وعـدتـك بـأنـنـي سـأحـمـيكِ لـكـنـنـي تـأخـرت

وعـدتـك بـأنـنـي سـأحـمـيكِ لـكـنـنـي تـأخـرت

13 0

---

صرختُ بدهشة وقد اتسعت عيناي:

– ماذا؟! هل جننتِ يا يارا؟

نظرت إليّ بعينين جافتين من الحياة، وقالت بنبرة باردة تخفي خلفها إعصارًا من الألم:

– لا، لم أجن. أنا بكامل قواي العقلية، لكن يجب علينا الموت... أنا وأنت. علينا اللحاق بالبقية.

وقبل أن أستوعب ما قالت، مدت يدها والتقطت سكينًا من فوق الطاولة.

صرخت بها سريعًا، محاولًا أن أبدو هادئًا رغم رعشة الخوف التي سرت في جسدي:

– ضعي السكين مكانها، يارا... لا تتهوري.

ضحكت بسخرية خافتة، أقرب للبكاء منها للضحك:

– الموت أفضل من أن أبقى هنا وأعيش كابوسًا لا نهاية له... أريد أن أرتاح، أن أكون مع أصدقائي.

نهضت بغضب مكتوم، اتجهت نحوها وانتزعت السكين من يدها بعنف، ثم صفعتها دون تفكير.

تراجعت قليلًا، وضعت يدها على خدها المحمر، ثم انفجرت بالبكاء.

– دعني! دعني، أريد الموت! دعنييييي!!

تقدمت خطوة منها، وأنا أضغط على أسناني محاولًا ضبط نفسي:

– اصمتي! أغلقي فمك... لا أريد سماع هذا الهراء! تقولين إنك تريدين الموت؟ أنا أقاتل للبقاء، لأحميك، وأنت تفكرين بقتلي وقتل نفسك؟

صرخت وهي تبتعد عني:

– إن كنت تريد البقاء فابقَ، أما أنا... فقد انتهيت، يا ياسر، لا أريد هذا العذاب.

أغمضت عيني، وأخذت أتنفس بعمق، أبحث عن ذرة هدوء وسط هذا الجنون.

– يارا، لا تدفعيني لفقدان أعصابي بالكامل. إما أن تصمتي... أو سأضطر للتعامل معك بطريقة مختلفة.

سكتت للحظة، ثم نظرت إلي نظرة خائفة ومترقبة:

– ياسر... هل يمكن أن تكون أنت القاتل الذي كنت أخشاه طوال الوقت؟

أجبتها ببرود قاتل:

– لا... لست أنا.

صرخت بصوت مرتجف:

– لكننا فتشنا الجزيرة كلها في اليوم الأول، ولم نجد أحدًا سوانا! من غيرنا يمكنه قتل أصدقائنا؟

قلت وأنا أحاول البقاء منطقيًا:

– ربما كان مختبئًا في أحد الكهوف... أو ربما كان هنا منذ البداية.

هزّت رأسها نافيًة:

– لا، لقد فتشت المنزل بنفسي... أنا واثقة أنني لست القاتلة، لكنك... أنت، لم أستطع التأكد بعد.

نظرت إليها بثبات:

– ألم أكن معك حين ماتت ديمة؟

ردت بتساؤل صادم:

– ربما استأجرت أحد الذين جاءوا لإنقاذنا، وجعلته يقتلها، لتبعد الشبهات عنك!

صرخت بحدة، وقد نفد صبري تمامًا:

– هل تناولت شيئًا؟ أقراصًا، مهلوسات، أي شيء؟!

صرخت كمن تتوسل التصديق:

– لا! لا، أنا طبيعية... لكن إن تأكدت أنك القاتل، فقد أفقد صوابي حقًا!

صرخت في وجهها وقد بدأ الغضب يتملكني:

– بل أنا من سيفقد صوابه من هذه الترهات! كنتِ طبيعية منذ لحظات، فما الذي حدث لك؟!

خفضت رأسها فجأة، وقالت بصوت متعب:

– سأذهب لأرتاح في غرفتي...

تقدمت نحوها مجددًا:

– ألم أقل لكِ أن القاتل لا يزال طليقًا؟!

قالت وهي تلتفت ناحيتي بنظرة مثقلة باليأس:

– وأخبرتك... هذه وجهة نظري.

