لم يكفّ سراج عن استدعاء "الصامت" من وقتٍ لآخر، وكأن الأمل نفسه قد تَعَلّق في عنقه كسلسلة لا يعرف كيف يخلعها.
كان ينتظر كلمة… إشارة… أي شيء، ليُمسك بخيط الأمل الأخير.
لكن في كل مرة، تتحطم آماله كمرآةٍ قديمة، وتتهشم إلى شظايا تغرس نفسها في قلبه.
وعندما استدعاه هذه المرة، ظهر الصامت بملامح لا تخفى على أحد؛ ضيق شديد، نفاد صبرٍ بات واضحًا…
كان وجهه لا يزال صارمًا، لكن البرود المعتاد اختفى. بات مخنوقًا… على وشك الانفجار.
علم سراج أن لا جديد سيُقال، وبدلًا من الحديث، خرّ على ركبتيه يلعن حظّه، ينوح على مصيرٍ أسود ينتظره.
"اليوم الأول من المهلة انقضى بالفعل… وتبقى فقط أربعة أيام!
أربعة أيام حتى يرى ما لم تره عينٌ من قبل من الأهوال!"
*****
أما في الأعلى، فقد هدأت حرارة رعد أخيرًا، وتسللت راحة خفيفة إلى قلب ليان، وكأن نبضها بدأ يهدأ بعد عاصفة طويلة.
نظرت إليه، فرأته يحدق بها بصمت، قبل أن يقول بنبرة خافتة مشوبة بشيء من المرح:
"بما أننا بدأنا نوزع الألقاب، إن كنا سننادي بعضنا بألقاب… فبماذا ستنادينني أنتِ؟"
ثم أكمل قبل أن ترد:
"أنا سأناديكِ: ذات العينين العسليتين."
احمرّ وجهها خجلًا، وسكتت لثوانٍ وهي تفكر، قبل أن ترد بصوتٍ ناعم أقرب للهمس:
"صدقني… ليس هروبًا من الإجابة.
لكن ما فيك من ألقاب لا يوصف بكلمة واحدة…
الشّهامة، الشجاعة، الرقة، والرجولة…
كل شيء فيك متوازن، وكأنك خلطة لا تُعاد."
صمتت لحظة، ووجهها يزداد احمرارًا، ثم أشاحت بنظرها عنه وقالت:
"لكن… إن كان بإمكاني أن ألقّبك، فسأقول…"
نظرت إلى الأرض وهي تتنفس ببطء، قبل أن تهمس بخجلٍ دافئ:
"…عم رعد."
ثم انفجرت ضاحكة قبل أن تكمل:
"أمزح… فسيكون لقبي لك: حبيبي."
*****
احمرّ وجه سراج، لا خجلًا بل غضبًا محمومًا، كأن الدم قد استُبدل في عروقه بنارٍ تغلي.
ظلّ يراقب الأحداث، يلاحق الأثر خلف الأثر… لا جديد!
قلبوا منزل رعد رأسًا على عقب، لم يتركوا زاويةً إلا وفتشوها، ولا ركنًا إلا ونبشوه. حتى الورشة… وحتى الشقة التي استأجرها لليان!
كأنهما قد تبخّرا… صارا جزءًا من الضباب… أو انصهرا في غيمٍ لا يُمسك.
أطلق صرخةً دوّت في المكان كالرعد… صرخة كادت تشقّ الجدران وتوقظ الموتى.
قال وهو يضغط على أسنانه بقهرٍ يكاد يُقطّعه:
"أقسم… يا رعد اللعين… إن وجدتك فقط…
سأجعلك تتذوق الجحيم نفسه، بكل ألوانه!"
*****
وعلى الجهة الأخرى…
احمرّ وجه رعد، لا غضبًا، بل خجلًا صافياً من اعترافٍ فاجأه بكل كيانه:
"حبيبي؟! أهذا حقًا ما تشعر به نحوي؟!"
شعر بدفءٍ غريب يتسلل إلى صدره، كأن اعترافها كان شمسًا صغيرة أضاءت عتمته.
أما ليان، فقد كانت تراقب ملامحه بنظراتٍ خجولة، تارة تبتسم، وتارة تغضّ بصرها كأنها ندمت على الإفصاح.
لكن، وكالعادة، لا شيء يكتمل…
"أنتما…"
جاء الصوت من عند الباب، خافتًا، لكنه كان كافيًا ليوقظهما من لحظتهما السحرية.
ذا اللثام الأحمر اقترب من الغرفة، وصوته يحمل خليطًا ساخرًا من الشماتة واللؤم.
"آه يا أهالاهي… يبدو أنني أتيت في وقتٍ غير مناسب، ها؟"
قالها بابتسامة مستفزة من خلف لثامه، بينما عبس رعد وأطلقت ليان تنهيدة عميقة وهي تهمس:
"أقسم أن كل ما يحمل اللون الأحمر صار يثير أعصابي!"
رمقها رعد بنظرة تفهم، لكنه أخفى ابتسامة على مضض.
نظرت ليان إلى ذا اللثام الأحمر ورفعت حاجبيها باستفزاز:
"ربما فقط لأنك لا تجد 'ذات اللثام الوردي' التي تؤنس وحدتك، قررت أن تطبّق فلسفة: إن لم تستطع إسعاد نفسك… عكر مزاج الآخرين!"
نظر إليها باستنكار، وقال بنبرة جادة:
"وما أدراكِ مثلًا؟"
أجابت بمكرٍ وهي تميل برأسها:
"إذاً… أنت متزوج؟!"
ضحك رعد بخفوت وهو يرى كيف تتلاعب ليان بأعصاب الرجل، بينما بدا أن ذا اللثام الأحمر بدأ يفقد أعصابه قليلًا، تنهد وقال:
"تظنين نفسك بارعة في الاستنتاج، أيتها الحمقاء؟
كفى عبثًا، جهزوا أنفسكم… الملثم - كما تدعونه انتم - على وشك الوصول."
تبدلت ملامح ليان فور سماع الاسم، شعرت بضيقٍ لم تعرف سببه، ونظرت نحو رعد، فوجدت أنه يبادلها نفس التوجس.
على الأقل، ذا اللثام الأحمر… ليس بليد المشاعر، ويسهل حتى الضحك عليه.
أما الآخر… فوجوده بحد ذاته، عبء ثقيل لا يُحتمل.
******
عاد سراج إلى محاولة استدعاء "الصامت" مجددًا، لكن أحد رجاله أوقفه، قائلاً بهدوء يخلو من أي اعتبار:
"لقد غادر… منذ فترة قليلة."
في لحظة، شدّ سراج على أعصابه حتى برزت عروقه من عنقه، وراح يجزّ على أسنانه بقسوةٍ كأنها لم تكن يومًا جزءًا منه، بل عدوًا يفرغ فيه غضبه.
"كيف له أن يرحل… في مثل هذا الوقت؟!"
قالها بنبرةٍ هادرة كأنها صفعة مدوّية، وكأن الهواء من حوله قد استجاب، وبدأ يضطرب ويهتز.
"اللعنة! لا أحد جدير بالثقة!
يبدو أن على المرء أن يفعل كل شيء بنفسه… كما اعتدت دائمًا!
حفنة من الحمقى… مجرد أوغاد!"
ثم صرخ فجأة في وجه الرجل أمامه:
"اغرب عن وجهي! ارحل!"
لم يفهم الرجل سبب انصبّاب كل هذا الغضب عليه، خاصةً وأن لا يد له في الأمر، لكنه لم ينبس بكلمة… فقط انحنى قليلًا ثم غادر سريعًا، كأن النار تلاحقه.
****
على الجهة الأخرى…
لم يمضِ وقت طويل حتى وصل "الملثم" أخيرًا.
وصل، ولكن لم يصل وحده… بل جاءت معه تلك الهالة الخانقة التي ترافقه كظلٍ ثقيل، كأن الهواء ذاته يُجبر على الانحناء حين يمر.
وقف على العتبة لحظة، عيناه تتفحصان كل شيء حوله… الجدران، الأعين، الممرات، حتى الصمت نفسه، كأنه يتأكد أن كل شيء لا يزال تحت السيطرة، وأن لا شيء يخرج عن حساباته.
أشار بيده إلى ذا اللثام الأحمر، دون أن ينظر إليه حتى، فأومأ الأخير برأسه، ثم انصرف، لا هو فرحٌ بالمغادرة ولا حزين… فقط ممتن لأن أنفاسه لن تُسحب معه.
بقي "الملثم" واقفًا، صامتًا… بينما السكون من حوله أخذ يتكاثف كأنه يستعد لشيء ثقيل قادم.
*****
صعد الملثم الدرج بخطواتٍ رتيبة، هادئة ظاهريًا، لكن كل درجة كان يصعدها تُلقي بثقلها على الغرفة في الأعلى، كأن الهواء نفسه ينتظره بفارغ الصبر… أو بفارغ الرعب.
وحين فتح الباب، لم يتكلم بكلمة ترحيب، لم يلقِ تحية، لم يترك أي مساحة للتنفس…
بل قالها مباشرةً، بنبرته الصارمة المعتادة، كالسيف حين يُسحب من غمده:
"أين هي الشريحة، يا رعد؟!"
انتفض رعد من مكانه، أما ليان فشحب لون وجهها كأن السؤال وحده صفعة غير مرئية.
لكنها لم تشعر بالصدمة من السؤال فحسب… بل من الملثم نفسه!
لماذا الآن؟ ولماذا بهذه اللهفة؟
هل كان يخدعهم طوال الوقت فقط ليحصل علي الشريحه ؟!
كرر الملثم سؤاله، هذه المرة بنبرة أكثر قسوة، كأن كل ثانية تمر تنزع من أعصابه خيطًا آخر:
"قلتُ لك… أين الشريحة؟!"
نظر رعد إليه طويلاً… نظرة خالية من الخوف، مليئة بالأفكار، ثم أجاب أخيرًا، ببرود لا يتناسب مع حجم السؤال:
"لا أتذكر."
اقترب الملثم خطوة.
شعرت ليان بأن الغرفة بدأت تضيق، وأن الهواء يُسحب ببطء من صدورها، لكن ليس من الخوف… بل من الشك!
هل كان يهمه أمر الشريحة فعلًا؟ أم أنه يسعى للحصول عليها لأمرٍ ما؟ شيء لا يريدهم أن يعرفوه؟
قال الملثم محاولًا كبح انفعاله، وصوته أشبه بصفير بين أسنانه:
"اسمعني جيدًا… من المهم للغاية أن تبقى الشريحة بعيدة عن يد سراج، إن وقعت في قبضته… سينتهي كل شيء!"
لكن كلمات الملثم لم تُطمئن ليان، بل زادت من ارتيابها.
منذ متى وهو يتحدث هكذا؟ متى بدأ يخشى على الشريحة؟ بل… متى بدأ يظهر هذا القدر من القلق؟
رعد لم يهتم كثيرًا ليصدقه أو لا… الحقيقة الوحيدة التي يعرفها الآن:
هو لا يتذكر.
قال بصوتٍ صادق:
"أقسم لك… لا أعرف أين هي. لكنها… لم تخرج من البيت."
تردد الملثم… للحظة، بدا وكأنه نسي ما يجب أن يقول، ثم زمّ شفتيه وقال بغضب وتوتر:
"مستحيل! هذا مستحيل… لقد قمت بتفتيش منزلك بالكامل!"
ثم تراجع سريعًا وكأن لسانه خانه:
"أقصد… سراج هو من فتّشه قطعةً قطعة… ولم يجد شيئًا."
تبادلت ليان النظرات مع رعد، لكن عيناها لم تكن كعينَي من يبحث عن دعم… بل عن تأكيدٍ للريبة.
الملثم… يكذب.
أما الأخير، فلم يمنحهم وقتًا للتفكير… فقد استدار غاضبًا، وصفق الباب خلفه وهو يخرج من الغرفة، يسب ويلعن، كأن الجدران نفسها قد أغضبته.
بعد مغادرة الملثم، نظر كلٌّ من رعد وليان إلى بعضهما البعض.
الأمور بدأت تتعقّد كلّما مرّ الوقت.
إلى أيّ طرف يميل الملثم؟ إليهما؟ أم إلى طرف سراج والمنظومة الحقيرة؟
أهي مجرّد لعبة تمارس عليهما بإتقان؟ أم أن الأمر الأكثر رعبًا، أن يكون الملثم يلعب لصالح نفسه فقط، ليستولي تمامًا على الشريحة وينفرد بها؟
فكّرت ليان في أنهما لم يعودا بأمان هنا، وأنه من الغباء أن يعتقدا لوقت أطول أنّ الملثم في صفّهما، أو أنه يودّ حمايتهما بدافع الشهامة!
الأمر يبدو متعلّقًا بمصلحة شخصية تعود عليه بلا شك، وإلا، لِمَ قد ينقذ حياتيهما؟
جلس كلٌّ من ليان ورعد بجانب الآخر، مدركين حقيقة واحدة:
لا نوم اليوم... فقط تخطيط لكيفية الهروب من هنا.
لكن... إلى أين؟
وعلى الطرف الآخر، كان سراج لا يزال يمسك برأسه، كمن يمنع عقله من الانفجار.
الأمر يزداد تعقيدًا، كيف لهما أن يتبخّرا بلا أثر هكذا؟
ولِمَ يختفي الصامت دائمًا كلّما احتاجه؟
ضرب بيده بقوة على مكتبه، فتطاير كلّ ما كان عليه من أوراق وأشياء.
أمسك برأسه بقوة أكبر، ثم صاح بأحد رجاله طالبًا منه أيّ خبر.
اقترب الرجل بتوتر، وقال:
"لم نجد أيّ أثر لشقيقتك اورعد."
تلعثم فجأة، وشعر بأن الهواء قد سُحب من رئتيه، فأعاد جملته بتوتر شديد:
"أقصد... ليان. ليان ورعد، يا سيدي. اعذرني."
تصلّب في مكانه، يتابع نظرات سراج اللاهبة، التي كانت كأنها تقطر دمًا.
استأذن في فزع، مدركًا تمامًا فداحة الخطأ الذي ارتكبه، وخرج بسرعة، قبل أن ينقضّ عليه سراج كوحش مفترس.
sarab mahmoud