وهـم الـنـجـاة

وهـم الـنـجـاة

18 0

---

ظللت أفكر… وأفكر… وأفكر.

أبحث في زوايا ذهني عن مخرج، عن خيط نجاة أتشبث به وسط هذا الجحيم الذي وجدنا أنفسنا فيه. لكن عقلي بدا وكأنه أصيب بالشلل. صدمةٌ غلفته بالصمت، جمدت داخله كل منطق، وكل حيلة.

نظرت إلى "يارا" و"ديمة"، كانتا كتمثالين هشّين أوشك الريح أن يفتتهما. جلستا على الأرض، ملتصقتين ببعضهما البعض، وعيونهما معلّقة بالفراغ.

مددت يدي إليهما، وضعت كفّي برفق على كتفيهما المرتجفين، ربتُّ بلين، ثم تمتمت:

– هيا، انهضا…

لكن لا حياة لمن تنادي.

كأن أقدامهما التصقت بالأرض… أو أن خوفهما استحال إلى سلاسل تشلّهما عن الحركة.

زفرت بفتور، ثم نطقت ببرود:

– سأعود إلى المنزل… أنتما، ابقيا هنا… مع الجثث.

استدرت بهدوء، بخطى مثقلة، لا أملك طاقةً للجدال. لم أبتعد كثيرًا، حتى سمعت وقع أقدام خلفي. التفتُ، وإذا بهما تتبعاني في صمت. نظراتهما ترجوان الرفقة، وكأن مجرد بقائهما في هذا المكان وحدهما سيسلبهما ما تبقى من وعي.

دخلنا المنزل. عمّ الصمت المكان، صمتٌ كثيف، ثقيل، حتى كأن الجدران تهمس به.

نظرت إليهما، ثم قلت بلهجة حازمة:

– لن نفترق بعد الآن… يجب أن نبقى معًا.

همست "ديمة"، صوتها مبحوح، تكاد لا تُسمَع:

– أرجوك… احمِنا يا ياسر… لا نريد أن نموت…

أضافت "يارا" وهي ترتجف:

– خبئنا… أي مكان… فقط لا تتركنا وحدنا…

أومأت برأسي، وصعدت معهما إلى غرفتي. فتحت الباب، أشرت لهما بالدخول. ولجتا الغرفة بسرعة، وكأن ذئبًا يطاردهما من الخلف. جلستا على سريري، وانفجرتا في البكاء من جديد.

أما أنا… فجلست على الأرض، مستندًا إلى الجدار، ثم أخرجت سمّاعات هاتفي، وشغّلت شيئًا من الموسيقى… أي شيء يمكنه أن يهدّئ من جنون أفكاري. أغمضت عيني… وأحسست بثقل النوم يسحبني… لم تكن أكثر من ساعة، لكنها مرّت كأنها لحظة.

فجأة…

– ياسر… ياسر… استيقظ!

فتحت عينيّ ببطء، كان وجهها مبللًا بالدموع، شاحبًا، والرعب يملأ ملامحهما. نزعت يارا السماعات من أذني، وأمرتني بالإنصات.

صمتّ... صمتٌ ثقيل ملأ الغرفة.

سمعت ما لم أكن أتمنى سماعه...

خطوات.

وصوت فتح أبواب.

بل... صوت عزف، خافت، كأنما من بعيد... على آلة بيانو.

أمرت الفتاتين بعدم إصدار أي صوت، توجهت نحو الباب بخفة، وضعت أذني عليه... وتأكدت.

نعم، هناك خطوات، أقرب فأقرب.

فجأة، تحركت ديمة متجهة نحو الباب، غير منتبهة إلى المزهرية الموضوعة على الطاولة... ارتطمت بها، فسقطت وتكسرت.

طراااخ!

شهقتا بقوة... وارتفعت شهقاتهما مع صوت الأقدام المتسارعة نحونا.

كنت مستعدًا، قبضتا يدي مشدودتان، جسدي متأهب لأي هجوم.

المقبض... بدأ يتحرك.

ثم... طرقٌ قويّ على الباب!

دُمدُمدُمدُمدُم!

لم تحتمل يارا وديمة الموقف، فسقطتا مغشيًا عليهما، الواحدة تلو الأخرى.

صمت... ثم اختفى الصوت.

عادت الخطوات أدراجها، بهدوء غريب.

اقتربت من الفتاتين، أيقظتهما بلطف. وحين استعادتا وعيهما، انفجرتا بالبكاء من جديد.

يارا (بصوت متهدج): هذا يعني... أن هناك شخصًا آخر... معنا على الجزيرة!

نهضت، اقتربت من النافذة، وسحبت الستار قليلًا…

شهقت!

رأيتهم.

رجالٌ بقمصان بيضاء، مكتوبٌ عليها بخط أزرق: "المساعدة".

صرخت:

– النجدة! كانت هنا! كانت هنا!

"يارا" بذهول:

– النجدة؟!

– نعم، رأيتهم… لكنهم يبتعدون… إنهم يرحلون الآن!

هرعنا جميعًا نحو الباب، ركضنا بجنون، قفزنا على السلالم، واندفعنا إلى المدخل.

لكن…

كان الباب… مقفلاً!

بدأت "يارا" و"ديمة" بالصراخ، الطرق، الركل، البكاء.

صرخت "ديمة" بندم:

– كان علينا فتح الباب حين طرقوه!

قالت "يارا" بأسى:

– جبننا… خوفنا… منعنا من النجاة.

همستُ وأنا أحدّق بالباب:

– لم أكن أتوقع أن يأتي أحد أصلاً…

تنهدت "ديمة" وقالت:

– إذًا… لا يوجد أحد على الجزيرة…

"يارا" برعب:

– نعم… لا أحد هنا… سوانا.

عدتُ إلى الداخل، وجلست على أحد الكراسي. وضعت رأسي بين يديّ… وكأن وزنه صار أثقل من أن يُحتمل.

تمتمت:

– لقد أخذوا الجثث… وغادروا… لكن… كيف عرفوا بوجودنا؟ ومن فتح لهم الباب؟ ولماذا هو مغلق الآن؟

"ديمة" بقلق:

– هذا غريب… هذا… ليس طبيعيًا!

اقتربت "يارا"، أمسكت يدي وقالت برجاء:

– ياسر… أرجوك… احمنا. فقط احمنا…

نظرت إليها بهدوء، ثم قلت:

– بشرط… أن تتوقفا عن الصراخ والعويل.

أومأتا معًا، ودموعهما تلمع في العتمة، كطفلتين تبحثان عن الأمان.

جلستا على الأرض، وانكمشتا على نفسيهما بصمت.

وانتشر الحزن في الغرفة، كما ينتشر الدخان… بطيئًا، خانقًا، بلا صوت.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

معزوفة الموت

المؤلف Raven Blake
2025/10/28 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة