تجهّز سراج لمقابلة الزعيم… أو هكذا قيل له.
الزعيم… ذاك الاسم الذي لا يُنطق إلا همسًا، والذي إن رأيته، فلن ترى بعده شيئًا أبدًا.
اللقاء بالزعيم لا يكون وجهًا لوجه، ولا صوتًا لصوت.
بل هو تجربة… أشبه بالسقوط الحر داخل جحيمٍ لا يرى، لكنه يُحسّ بكل خلية في جسدك.
وقف سراج أمام باب معدني ضخم، لا يملك مفتاحه ولا يعلم من أين يُفتح، لكنه انفتح فجأة… وحده… وبصوت أشبه بطقطقة الأعصاب تحت الضغط.
دُفع سراج داخله، وانغلق الباب خلفه دون أن يلمسه أحد.
كانت الغرفة سوداء… لا، ليست مظلمة، بل سوداء!
لا جدران، لا سقف، لا أرض يمكن تمييزها… فقط ظلام مطلق يبتلع حتى الأفكار.
وفجأة… دوّى صوت.
صوت لا تدري إن كان صادرًا من الخارج أم من أعماق رأسك.
صوت كفحيح أفعى يهمس في أذنك مباشرة، ويملأ الفراغ حولك كالدخان الكثيف.
"خمسُ أيام يا سراج..."
تجمد الدم في عروقه.
"خمسُ أيام فقط... إن لم يكن رعد هنا بين يديّ خلالهم..."
تسارعت أنفاسه.
أحسّ أن جسده لم يعد له.
كأن قلبه يضرب داخل حلقه لا صدره.
"... فستتمنى لو كنت وُلدت ميتًا."
لم يرد. لم يستطع.
قدماه بالكاد تحملانه، وركبتاه تتهددان بالانهيار في أي لحظة.
"ارحل."
وفجأة… نورٌ صغير في نهاية الغرفة، أشبه بشرخ ضوء في تابوت مغلق.
اتجه إليه كمن يتشبث بالحياة، خرج من الغرفة وهو لا يشعر بنفسه، كأن شيئًا انتزع جزءًا منه هناك… وتركه خلفه.
خرج سراج يتنفس كما لو غاص تحت الماء ساعات.
ينحني بجسده، يتمسك بالجدار، يتقيأ هواءً محمّلًا بالخوف.
كان جسده لا يزال يرتجف، وصوته يحمل توترًا ثقيلًا، ارتجافًا لا يليق برجلٍ في مكانته… لكنه لم يعد يهتم.
كل ما كان يدور برأسه هو… خمسة أيام.
خمسة أيام فقط... وإلا النهاية.
اقترب من الرجل الصامت — ذاك الذي لا يفارقه ولا يرد بكلمة.
أمسكه من ذراعه، نظر في عينيه بشراسة كأنما يريد أن يفرغ ما بداخله فيه، وقال بنبرة صارمة، لكنها مكسورة الهدوء:
"أريدهم… أريدهم بأي ثمن!"
"وخاصة ذاك الرعد اللعين… لن ينجو مني مجددًا."
ثم تركه ومشى، يجرّ خلفه هزيمته وخوفه وغضبه...
ومعه الوقت الذي بدأ ينفد، كقنبلة موقوتة، كل ثانية تقرّبه من مصيره.
*****
كان الليل قد أسدل ستاره، وسكونه الثقيل يخيّم على المكان. بدأت عينا ليان تغفو رويدًا، وكأنهما لم تعودا قادرتين على احتمال حتى ومضة ضوء.
التفتت ناحية رعد، فوجدته قد غلبه النوم أخيرًا، لكن أنفاسه كانت متقطعة، وجسده يرتجف بخفة كأنما يتألم بصمت.
شعرت بالأسى يتسلّل إلى قلبها. وضعت على جبينه كمادات مبلّلة، همست له بكلمات لم يسمعها، ثم انسحبت بهدوء إلى غرفتها.
