الفصل السابع

الفصل السابع

28 0

ظلّ رعد صامتًا، كأنّ روحه فُصلت عن جسده. لم يصرخ… لم يشتم… لم يتحرك حتى. عيناه كانتا معلّقتين بها، وكأنّه يرى فيها العالم كله ينهار.

قلبه لم يعد ينبض كما كان. شعر أن الأرض تسحبه للأسفل، أن كل شيء آمن في حياته كان وهمًا.

كل اللحظات… ضحكتها، لمستها، خوفها عليه… كانت حقيقية؟ أم تمثيل؟

كان صدره يعلو ويهبط كأن الهواء خان رئتيه. قبض على يده بقوة، حتى أبيضّت مفاصله. كانت الدموع قريبة… لكنها لم تسقط. كان ما يشعر به أكبر من البكاء… كان خيانة، وغضبًا، وحبًا، وألمًا، وضياعًا… كلّها اجتمعت دفعةً واحدة.

رفع عينيه إليها، وفي صوته شيء لم تسمعه من قبل… شيء هشّ، ومرّ:

… ثم أردف بصوت أشبه بالهمس:

"أخبريني، ليان… أيّ جزء فيكِ كان حقيقيًا؟ وأيّ جزء كان مجرد قناع؟"

ثم تنفّس ببطء، وكأنّه يُخرج كل سموم الألم من صدره، لكنه لم يستطع.

كان الألم قد زرع جذوره في قلبه… ولن يرحل بسهولة.

---

كان الممرّ ضيّقًا، مظلمًا، والجدران الإسمنتية المحيطة به توحي كأنها تحاصر أنفاسهما. ضوء مصباح رعد المرتجف كان يخترق العتمة بشقّ الأنفاس، بينما خطواتهما تتردّد في السكون كأنها همسات ماضٍ ثقيل.

كانت ليان تمشي خلفه بخطًى حذرة، ثم توقّفت فجأة وقالت بصوت خافت، لكنّه مشحون بثقل الذكريات:

"رعد… أنت لا تعرف كل شيء."

التفت إليها، ملامحه مثقلة بالإرهاق، لكنه ما زال يملك شرارة الرجاء في عينيه. لم يجب، فاكتفت بالصمت لحظة ثم تابعت:

"المنظمة التي تبحث عن الشريحة… ليست عصابة عشوائية كما قد تظن. إنها منظومة كاملة، منظمة تُدعى نيكسوس. لا أحد يعلم متى تأسست، ولا من يقودها حقًا. كل من يُرى على السطح… ليسوا إلا دمى. حتى سراج."

شهق رعد بدهشة، وتوقف عن السير. رمقها بنظرة مشوشة:

"سراج؟ دمية؟ لكنّه من قتل… من حرّك كل شيء!"

هزّت رأسها بأسى، وقالت:

"سراج ليس أكثر من واجهة. هو العقل التنفيذي، نعم، لكنه لا يملك القرار. هناك من يُحرّكه، من يستخدمه كأداة، وهو يدرك ذلك تمامًا… بل ويخضع له برضاه."

صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت مرتعش:

"أمي… أقصد الدكتور حسان، لم يكن يعلم حين تلقّى الشريحة أنه يتعامل مع طرف غير حكومي. كانوا بارعين في تمويه هويتهم. خدعوه، أقنعوه أن الشريحة لأغراض بحثية. وبحكم خبرته في النظم الدقيقة، طلبوا منه فقط أن يحتفظ بها لبعض الوقت… وقد وافق."

تنفّس رعد ببطء، يحاول استيعاب ما يسمع. نظرت ليان إلى الجدار كأنها ترى من خلاله، وتابعت:

"لكنهم لم يخبروه أن تلك الشريحة ليست مجرد شريحة. إنها عقل إلكتروني قادر على التعلم، التكيّف، التسلّل إلى أي نظام، والتحكم الكامل فيه. كانت تُختبر لاستخدامات خارجة عن السيطرة… حروب، ابتزاز، وفوضى منظمة."

تقدّمت نحوه خطوة، وأردفت بصوت خافت:

"في أحد الأيام، وضع الشريحة في حقيبته الشخصية، فقط ليُخفيها عن عيون من بدأ يشك فيهم. لم يكن يُدرك أن الشريحه ستسقط من حقيبتة … وتصل إليك."

عادت الذكريات إليه بينما يلتقط الشريحة ويضعها في جيبه

في المنزل وضعها في حقيبتة التي اصطحبها في اليوم المشرك الذي قتل فيه كلا من دكتور حسان ووالده الي الورشه !

هزّت ليان رأسها ببطء، بعينين زجاجيتين من ثِقل الذنب:

"ولهذا لم يعثروا عليها في المنزل… ولهذا قتلوه. لم يكن معهم وقتٌ للسؤال أو التحقيق. فقط… نفّذوا."

غرس رعد أصابعه في شعره، وغمغم كمن يحدّث نفسه:

"كل شيء بدأ من هناك… وأنا لم أكن أعلم."

سارت ليان ببطء إلى جانبه، ثم قالت بنبرة أكثر جدية:

"منذ اختفاء الشريحة، بدأت نيكسوس تنهار داخليًا. فهم لا يحتملون الفوضى. ولأن سراج المسؤول أمامهم، بدأ يفقد صوابه. أراد استعادتها بأي ثمن. ولهذا... استدرجني. أراد أن يستخدمني للوصول إليك."

رمقها رعد بدهشة ممزوجة بالألم، لكنها رفعت رأسها وقالت بإصرار:

"أنا اخترت أن أكون هنا. لا لأراقبك، بل لأحميك… لأنني أدركت منذ البداية… أن الشريحة، في يدك، قد تكون فرصة لوقفهم."

سكتا معًا، للحظة، سكونًا عميقًا كأنهما على حافة قرار مفصلي. ثم قال رعد بصوت خافت، لكنه ممتلئ بقوة دفينة:

"سنُسقطهم… كلّهم. لكن ليس بالهرب… بل بالمواجهة."

