عاد فهد وأنس إلى الغرفة، يتبادلان الضحكات الخفيفة بعد نزهة قصيرة بين الأشجار الكثيفة، لكن شيئًا في الأجواء كان مختلفًا... التوتر خيّم على المكان دون مقدمات.
وقفت يارا عند النافذة، تقبض على ذراعيها وقد ارتسم القلق في عينيها.
يارا (بصوتٍ مرتجف): "أسمهان تأخرت كثيرًا…"
فهد، وهو يجلس على ذراع الأريكة بتراخٍ مفتعل: "هه، ربما أنها—"
لكن كلماته قُطعت فجأة، إذ اخترق سكون المكان لحن مألوف... موسيقى البيانو نفسها.
أنس (بهمس، وقد شحب وجهه): "لا تقل لي أن هذا... من جديد؟"
ياسر، وقد وقف بسرعة وحدقتاه تتسعان: "هيا، لنبحث عنها فورًا!"
انطلقنا جميعًا، كُلٌّ في اتجاه، نركض في الممر متجهين إلى مصدر الصوت، قلوبنا تخفق، وخطواتنا تتسارع على أرضية المنزل الخشبية. كان الظلام قد بدأ ينسل من زوايا المكان، يزيده غموضًا ورهبة.
وصلنا إلى باب غرفة البيانو، وكان مغلقًا. ترددنا، تبادلنا النظرات، كأننا نطلب من بعضنا الإذن لنتقدم... ثم، دفعت الباب ببطء.
وهناك... كانت أسمهان.
تجلس أمام البيانو بهدوء تام، تغمرها هالة من السكينة الغريبة، رأسها مائل بانسجام، وعيناها نصف مغلقتين. أصابعها تتراقص على المفاتيح كأن شيئًا لم يحدث، وكأنها تعزف على أطراف الجنون.
ياسر (مذهولًا): "أسمهان؟!"
أسمهان (برفع حاجبيها، كأنها استيقظت من حلم): "ماذا؟"
فهد (بصوت متهكم، يخفي ذعره خلف سخريته): "قلت لكم... هي القاتلة! تتقن نفس المعزوفة، كل الأدلة تشير إليها!"
أسمهان (وقد وقفت ببطء): "وماذا في ذلك؟ إنها معزوفتي المفضلة، فقط... تذكّرتها."
الشك بدأ يتسلل إلى الوجوه، النظرات تملؤها الريبة، والخطى ثابتة لكن مترددة. حتى أنا... لم أعد واثقًا بشيء.
ياسر (بصوت خافت ينزف خيبة): "لم أتوقع أن تكوني أنتِ...."
أسمهان (بألم واضح): "لا! صدقني... أنا لست القاتلة!"
أنس (صارخًا): "كفى! ألم تملّي من الكذب؟!"
نهضت أسمهان من على المقعد، بخطى متعثرة، والدموع تتلألأ في عينيها.
أسمهان: "كل ما فعلته أنني عزفت... لأنني أحببتها! لا أكثر!"
لحظة صمت قاتلة... ثم انفجرت فجأة، وكأنها تنزف الكلمات من أعماق قلبها:
أسمهان (بصرخة): "نعم! أنا القاتلة! أنا من قتله! هل ارتحتم الآن؟!"
يارا (تتنفس بصعوبة): "سمعتم... لقد اعترفت."
ركضت أسمهان فجأة نحو الدرج، تبكي بحرقة، تلتفت كل بضع درجات كأنها تنتظر أن نلحق بها... أو ربما كانت تهرب من الحقيقة.
أنس: "لنلحق بها، بسرعة!"
لكن لم نكد نتحرك، حتى سمعنا صرخة مدوية... صوت ارتطام مروع شق جدران المنزل.
فهد: "يا إلهي...!"
هرعنا نحو الدرج، وما إن وصلنا حتى تجمّدنا في أماكننا.
جثة فادي ملقاة على الدرجة العليا، وجهه جامد ونظراته زجاجية. أما أسمهان... فقد كانت أسفل الدرج، ساقطة، مضرّجة بالدماء، بلا حراك.
ديمة (بصوت خافت): "من... أحضر جثة فادي إلى هنا؟!"
فهد (يحدّق بدهشة): "لقد صعدت قبل قليل... لم تكن هناك!"
ياسر (بصوت منهار): "لقد... ماتت."
يارا (تهمس): "من؟"
ياسر: "أسمهان..."
ساد صمت ثقيل، كأن الزمن توقّف للحظة.
أنس (بصوت مبحوح): "لكن... كيف ماتت؟"
يارا (تحاول لملمة عقلها): "ربما كانت تركض وعيناها مليئة بالدموع ، فلم تنتبه لجثته... تعثّرت وسقطت."
ديمة (بجمود): "مؤسف ما حدث... لكن لا يمكن إنكار أننا ارتحنا منها."
فهد: "لكننا لم نتأكد بعد من أنها القاتلة..."
تحرّكت نحوه بغضب، أمسكت بياقة قميصه وهززته بعنف:
ياسر (غاضبًا): "لم تكن متأكدًا؟! فلماذا لفّقت التهمة؟! هل كنت تلعب؟!"
فهد (ببرودة): "كنت... أريد بعض التسلية."
أفلتُّه، وأنا أشيح بنظري عنه، أرتجف من الغضب.
ياسر (بصوت حاسم): "علينا مغادرة هذه الجزيرة فورًا... لا نريد المزيد من الضحايا."
أنس: "لكن القاتلة ماتت!"
ياسر: " لاشيء يشير على أنها القاتلة .... سأغادر."
يارا (بابتسامة مريرة): "وهل نسيت أنك أخبرت القبطان أن يعود بعد أسبوع؟"
ياسر: "سأتصل به..."
ديمة: "نحن في جزيرة نائية، لا توجد شبكة، ألا تفهم؟"
فجأة، أخرج أنس هاتفه ونظر إليه بذهول:
أنس: "يا إلهي... توجد إشارة!"
فهد (بدهشة): "أأنت جاد؟"
... لكن لم تدم دهشتنا طويلًا.
رنّ هاتف أنس.
أجاب، يده ترتجف، عينيه تتسعان كأنهما ابتلعتا الرعب ذاته.
أنس: "مـ... مرحبًا؟"
الصوت الذي جاء من الطرف الآخر... لم يكن بشريًا.
صوت خشن، مشوّه، كأن آلة صدئة تهمس بكلمات الشؤم.
الصوت: "إستعدوا... فدوركم قادم."
ثم انقطع الخط.
أنس ظل يحدّق في هاتفه كأن دماءه قد جفّت.
فهد (بقلق): "من كان؟"
أنس: "لا... لا أعرف. رقم مجهول."
ياسر: "ماذا قال؟"
أنس (بهمس مرعوب): "قال... أن دورنا قادم."
يارا (بصوت أشبه بأنين): "إن لم تكن أسمهان هي القاتلة... فمن يكون؟"
---
Raven Blake