دورنـا قـادم

دورنـا قـادم

17 0

--

ساد الصمت الثقيل الغرفة، بعدما هدأت العاصفة الكلامية بين الأصدقاء، لكنها لم تُخمِد النار المشتعلة في القلوب.

يارا، بعينين دامعتين، همست وهي تُحدّق في فهد بنظرة كسرت كبرياءه:

"كيف تريدنا أن نصدقك، وأنت مَن لفّقت التُّهم لغيرك؟ لم تستمع لدفاعهم، مع أنك كنت تعلم في أعماقك أنهم أبرياء... بينما أنت، أنت المجرم الحقيقي!"

ديمة قالت وهي تبكي بألم صادق:

"كلامها صحيح... لكن قل لي، لماذا قتلتهم؟ لماذا؟!"

فهد، صوته مبحوح ومختنق بندم ثقيل:

"لم أقتل أحدًا!"

ثم صرخ ياسر فجأة، وقد انفجرت أعصابه:

"توقّفواااا! لقد أصابني صداع من هذا الثرثرة! ألا تستطيعون التوقف عن النقيق كالدجاج؟!"

يارا ردّت بعنفوانٍ وغضب:

"أنت دائمًا ضدنا... دائمًا!"

لكن ياسر استعاد هدوءه فجأة، وقال بنبرة باردة كالماء، حادّة كالسكاكين:

"ألم تلاحظي أنني في كل مرة كنت ضدكم، كنت أبرئ من يستحق البراءة؟ أسمهان... أنس... وربما فهد أيضًا. لكنكم لا تصدقونه، كما لم تصدقوهم."

فهد تنفس بعمق، وأخفض رأسه:

"أنا آسف... آسف لأنني اتهمت غيري ظلمًا. الآن فقط... شعرت بما كانوا يشعرون. لكن صدقوني... لم أقتل أحدًا!"

ديمة انفجرت في بكاء مرير:

"لن أصدقك! لقد قتلت أصدقائي... عائلتي! كيف تطلب مني أن أسامحك؟ كيف؟!"

يارا تمتمت بصوت خافت، متردد، يتأرجح بين الشك واليقين:

"نحن في موقف لا يُحسَد عليه... لا ندري أَنُصدّقك أم نكذبك. ومع ذلك، قلبي يميل إلى تكذيبك... كما قلت، كل الأدلة تشير إليك."

وفجأة، صرخ فهد بصوتٍ انفجر فيه يأس الأيام الماضية:

"افعلوا ما تشاؤون! صدقتموني أو لا... هذا شأنكم! أنا واثق من نفسي! لم أقتل أي أحد!"

ثم ضرب الباب بقوة وصرخ:

"لا تبحثوا عني... أرجوكم!"

انسحب من الغرفة، خطواته تجرّ خلفها ظلًّا ثقيلاً، ووجهه يقطر غضبًا وارتباكًا. دخل إحدى الغرف وأغلق الباب.

وقف هناك في الظلام، ساكنًا، يحاول تنظيم أنفاسه المتقطعة. بعد دقائق، اقترب ببطء من النافذة، أزاح الستائر...

تدفّقت أشعة الشمس الدافئة على وجهه، لكنه لم يشعر بدفئها، بل أغمض عينيه من شدّة الضوء... فتحهما، ثم...

تجمّد!

خارج النافذة، شجرة ضخمة تقف كأنها شاهدة قبر. تتدلّى منها ثلاث جثث متأرجحة كدمى ممزقة: فادي... أسمهان... أنس!

ارتجف جسده، شهق بقوة، ثم ألقى بالستارة بعنف وأسرع إلى الباب، فتحه وصرخ بجنون:

"يااااسر! ياارااا! تعالوا بسرعة!"

ركض الجميع مذعورين إليه.

ياسر: "ما بك يا فهد؟!"

فهد (بصوت يرتجف): "لَـ..لقد..."

لكن صوته قُطع فجأة برنين الهاتف...

ريييييين... ريييييين... رييييييين...

نظر ياسر إلى شاشة الهاتف باستغراب، ثم أجاب ووضعه على مكبّر الصوت دون قصد.

القبطان: "هل هذا ياسر؟"

ياسر: "أجل، ماذا هناك يا حضرة القبطان؟"

القبطان (بتردد): "أعتذر... أظن أنني سأتأخر عن موعدنا بثلاثة أيام أو أكثر..."

ياسر (بدهشة): "ماذا؟ لماذا؟!"

القبطان: "إنها... الظروف. أنا آسف."

شحب وجه فهد ، وتجمدت نظراته ، ثم صرخ:

"لا... لااا... غير معقول! لاااااااااااااا!"

انطلق كالسهم يهبط السلالم ، خرج من المنزل  يعدو بعشوائية، يركض بلا اتجاه محدد. الهواء يصفع وجهه، والدموع تختلط بعرقه.

ظل يركض حتى وصل إلى تلك الشجرة...

اقترب منها بحذر، خطواته بطيئة، لا تكاد تحمل جسده...

وفجأة!

داس على فخٍّ مخفيّ.

الحبال انطلقت بسرعة وثُبتت بإحكام حول عنقه، ارتفع جسده في الهواء، قدماه تتلوّحان، يبحث عن أرضٍ لم تعد موجودة، وعن هواء يلفظه جسده بلا جدوى.

في غضون ثوانٍ...

عاد ذاك الصوت...

المعزوفة...

نفس المعزوفة...

نفس النوتات... نفس اللحن المخيف...

ديمة (تصرخ): "لاااا! لاااااا! ليس ثانية!!"

يارا: "كلنا هنا... إلا فهد... هل هذا يعني...؟!"

ركض ياسر خارج المنزل كالمجنون، يصرخ باسمه، يبحث عنه بجنون. وصلت يارا وديمة خلفه بسرعة.

ثم... توقّف الثلاثة عند سفح الشجرة.

هناك... كان فهد، جسده يتمايل كأرجوحة الموت، وجهه شاحب، بلا حياة.

يارا انفجرت ضاحكة، ضحكة هستيرية تمزّق القلب.

ديمة، لم تحتمل، سقطت على الأرض، وانفجرت في بكاء موجع، صراخها امتزج بصدى المعزوفة.

ياسر وقف مذهولًا، نظر إليهما، ثم همس بحزن:

"لا تخسرن شجاعتكن، يا فتيات..."

ديمة (بصوت مكسور): "لم أعد أحتمل... لا أستطيع الصمود أكثر..."

يارا، بعينين تدمعان، وضحكة مختنقة:

"هل تصدق؟! لقد ماتوا! واحدًا تلو الآخر... ونحن؟! نحن القادمون! نعم... دورنا قاااااااادم!!"

ثم أغمضت عينيها، وبكت.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

معزوفة الموت

المؤلف Raven Blake
2025/10/28 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة