الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر

38 0

قرر سراج التوجه إلى مكتب الصامت ليقلبه رأسًا على عقب، لعله يحصل على أي إجابة عن الأسئلة المتراكمة في ذهنه. ازدادت مهلته، لكنها لن تدوم إلى الأبد! يومان فقط إضافيان، فقط يومان لتغيير كل شيء. ابتسم بسخرية مرة وهو يقول في نفسه: وكان يومين يكفيان!

كان قد قرر أن يترك الأمر برمته ويستمتع في آخر يومين له في الحرية قبل أن يبدأ الهلع من الزعيم. لكن هل هو حقًا حر؟! تردد السؤال فجأة في ذهنه: أكان حرًا يومًا؟ أكان مسيطرًا كما اعتقد؟ أي حرية تلك التي كان يعنيها؟

لم يعد يدرك أي شيء، ولم يعد يفهم. لكنه بدأ يشعر حقًا باليأس، والخوف، والألم. كان يريد أن يبكي، أن يئن كالأطفال... الأطفال؟! هل كان طفلاً يومًا؟ أم وُلد بتلك القذارة والدناءة التي هو عليها الآن؟ هل عرف البراءة والرحمة يومًا؟

ضحك ضحكة باهتة وهو يقول في نفسه: مستحيل! إذا كان يمكن لطفل أن يتحول إلى شخص مثلي، فليذهب الأطفال إلى الجحيم! ليتني أعود طفلاً... لكن وإن عدت، هل سيتغير شيء؟ هل سأختار طريقًا آخر؟ هل سأعطي لنفسي فرصة صغيرة للاحتفاظ ببراءتي وببعض الرحمة؟

لم يعد يعرف أي شيء، لكن كل ما يعرفه أنه لم يعد يشعر بالسيطرة، بالنشوة، بالقوة، أو بالحرية كما كان يعتقد. لقد كان طوال عمره مجرد لعبة قذرة، لعب بها بعض الأشخاص الملاعين... هم شكلوه وكونوه وصنعوه. أجل، لم يكن حراً يومًا، لماذا تطلب الأمر كل تلك الأعوام ليدرك ذلك؟

كاد أن ينسى أمر الصامت ورعد والشريحة حتى حدث ما لم يكن يتوقعه. ما رآه جعله ينسى كل ما كان يفكر به، ليعود فورًا إلى الشيطان الذي هو عليه.

بينما كان يفتش في المكتب، أصابه شعور غريب في زاوية الغرفة. هناك شيء غير طبيعي. بدأ يلمس الجدران بعينيه، يتفحص الكتب والأوراق في أدراج المكتب. فجأة، توقف عند جزء من الحائط في الزاوية. شعر بشيء مختلف. الملمس كان خشنًا، والحائط كان يبدو وكأنه يبرز بشكل غريب، وكأن هناك شيئًا مخفيًا خلفه.

اقترب ببطء، شعر بشيء غير مألوف، شيء كأنما جزء من الجدار يتحرك. يده تتحسس أكثر، ليكتشف أن هناك بابًا صغيرًا ومخفيًا في الحائط. فكّر للحظة: هل هذا هو؟ هل هناك باب مخفي هنا؟ تحرك الحائط قليلاً تحت ضغط يده، ليظهر فجوة ضيقة، لكنه لم يكن كافيًا ليفتح الباب بالكامل.

تراجع للخلف للحظة، في محاولة لتفحص الموقف. ثم اكتشف أن الباب لا يقتصر على الجدار فقط، بل يمتد إلى أسفل الأرض، كأنما هناك ممر سري يفتح تحتها. شعر بشيء صلب تحت قدميه، وتأكد أنه أمام شيء أكبر من مجرد جدار. هل هذه هي الإجابة؟

بدأ يتحرك بحذر، يزيل الأثاث من أمام الباب المخفي، قلبه ينبض بشدة. تحرك ببطء حتى بدأ يرفع الأرضية المغطاة. بحذر شديد، بدأ في كشف الحافة السفلية للباب، وما إن لاحظ تلك الحافة الواضحة حتى همس في نفسه: إذن هنا يكمن السر!

بينما تتفتح الفتحة أمامه، بدأ سراج في التفكير بكل ما قد يحدث. هل سيقوده هذا الباب إلى مكان آخر؟ هل يفتح له الطريق لإجابات أكبر أم أن هذه ستكون مجرد بداية لمزيد من الألغاز؟

****

بينما كان جبران لا يزال يسير في الأنفاق بحثًا عن رعد، شعر بغصة وقشعريرة تسري في جسده عندما وجه كشافه إلى بقعة معينة في الأرض. كانت دماء تناثرت هنا وهناك، وجهاز الكشاف الصغير كان محطمًا، مما جعل قلبه يقفز في صدره. رعد كان هنا! هل أصابه مكروه؟ هل وقع في فخٍ؟ هل قتلوه وحملوا جثته إلى المنظمة؟

لا... لا، كميّة الدماء لا توحي بأنه قد قتل. قالها في نفسه ليُريح عقله، لكن سرعان ما صفقه الاستنتاج الثاني: لربما تم الإمساك به، وضُرب، وقُيد، وأخذوه إلى المنظمة!

لكنه تساءل: لماذا لم يبحثوا عن البقية؟

جلس جبران على الأرض، أمسك برأسه بيده السليمة وهو يحاول تهدئة نفسه. لا بد أنه مخطئ... لعل رعد بخير. همس بهذه الكلمات لنفسه وهو يهم بالوقوف مجددًا، ليواصل السير في النفق لعله يجد رعدًا هناك.

*****

أما سراج، فقد كان يصرخ كالمجنون وهو يردد بلهفة:

"وجدته! وجدته أخيرًا!"

أيها الصامت اللعين، ساجدك، وسأحرقك حيًا، وليتني أمتلك أن أعطيك جلدًا جديدًا كلما احترقت، لأحرقك من جديد!

تجمع الرجال حول ضجة سراج وهم ينظرون نحو النفق الصغير. همس أحدهم في أذن الآخر:

لربما هذا النفق ليس إلا فخًا، أو ربما لا شيء في النهاية.

لكن لم يعلم هذا الشخص أي حظ تعيس جعله يترك كلماته تصل إلى أذن سراج. التفت إليه الأخير بعينين ملتهبتين كوحش هائج، ثم أخرج مسدسه بلا مقدمات وأطلق النار على الرجل في منتصف رأسه. سقط الجسد على الأرض بسرعة بينما سراج يضحك بهستيريا.

"أيها القمامة اللعين! تتجرأ على أن تعكر علي لحظة نشوتي؟!"

بعض الرجال نظروا إلى الجثة المسجاة أمامهم بذعر، بينما البعض الآخر تظاهر بعدم الاكتراث، كأن شيئًا لم يحدث، وكأن القتل أمرٌ يحدث كل يوم كالأكل والشرب والنوم.

****

كان رعد يترنح في خطواته، جسده يهتز وكأنما كل خطوة تستهلك منه جزءًا من حياته. شعر أن قدميه على وشك أن تخونه، وأنه لو استمر في السير أكثر قليلاً فسيسقط على الأرض عاجزًا. كان الجرح في رأسه ينزف بغزارة، ولا تكاد يداه تقوى على أن تمسك رأسه لتخفف من الألم المتسارع. رأسه كان يوشك أن ينفجر من شدة الصداع الذي يشتد في كل لحظة، وعينيه كانت تغلق شيئًا فشيئًا من شدة الإرهاق.

فجأة، قطع هذا الصمت الرهيب صوت خفيف، كانت خطوات خفيفة جدًا، بالكاد يمكن سماعها، لكنها كانت تقترب ببطء. تلفت حوله بعينيه المثقلتين بالدوار، محاولًا تحديد مصدر الصوت، لكن عتمة المكان كانت كالستار الثقيل الذي يمنعه من الرؤية. كل ما كان يستطيع رؤيته هو الظلام المطبق حوله. ومع ذلك، كان هناك شيء ما في الداخل يدفعه إلى البقاء منتبهًا، في انتظار ما قد يأتي.

"هل هناك أحد هنا؟" همس في نفسه بصوت يكاد لا يسمع. لكنه سرعان ما شعر بشيء من القلق يبدأ بالانتشار في جسده المتعب. هل يتبعه أحد؟ هل هي مجرد أوهام بسبب الألم؟ هل هم أعداؤه؟

حاول أن يجمع نفسه، شد عضلاته بأقصى ما يستطيع، وأخذ نفسًا عميقًا. كان النفس يأخذ من طاقته أكثر مما يعيده له، لكنه اضطر للقيام بذلك. كان يحاول أن يُبقي عقله هادئًا رغم أن جسده كان على حافة الانهيار. "إذا كان هناك أحد، سأقاتله"، فكر في نفسه.

كانت الخطوات تقترب أكثر، وأصبح الصوت أقرب، ومعه بدأ الضوء الخافت يلامس أطراف رؤيته المرهقة. كانت تلك اللحظة، عندما بدأ الجسد الذي كان يقترب يظهر في الأفق البعيد، كأنما يتشكل في الضباب. كان رعد على استعداد تام لملاقاة أي تهديد. شد قبضته بكل ما تبقى له من قوة، متأهبًا للقتال، لكن فجأة... كان الصوت قد وصل إلى مسامعه، وصاحبه سؤال مفاجئ:

"رعد... أهذا أنت؟"

كان الصوت صوت جبران، يحمل نبرة من القلق والحذر في الوقت ذاته. عرفت أذن رعد الصوت جيدًا، لكنه لم يستطع أن يصدق ما يسمعه في البداية، وكأن الظلام قد حجب عقله للحظة عن تصديق ما يراه. جبران؟ هنا؟ في هذا المكان الذي يحيط به العدم؟

أرخى رعد عضلاته ببطء، وهو يتنفس بصعوبة، كأنما وزن جسده قد خف قليلاً من فزع اللحظة. كانت الراحة تسرع إلى قلبه بشكل مؤلم، وكل شعور بالراحة كان يلتهمه الألم تدريجيًا.

لكن جبران لم يتوقف عند ذلك، بل اقترب منه أكثر، وعيناه لم تكف عن الفحص. "أنت غبي! ساذج! متهور! أحمق! معتوه!" كانت كلماته تتساقط عليه كالمطر، حادة وملتهبة، تحمل معها عتابًا صارمًا، لكن كان هناك شيء آخر في نبرته، القلق العميق الذي كان يخنقه مع كل كلمة ينطقها.

سرعان ما لاحظ جبران شحوب وجه رعد، وكانت يده تمتد برفق نحو وجهه وهو يلتفت بسرعة، يلحظ علامات التعب الشديد على ملامح رعد، وكأن قلبه بدأ يخفق بعنف.

"أنت مصاب؟ ما خطبك؟" سأل جبران بسرعة، وكانت كلمات تلك الجملة تخرج منه بلهفة شديدة، وكأنها صيحة إنقاذ، لكن رعد كان قد فقد القدرة على الرد بشكل طبيعي. كانت الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه ضعيفة جدًا، غير قادرة على إخفاء التعب الشديد الذي يعيشه. رفع يده برفق ليشير إلى جرح رأسه، وحاول أن يقول:

"أظن أنني أصبت في رأسي، لكن..."

لكن قبل أن يتم جملته، شعر فجأة بأن كل شيء يختفي من حوله، السواد يلفه بشكل مفاجئ. الوعي يهرب منه بسرعة، وكان الدوار أقوى من أي وقت مضى.

أسود كل شيء، وكل ما كان يشعر به هو الظلام، يتسرب من أطرافه ليأخذ كل شيء من حوله. كانت الحياة تتلاشى ببطء، وكأنما هو يسقط في هاوية بلا قاع.

سقط رعد، لكن جبران كان هناك في اللحظة الحاسمة. أمسكه بسرعة، ولم يسمح له أن يسقط على الأرض. كانت يده مشدودة حول جسده الضعيف، وكل جزء من جبران كان يحاول أن يثبت رعدًا على قدميه،

*****

لم يكن جبران قادرًا على حمل رعد كما يجب. كانت ذراعه الأولى مصابة، بينما كان الذراع الآخر ممسكًا بـ الكشاف الذي كان يضيء المكان بشكل ضعيف، ليكشف عن العتمة التي تحيط بهما. كان رعد في حالة هذيان، ولا يبدو أن لديه القدرة على السير أو التحرك بشكل طبيعي.

بمزيد من الحذر، أسند جبران رعد برفق حتى أنزله على الأرض، ووضع الكشاف بجانبه لتوفير بعض الضوء. بدأ جبران في مناداته، يحاول أن ينبهه بأي طريقة: "رعد، رعد!". كان صوته مليئًا بـ القلق والارتباك، وهو يضرب ضربات خفيفة على وجهه كي يستعيد وعيه. لكن رعد ظل على حاله، وعيناه مغلقتان بإحكام، جسده فاقد للوعي.

زادت قوة الضربات من جبران بشكل أكبر قليلاً، كان الصوت يزداد إصرارًا وهو يناديه من جديد: "رعد!". لكن لا جواب، لا شيء سوى السكون، وكأن الزمن توقف بينهما في تلك اللحظات القاسية.

دقائق مريرة مرت على جبران وهو في تلك الحالة، وبينما كانت المعركة بين الحياة والموت تدور في ذهنه، بدأ رعد في ترمُش عينيه ببطء. كان الوعي يعود إليه ببطء شديد، وكأن جسده يرفض الاستسلام، لكن القوة التي حاول أن يستجمعها كانت ضئيلة للغاية. جبران لم ينتظر لحظة أخرى، فأكمل ندائه بلهفة وحذر، بينما كان يكرر الضربات الخفيفة على وجه رعد، محاولًا أن يُعيده إلى الواقع بأي ثمن.

في هذه الأثناء، لم يكن سراج ينتظر لحظة واحدة. أمر رجاله بالنزول فورًا للبحث عن الصامت، ورعد، وليان، وأي شخص قد يكون في الأسفل، مهما كان المكان الذي قد يختبئون فيه.

نزل عدد كبير من الرجال في نفس الطريق، وبينما كانوا يسيرون بحذر، فوجئوا بكثرة الأنفاق والممرات المختلفة، مما جعلهم يتفرقون ليتمكنوا من البحث بكفاءة أكبر. كانوا كأنهم وحوش تبحث عن فريسة، كل منهم يترقب في صمت، خطواتهم محسوبة، وكلهم يعرفون أن الوقت ليس في صالحهم.

مرت دقائق أخرى مريرة بينما كان رعد لا يزال في حالة الارتباك، يستعيد وعيه بشكل بطيء للغاية. في تلك اللحظة، نظر جبران إلى الجرح في رأس رعد، ليكتشف أنه عميق جدًا، وأنه فقد الكثير من الدماء. كان يدرك أن الوقت ينفد، وأنه يجب عليه أن يتحرك بسرعة.

شجع جبران رعد على الوقوف، قائلاً له "استند عليَّ، سنصل إلى المقر الآن". لكنه، قبل أن يتحركوا، فجأة، سمعا صوت خطوات تقترب منهما بحذر. نظر جبران في اتجاه الصوت، ورأى مجموعة من الرجال يقتربون منهما. كانت خطواتهم هادئة، لكن واضحة، وكأنهم كانوا يتصيدون كل حركة.

فجأة، صرخ أحدهم:

"هاهو الصامت، وها هو رعد!"

كان الصوت كالطلقات، يخترق الهدوء الذي كان يلف المكان. وبينما كانت المطاردة تقترب منهما، بدأ جبران في الاستعداد لما هو أسوأ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة