تابع الفصل السادس

تابع الفصل السادس

33 0

*******

كان الهواء مشبعًا برائحة الدخان والحرائق التي أحرقت كل شيء حولهم. النيران كانت تقترب، كما لو كانت يديها تطاردهم، كلما تقدما خطوة كانت النيران تلتهم الأرض تحت أقدامهم، والنار تلتهم الأمل من قلب رعد.

في تلك اللحظة، كان الباب الحديدي الذي يفصل بين الحياة والموت أمامه. لم يكن هناك مفتاح ليشغل القفل، بل مجرد فتحة صغيرة كان يجب على رعد أن يجد فيها طريقه. لم يكن هناك وقت للمحاولة والخطأ، كان الباب هو آخر حاجز بينه وبين النجاة. النيران خلفهم تلتهم الهواء، وهي تقترب مع كل ثانية كأنها سجن لا مفر منه.

أمسك بالسكين الصغيرة التي كانت في يده وكأنها الأمل الوحيد في عالم مليء بالظلام. كان السكين ضعيفًا، وأسطواني الشكل، لا يبدو أنه قادر على فتح هذا الباب الحديدي القاسي، لكنه كان يعلم أن لا خيار آخر أمامه. دفع السكين برفق إلى الفتحة في الباب، محاولًا إدخالها في المكان الذي من المفترض أن يدخل فيه المفتاح، بينما أذنه تتنبه إلى أصوات الحريق الذي كان يقترب شيئًا فشيئًا.

في تلك اللحظة، كانت ليان تقف وراءه، تصرخ بذعر، بينما رعد كان في حالة شبه غيبوبة من التركيز. كل شيء حوله كان يختفي، وكل ما كان يسمعه هو ضربات قلبه السريعة المتسارعة في صدره، وهو يحاول دون جدوى أن يفتح هذا الباب. فجأة، في خضم هذا الصراع اليائس، سمع صوتًا خفيفًا، كطقطقة دقيقة. توقف لوهلة، ظن أن السكين قد انكسرت، ولكن بعد لحظة شعر بشيء غريب، فتحة الباب بدأت تنفتح تدريجيًا، كأنها تعطيهما بصيص أمل.

نعم، لقد نجح. اجتاز رعد تلك العقبة. دفع الباب بكل قوته، ضاغطًا عليه بأكتافه، وسمح له أن يفتح قليلاً، ولكن هذا كان كافيًا بالنسبة له. انتزع يده من الفتحة، ثم أخذ يد ليان بشدة وسحبها نحوه. لم يكن هناك وقت للتفكير، كان مجرد فعل للحياة أو الموت. هرعا معًا، يتسابقان عبر الممر المظلم، النيران تلاحقهم في كل خطوة، لكنهم كانا يركضان بأمل.

وصلا أخيرًا إلى مكان بعيد عن النيران، حيث كانت هناك بضع لحظات من الهدوء. لكن الهدوء لم يكن يريح قلب رعد، الذي كان يلهث بعنف. كان صدره يرتجف، وكأن قلبه على وشك أن يخرج من صدره. أما ليان، فكان جزء من فستانها محروقًا، ووجهها يعكس أقسى ملامح الخوف والندم، كما لو كانت تخشى أن يسحبها القدر مرة أخرى إلى الجحيم الذي فروا منه لتوهم.

كانت قد فتحت فمها، كأنها تريد أن تقول شيئًا، ولكن الكلمات تجمدت على لسانها. شعرت أن الكلمات لم تعد قادرة على إصلاح شيء، وأن ما حدث كان أكبر من أن يُغتفر بسهولة. في تلك اللحظة، وعيناها كانت ملؤهما الندم، تراجعت خطوة إلى الوراء.

رفع رعد عينيه إليها، وقال بصوت مليء بالإصرار، كما لو كانت تلك اللحظة هي اللحظة الحاسمة:

"الآن، أريد الحقيقة كاملة."

كانت كلماته كالصاعقة. تساقطت على قلبها مثل قطرات من الثلج. ماذا ستقول له؟ كيف تشرح له كل شيء؟ كيف تواجه تلك الحقيقة التي بدأت تراه في عينيه؟ الألم في تلك اللحظة كان متجذرًا عميقًا، ولكن ليان كانت تدرك أن الوقت قد حان للصدق، وأن لا شيء آخر سيظل له قيمة بعد الآن سوى الحقيقة.

أخذت ليان نفسًا عميقًا، كأنها تغوص في أعماق بحرٍ مظلم لتنتزع الحقيقة من قاعه العفن. كانت الكلمات ثقيلة، كأنها تحمل على كاهلها جبالًا من الخوف والندم. رفعت عينيها نحوه، نظرت إليه لثوانٍ... ثوانٍ امتدت كعمرٍ كامل، ثم قالت بصوت خافت لكنه واثق، وقد شبك الألم بأنفاسها:

"تعلم بالطبع… الدكتور حسان."

تشنّجت ملامح رعد فور سماع الاسم، وتقلّصت عضلات وجهه كما لو أنّ صاعقة مرّت داخله، لكن ليان لم تمنحه فرصة للكلام، كانت تخشى أن تنهار قبل أن تكمل. تابعت، وصوتها يهتزّ بين رجفة الاعتراف وارتجاف القلب:

"أنا… أنا ابنة زوجة الدكتور حسان. لقد تزوّج والدتي في السر، ولم يعلم أحد بذلك. وبعد أن توفيت أمي… بقيت معه. كنت أظنه ملاكًا منقذًا… لم أعلم أنه جزء من الجحيم ذاته."

انخفض صوتها كأنها تشهق ذكرياتها، ثم تابعت:

"لقد كان… متورطًا في كل هذا. بل كان من العصابة نفسها، تلك التي نطارد ظلّها منذ البداية. كُلّف بحمل الشريحة… ولكنه أضاعها. و... وكنت أنت، بحفظك البائس كما وصفوه، من وجدها."

رعد لم يتحرّك. عيناه ثابتتان كحجر، ووجهه جامدٌ كأنّه تمثال من الرخام، لكن بداخله... كان البحر يعصف، والمدّ يعلو. كان يسمع الكلمات ولا يسمع، كأن صوته الداخلي يصرخ: كفى… كفى... لا أريد أن أعرف!

لكنها أكملت، كمن ينزع الشوكة من القلب ببطء:

"عندما علموا أن الشريحة ضاعت… قتلوا الدكتور حسان. ثم... أخذوني أنا رهينة."

كانت تنظر في عينيه، تتوسل إليه أن يفهم، لكنه كان كأنّه يطفو فوق هاوية، لا يعلم أين سيقع.

"قبل أن يقتلوه… أخبرهم بعنوانك. قال إنك من وجدت الشريحة. لذا، عندما اقتحموا منزلك في تلك الليلة... لم يجدوا سوا والدك. لم يعلموا إن كان هو من يحملها أم أنت. لكنهم... قتلوه. هكذا فقط."

تذكّر رعد في تلك اللحظة الحقيبة… كانت معه، نعم، عندما ذهب للورشة ذلك اليوم. كان قد نسي تمامًا أنها تحمل الشريحة… لذلك لم يجدوا الشريحه في منزله.

وضعت ليان يدها على قلبها، وقالت بنبرة باهتة، كأنها تحكي حلماً مرعبًا:

"حينها جاء سراج، ومعه ذلك الرجل… الصامت. لا أحد يعلم اسمه حتى الآن. ابتسمت بمرارة وقالت: "لكنه رجل بلا قلب… هذا فقط ما أعرفه. لقد خنق الدكتور حسان بيديه، كما لو أنه يسحق دمية… بلا شفقة، بلا رحمة."

ثم نظرت بعيدًا للحظات، كأنها ترى في ذاكرتها صورًا لا تريد لها أن تعود، وقالت:

"سراج... حين وضع المخدر في قهوتك، وظننت أنك فقط متعب. فتّش منزلك بدقة ولم يجد الشريحة، فظن أنك أخفيتها. اقترب منك كصديق… وتردّد إلى ورشتك، كأنّه عابر سبيل. لكن… عندما سألك عن الدكتور حسان بغباء شديد وبشكل مباشر... بدأ يشكّ أنك اكتشفت أمره، لذا… اضطر للانتقال إلى خطة جديدة. ولم يجد أحدًا… سواي."

رفعت عينيها نحوه، ودمعة حقيقية تجمّعت في زاوية عينها، ثم هوت على خدّها، كأنها خُتمٌ نهائي على صدقها.

"كان يعلم أنني لا أملك أحدًا الآن… وأن موتي لن يهم أحدًا. كنت خائفة… مترددة… ضائعة. أقسم لك، تلك الدموع التي رأيتها في عينيّ… لم تكن كذبًا. كنت... محطّمة فعلًا."

ثم خفضت صوتها أكثر، كأنها تعترف لذاتها قبل أن تعترف له:

"كُلّفت بالبحث عن الشريحة… واستدراجك. فتشتُ منزلك، حين سمحت لي بالمبيت فيه… لكنني لم أجد شيئًا. كنت أحاول أن أكون شيئًا آخر… أن أكون بعيدة عن هذا العالم. سراج… كان يراقبني، يراقبك… حتى أدرك أنني لم أعد صالحة للمهمة… فتحرّك بنفسه."

سكتت، وكأنها تتنفس للمرة الأولى منذ سنوات، ثم قالت برجاء يملأه الصدق:

"أرجوك، صدّقني، يا رعد. كنت ضحية، مثلك تمامًا. أعلم أنني تلاعبت بمشاعرك… لكن… لم يكن ذلك تمثيلًا. مشاعري تجاهك… كانت حقيقية."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة