في صباح اليوم التالي،
استيقظت "نتاليا" قبل الفجر.
لم يكن في جسدها تعب،
لكن شيئًا في داخلها أبى النوم.
ربما كانت تلك الآية،
أو نظرة مارت الهادئة،
أو لعلّه الصمت الذي لم تعهده منذ زمن بعيد…
**
وقفت على شرفة جناحها،
المدينة غارقة في السكون،
والسماء توشك على الاحمرار.
لكن قلبها… كان ينبض بضجيج لا يُسمع.
**
أمسكت بالعقد من جديد،
وأطالت النظر إلى الكلمات:
> "إن مع العسر يُسرًا"
ثم تمتمت:
– كيف لجملةٍ بسيطة… أن تثير هذا الصدع في قلبي؟
**
في التاسعة صباحًا،
كان من المفترض أن تحضر مأدبة رسمية مع شركاء المشروع،
لكنها انسحبت بهدوء.
أرسلت رسالة مقتضبة:
> "أعتذر، ظروفٌ شخصية طارئة."
**
استقلّت سيارتها الخاصة، دون حراسة أو مرافقة.
ثم قالت للسائق:
– خذني إلى مكانٍ هادئ… أيّ مسجدٍ قريب.
ارتبك السائق قليلاً، لكنه أطاع الأمر دون نقاش.
**
لم تكن نتاليا مسلمة،
ولم تكن يومًا عدوّةً للدين.
لكنها لم تتورط من قبل في فكرة "الإيمان".
**
وصلت إلى مسجد صغير، يختبئ بين الأشجار.
كان أبيض الجدران، بسيط البناء.
خلعت حذاءها، ودخلت بخطى مترددة.
الداخل هادئ،
امرأة مسنّة تنظف السجاد،
وبضعة أطفال يتهامسون بعيدًا.
**
جلست "نتاليا" في الزاوية.
كانت تشعر كأنها غريبة…
لكن الغرابة لم تكن ثقيلة،
بل مريحة، عجيبة… ومربكة.
**
اقتربت منها المرأة العجوز، بابتسامة وادعة.
جلست بجانبها وقالت برقة:
– أوّل مرة تأتين إلى هنا، أليس كذلك يا ابنتي؟
رفعت نتاليا عينيها إليها، ثم همست:
– نعم… أول مرة أحاول الاستماع إلى صوتي.
**
ضحكت العجوز بخفة،
وربتت على يدها قائلة:
– إن سكتّ طويلاً، خُنق صوتك… لكنه لا يموت.
ثم نهضت ومضت بهدوء.
**
تنهدت "نتاليا"،
ثم همست وكأنها تعترف لأول مرة:
– تعبتُ من كوني شيئًا… لا يُشبهني.
**
وفجأة… دخلت طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها العاشرة.
جلست غير بعيد عنها، ونظرت إليها ببراءة وقالت:
– شعركِ أبيض!… كالقمر تمامًا!
ضحكت "نتاليا"،
ضحكة خفيفة، صادقة،
لم تعرفها منذ زمن بعيد.
ثم سألت الطفلة:
– هل تحبين القمر؟
– كثيرًا! لأنه لا يخاف من الظلام.
**
أحسّت "نتاليا" بشيء ينزلق من عينيها…
دمعةٌ خجولة، تبعتها أخرى.
لم تبكِ من الضعف، بل من شيءٍ أعمق…
من صوتٍ قديمٍ في داخلها… يعود.
**
ظنّت "نتاليا" أنها تغيّرت.
ظنّت أن "أريانا" قد ماتت.
لكن الحقيقة؟
أن أريانا لم تمت.
بل اختبأت… تنتظر من يناديها بصدق.
**
وفي جهةٍ أخرى من المدينة،
كان "مارت" يتلقّى رسالة منها:
> "أودّ زيارة مركز الأيتام الأول… بنفسي.
أريد أن أرى… لمن نبني هذا النور."
______يتبع _______
🦋 chaima_and_rima 🦋
Chaima Boulhraouat