وما إن لامست رأسها الوسادة، حتى انجرفت إلى عالم آخر... عالم بلا قلق، بلا خوف، بلا ألغاز، فقط نومٌ عميق كأنها كانت تهرب إليه منذ زمن.
******
في الصباح، استيقظت على صوت طرق خفيف على باب غرفتها. فركت عينيها بتكاسل، ظنّت أن رعد قد تعافى قليلًا وجاء يطمئنها.
لكن ما إن فتحت الباب، حتى تجمد الدم في عروقها!
رجل كهل، له بعض الشيب، ووجهه مغطى بلثام أحمر…
لكنه لم يكن هو. لم يكن الملثم الذي تعرفه. لم يكن الصوت ذاته. لم تكن الهالة نفسها.
تسارعت نبضات قلبها كأنها على وشك الخروج من بين ضلوعها.
لكن الرجل تكلّم بهدوء أربكها أكثر من الصمت:
"أنا هنا لأبقى معكم فقط... كُلّفتُ بذلك."
كان على وشك أن يُكمل جملته، أن يقول من كلّفه، لكنه تراجع سريعًا وأضاف:
"تعرفين من كلفني."
نظرت إليه بريبة وقالت باستنكار:
"أهو الملثم؟"
أومأ برأسه دون كلمة.
لم تشعر بالراحة، لكن قلبها هدأ قليلًا. ليس تمامًا… فقط كأنها خرجت من رعبٍ كبير إلى قلق أصغر.
تابع الرجل:
"أخبري صديقك أيضًا، طرقت بابه لكن يبدو أنه لا يزال نائمًا."
ثم استدار بخطوات ثابتة ونزل إلى الطابق الأرضي، يختفي كما ظهر… بصمت.
وقفت ليان في مكانها، تنظر في الفراغ.
"لثام أحمر؟ حقًا؟! أهذا ما ينقصنا الآن؟ المزيد من الغموض؟! يا لروعة العبث!"
قالتها في سرّها، وهي تحاول فك هذا اللغز الجديد الذي اقتحم عالمها دون استئذان.
لكن أفكارها قطعتها صورة رعد!
هرعت إلى باب غرفته. طرقت، فلم يجب.
طرقت مجددًا، بلا فائدة.
القلق بدأ يتسلل شيئًا فشيئًا… ثم تحوّل إلى خوف.
فتحت الباب بحذر، ونادت بصوت مرتجف:
"يا رعد؟"
لا إجابة.
اقتربت أكثر، جسده ممدد على السرير، لا حراك.
ركضت نحوه، هزته برفق، ثم بقوة:
"يا رعد، ردّ علي!"
صمت… جسده لا يزال دافئًا، لكنه لا يستجيب.
بدأ الذعر يتخلل إلى عروقها، يجتاح أطرافها.
هزته بقوة أكبر، ثم صرخت باسمه:
"يا رعد!!"
*****
لم تمر دقائق حتى ارتفع صوت سراج في المكان، ينادي ذلك الرجل الصامت للمرة الألف، بعينين متحفزتين تكادان تلتهمان أي خبر يُقال.
لكنه، كما في كل مرة، اكتفى بهزّ رأسه علامة على النفي… لا جديد.
هذه المرة، لم يستطع سراج الاحتمال.
لقد بلغت الأمور حافة الهاوية، حياته بأكملها معلّقة على وجه ذلك الملعون "رعد"!
وجه لم يعرف النوم مذ اختفى، وصوت لم يعد يُسمع في تقاريرهم المجهولة!
اندفع سراج نحو الصامت، أمسك بقميصه بعنف، وعيناه تقدحان شررًا، بينما هتف بصوت مختنق يتأرجح بين الغضب والرعب:
"أتعرف مصيري إن لم أجده؟! أتعرف ما قد يفعله بي؟! افعل شيئًا… أي شيء… فقط تحرّك!"
لم يرد الرجل الصامت، بل حدّق فيه مطولًا بنظرة هادئة، باردة، كأن لا شيء مما قيل يخصّه.
ثم أبعد يد سراج عن قميصه بهدوء يشبه صفعة ناعمة، هزّ رأسه موافقًا، واستدار بخطى واثقة نحو الباب، تاركًا خلفه رجلًا تبتل أطرافه بالعرق ويكاد قلبه يهرب من بين ضلوعه.
وقف سراج في منتصف الغرفة، وحده، محاطًا بشبح زعيم لا يعرف له ملامح، وظلال خمسة أيام لا يعلم ما تخبئها…
لقد بات كل شيء مرهونًا برعد… برجل اختفى فجأة، وجعل الزمن سيفًا مسلّطًا على رقبته.
كل ثانية تمر الآن، ليست إلا مشهدًا جديدًا من كوابيسه...
وسيناريو آخر من الجحيم، يحمله إليه عقله المرهق، فيما يهمس قلبه المرتجف:
"ماذا لو لم نجده؟ ماذا إن تأخر؟ أو… مات؟"
*****
فزع رعد من مكانه حين دوّى صوت ليان باسمه كالرعد في الغرفة، قفز جالسًا متعرقًا، يلهث بأنفاس متقطعة وعينين نصف مطفأتين، كمن خرج لتوه من كابوس لا يذكره.
نظر إليها بفزع، وصوته بالكاد خرج من بين شفتيه:
"ما الأمر؟!"
لكن ليان لم تجبه، كانت واقفة أمامه كتمثالٍ حجري، وجهها أزرق شاحب كأنها لم تتنفس منذ ولادتها!
وأخيرًا… أطلقت تنهيدة عميقة، رمشت بعينيها كأنها استيقظت من غيبوبة، ثم تحول وجهها من الأزرق إلى الأحمر، ليس خجلاً… بل غضبًا نقيًّا صافياً!
هتفت به وهي تضم ذراعيها إلى صدرها:
"تنام مثل الموتى! كاد القلق يهلكني أيها المعتوه!"
لم يعتد رعد رؤيتها غاضبة بهذا الشكل… في صوتها ذعر مغطى بغضب، ورغم ذلك لم يغضب، بل احمر وجهه خجلاً وابتسم بعفوية خفيفة كأن شيئًا فيه ذاب فجأة، ثم قال:
"قلقتِ علي؟"
أشاحت بنظرها عنه، وازدادت حدة تعابيرها وهي تعض شفتها، ثم قالت بحدة:
"أتتلذذ بأن تراني قلقة؟!"
لكنه، وبنفس الهدوء الذي يُثير الغيظ أكثر من أي شيء، قال:
"إن كان عليّ، فلا بأس أن أراكِ قلقة."
كادت ملامحها الغاضبة تذوب وتفسح المجال لابتسامة خفيفة، لولا ذلك الصوت الذي قطع اللحظة فجأة:
"أهلاً… أخيرًا أفقْتَ من غيبوبتك؟"
تجمّدت الابتسامة على وجه رعد، وأدار رأسه ببطء نحو مصدر الصوت.
رجل كهل، يغطي وجهه لثام أحمر، يعلو رأسه بعض الشيب، عينيه تختلفان تمامًا عن ذلك الملثم الذي اعتاد رؤيته… لا نفس الهالة، ولا الجسد، ولا حتى نبرة الصوت.
قال الملثم الجديد وهو يرمق ليان:
"لم تخبريه بعد؟"
نظر رعد إليها بعينين مليئتين بعلامات الاستفهام، فتنهدت وقالت:
"ذا اللثام الأحمر… أُرسل من طرف الملثم. جاء ليكمل دائرة الغموض والقلق التي نعيشها!"
لم يعلّق رعد، بل حدّق في الرجل مطولًا، يحاول قراءة شيء ما بين تعابيره المخبأة خلف القماش الأحمر… لكن عبثًا.
قطع حبل أفكاره صوت الرجل مجددًا، وهو يستدير نحو السلالم:
"أنا في الأسفل إن احتجتم لأي مساعدة… لكن…"
توقف لحظة، ثم نظر لهما من فوق كتفه وأضاف:
"بلا أي أسئلة!"
