الـعـدو كـان بـيـنـنـا !

الـعـدو كـان بـيـنـنـا !

16 0

كان البحر ساكنًا تلك الليلة، لكن السكون لم يكن سلامًا... بل كمينًا.

وقف ياسر على الرمال الرطبة، يتقدّم نحو كوخ مهجور، مصباحه اليدوي يُلقي بظلال مرتعشة على الجدران المتآكلة. قلبه ينبض بثقل، وجسده يتقدم بخطى ثابتة، لكن داخله كان يغلي... خليط من الألم، الغضب، والحقيقة التي لم يعد بالإمكان دفنها.

ياسر (بهدوء يحمل داخله العاصفة): مرحبًا... يا حضرة القبطان.

استدار القبطان ببطء، وعيناه تلمعان بخبثٍ متلذذ، وابتسامة مكرٍ ترتسم على وجهه.

القبطان: أهلاً ياسر... لماذا أتيت وحدك؟ أين البقية؟

ياسر: اسأل نفسك.

القبطان (ضاحكًا): أتمزح معي؟

ياسر: لست في مزاجٍ للمزاح.

القبطان: إذًا... أين هم؟

ياسر (بهدوء ساخر): اسأل نفسك.

القبطان (بغضب): أنا لا ألعب معك أيها الشاب!

ياسر (بثبات): أأنساك الخوفُ اسمي؟

القبطان (بارتياب): أي خوف؟

ياسر: أنت خائف... خائف من أن أكتشف حقيقتك. لكنني عرفتها منذ زمن، يا قاتل.

القبطان (متصنّعًا الدهشة): قاتل؟ أنا؟

ياسر: أجل. أنت القاتل.

القبطان (ساخرًا): هه، أرني دليلاً واحدًا يدينني.

ياسر: تتذكر عندما اتصلتُ بفهد؟ لم يمض وقت طويل حتى اتصلتَ أنت بي، وضغطتَ على زر مكبر الصوت. حينها، كانت ردة فعل فهد غير متوقعة. لم تكن مجرد انفعال لأنك أخبرته أنك ستتأخر أسبوعًا... بل كانت صدمته تلك لأنه سمع نفس الصوت الذي هدده بالقتل. فهد معروف بتحكمه بأعصابه، ورده حينها لم يكن طبيعيًا.

القبطان: أهذا دليلك؟ أهذا سبب كافٍ لتتهمني، أيها الأحمق؟

ياسر (بهدوء): لم أنهِ حديثي بعد.

القبطان (متحديًا): أرِني ما لديك إذًا.

ياسر: حين أتت النجدة، رأيتك تختبئ خلف شجرة قريبة. لم أُعر الأمر اهتمامًا وقتها، ظننتك جئت معهم. لكن حين غادروا، أنت بقيت. شيء لم يطمئنني... لكنه لم يكن كافيًا. فضّلت أن أخفي الأمر عن الفتيات حتى لا أخيفهن.

(يصمت قليلًا ثم يُخرج شيئًا من جيبه)

ياسر: ثم... قُتلت ديمة. ووجدت هذه في الحمّام.

(يرمي القبعة باتجاه القبطان)

ياسر: يبدو أنك أسقطتها أثناء ارتباكك، حين ضربتها. ولحُسن حظي، ولسوء حظك، أنك لم تلاحظ فقدانها.

ضرب القبطان جبهته بكفه في لحظة غضب، ثم رفع عينيه نحو ياسر، فالتقت نظراتهما. ياسر كان ثابتًا، عينيه لا تعرفان الخوف، فقط يقين بانتقام قادم.

ثم فجأة ....

انفجر القبطان ضاحكا :  ههه... هههههه... هههههههههه!

أمسك بطنه من شدة الضحك، ودموع ساخرة تسيل من عينيه.

ياسر (بهدوء): هل قلت شيئًا مضحكًا؟

القبطان: لا، كلامك منطقي تمامًا... لكنني أضحك عليك، يا بني. أضحك على نهايتك.

وفي لمح البصر، أخرج القبطان مسدسًا، وأطلق رصاصة أصابت كتف ياسر.

سقط ياسر أرضًا وهو يمسك جرحه، الدماء تتسرب من بين أصابعه، والألم يلسع جسده كلسعة نارٍ خامدة أُشعلت من جديد.

القبطان (ساخرًا): انتهت المسرحية.

ياسر (بصوت متقطع من الألم): هل تظن... أنني أنهيت حديثي؟

القبطان (متفاجئ): لا يزال لديك شيء لتقوله؟

ياسر: حين كنت تتحدث مع يارا... كنتُ قد اتصلت بالشرطة. وسفينتهم... وراء سفينتك مباشرة.

استدار القبطان سريعًا نحو البحر... يبحث بعينيه عن سفينة الشرطة

وفي تلك اللحظة، اغتنم ياسر الفرصة، التقط حجرًا كبيرًا، وضربه بقوة على رأسه.

سقط القبطان أرضًا مغشيًا عليه، بينما اقترب منه ياسر مترنحًا، وانتزع منه السلاح، ووضعه في جيبه. ثم جلس على إحدى الصخور، ينزف، ينتظر.

---

مرّت ساعة ثقيلة.

كانت السماء قد بدأت تبكي مطرًا خفيفًا، والموج يهمس بأسرارٍ دفينة.

أخيرًا، وصلت الشرطة.

حملوا جثة يارا وديمة ، وقيدوا القبطان، وأجروا الإجراءات اللازمة... بينما بقي ياسر جالسًا، يحدق في البحر بعينين شاردتين، تغلفهما الظلال.

تقدّم نحوه شرطي شاب، مَدّ يده مصافحًا:

سامي: مرحبًا، أنا سامي. شرطي جديد في المدينة. سررت بلقائك.

ابتسم ياسر ابتسامة حزينة، وصافحه بصمت، ثم عاد بصره إلى البحر، حيث سُفنه الغارقة وأصدقاؤه الراحلون.

سامي (بتعاطف): أعلم أنك مررت بجحيم، فقدت أصدقاءك... لكنك قبضت على القاتل، أنقذت المزيد من الضحايا.

ياسر (بصوت منخفض): لكنني لم أستطع حمايتهم...

وضع سامي يده على كتف ياسر مواسيًا، فارتسمت على وجه ياسر تعبيرات ألمٍ مفاجئ.

ياسر (ببحة ألم): أبعد يدك... أرجوك.

---------

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

معزوفة الموت

المؤلف Raven Blake
2025/10/28 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة