ديمة (بصوت خافت): سأذهب لأستحم قليلًا... ربما أرتاح.
يارا (بنظرة شاحبة): أما أنا، فسأبقى هنا...
ديمة (مبتسمة رغم الارتباك): لا تغادرا المكان... لا أريد أن أبحث عنكما لاحقًا.
نهضت ديمة بخطوات مترددة، كأن شيئًا يُبطئها من الداخل. اتجهت نحو الحمّام، تدندن ببعض الأغنيات القديمة التي تحفظها منذ الطفولة، تحاول أن تتشبث بشيء من الألفة.
أغلقت الباب خلفها، وفتحت الماء. تصاعد البخار شيئًا فشيئًا، غطّى المرآة، وأغشى الزجاج كستار ضبابي. كانت تحاول عبثًا أن تغسل الخوف من جسدها، أن تسمح للماء أن يشطف تلك الظلال المتراكمة في صدرها منذ الليلة الماضية.
لكن اللحظة القادمة... كانت اللحظة الأخيرة.
شعرت بحركة خلفها... أنفاس ساخنة تُلامس رقبتها... قبل أن يدوي الألم المفاجئ كصاعقة في رأسها، قوي، صامت، قاطع.
تأوهت بصوت خافت، ثم تهاوت بلا حول، بلا مقاومة.
ظهر ذلك الظل، بلا ملامح، بلا صوت، بلا رحمة... رفع جسدها بسهولة مخيفة، ثم غمر رأسها في حوض الاستحمام. الماء احتضن شعرها، وابتلع أنفاسها... عيناها بقيتا مفتوحتين، تتوسلان للفراغ.
وفي الخلفية... بدأ صوت المعزوفة مجددًا. تلك النغمة اللعينة، التي صارت إعلانًا للموت.
---
في الأسفل، يارا كانت تشعر بشيء ما... شيء غريب يزحف تحت جلدها.
يارا (بقلق): ياسر... ديمة ليست معنا...
ياسر (بذعر وهو ينهض فجأة): تبًّا... تبًّا... تبًااًااا! ليس مرة أخرى!
اندفع كالمجنون نحو الحمّام. طرق الباب بعنف.
لا مجيب.
طفح الكيل. رفع قدمه، وركل الباب بقوة، فتحه...
وتجمّد في مكانه.
عيناها الواسعتان تحدقان فيه من قاع الحوض، شعرها الأسود يتماوج في الماء، جسدها ساكن كدمية محطّمة.
ياسر (بصوت مخنوق): لقد... فات الأوان...
دخلت يارا خلفه، وما إن رأت المشهد حتى وضعت يدها على فمها، شهقت شهقة طويلة، قبل أن تنهار على ركبتيها، تصرخ وتبكي بحرقة، كما لو أن صدرها انفجر دفعة واحدة.
يارا (منهارة): لااااااا! ديممممممة!!! لا تتركينييييي!
اقتربت منها، هزّت جسدها الغارق، بعيون دامعة ويدين مرتجفتين.
يارا (بهمس مكسور): لقد كنا معها... نحن السبب!
ياسر (بعينين فارغتين): هل من الممكن... أن يكون هناك شخص آخر على الجزيرة؟
يارا (بذهول): هذا... غير معقول إطلاقًا...
ياسر (بصوت مرتجف): أليس غريبًا أن نجد بيتًا نظيفًا، مرتبًا، في جزيرة مهجورة، لا يعيش فيها أحد؟
يارا (تتراجع خطوة): صحيح... لكن كيف لم نرَ هذا الشخص ولو لمرة واحدة؟ لا... لا، لا يوجد أحد غيرنا هنا...
ياسر (يحدق في الفراغ): إذن، من قتلهم؟ لا تقولي إنك أنتِ...
يارا (بصدمة): لا! لست أنا! بل واحد منهم... من المجموعة التي ماتت... أو بالأحرى، تظاهَر بالموت!
ياسر (بسخرية): ماذا؟ أشباح؟!
يارا (بهدوء غريب): لا... قرأت في رواية عن قاتل تظاهر بأنه قُتل، ثم بدأ يقتل الآخرين واحدًا تلو الآخر.
ياسر (بعصبية): يارا، هذه رواية! من الخيال! أنا رأيتهم... معلّقين فوق الشجرة! هل جننتِ؟
يارا (بصوت حاد): هل تظنني مجنونة، يا ياسر؟
أخذت نفسًا عميقًا، أغمضت عينيها، ثم قالت بصوت مخنوق:
يارا: حسنًا... نعم، أنا مجنونة. لأن أصدقائي جميعهم ماتوا! وأنا... أنا أنتظر دوري! وحتى أنت، صديقي الأخير... لا تصدقني!
ياسر (بتنهيدة): افهميني... لا أستطيع تصديق أن الجثث التي رأيتها بنفسي، كانت مجرد تمثيلية.
يارا (بصوت خافت): ليسوا جميعهم... واحد فقط!
كان الصمت الذي تلا كلماتها أكثر رعبًا من أي صراخ.
حمل ياسر جثة ديمة، بصمت، وكأن قلبه ينزف، ومضى بها إلى إحدى الغرف. وضعها على السرير، وغطّاها بملاءة بيضاء، كما لو كان يُدفن جزءًا من قلبه.
عاد إلى يارا، فوجدها ترتجف في الزاوية.
يارا (بهمس متقطع): لماذا... تركتني وحدي؟ ألم أقل لك... أن هناك جثة ما زالت على قيد الحياة؟
ياسر (منفجرًا): توقفي! أرجوكِ توقفي! لا أستطيع احتمال المزيد! هذه الترهات تفتك برأسي!
يارا (مكسورة تمامًا): أأنا... في ال... ال...
ثم انهارت باكية، بكاءً حادًا، صادقًا، دامعًا، كأن كل ما فيها انكسر دفعة واحدة.
يارا (بأنين): لم أقصد... أن أزعجك... أهه... أهه...
ياسر (يتنهد بندم): أنا آسف، يارا...
يارا (بصوت متهدج): لا، لا، لااااا... لن أزعجك مجددًا!
اندفعت فجأة نحو الخارج، تركض، تتعثر، تفتح الباب، وتختفي في ظلمة الليل.
ركضتُ خلفها، لكنها كانت أسرع... حتى وصلت إلى الشاطئ، وجلست على الرمال، احتضنت ركبتيها، وانكمشت على نفسها.
راقبتها من بعيد، شعرت أن شيئًا ما فيها انكسر، ولن يُصلح.
وقفت بعد لحظات، اقتربت من البحر، بللت قدميها، ثم بدأت تلاعب الأمواج الصغيرة، كأنها تهرب من موتٍ لا يُرى.
اقتربتُ منها بصمت... وشاركتها تلك اللحظة.
جلسنا بصمت، حتى غرقت الشمس في الأفق، تاركة السماء بلون الدم، وكأنها تنعى أرواحًا ضاعت للأبد.
عدنا إلى المنزل.
صعدت إلى غرفتي، استحممت، ارتديت ملابسي، ثم نزلت.
يارا صعدت من بعدي، فعلت الشيء نفسه.
جهزتُ العشاء، وأعدّت يارا الطاولة.
تناولنا الطعام بصمت... صمت ثقيل، كأنه الموت ذاته يجلس معنا.
وحين انتهينا... صعدتُ إلى غرفتي.
أما يارا، فظلّت تحدّق في عقارب الساعة... حتى غفت عيناها بهدوء.
---------
في الصباح، استيقظت يارا مفزوعة، وقد تناهى إلى مسامعها صوتُ حركةٍ خفيفة... فتحت عينيها بتوجس، ثم جلست ببطء وهي تلتقط مزهريةً زجاجية كانت قرب الأريكة. أخذت نفسًا عميقًا، جمعت شجاعتها، وبدأت تمشي بخفة، تتلفّت خلفها بين الحين والآخر.
Raven Blake