ثم اختفى بين درجات السلم، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً، وعقلين يتخبطان في دوامة لا نهاية لها.
لاحظ كلٌّ من رعد وليان أن هذا الملثم الجديد لا يشبه ذاك الآخر الذي يحمل ظلال الرعب والصمت؛ كان أقل حدة، أقل صرامة… وأقل رهبة.
أطلقا عليه تلقائيًا اسمًا يليق بلثامه: "ذا اللثام الأحمر".
وقبل أن تفتح ليان فمها بكلمة، نظر إليها رعد بابتسامة خبيثة صغيرة، كأنه يعيدها لنقطة الحديث التي قاطعهما فيها الرجل قبل قليل:
"ما الذي أقلقكِ عليّ لهذا الحد؟"
شعرت ليان بالاستفزاز من ابتسامته تلك، لكنها لم تستطع كتمان مرحٍ خفيّ تسلل إلى قلبها، فرفعت حاجبيها وتظاهرت بالبرود والغضب:
"لا، لم أخف عليك!"
ثم أضافت، وهي تضع ذراعيها بتحدٍّ فوق صدرها:
"خشيتُ فقط أن تتركني وحدي وسط هذه الدوامة الملعونة، لا أكثر!"
تلاشت ابتسامته فجأة، كأن كلماتها أصابت نقطة ما داخله… فتسلل الانتصار إلى ملامحها وضحكت ضحكة خفيفة وهمست لنفسها:
"انقلب السحر على الساحر!"
مرّت لحظات من الصمت، قبل أن يقول رعد بصوت هادئ:
"للمرة الأولى أنام بهذا العمق… لم أشعر بشيء، كأنني كنت في غيبوبة، لا نوم."
اقتربت ليان منه بخفة، تتحسس جبهته بقلق.
"حرارتك هدأت قليلًا، لكنها لا تزال مرتفعة…"
ثم رفعت عينيها إليه بجدية:
"سأجلب لك بعض الكمادات."
وقبل أن يمنحها أي اعتراض، كانت قد غادرت الغرفة مسرعة.
*****
هبطت الدرج تبحث عن ذا اللثام الأحمر، وندت بصوتٍ خافت متردد، كأنها تخشى أن يسمعها أحد غيره:
"ذا اللثام الأحمر…؟"
فجأة، ظهر أمامها كما لو خرج من ظلال الجدران، فشهقت وتراجعت خطوة:
"اللعنة! كاد قلبي يخرج من ضلوعي!"
قالتها وهي تضع يدها على صدرها تحاول تهدئة أنفاسها.
نظر إليها نظرته الهادئة الممطوطة، ثم قال بنبرة متعجبة أقرب للسخرية:
"ذا اللثام الأحمر؟ يعنيني أنه إن ارتديت لثامًا أخضر… ستنادي عليّ: ذا اللثام الأخضر؟"
ابتسمت ليان بخفة، ثم قالت بمكر:
"إلا إذا أخبرتنا باسمك الحقيقي، عندها سنكفّ عن هذه التسميات!"
رمقها بنظرة طويلة، وكأن المكر الذي في قلبها لم يفلت من عينيه، ثم قال بابتسامة لم تراها ليان بسبب اللثام:
"بالكِ من خبيثة… لكن لن تعلمي شيئًا، حتى يحين أوان المعرفة."
تنهدت بيأس وقد أدركت أن محاولتها باءت بالفشل، لكن سرعان ما تذكرت سبب نزولها فقالت بسرعة:
"آه… تذكرت، أحتاج إلى ماء بارد وبعض الثلج، حرارة رعد ما زالت مرتفعة."
أومأ برأسه موافقًا، وأشار لها أن تصعد إلى الأعلى، بينما يحضّر لها ما طلبت.
وأثناء صعودها الدرج، لم تستطع منع نفسها من التفكير بشيء واحد:
ذا اللثام الأحمر مختلف تمامًا عن الملثم الآخر… وكأن الغموض ذاته قرر أن يتخذ شكلين.
sarab mahmoud