غلب الصمت على المكان لبرهة، وكأنّ جدران الغرفة امتصّت كلّ الكلمات. كانت "ليان" تحدّق في الأرض، بينما كان "رعد" يحاول أن يستوعب ما سمعه، لكن عقله ظلّ مشغولًا بسؤال واحد، لم يتجرأ على النطق به. حتى همست به هي أخيرًا، وكأنها تقرأ أفكاره:

ـــ أكيد أنت الآن تتساءل عن طبيعة الشريحة التي وقعت في يديك.

رفع "رعد" رأسه ببطء، كأنّه يواجه حائطًا من الدهشة، ثم أجاب بصوت منخفض:

ـــ نعم، بالضبط. ما هي هذه الشريحة، وما الذي يجعلها بهذا القدر من الخطورة؟

أجابته "ليان" بنبرة جادة، وكأنها تشرح أمرًا يفوق فهم الكثيرين، ولكنها مجبرة على أن تضع كل شيء أمامه:

ـــ الشريحة التي وقعت في يدك تُدعى في الأبحاث العلمية الأولية "MIRAGE-01"، وهي شريحة نانومترية متطورة، تحتوي على نظام ذكي مصمم ليكون هجوميًّا، أي أنها قادرة على التحليل والسيطرة على أي أنظمة إلكترونية بمجرد تفاعلها معها. هي أكثر من مجرد جهاز تخزين، إنها كائن رقمي حي.

فغر "رعد" فاهه في ذهول، وسأل على الفور، مستنكرًا:

ـــ إذا كانت كذلك، فكيف يمكنها أن تسيطر على الأنظمة الإلكترونية؟

أجابته "ليان" بثقة، لكنها كانت مشوبة ببعض الحذر، وكأنها تعلم مدى خطورة كل كلمة تخرج من فمها:

ـــ هذه الشريحة ليست مجرد أداة تخزين أو جهاز تعقب، هي في الواقع كائن رقمي قادر على اختراق أي نظام، وتكيّف نفسه معه بشكل كامل. خلال وقت قصير، تصبح جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية لذلك النظام. تستطيع أن تتحكم في شبكة مستشفى، تدخل على قواعد بيانات حكومية، تتلاعب بأنظمة الطيران، بل ويمكنها تدمير نظم أمان دولية بمجرد تكيّفها مع شبكاتها. والأمر الأخطر؟ هي تتعلم، تتطور في كل ثانية تقضيها داخل بيئة رقمية جديدة.

سكت "رعد" للحظات، وهو يحاول استيعاب ما سمعه، ثم قال بصوت منخفض، لكنه كان مشوبًا بالقلق:

ـــ إذن، هي ليست مجرد شريحة عادية. هي وسيلة للتحكم الكامل في الأنظمة... هي سلاح.

أومأت "ليان" برأسها، وقالت بنبرة أقوى، وكأنها تدرك عواقب ما تقول:

ـــ بالضبط. هذه الشريحة هي سلاح رقمي قوي للغاية. يمكنها أن تتحكم في كل شيء حولنا إذا وقع في يد من يسعى إلى الفوضى. تخيل فقط كيف يمكن أن تؤثر في حياة البشر، كيف يمكن أن تدمّر اقتصادات بأكملها أو تُعرّض دولًا للخطر.

استمر "رعد" في النظر إليها، وعيناه تكادان تلمعان من شدة الاضطراب. لكن تساءل بصوت مضطرب:

ـــ لكن لماذا كل هذا؟ لماذا يسعى هؤلاء الأشخاص إلى امتلاك مثل هذه القوة؟

نظرت إليه "ليان" بنظرة حانية، وكأنها تحاول أن تجبره على فهم الحقائق الصعبة:

ـــ لأنّهم لا يسعون وراء المال فقط، بل يسعون وراء السيطرة المطلقة. هم يريدون أن يصبحوا هم القوة الوحيدة التي تحكم هذا العالم. السيطرة على المعلومات، على الأنظمة، على كل شيء. الشريحة هي بوابتهم لتحقيق هذا الهدف.

ثم ابتعدت خطوة إلى الوراء، وكأنّها تحاول أن تهرب من واقع الكلمات التي تلفظت بها، وقالت بنبرة أخف:

ـــ هذا هو السبب في أن "نيكسوس" لا تترك أحدًا ينجو منهم. لقد حاولوا تدمير كل من اقترب منها، أو من كان يملكها.

سأل "رعد" بلهجة ضعيفة، وهو يحاول إخفاء قلقه:

ـــ ولكن… لماذا أنا؟ لماذا وقع الاختيار عليّ؟ أنا لم أكن أعلم بوجود هذه الشريحة.

أجابته "ليان" بلهجة قاطعة، تكاد تقطع الحبل الذي يربط تفكيره:

ـــ لأنّك كنت الشخص الذي وقع في يده. كان الدكتور حسان قد خبّأها في حقيبته، ولكن حظه التعيس جعلها تسقط من الحقيبة . وحظك الاتعس جعلك تجدها، كانوا يعرفون أن الشخص الذي سيظهر وهو يمتلكها هو الشخص الذي لا يمكنهم تجاهله.

صمت لحظة، ثم تساءل بقلق أكبر:

ـــ هل يمكننا تدميرها؟ هل هناك طريقة للتخلص منها؟

أجابت "ليان" بنبرة أكثر هدوءًا، ولكنها لا تخلو من الألم:

ـــ هناك محاولات عديدة لتدميرها، لكن المشكلة تكمن في أن الشريحة قادرة على التكيّف مع البيئة التي توجد فيها. إذا حاولنا تدميرها، فستنفصل عن المادة التي تحتوي عليها، وتنتقل إلى مكان آخر، إلى نظام آخر، ليتابع عمله، بل ربما يصبح أقوى. هي لا يمكن إيقافها ببساطة.

ثم التزمت الصمت للحظة، وكأنّها تبحث عن كلمات لتهدئ من روعه، قبل أن تضيف:

ـــ ومع ذلك، في يدك أنت، قد تكون هذه الشريحة هي الأمل الوحيد. لأنه إذا تمكنت من التحكم فيها، قد تستطيع أن تقاومهم وتستخدمها ضدهم.

فجأة، قطع حديثهم صوت خطوات تقترب منهما بحذر. شعرت "ليان" بالذعر، بينما تأهب "رعد" لأي هجوم. استمر الصوت في الاقتراب أكثر فأكثر، بينما كان التوتر يزداد في الجو المحيط. وفجأة، ظهر الرجل الملثم نفسه الذي دس في يد "رعد" السكين التي تحرر بها، وكأنها لحظة حاسمة في الصراع.

نظر الرجل الملثم إلى "رعد" بعينيه الباردتين، ثم انتقل بنظره إلى "ليان"، التي كانت في حالة من الذعر الشديد، عينيها متسعتين وهي تراقب ردّة فعل "رعد". ثم تحدث قائلاً بصوت هادئ، لكنه مليء بالمعنى:

ـــ كما ظننت بالضبط. أدركت أنك ستُقِدِم على إنقاذها رغم كل شيء.

ثم التفت الرجل الملثم وأعطى ظهره لـ"رعد"، قائلاً له:

ـــ اتبعني، سأرشدك إلى طريق الخروج.

تبادل "رعد" و"ليان" نظرات مليئة بالتوتر، ثم اتخذ "رعد" قراره الحاسم بالسير خلفه. لو أراد قتلهم منذ البداية، لكان فعلها بلا شك.

سار "رعد" خلف الرجل الملثم، ثم من خلفهم "ليان" التي كانت في حالة من الذهول والتردد. مرت لحظات من الهدوء، كما لو أن الزمن توقف في تلك اللحظة، حتى قطع "رعد" هذا الصمت قائلاً:

ـــ إذاً، من أنت؟ ولماذا...

لكن الرجل الملثم قاطعه بصوت صارم، طالبًا منه أن يتوقف عن السؤال في هذه اللحظة. وأضاف بلهجة محذرة:

ـــ الأحداث التالية هي التي ستجعلك تدرك الحقيقة، عاجلاً أم آجلاً.

صمت "رعد" لوهلة، لكنه لم يستطع إخفاء تلك الارتعاشة في جسده. كان يعلم في أعماقه أنه لم يكن مطمئنًا إلى ما سيحدث في اللحظات القادمة. شعور غريب من التوجس يسيطر عليه، كما لو أن كل خطوة يخطوها الآن تقوده إلى المجهول.

قادهم الرجل الملثم بصمتٍ مهيب حتى بلغ نهاية الممر أخيرًا. وقبل أن ينبس أحدهم ببنت شفة، مدّ الرجل الملثم قطعةً كبيرة من القماش القاتم إلى "رعد"، وأخرى إلى "ليان"، ثم أمرهما بصرامة أن يُغطيا أعينهما بها بإحكام.

تبادل الاثنان نظراتٍ حائرة، وقد بدا الذهول واضحًا في ملامح "ليان"، بينما علت وجه "رعد" علامات الاستغراب. غير أن الرجل لم يمنحهما فرصةً للتفكير، بل قال ببرودٍ لا يخلو من التهديد:

ـــ إن أردتما النجاة بحياتكما، فافعلا ما أطلبه منكما... بلا تردد.

تنهد "رعد" في استسلام، ثم لفّ قطعة القماش حول عينيه، وما إن فعل حتى ابتلع الظلام كل شيء. تبعته "ليان"، وقلبها يرتجف، ويدها ترتعش وهي تغلق على النور آخر خيط.

شعرا بيد الرجل تمسك بهما وتقتادهما بهدوء نحو مكانٍ ما، قبل أن يجدا نفسيهما داخل سيارة. وبلا مقدّمات، قيد الرجل يديهما بأصفادٍ حديدية، أثارت في قلبيهما قلقًا عارمًا، وتضاعف الذعر في عيني "ليان".

لكن الرجل عاجل تعجبهما بلهجة هادئة لا تخلو من الحزم:

ـــ لا تقلقا... إجراء روتيني فقط، للتأكد من أنكما لن تنزعا الغطاء عن أعينكما.

تحركت السيارة ببطء، وساد داخلها صمتٌ ثقيل، تقطّعه الأفكار السوداء التي بدأت تنهش رأسيهما، وكلٌّ منهما يتخيّل أسوأ ما قد يكون في انتظاره.

وفجأة، قطعت "ليان" الصمت بصوت خافت، ناعم، تغلّفه نبرة ندم عميقة. قالت:

ـــ يا رعد... أنا آسفة. أقسم لك... أقسم لك للمرة المئة، أنني لم أملك خيارًا. لم تكن تمثيلية، لم يكن خداعًا... أنا حقًا... أحبك.

لم يجبها "رعد". ظلّ صامتًا كأن صوته خذله، لكن داخله كان يتقلب بصراعٍ لم يُرد له أن يظهر. لم يغفر لها تمامًا بعد، لكن الغضب الذي كان يشتعل في صدره بدأ يخفت... شيئًا فشيئًا، لم يعد يلومها.

تشنّجت عضلات وجه "رعد" للحظة، ثم ارتخت كأنما الحياة انسحبت منها. حدقت عيناه في "ليان"، دون أن يراها فعليًا. لم تكن تلك التي أمامه هي الفتاة التي أحبها، التي سكنته بحنانها، التي ظنها طوق نجاته في عالمٍ موحش. لا… كانت شخصًا آخر، غريبًا، كاذبًا، خائنًا.

اهتزّ جفنه، وارتجف أنفه، وبدأت شفتيه ترتعشان… الألم لم يكن عاديًا، بل كان يُغرز في أعماق روحه، كأن أحدهم فتح صدره وانتزع قلبه بيده العارية. شيء داخله انكسر… شيءٌ عزيز لم يعد كما كان.

ابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الهواء قد تحوّل إلى غصة. التوت ملامحه بين الذهول والخذلان، وتكوّرت أصابعه بعنف فوق الحبل الذي يقيده، كأنما يتشبث بأي شيء يمنعه من الانهيار.

"ليان؟!" نطق اسمها داخل قلبه فقط… كصرخة مكتومة محشورة في زوايا صدره.

كيف؟ متى؟ ولماذا؟

صرخة مكتومة تحاول شق طريقها عبر صمته، لكن الألم أغلق الحنجرة.

وفجأة…

رفع "سراج" مسدسه أمام رأس "ليان".

شهق "رعد" شهقة أقرب للأنين، وصاح بأعلى صوته، كأن قلبه قد انفجر:

— كفّ عما تفعله، أيها الـ... الخسيس!

التفت إليه "سراج"، وضحك ضحكة ساخرة كأنها صفعة على وجه "رعد"، وهز مسدسه بخفة وقال:

— لازلت تشفق عليها؟ حتى بعد ما علمت بما فعلت؟ يا لك من مغفل ساذج... لقد لعبت بك كما يُلعب بالدمى!

تسارعت أنفاس "رعد"، وخُيّل له أن رأسه سيدور، أن جسده سينهار… كانت نظراته تصرخ بينما وجهه يشي بالدمار، بالحيرة، بالغضب، لكنه… لم يقل شيئًا.

وسراج يضحك ويضحك، بينما يبدأ بالتراجع للخروج، تاركًا خلفه جحيمًا مشتعلًا داخل "رعد".

وقبل أن يختفي، هتف بنبرة باردة:

— سأقتلها… وسأعرف منك مكان الشريحة. سأعطيك بعض الوقت لتتذكّر، إن كنت "قد نسيت" فعلًا. وإن لم تخبرني… سأجعلك تتمنى الموت كل يوم، ولن تناله!

ضحكته الأخيرة كانت كرصاصة، اخترقت صدر "رعد" ومزقت قلبه.

ثم رحل.

---

ظل "رعد" صامتًا.

لم يكن بمقدوره النظر إليها… تلك الفتاة التي لم يعد يعرفها. تلك التي خدعته بدموعها، بنظراتها، بحكاياتها الملفّقة. شعور مرير بدأ يتسرّب إلى جوفه… مزيج من التقزّز والمقت والخذلان.

كم كانت بارعة! كم كانت ماكرة!

أما "ليان"، فكانت ترتجف في مكانها، وجسدها يتقلص كمن ينتظر الصفعة القادمة. لم ترفع عينيها إليه… كانت دموعها تنهمر بصمت، ووجهها ينكمش في ذنبٍ قاتل. كأنها تحترق بصمته أكثر من أي صراخ.

لكن "رعد" لم يكن يرى سوى رمادًا الآن. رماد ما تبقى من ثقته. من حبه. من نفسه.

---

مرّت دقائق، وكأنها ساعات من العذاب، حتى دخل رجلٌ غريب، ملثّم الوجه، وقف خلف سراج، وبهدوء وضع في يده شيئًا… سكين صغيرة.

تسارعت دقات قلب "رعد"، تملّكته الصدمة، لكن الرجل مرّ بجانبه دون أن يؤذيه، وهمس:

— سأشعل النار بعد قليل، إن تمكنت من الهرب، ستكون محظوظًا… لا تسأل كثيرًا عن السبب، ربما إن نجوت ستفهم. باب الهروب خلف الفتاة… أو ذاك الممر أمامك، لكنه أطول قليلًا.

ثم اختفى، كما لو لم يكن موجودًا أصلًا.

---

تلفت "رعد" في ذهول، عاد إليه وعيه دفعة واحدة، وبدأ يقطع الحبل الموثوق حول يديه. استجمع كل ما تبقى من قوته، ومن غضبه، ومن صدمته… وراح يقاتل الحبل بأسنانه وأصابعه المرتجفة.

وأخيرًا!

انقطع الحبل.

انكبّ على قدميه ليحررهما، لكن قبل أن يُنهي، دوّت صرخات من الخارج:

— حريق! حريق!!

وفجأة، ألقيت سلة بها نار مشتعلة، وسقطت بالقرب من الكرسي الذي تجلس عليه "ليان".

علا اللهب بهدوء خبيث، كأن النار تتسلل كالسمّ… تنتشر دون استعجال، تستمتع بالرعب.

"رعد" أنهى الحبل سريعًا، عرقه يتصبب، أنفاسه تحترق، ثم…

تحرر!

لكن أمامه الآن خيار واحد… إما أن ينجو وحده… أو… ينقذ الخائنة.

******

وهكذا، نبدأ من جديد، أيها القارئ، من النقطة الأولى.

من النار التي بدأت تزحف،

من الفستان الأسود،

ومن نظرات "رعد" الجامدة التي سكنت وجهه وهو يراها مقيدة أمامه.

من رجائها البائس… ومن صمته المتجمد.

ومن اللحظة التي قرر فيها أخيرًا أن يتحرك.

رجعنا إلى حيث بدأ كل شيء،

إلى النار،

وإلى الباب الخشبي…

الذي لم يكن خلفه سوى بابٍ حديدي،

كأن القدر يصر على أن لا يجعل الهروب سهلاً،

ولا النجاة قريبة.

*******

كان الهواء مشبعًا برائحة الدخان والحرائق التي أحرقت كل شيء حولهم. النيران كانت تقترب، كما لو كانت يديها تطاردهم، كلما تقدما خطوة كانت النيران تلتهم الأرض تحت أقدامهم، والنار تلتهم الأمل من قلب رعد.

في تلك اللحظة، كان الباب الحديدي الذي يفصل بين الحياة والموت أمامه. لم يكن هناك مفتاح ليشغل القفل، بل مجرد فتحة صغيرة كان يجب على رعد أن يجد فيها طريقه. لم يكن هناك وقت للمحاولة والخطأ، كان الباب هو آخر حاجز بينه وبين النجاة. النيران خلفهم تلتهم الهواء، وهي تقترب مع كل ثانية كأنها سجن لا مفر منه.

أمسك بالسكين الصغيرة التي كانت في يده وكأنها الأمل الوحيد في عالم مليء بالظلام. كان السكين ضعيفًا، وأسطواني الشكل، لا يبدو أنه قادر على فتح هذا الباب الحديدي القاسي، لكنه كان يعلم أن لا خيار آخر أمامه. دفع السكين برفق إلى الفتحة في الباب، محاولًا إدخالها في المكان الذي من المفترض أن يدخل فيه المفتاح، بينما أذنه تتنبه إلى أصوات الحريق الذي كان يقترب شيئًا فشيئًا.

في تلك اللحظة، كانت ليان تقف وراءه، تصرخ بذعر، بينما رعد كان في حالة شبه غيبوبة من التركيز. كل شيء حوله كان يختفي، وكل ما كان يسمعه هو ضربات قلبه السريعة المتسارعة في صدره، وهو يحاول دون جدوى أن يفتح هذا الباب. فجأة، في خضم هذا الصراع اليائس، سمع صوتًا خفيفًا، كطقطقة دقيقة. توقف لوهلة، ظن أن السكين قد انكسرت، ولكن بعد لحظة شعر بشيء غريب، فتحة الباب بدأت تنفتح تدريجيًا، كأنها تعطيهما بصيص أمل.

نعم، لقد نجح. اجتاز رعد تلك العقبة. دفع الباب بكل قوته، ضاغطًا عليه بأكتافه، وسمح له أن يفتح قليلاً، ولكن هذا كان كافيًا بالنسبة له. انتزع يده من الفتحة، ثم أخذ يد ليان بشدة وسحبها نحوه. لم يكن هناك وقت للتفكير، كان مجرد فعل للحياة أو الموت. هرعا معًا، يتسابقان عبر الممر المظلم، النيران تلاحقهم في كل خطوة، لكنهم كانا يركضون بأمل.

وصلوا أخيرًا إلى مكان بعيد عن النيران، حيث كانت هناك بضع لحظات من الهدوء. لكن الهدوء لم يكن يريح قلب رعد، الذي كان يلهث بعنف. كان صدره يرتجف، وكأن قلبه على وشك أن يخرج من صدره. أما ليان، فكان جزء من فستانها محروقًا، ووجهها يعكس أقسى ملامح الخوف والندم، كما لو كانت تخشى أن يسحبها القدر مرة أخرى إلى الجحيم الذي فروا منه لتوهم.

كانت قد فتحت فمها، كأنها تريد أن تقول شيئًا، ولكن الكلمات تجمدت على لسانها. شعرت أن الكلمات لم تعد قادرة على إصلاح شيء، وأن ما حدث كان أكبر من أن يُغتفر بسهولة. في تلك اللحظة، وعيناها كانت ملؤهما الندم، تراجعت خطوة إلى الوراء.

رفع رعد عينيه إليها، وقال بصوت مليء بالإصرار، كما لو كانت تلك اللحظة هي اللحظة الحاسمة:

"الآن، أريد الحقيقة كاملة."

كانت كلماته كالصاعقة. تساقطت على قلبها مثل قطرات من الثلج. ماذا ستقول له؟ كيف تشرح له كل شيء؟ كيف تواجه تلك الحقيقة التي بدأت تراه في عينيه؟ الألم في تلك اللحظة كان متجذرًا عميقًا، ولكن ليان كانت تدرك أن الوقت قد حان للصدق، وأن لا شيء آخر سيظل له قيمة بعد الآن سوى الحقيقة.

أخذت ليان نفسًا عميقًا، كأنها تغوص في أعماق بحرٍ مظلم لتنتزع الحقيقة من قاعه العفن. كانت الكلمات ثقيلة، كأنها تحمل على كاهلها جبالًا من الخوف والندم. رفعت عينيها نحوه، نظرت إليه لثوانٍ... ثوانٍ امتدت كعمرٍ كامل، ثم قالت بصوت خافت لكنه واثق، وقد شبك الألم بأنفاسها:

"تعلم بالطبع… الدكتور حسان."

تشنّجت ملامح رعد فور سماع الاسم، وتقلّصت عضلات وجهه كما لو أنّ صاعقة مرّت داخله، لكن ليان لم تمنحه فرصة للكلام، كانت تخشى أن تنهار قبل أن تكمل. تابعت، وصوتها يهتزّ بين رجفة الاعتراف وارتجاف القلب:

"أنا… أنا ابنة زوجة الدكتور حسان. لقد تزوّج والدتي في السر، ولم يعلم أحد بذلك. وبعد أن توفيت أمي… بقيت معه. كنت أظنه ملاكًا منقذًا… لم أعلم أنه جزء من الجحيم ذاته."

انخفض صوتها كأنها تشهق ذكرياتها، ثم تابعت:

"لقد كان… متورطًا في كل هذا. بل كان من العصابة نفسها، تلك التي نطارد ظلّها منذ البداية. كُلّف بحمل الشريحة… ولكنه أضاعها. و... وكنت أنت، بحفظك البائس كما وصفوه، من وجدها."

رعد لم يتحرّك. عيناه ثابتتان كحجر، ووجهه جامدٌ كأنّه تمثال من الرخام، لكن بداخله... كان البحر يعصف، والمدّ يعلو. كان يسمع الكلمات ولا يسمع، كأن صوته الداخلي يصرخ: كفى… كفى... لا أريد أن أعرف!

لكنها أكملت، كمن ينزع الشوكة من القلب ببطء:

"عندما علموا أن الشريحة ضاعت… قتلوا الدكتور حسان. ثم... أخذوني أنا رهينة."

كانت تنظر في عينيه، تتوسل إليه أن يفهم، لكنه كان كأنّه يطفو فوق هاوية، لا يعلم أين سيقع.

"قبل أن يقتلوه… أخبرهم بعنوانك. قال إنك من وجدت الشريحة. لذا، عندما اقتحموا منزلك في تلك الليلة... لم يجدوا سوا والدك. لم يعلموا إن كان هو من يحملها أم أنت. لكنهم... قتلوه. هكذا فقط."

تذكّر رعد في تلك اللحظة الحقيبة… كانت معه، نعم، عندما ذهب للورشة ذلك اليوم. كان قد نسي تمامًا أنها تحمل الشريحة… لذلك لم يجدوا الشريحه في منزله.

وضعت ليان يدها على قلبها، وقالت بنبرة باهتة، كأنها تحكي حلماً مرعبًا:

"حينها جاء سراج، ومعه ذلك الرجل… الصامت. لا أحد يعلم اسمه حتى الآن. ابتسمت بمرارة وقالت: "لكنه رجل بلا قلب… هذا فقط ما أعرفه. لقد خنق الدكتور حسان بيديه، كما لو أنه يسحق دمية… بلا شفقة، بلا رحمة."

ثم نظرت بعيدًا للحظات، كأنها ترى في ذاكرتها صورًا لا تريد لها أن تعود، وقالت:

"سراج... حين وضع المخدر في قهوتك، وظننت أنك فقط متعب. فتّش منزلك بدقة ولم يجد الشريحة، فظن أنك أخفيتها. اقترب منك كصديق… وتردّد إلى ورشتك، كأنّه عابر سبيل. لكنك… عندما سألك عن الدكتور حسان بغباء شديد وبشكل مباشر... بدأ يشكّ أنك اكتشفت أمره، لذا… اضطر للانتقال إلى خطة جديدة. ولم يجد أحدًا… سواي."

رفعت عينيها نحوه، ودمعة حقيقية تجمّعت في زاوية عينها، ثم هوت على خدّها، كأنها خُتمٌ نهائي على صدقها.

"كان يعلم أنني لا أملك أحدًا الآن… وأن موتي لن يهم أحدًا. كنت خائفة… مترددة… ضائعة. أقسم لك، تلك الدموع التي رأيتها في عينيّ… لم تكن كذبًا. كنت... محطّمة فعلًا."

ثم خفضت صوتها أكثر، كأنها تعترف لذاتها قبل أن تعترف له:

"كُلّفت بالبحث عن الشريحة… واستدراجك. فتشتُ منزلك، حين سمحت لي بالمبيت فيه… لكنني لم أجد شيئًا. كنت أحاول أن أكون شيئًا آخر… أن أكون بعيدة عن هذا العالم. سراج… كان يراقبني، يراقبك… حتى أدرك أنني لم أعد صالحة للمهمة… فتحرّك بنفسه."

سكتت، وكأنها تتنفس للمرة الأولى منذ سنوات، ثم قالت برجاء يملأه الصدق:

"أرجوك، صدّقني، يا رعد. كنت ضحية، مثلك تمامًا. أعلم أنني تلاعبت بمشاعرك… لكن… لم يكن ذلك تمثيلًا. مشاعري تجاهك… كانت حقيقية."

*****

ظلّ رعد صامتًا، كأنّ روحه فُصلت عن جسده. لم يصرخ… لم يشتم… لم يتحرك حتى. عيناه كانتا معلّقتين بها، وكأنّه يرى فيها العالم كله ينهار.

قلبه لم يعد ينبض كما كان. شعر أن الأرض تسحبه للأسفل، أن كل شيء آمن في حياته كان وهمًا.

كل اللحظات… ضحكتها، لمستها، خوفها عليه… كانت حقيقية؟ أم تمثيل؟

كان صدره يعلو ويهبط كأن الهواء خان رئتيه. قبض على يده بقوة، حتى أبيضّت مفاصله. كانت الدموع قريبة… لكنها لم تسقط. كان ما يشعر به أكبر من البكاء… كان خيانة، وغضبًا، وحبًا، وألمًا، وضياعًا… كلّها اجتمعت دفعةً واحدة.

رفع عينيه إليها، وفي صوته شيء لم تسمعه من قبل… شيء هشّ، ومرّ:

… ثم أردف بصوت أشبه بالهمس:

"أخبريني، ليان… أيّ جزء فيكِ كان حقيقيًا؟ وأيّ جزء كان مجرد قناع؟"

ثم تنفّس ببطء، وكأنّه يُخرج كل سموم الألم من صدره، لكنه لم يستطع.

كان الألم قد زرع جذوره في قلبه… ولن يرحل بسهولة.

*****

كان الممرّ ضيّقًا، مظلمًا، والجدران الإسمنتية المحيطة به توحي كأنها تحاصر أنفاسهما. ضوء مصباح رعد المرتجف كان يخترق العتمة بشقّ الأنفاس، بينما خطواتهما تتردّد في السكون كأنها همسات ماضٍ ثقيل.

كانت ليان تمشي خلفه بخطًى حذرة، ثم توقّفت فجأة وقالت بصوت خافت، لكنّه مشحون بثقل الذكريات:

"رعد… أنت لا تعرف كل شيء."

التفت إليها، ملامحه مثقلة بالإرهاق، لكنه ما زال يملك شرارة الرجاء في عينيه. لم يجب، فاكتفت بالصمت لحظة ثم تابعت:

"المنظمة التي تبحث عن الشريحة… ليست عصابة عشوائية كما قد تظن. إنها منظومة كاملة، منظمة تُدعى نيكسوس. لا أحد يعلم متى تأسست، ولا من يقودها حقًا. كل من يُرى على السطح… ليسوا إلا دمى. حتى سراج."

شهق رعد بدهشة، وتوقف عن السير. رمقها بنظرة مشوشة:

"سراج؟ دمية؟ لكنّه من قتل… من حرّك كل شيء!"

هزّت رأسها بأسى، وقالت:

"سراج ليس أكثر من واجهة. هو العقل التنفيذي، نعم، لكنه لا يملك القرار. هناك من يُحرّكه، من يستخدمه كأداة، وهو يدرك ذلك تمامًا… بل ويخضع له برضاه."

صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت مرتعش:

" الدكتور حسان، لم يكن يعلم حين تلقّى الشريحة أنها ستكون سبب هلاكه. وبحكم خبرته في النظم الدقيقة، طلبوا منه فقط أن يحتفظ بها لبعض الوقت… وقد وافق."

تنفّس رعد ببطء، يحاول استيعاب ما يسمع. نظرت ليان إلى الجدار كأنها ترى من خلاله، وتابعت:

"لكنهم لم يخبروه أن تلك الشريحة ليست مجرد شريحة. إنها عقل إلكتروني قادر على التعلم، التكيّف، التسلّل إلى أي نظام، والتحكم الكامل فيه. كانت تُختبر لاستخدامات خارجة عن السيطرة… حروب، ابتزاز، وفوضى منظمة."

تقدّمت نحوه خطوة، وأردفت بصوت خافت:

"في أحد الأيام، وضع الشريحة في حقيبته الشخصية، فقط ليُخفيها عن عيون من بدأ يشك فيهم. لم يكن يُدرك أن الشريحه ستسقط من حقيبتة … وتصل إليك."

عادت الذكريات إليه بينما يلتقط الشريحة ويضعها في جيبه

في المنزل وضعها في حقيبتة التي اصطحبها في اليوم المشرك الذي قتل فيه كلا من دكتور حسان ووالده الي الورشه !

هزّت ليان رأسها ببطء، بعينين زجاجيتين من ثِقل الذنب:

"ولهذا لم يعثروا عليها في المنزل… ولهذا قتلوه. لم يكن معهم وقتٌ للسؤال أو التحقيق. فقط… نفّذوا."

غرس رعد أصابعه في شعره، وغمغم كمن يحدّث نفسه:

"كل شيء بدأ من هناك… وأنا لم أكن أعلم."

سارت ليان ببطء إلى جانبه، ثم قالت بنبرة أكثر جدية:

"منذ اختفاء الشريحة، بدأت نيكسوس تنهار داخليًا. فهم لا يحتملون الفوضى. ولأن سراج المسؤول أمامهم، بدأ يفقد صوابه. أراد استعادتها بأي ثمن. ولهذا... استدرجني. أراد أن يستخدمني للوصول إليك."

رمقها رعد بدهشة ممزوجة بالألم، لكنها رفعت رأسها وقالت بإصرار:

"أنا اخترت أن أكون هنا. لا لأراقبك، بل لأحميك… لأنني أدركت منذ البداية… أن الشريحة، في يدك، قد تكون فرصة لوقفهم."

سكتا معًا، للحظة، سكونًا عميقًا كأنهما على حافة قرار مفصلي. ثم قال رعد بصوت خافت، لكنه ممتلئ بقوة دفينة:

"سنُسقطهم… كلّهم. لكن ليس بالهرب… بل بالمواجهة."

غلب الصمت على المكان لبرهة، وكأنّ جدران الغرفة امتصّت كلّ الكلمات. كانت "ليان" تحدّق في الأرض، بينما كان "رعد" يحاول أن يستوعب ما سمعه، لكن عقله ظلّ مشغولًا بسؤال واحد، لم يتجرأ على النطق به. حتى همست به هي أخيرًا، وكأنها تقرأ أفكاره:

ـــ أكيد أنت الآن تتساءل عن طبيعة الشريحة التي وقعت في يديك.

رفع "رعد" رأسه ببطء، كأنّه يواجه حائطًا من الدهشة، ثم أجاب بصوت منخفض:

ـــ نعم، بالضبط. ما هي هذه الشريحة، وما الذي يجعلها بهذا القدر من الخطورة؟

أجابته "ليان" بنبرة جادة، وكأنها تشرح أمرًا يفوق فهم الكثيرين، ولكنها مجبرة على أن تضع كل شيء أمامه:

ـــ الشريحة التي وقعت في يدك تُدعى في الأبحاث العلمية الأولية "MIRAGE-01"، وهي شريحة نانومترية متطورة، تحتوي على نظام ذكي مصمم ليكون هجوميًّا، أي أنها قادرة على التحليل والسيطرة على أي أنظمة إلكترونية بمجرد تفاعلها معها. هي أكثر من مجرد جهاز تخزين، إنها كائن رقمي حي.

فغر "رعد" فاهه في ذهول، وسأل على الفور، مستنكرًا:

ـــ إذا كانت كذلك، فكيف يمكنها أن تسيطر على الأنظمة الإلكترونية؟

أجابته "ليان" بثقة، لكنها كانت مشوبة ببعض الحذر، وكأنها تعلم مدى خطورة كل كلمة تخرج من فمها:

ـــ هذه الشريحة ليست مجرد أداة تخزين أو جهاز تعقب، هي في الواقع كائن رقمي قادر على اختراق أي نظام، وتكيّف نفسه معه بشكل كامل. خلال وقت قصير، تصبح جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية لذلك النظام. تستطيع أن تتحكم في شبكة مستشفى، تدخل على قواعد بيانات حكومية، تتلاعب بأنظمة الطيران، بل ويمكنها تدمير نظم أمان دولية بمجرد تكيّفها مع شبكاتها. والأمر الأخطر؟ هي تتعلم، تتطور في كل ثانية تقضيها داخل بيئة رقمية جديدة.

سكت "رعد" للحظات، وهو يحاول استيعاب ما سمعه، ثم قال بصوت منخفض، لكنه كان مشوبًا بالقلق:

ـــ إذن، هي ليست مجرد شريحة عادية. هي وسيلة للتحكم الكامل في الأنظمة... هي سلاح.

أومأت "ليان" برأسها، وقالت بنبرة أقوى، وكأنها تدرك عواقب ما تقول:

ـــ بالضبط. هذه الشريحة هي سلاح رقمي قوي للغاية. يمكنها أن تتحكم في كل شيء حولنا إذا وقع في يد من يسعى إلى الفوضى. تخيل فقط كيف يمكن أن تؤثر في حياة البشر، كيف يمكن أن تدمّر اقتصادات بأكملها أو تُعرّض دولًا للخطر.

استمر "رعد" في النظر إليها، وعيناه تكادان تلمعان من شدة الاضطراب. لكن تساءل بصوت مضطرب:

ـــ لكن لماذا كل هذا؟ لماذا يسعى هؤلاء الأشخاص إلى امتلاك مثل هذه القوة؟

نظرت إليه "ليان" بنظرة حانية، وكأنها تحاول أن تجبره على فهم الحقائق الصعبة:

ـــ لأنّهم لا يسعون وراء المال فقط، بل يسعون وراء السيطرة المطلقة. هم يريدون أن يصبحوا هم القوة الوحيدة التي تحكم هذا العالم. السيطرة على المعلومات، على الأنظمة، على كل شيء. الشريحة هي بوابتهم لتحقيق هذا الهدف.

ثم ابتعدت خطوة إلى الوراء، وكأنّها تحاول أن تهرب من واقع الكلمات التي تلفظت بها، وقالت بنبرة أخف:

ـــ هذا هو السبب في أن "نيكسوس" لا تترك أحدًا ينجو منهم. لقد حاولوا تدمير كل من اقترب منها.

سأل "رعد" بلهجة ضعيفة، وهو يحاول إخفاء قلقه:

ـــ ولكن… لماذا أنا؟ لماذا وقع الاختيار عليّ؟ أنا لم أكن أعلم بوجود هذه الشريحة.

أجابته "ليان" بلهجة قاطعة، تكاد تقطع الحبل الذي يربط تفكيره:

ـــ لأنّك كنت الشخص الذي وقعت الشريحة في يده. كان الدكتور حسان قد خبّأها، ولكن حظه التعيس جعلها تسقط من الحقيبة . وحظك الاتعس جعلك تجدها، كانوا يعرفون أن الشخص الذي سيظهر وهو يمتلكها هو الشخص الذي لا يمكنهم تجاهله.

صمت لحظة، ثم تساءل بقلق أكبر:

ـــ هل يمكننا تدميرها؟ هل هناك طريقة للتخلص منها؟

أجابت "ليان" بنبرة أكثر هدوءًا، ولكنها لا تخلو من الألم:

ـــ هناك محاولات عديدة لتدميرها، لكن المشكلة تكمن في أن الشريحة قادرة على التكيّف مع البيئة التي توجد فيها. إذا حاولنا تدميرها، فستنفصل عن المادة التي تحتوي عليها، وتنتقل إلى مكان آخر، إلى نظام آخر، ليتابع عمله، بل ربما يصبح أقوى. هي لا يمكن إيقافها ببساطة.

ثم التزمت الصمت للحظة، وكأنّها تبحث عن كلمات لتهدئ من روعه، قبل أن تضيف:

ـــ ومع ذلك، في يدك أنت، قد تكون هذه الشريحة هي الأمل الوحيد. لأنه إذا تمكنت من التحكم فيها، قد تستطيع أن تقاومهم وتستخدمها ضدهم.

فجأة، قطع حديثهم صوت خطوات تقترب منهما بحذر. شعرت "ليان" بالذعر، بينما تأهب "رعد" لأي هجوم. استمر الصوت في الاقتراب أكثر فأكثر، بينما كان التوتر يزداد في الجو المحيط. وفجأة، ظهر الرجل الملثم نفسه الذي دس في يد "رعد" السكين التي تحرر بها، وكأنها لحظة حاسمة في الصراع.

نظر الرجل الملثم إلى "رعد" بعينيه الباردتين، ثم انتقل بنظره إلى "ليان"، التي كانت في حالة من الذعر الشديد، عينيها متسعتين وهي تراقب ردّة فعل "رعد". ثم تحدث قائلاً بصوت هادئ، لكنه مليء بالمعنى:

ـــ كما ظننت بالضبط. أدركت أنك ستُقِدِم على إنقاذها رغم كل شيء.

ثم التفت الرجل الملثم وأعطى ظهره لـ"رعد"، قائلاً له:

ـــ اتبعني، سأرشدك إلى طريق الخروج.

تبادل "رعد" و"ليان" نظرات مليئة بالتوتر، ثم اتخذ "رعد" قراره الحاسم بالسير خلفه. لو أراد قتلهم منذ البداية، لكان فعلها بلا شك.

سار "رعد" خلف الرجل الملثم، ثم من خلفهم "ليان" التي كانت في حالة من الذهول والتردد. مرت لحظات من الهدوء، كما لو أن الزمن توقف في تلك اللحظة، حتى قطع "رعد" هذا الصمت قائلاً:

ـــ إذاً، من أنت؟ ولماذا...

لكن الرجل الملثم قاطعه بصوت صارم، طالبًا منه أن يتوقف عن السؤال في هذه اللحظة. وأضاف بلهجة محذرة:

ـــ الأحداث التالية هي التي ستجعلك تدرك الحقيقة، عاجلاً أم آجلاً.

صمت "رعد" لوهلة، لكنه لم يستطع إخفاء تلك الارتعاشة في جسده. كان يعلم في أعماقه أنه لم يكن مطمئنًا إلى ما سيحدث في اللحظات القادمة. شعور غريب من التوجس يسيطر عليه، كما لو أن كل خطوة يخطوها الآن تقوده إلى المجهول.

قادهم الرجل الملثم بصمتٍ مهيب حتى بلغ نهاية الممر أخيرًا. وقبل أن ينبس أحدهم ببنت شفة، مدّ الرجل الملثم قطعةً كبيرة من القماش القاتم إلى "رعد"، وأخرى إلى "ليان"، ثم أمرهما بصرامة أن يُغطيا أعينهما بها بإحكام.

تبادل الاثنان نظراتٍ حائرة، وقد بدا الذهول واضحًا في ملامح "ليان"، بينما علت وجه "رعد" علامات الاستغراب. غير أن الرجل لم يمنحهما فرصةً للتفكير، بل قال ببرودٍ لا يخلو من التهديد:

ـــ إن أردتما النجاة بحياتكما، فافعلا ما أطلبه منكما... بلا تردد.

تنهد "رعد" في استسلام، ثم لفّ قطعة القماش حول عينيه، وما إن فعل حتى ابتلع الظلام كل شيء. تبعته "ليان"، وقلبها يرتجف، ويدها ترتعش وهي تغلق على النور آخر خيط.

شعرا بيد الرجل تمسك بهما وتقتادهما بهدوء نحو مكانٍ ما، قبل أن يجدا نفسيهما داخل سيارة. وبلا مقدّمات، قيد الرجل يديهما بأصفادٍ حديدية، أثارت في قلبيهما قلقًا عارمًا، وتضاعف الذعر في عيني "ليان".

لكن الرجل عاجل تعجبهما بلهجة هادئة لا تخلو من الحزم:

ـــ لا تقلقا... إجراء روتيني فقط، للتأكد من أنكما لن تنزعا الغطاء عن أعينكما.

تحركت السيارة ببطء، وساد داخلها صمتٌ ثقيل، تقطّعه الأفكار السوداء التي بدأت تنهش رأسيهما، وكلٌّ منهما يتخيّل أسوأ ما قد يكون في انتظاره.

وفجأة، قطعت "ليان" الصمت بصوت خافت، ناعم، تغلّفه نبرة ندم عميقة. قالت:

ـــ يا رعد... أنا آسفة. أقسم لك... أقسم لك للمرة المئة، أنني لم أملك خيارًا. لم تكن تمثيلية، لم يكن خداعًا... أنا حقًا... أحبك.

لم يجبها "رعد". ظلّ صامتًا كأن صوته خذله، لكن داخله كان يتقلب بصراعٍ لم يُرد له أن يظهر. لم يغفر لها تمامًا بعد، لكن الغضب الذي كان يشتعل في صدره بدأ يخفت... شيئًا فشيئًا، لم يعد يلومها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة