ردّ فادي ساخرًا وهو يسير بخطوات حذرة:
"ربما الأشباح تهتم بالنظافة."
ضحكوا جميعًا، لكن شيئًا غامضًا بدأ يزحف في قلوبهم... كأنهم دخلوا لعبة لا أحد يعرف نهايتها.
---
توزعوا في أرجاء المنزل، وكلٌّ منهم يحاول استيعاب ما يراه. كانت الجدران مدهونة بلونٍ سكريّ دافئ، تزيّنها لوحات قديمة الطراز، والسقف يحمل ثريا كريستالية خافتة الضوء، وكأنها تضيء ما يكفي لرؤية الطريق... دون أن تبدّد الظلال.
همس فهد وهو يتفحّص إحدى اللوحات:
"هذا المنزل لا يبدو مهجورًا أبدًا... بل يشبه منزلًا يسكنه شخص ثري يحبّ الكلاسيكية."
قالت يارا وهي تمرّر يدها على طاولة جانبية:
"ولا ذرة غبار... هذا مستحيل!"
ديمة كانت تتقدّم ببطء، عيناها تدوران في المكان وكأنها تخشى أن تلمح شيئًا لا ينبغي لها رؤيته. ثم قالت:
"ربما أتى أحد قبلنا؟"
ردّ فادي بسخرية:
"أو لم يغادر قط."
ضحك، لكن ابتسامته ذابت في صمتٍ مفاجئ عمّ المكان.
في تلك اللحظة، هبّت رياح خفيفة من الخارج، فتأرجح الباب الخشبي قليلاً قبل أن يُغلق بنفسه ببطء، مُصدرًا صريرًا طويلًا جعلهم جميعًا يتلفتون.
قال ياسر بسرعة:
"هدوء... إنها مجرد رياح ."
لكن نظراتهم المتبادلة لم تكن مطمئنة.
اختاروا غرفة الجلوس كمركز لتجمعهم، وأشعلوا المدفأة، التي وجدوها تعمل على الفحم القديم. لم يكن أحد منهم مرتاحًا تمامًا، لكن الجميع تظاهر بالحماس.
قال فهد وهو يمدّ رجليه باتجاه النار:
"هذه أول ليلة لنا... فلنستمتع بها قبل أن نبدأ جولتنا في الجزيرة غدًا."
أجابه أنس مبتسمًا:
"أقترح أن نقضي الليل في سرد القصص، كلٌّ منا يحكي أغرب شيء مرّ به."
قالت ديمة:
"أوه، أحب هذه اللعبة!"
لكن أسمهان كانت شاردة. تجلس في أحد الزوايا، يداها ملتفتان حول ركبتيها، وعيناها تتفحّصان الجدران كأنها تقرأ ما لا يُكتب.
اقتربت منها يارا وهمست:
"ما بكِ؟ لا تبدين مرتاحة."
تمتمت أسمهان بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"هذا المكان... لا يطمئنني. أشعر وكأننا لسنا وحدنا هنا."
نظرت إليها يارا بقلق، لكنها حاولت إخفاء توترها، وقالت ضاحكة:
"بل نحن سبعة... أكثر من كافٍ لمواجهة أي شبح!"
لكن أحدًا منهم لم يضحك هذه المرة.
---
مرت الساعات الأولى من الليل في هدوء نسبي. تبادل الأصدقاء النكات والقصص، لكن شيئًا ما في الجو كان يخنق الضحك قبل أن يكتمل. حتى النور المنبعث من المدفأة بدا خافتًا أكثر من المعتاد، وكأن جدران هذا المنزل تمتص الضوء... وتمتص شيئًا آخر لا يمكن تسميته.
في لحظة من اللحظات، وقف فادي وقال بصوت متصنع الحماسة:
"أنا ذاهب لأتفقد الطابق العلوي. ربما أجد غرفة لأستولي عليها بمفردي !."
صرخ أنس ضاحكًا:
"لا تنسَ أن تطلب إذنًا من الأرواح أولًا!"
ضحك الآخرون، بينما اختفى فادي في الدرج الخشبي الذي أصدر صريرًا تحت قدميه.
مرت دقائق.
دقيقة...
اثنتان...
ثلاث.
ثلاثون دقيقة ....
قالت ديمة وهي تحدّق في السقف:
"هل تأخّر؟"
ردّ فهد بابتسامة مرتبكة:
"يبدو أنه وجد غرفةً تليق بمقامه."
لكن نبرة القلق بدأت تتسلل إلى الأحاديث، خاصة عندما انقطع الصوت تمامًا من الأعلى. لا حركة. لا وقع أقدام.
وقفت يارا وقالت:
"سأصعد لأتأكد أنه بخير."
أمسكت ديمة بذراعها وقالت :
"سآتي معك ."
تحركت الفتاتان نحو الدرج، وحين صعدتا، بدأتا تناديان:
"فادي؟ أين أنت؟ توقف عن المزاح..."
لكن ما من جواب.
الغرف العلوية كانت شبه مظلمة، ولم يكن معهما سوى مصباح صغير تلوح به ديمة في الهواء. وجدت يارا أحد الأبواب مواربًا، فدفعته ببطء... لا أحد.
الغرفة مرتبة، نظيفة، كما باقي المنزل، لكنها فارغة.
قالت ديمة بصوتٍ منخفض:
"هل يُعقل أنه نزل من دون أن ننتبه؟"
أجابت يارا :
"أو... أنه لم يكن هنا من الأساس."
وفجأة... صوت خطوات سريعة من الأسفل. صراخ فهد:
"وجدته! كان في القبو!"
ركض الجميع للأسفل، ليجدوا فادي واقفًا بملابسه المغطاة بغبار خفيف، يلهث.
قال وهو يضحك:
"عذرًا على التأخير... فتحت بابًا ظننته غرفة، فوجدت نفسي في درج يقودني للأسفل! الظلام دامس هناك، و... لا أدري لماذا، شعرت بشيء خلفي."
قالت أسمهان وقد شحب وجهها:
"شيء؟ مثل ماذا؟"
هز فادي كتفيه:
"ربما خيالي... أو ربما لا."
ساد صمت ثقيل.
قال ياسر محاولًا التخفيف من التوتر:
"لا بأس. غدًا في الصباح نستكشف المكان كله سويًا، ولا أحد يتجول بمفرده. اتفقنا؟"
هز الجميع رؤوسهم.
لكن عيونهم لم تكن مطمئنة.
---
مع بزوغ أول خيوط الضوء، قرّر الأصدقاء الخروج في جولة لاكتشاف الجزيرة.
كانت الأشجار تطوّق المكان كأنها جدران سجن طبيعي، وأرض الغابة مبللة بندى الصباح، تفوح منها رائحة الطين والعزلة.
قال أنس وهو يربت على كتف ياسر:
"يا رجل... لقد أحسنت الاختيار! المكان فعلاً مثالي لفيلم رعب!"
ضحكت يارا وقال:
"لو نجونا بعد هذه الرحلة... سأكتب عنها رواية!"
تفرّقوا، كلٌّ ذهب في اتجاه مختلف، مدفوعًا بفضولٍ لم يُقاوم.
كانت الجزيرة هادئة حدّ التوتر... لا طيور، لا حفيف، كأن الزمن توقف هنا.
مرّت ساعة... ثم أكثر.
بدأوا يعودون واحدًا تلو الآخر إلى المنزل.
أنس... ديمة... فهد... يارا... أسمهان... ياسر.
لكن...
فادي لم يعد.
سأل ياسر وهو يتفقد الوجوه:
"أين فادي؟ ألم يكن مع أحدٍ منكم ؟"
قالت ديمة وهي تلتقط أنفاسها:
"لا، ظننت أنه معك أنت."
قالت يارا :
"آخر مرة رأيته كان عند الصخور غرب الجزيرة. قال إنه سيصوّر شيئا ويعود سريعًا."
توترت الأصوات، وتبدلت الوجوه.
قال أنس وهو يتوجه للباب:
"علينا العودة والبحث عنه!"
لكن في اللحظة نفسها...
دوّى صوت نغمة بيانو من داخل المنزل.
نغمة واحدة... ثم أخرى... ثم بدأت المعزوفة تتكوّن.
كانت الموسيقى هادئة... لكنها كئيبة، موحشة، وكأنها خارجة من غرفة تُخفي أكثر مما تُظهر.
تجمّد الجميع في أماكنهم.
قالت أسمهان وهي تتراجع بخطوة:
"لم يكن هناك بيانو حين دخلنا... أليس كذلك؟"
أجاب ياسر وقد شحب وجهه:
"لا... لم أرَ أي آلة موسيقية في الطابق الأرضي..."
قال فهد هامسًا:
"ربما في الطابق العلوي..."
لكن لم يتحرك أحد.
البيت الذي دخلوه وهم يضحكون...
بدأ يبتلع صمتهم شيئًا فشيئًا.
أما فادي... فلا يزال غائبًا.
---
البيت الذي دخلوه وهم يضحكون...
بدأ يبتلع صمتهم شيئًا فشيئًا.
أما فادي... فلا يزال غائبًا.
---
Raven Blake