السماء كانت تمطر، كما لو أن لندن قررت أن تغسل شوارعها من كل الأسرار… لكن بعضها لا يُغسل، لا يُمحى.
كانت نتاليا تسير بخطى سريعة على رصيف ناصية شارع مزدحم، معطفها الطويل يصفّر مع الريح، وشعرها الأبيض منسدل فوق كتفيها… نظراتها حادة، كأنها تعلم أن أحدهم يلاحقها.
وفجأة…
صوت مألوف اخترق ضجيج المدينة:
— "إلى أين تفرّين هذه المرة؟"
تجمدت خطواتها… ببطء استدارت.
كان مارت يقف أمامها، مبللاً بالمطر، نظراته ممتلئة بالغضب والخذلان معًا.
— "أجبتِ على رسالة واحدة ثم اختفيتِ؟! أهذه طريقتك؟!"
قالها وهو يقترب، ووجهه لا يخفي توتره.
أجابت بصوت بارد:
— "أنا لا أفرّ… فقط أتحرك حين يتوقف الوقت في المكان الخطأ."
ضحك مارت بسخرية:
— "حتى الآن ما زلتِ تتكلمين بالألغاز؟ من أنتِ حقًا يا نتاليا؟"
صمتت، ولم تُجب.
اقترب أكثر، وقبض على معصمها بقوة:
— "توقفي عن التلاعب. هناك من يراقبكِ. هناك من يبحث عنكِ. وأنا واحد منهم."
سحبت يدها بعنف، وصاحت:
— "لا تلمسني!"
المارة التفتوا إليهما، لكنهما لم يهتما.
كان المكان مكتظًا، لكن العالم كله تقلص بينهما فقط.
أضافت وهي تقترب منه وجهًا لوجه:
— "أنت لا تعرف شيئًا عني، ولا عن الأسباب التي دفعتني للمغادرة. لا تقترب أكثر، مارت… وإلا لن تكون هذه المدينة ملاذًا لك."
— "تهددينني؟"
همس بها مارت، لكن عيناه كانتا ترجوان فهمًا.
— "أحذّرك."
قالتها بكل هدوء، لكنها كانت كالسيف.
التفتت وابتعدت، لكنه لحق بها.
فجأة، اصطدمت بسيارة متوقفة بجانب الطريق… التفتت لتدفعه عنها، لكنه أمسك بكتفيها بقوة هذه المرة.
— "أنا فقط أريد أن أفهم، نتاليا!"
صوته كان متحشرجًا.
نظرت إليه، بعينين من نار وشتاء، وقالت بهدوء:
— "كلما اقتربت… احترقت، مارت."
ثم تركته واقفًا وسط الشارع، بين ضجيج المطر وأضواء المدينة، قلبه مشقوق كرصيفٍ قديم… لا يعلم أنه يقف أمام رماد امرأة كانت يومًا… نارًا تحرق العالم.
_________يتبع _______
🦋_chaima _and _rima_🦋
Chaima Boulhraouat