انتشر خبر خيانة الصامت للمنظمة كالنار في الهشيم، وكان وقع الخبر على سراج نفسه الذي اكتشف الأمر بنفسه كالصاعقة، أصابه الغضب الشديد والذهول، بينما كان عقله يطوف في دوامة من التفكير القاتل.
أمسك بكتفه المصاب بالرصاصة، وكأن الألم الذي يشعر به في جسده هو مجرد تذكير أليم بأن لا شيء في هذا العالم يظل على حاله. لم يكن يتوقع أبدًا، رغم قذارته، أن يغدر به أحد، أو أن يجد من يطعن في ظهره بعد كل ما فعله لهم.
لقد اعتاد أن يكون هو الجلاد، الخائن، المخادع، والغدار، حتى أضحى ذلك جزءًا من شخصيته. ولكن أن يذوق من نفس الكأس التي أسقاها للجميع؟! لم يتخيل يومًا أن يصل إلى هذه المرحلة.
دخل عليه أحد رجاله في ذلك الحين، محاولًا الاطمئنان على حاله، والاستفسار عن الأوامر التي يجب تنفيذها.
لكن سراج لم يمنحه فرصة للحديث، فصرخ فيه بعنف، وقد تجلت عليه علامات الغضب والانفعال:
"أنت أيها العاهر! أخبر رفاقك وباقي الرجال، أنني إن لم يكن الصامت أمامي صباح الغد، فسوف أتمتع كثيرًا وأنا أسلخكم أحياء، ثم أشعل النار في أجسادكم! أفهمت؟!"
الرجل الذي كان يقف أمامه تلعثم في كلامه، محاولًا التماسك رغم الرعب الذي كان يخترق قلبه، وقال بصوت مرتعش:
"تحت أمرك..."
لكن سراج لم يكن قد انتهى بعد، بل أكمل حديثه وكأن كلمات الغضب تتساقط من فمه كالصخور، وكأنها لا تعني إلا القتل:
"أريده حيًا لأقتله بنفسي بأبشع طريقة ممكنة!"
لكن في لحظة مفاجئة، شعر سراج بشيء غريب، كأن قشعريرة باردة اجتاحت جسده. هل حقًا يمكنه أن يقتل الصامت بنفسه؟ أم أنه يخشى شخصيته القوية، وهالته الطاغية التي لا يمكن تجاهلها؟
صمت للحظة، كأن أفكارًا معقدة تتصارع في ذهنه، ثم قال بتردد:
"لكن... إن لزم الأمر... فلن ألومكم إذا قتلتموه."
قالها وهو يتمنى بصدق أن يلقوا حتف الصامت قبل أن يعيدوه إليه. كان الخوف لا يزال يراوده، وإن كانت الكلمات قد خرجت منه مترددة، إلا أنه شعر في أعماقه أنه يفضل أن يُقتل الصامت على أن يواجهه مجددًا.
أومأ الرجل برأسه في رعب واضح، ثم انصرف ليبلغ باقي الرجال بما قاله سراج، محملًا بظلال القلق والخوف الذي بات يحيط بالجميع.
****
فتح جبران عينيه ببطء، وقد غاب عن الوعي أثناء معالجة ليان ورعد لإصابته بالرصاصة.
كانت الصورة أمامه لا تزال ضبابية، تتراقص أمام عينيه كالسراب، حتى بدأت الوجوه تتضح شيئًا فشيئًا.
كان أول ما وقعت عليه عيناه وجه رماح، وقد ارتسمت على ملامحه علامات قلقٍ عميقٍ وترددٍ مؤلم، بينما كانت ليان جالسةً بجانبه، تطوي جسدها على نفسها، وعيناها معلقتان بفراغٍ قاتم، كأنها تستحضر كارثةً لم تجد لها مخرجًا.
شعر جبران في أعماقه أن المصيبة لا تتعلق بإصابته فحسب، لا بد أن شيئًا آخر قد حدث... شيئًا أشد فداحة.
دار بناظريه في المكان، يبحث عن رعد، لكنّه لم يجده.
حاول أن ينهض، فانتبه له رماح، فسارع إلى معاونته على الجلوس دون أن ينبس بكلمة، وكان القلق قد استبدّ بتقاطيع وجهه حتى غدا كمن يحمل نذير كارثة.
نطق جبران بصوت أجش مبحوح، لكنه حمل صرامة لا تخفى:
"أين رعد؟"
انتفضت ليان من مكانها فجأة، كأنها كانت ترجوه ألا يطرح هذا السؤال.
أما رماح، فقد تردد بحسرة ظاهرة، وهو يحاول انتقاء كلماته:
"استمع إلي جيدًا يا جبران... الأمر أن..."
لكنه لم يكمل.
فقد تسرب القلق بالفعل إلى قلب جبران، فصاح بنبرة أعلى، وقد انقبض صدره:
"سؤالي واضح! أين رعد؟!"
عندئذٍ رفعت ليان عينيها الدامعتين، وقالت بصوت مرتجف:
"لقد غادر، ذلك الغبي! ذهب ليحضر لك طبيبًا... لم يعطنا فرصةً لنمنعه! خرج دون أن يسأل أبي كيف له أن يغادر من هنا، ولا إلى أين سيتجه إن خطا خارج هذا المكان..."
قالتها ثم أجهشت بالبكاء بحرقة، وكأن الكلمات تخنقها وهي تحاول إكمال حديثها:
"نسي... نسي أن ذلك المقر يقع تحت المنظمة كما أخبرتنا ... وأن ظهوره هناك يعني ..."
توقفت فجأة، وكأن ما أرادت قوله أعجزها الألم عن النطق به.
رفع جبران يده السليمة إلى رأسه، وضغط عليها كأنما يحاول كبح غليان الغضب والحزن اللذين يعتملان بداخله، ثم قال بنبرة اختلط فيها الغيظ بالقلق:
"أيها الأحمق المتهور..."
كانت كل نفس يتردد في صدورهم حينها مشبعًا بالخوف، وكأنهم جميعًا ينتظرون كارثة وشيكة الوقوع.
*****
اجتاز رعد الكثير من الممرات، يصعد أحيانًا وينحدر أحيانًا أخرى عبر الأنفاق المظلمة، بجسدٍ مرتعش وروحٍ ثابتةٍ صامدة.
كان يتمتم في نفسه للمرة المئة بإصرار لا يلين:
"سأخرج من هنا... سأبلغ الشرطة بكل ما يحدث... سأُحضر طبيبًا لعمي جبران..."
ظل يردد تلك الكلمات وكأنه يغرسها في روحه، ليحفظها من الهلع الذي كاد أن يبتلعه.
كان يدرك تمامًا أن هذا المقر يقع تحت نفس الأرض التي تقع عليها المنظمة، وأن احتمال خروجه ليجد أفرادها أمامه فجأةً كان احتمالًا راجحًا.
لكن طفح الكيل... لقد كُشف أمرهم على أي حال، ولن يمر وقت طويل قبل أن يكتشفوا مكان اختبائهم ويصطادوهم كما تُصطاد الحشرات.
أما الآن، فكل ما يفعله كان محاولةً أخيرةً لانتزاع بعض الكرامة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
حتى لو أُلقي به أسيرًا بين أيديهم، وحتى لو ذاق أشد صنوف العذاب حتى الموت، فليمُت بشرف، لا ذليلًا كالحشرة.
كان يخطط بعقلٍ مشتعِل:
لن يخبرهم بمكان الشريحة مهما حصل، وسينكر علمه بها إن سألوه.
وإن تحدثوا عن جبران، فسينكر معرفته به بالكامل.
وإن جاءوا على ذكر ليان... سيقول إنه تركها تحترق وسط الحريق، ولا يعلم عنها شيئًا الآن.
"سأبقى على نفس الإجابات حتى لو أهلكوني تعذيبًا... لن أسلّم رفاقي أبدًا."
ظل يردد تلك العهود داخله كأنها قسمٌ مقدس، بينما يتابع سيره بلا وعيٍ حقيقيٍ بالاتجاه الذي يسلكه.
يسير بخطواتٍ مترددة... يخشى الوصول إلى المخرج بقدر ما يتوق إليه.
*****
كان سراج جالسًا، لا يزال يغلي في دوامة الغضب الهيستيري، حين ضربه الوعي فجأةً كصاعقةٍ مباغتة!
"ماذا لو أن الصامت يعرف مكان رعد وليان؟! بل ماذا لو كان هو نفسه من يخفيهما منذ البداية؟!"
شهق بشراسة، وضرب بيده السليمة أحد الحوائط بكل ما أوتي من قوة، صارخًا:
"اللعنة... اللعنة... اللعنة!"
صوت الغضب كان مزيجًا من العتاب المرير والحقد القاتل على نفسه.
أي غباء دفعه إلى إعطاء رجاله الإذن بقتل الصامت؟!
إن مات الصامت بيدهم، فلن يعرف أبدًا أين يختبئ رعد وليان... لن يعرف أبدًا كيف يصل إليهم!
"كم أنا غبي... كم أنا ساذج!"
صاح سراج، مناديًا على أحد رجاله بأعلى صوته، غير أنه فوجئ قبل أن يكمل نداؤه بأحدهم يقتحم عليه الغرفة، وجهه شاحب، عيونه مرتجفة، وكأنه يحمل معه نهاية العالم.
تلعثم الرجل قائلًا:
"الزعيم... يطلبك حالًا... وعلى وجه السرعة!"
لحظة سكونٍ ثقيلٍ تبعت الخبر... ثم انتفض سراج من مكانه وكأن تيارًا كهربائيًا ضرب جسده.
نسي تمامًا أمر الصامت، ونسى ما كان سيأمر به.
الآن هناك ما هو أفظع... استدعاء الزعيم لم يكن أبدًا خبرًا عاديًا.
لقد كان قنبلةً ذريةً تفجرت في عقله المرهق، مزقت أوصاله الداخلية، وشلّت قدرته على التفكير.
همس بصوت مبحوح بالكاد يسمعه:
"تبقى يوم... لا يزال في مهلتي يوم..."
قالها كمن يواسي نفسه، وهو يشعر أن روحه تكاد تختنق تحت وطأة الرعب الذي يزحف إلى صدره.
خرج الرجل بانسحابٍ شديد، وكأنه لم يرد أن يبقى لحظة واحدة إضافية قرب هذا البركان المتفجر.
أما سراج... فبدأ يرى الجحيم أمام عينيه قبل أن يتذوقه حقيقةً.
*****
نهض جبران من مكانه وقد اتخذ قراره النهائي.
سيبحث عن رعد، لعلّه لم يصعد بعد كالغبي إلى المنظمة، ظانًّا أنها المخرج والمفرّ!
كان يعلم أن المقر الذي بناه بنفسه يحتوي على نفقٍ سري يقود مباشرةً إلى مكتبه في المقر الأعلى، المقر الذي لا شك أنه أصبح يعجّ برجال سراج الآن...
أما النفق الثاني، فهو يقع خلف المنظمة تمامًا.
ورغم أن رجال سراج قد يكونون هناك أيضًا، إلا أن فرصة النجاة عبره أعلى... ولو بقليل!
في كلتا الحالتين، مجرد فكرة خروج رعد في هذا التوقيت تحديدًا كانت مرعبة...
بل أكثر من مرعبة!
كيف تجرّأ ذاك الأحمق على الخروج، رغم أنه أخبره مرارًا أن هذا المقر يقع مباشرةً تحت الأرض؟
الأرض التي تعجّ بأعدائهم!
شعر جبران وكأنه يقف على حافة الجنون.
لكنه عقد العزم:
سيخرج.
سيجد رعد قبل أن يكون فريسةً سهلةً في أيدي وحوش سراج.
الممرات والأنفاق، التي صُممت خصيصًا لتضليل أي دخيل، قد تكون ملاذه الوحيد الآن، فليس من يحفظها عن ظهر قلب إلا هو... ورماح.
التفت إليه قائلًا بنبرة حاسمة لا تحتمل نقاشًا:
"سأخرج الآن... وأنتَ يا رماح، ابقَ هنا مع ابنتك لتحميها. لا جدال في هذا الأمر... إنه قراري الأخير."
هزّ رماح رأسه باستسلامٍ حزين، بينما كانت ليان تبكي في صمت.
كل صورةٍ مرت بخيالها عن رعد وهو يقع في قبضة رجال سراج كانت تمزقها.
حتى فكرة التخيّل وحدها كانت أكثر مما تحتمل...
إنها تعرف تمامًا من هو سراج...
وحش؟ لا!
شيطان؟ بل تكاد تجزم أن الشيطان ذاته ليشمئز مما يفعله سراج!
sarab mahmoud