صعدت يارا إلى غرفتها ببطء، كأنها تجرّ خطواتها.

أما أنا، فبقيت وحدي وسط العتمة، أتنقل بين أروقة هذا المكان اللعين... أستكشف، أبحث، أحاول أن أربط الخيوط المبعثرة... علّني أصل إلى الحقيقة... قبل أن يُسدل الستار على حياتي أيضًا.

---

في عمق الليل، وبينما ساد سكون ثقيل المكان، استيقظت يارا على وقع حركة خافتة داخل غرفتها... فتحت عينيها ببطء، كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء باهت يتسلل من النافذة.

يارا (بصوت خافت): ياسر؟ هل هذا أنت؟

لم يصلها أي رد، فقط صوت خطوات تتجه نحو الباب... ثم "كليك"، صوت القفل يُدار، والمفتاح يُسحب ببطء.

يارا (بقلق متصاعد): ياسر... لا تُخِفني، ماذا تريد؟

الصمت يخيّم من جديد.

نهضت من سريرها بتردد، تتحسس طريقها، تبحث عن مصدر الصوت. قلبها ينبض كطبول الحرب، والخوف يتسلل إلى أعماقها كالدخان.

يارا (بصوت متردد): أنا آسفة... لما قلتُه صباحًا. كانت نفسيتي متعبة، لم أقصد شيئًا مما تفوّهت به...

ما زال الصمت يُطبق على الغرفة.

يارا (بهمس مرتجف): هل... أنت غاضب؟ لهذه الدرجة؟

وفجأة... جاءها الصوت من خلفها مباشرة، ذلك الصوت المبحوح الخشن الذي لن تنساه:

؟؟؟ (ببرود مخيف): ألم أقل لكِ... أن دورك آتٍ؟

تصلبت أطرافها، وسرت في جسدها قشعريرة قاتلة... لم تجرؤ على الالتفات. شُلّ لسانها، وجمدت قدماها.

؟؟؟ (متهكمًا): ما بكِ؟ أأكلَ القط لسانك؟ لا بأس... لقد انتهى كل شيء الآن.

يارا (مرتجفة): لا... لا تقتلني... أرجوك...

لم تُكمل جملتها.

طعنة!

صرخت يارا صرخة طويلة مفزعة حين اخترقت السكين ظهرها. سقط جسدها على الأرض كدمية مكسورة، وارتطم رأسها بحافة السرير. لم تصدر بعدها أي صوت... فقط سكونٌ ثقيل، ودم يسيل ببطء على الأرض الخشبية الباردة.

الشخص الغامض خرج مسرعًا من النافذة، ليصدح بعده مباشرة صوت المعزوفة...

---

ياسر:

في تلك اللحظة، كان ياسر جالسًا في الصالة، حين دوّت تلك النغمة المألوفة.

تجمّد الدم في عروقه.

نهض فزعًا، قطرات العرق تنساب من جبينه، تسارع أنفاسه.

ياسر (بهمس): يارا...

ركض إلى غرفتها وهو يلهج بالدعاء، قلبه يسبق خطواته. حاول فتح الباب... مغلق!

بدأ يضرب الباب بعنف.

ياسر: يارا!! افتحي! يارااا!!

ضربه بكل قوته حتى انكسر القفل. فتح الباب... ودخل.

ضوء القمر كان الوحيد الذي أنار الغرفة، ومن خلاله رأى جسد يارا ملقى على الأرض، ساكن لا يتحرك.

اقترب منها وهو يلهث، انحنى يفحصها...

لكنها كانت قد فارقت الحياة.

صرخ ياسر بقهر، ثم ركض إلى النافذة... رأى آثار حذاء موحل على الحافة. نظر إلى الخارج، إلى تلك الشجرة القريبة التي يمكن استخدامها للنزول من النافذة.

ياسر (بغضب مكتوم): هرب من هنا...

قفز إلى الشجرة، وبدأ يهبط بسرعة، يتتبع الآثار، يركض في أرجاء الجزيرة بجنون، يبحث، يصرخ، يدور، يتعثر، لكنه لم يتوقف حتى...

وأخيرًا...

توقفت خطواته، وابتسم بتعب وهو يلهث:

ياسر (بصوت مرتفع): مرحبًا... يا **********

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

معزوفة الموت

المؤلف Raven Blake
2025/10/28 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة