دقّ جبران النظر في وجه رعد، وبقي لحظة يتأمله بصمتٍ عميق. كان وجه رعد آنذاك كصفحةٍ ممزقة بين الذهول والارتجاف، وقد ارتسمت على ملامحه علامات احتراقٍ داخلي. اتسعت حدقتا عينيه، شاحب اللون، جامد النظرات، وكأن روحه قد سُحبت فجأة من صدره ثم أُعيدت بقسوة. شفتاه ارتجفتا دون أن ينطق، وجبينه المُتغضِّن بدا كأنه يحمل على عاتقه دهورًا من الألم المكبوت.
أكمل جبران حديثه، ناظرًا إلى رعد بعينٍ لم تخلُ من مرارة، وقال:
"طلبت من رماح، قبل أن أنهي معه الحديث، أن يُبلغ والدك بأن الأمر قد انتهى، وأن الشريحة أصبحت في حوزتك. لكن، ولسوء الحظ، انشغل والدك كثيرًا في العمل... ونسي أمر الشريحة تمامًا. أما ما زاد الطين بلة، فهو أنك في اليوم التالي تحدّثت مع الدكتور حسان. علمتَ أن والدك قد نسي تنبيهك بشأنها، فخشيت أن تُسأل عنها أو يُطلب منك تسليمها أثناء محاضراتك. عندها، جعلتُ سراج يستدعي الدكتور حسان مبكرًا لذلك اليوم، حتى لا تراه ولا يرى هو الشريحة. لكنك، للأسف، تواصلتَ مع الدكتور حسان عبر الرسائل بعد انتهاء محاضراتك... وعلم أن الشريحة في حوزتك."
سكت جبران للحظة، ثم قال بنبرة مثقلة بالأسى:
"وما كان أسوأ من ذلك... أن الدكتور حسان كان يعرف عنوان منزلك جيدًا. وحين علم سراج بذلك، أدرك أن حسان أصبح تهديدًا لا يُمكن السكوت عنه. لكني كنت قد وعدتُ رماح بأن هذا اليوم سيكون آخر أيام حسان. حين أخبرني سراج أن حسان قد فقد الشريحة، لم أتردد. خنقته بيديّ حتى لفظ أنفاسه الأخيرة... ولم أكن أعلم أن ليان كانت هناك، خلفي، ترى المشهد كله بعينيها المرتجفتين."
تذكرُ ليان لتلك اللحظة كان كمن ينكأ جرحًا قديمًا لم يلتئم. لم تكن تحب الدكتور حسان، لكنها أيضًا لم تتخيل يومًا أن ترى شخصًا يُقتل أمامها، بصمتٍ وذهول. سكن الألم عينيها حين عادت إلى تلك اللحظة. كأن برودة أصابعها صارت أبدية، وكأن المشهد ظلّ محفورًا على شبكية عينيها لا يبرحها.
قال جبران متنهّدًا:
"لكن، وللأسف، لم ينتهِ الأمر هناك. كان سراج قد عرف آنذاك مكانك... ومكان الشريحة. عندها، أخبر رماح فورًا جلال بما حدث، وأصبح الوقت ضيقًا. ولكن، دون أن يُخبرني، اقتحم سراج منزلك ليلًا."
هنا تغيّرت ملامح رعد فجأة. انعقد جبينه، وارتجفت زاوية فمه، كأن شيئًا مرّ عبر ذاكرته ببطءٍ قاتل. رمش بعينيه مرات متتابعة، ثم سقط بصره إلى الأرض، وكأن جرحًا لم يندمل في صدره قد انفجر من جديد.
قال جبران:
"كان والدك في تلك الليلة يبحث في أدراجك، يحاول أن يجد الشريحة ليُخبئها. لكنه لم يكن يعلم... أنها كانت في حقيبتك التي أخذتها معك إلى العمل. كنتَ قد تأخرت عليه ذلك اليوم، وأصررت أن تذهب وحدك ليستريح هو قليلًا... وما إن غادرت حتى دخل سراج ورجاله... وقتلوه."
هنا لم يتمالك رعد نفسه، فقد كان يتنفس بثقل، كأن الهواء أصبح جمرًا. تذكّر كيف عاد إلى البيت فوجد والده ممددًا، جسده ساكن، ووجهه مطفأ كشمعة انطفأت فجأة. لم تكن الشريحة يومها في المنزل، بل كانت آمنة في الحقيبة، بعيدة عن أعينهم، وهو ما أنقذها. لكن لم ينقذ أحد والده.
لاحظ جبران كل تلك المشاعر على وجه رعد، ثم أكمل، وصوته يميل إلى الانكسار:
"بعد أن علمت أن سراج قتل أخي، شعرت بنارٍ تغلي داخلي. أقسمت أن أجعله يذوق الويل. لقد تصرف من دون علمي، وتمادى كثيرًا. عندما جاء إليك في اليوم الخامس بعد العزاء، دسّ مخدرًا في قهوتك كي يبحث عن الشريحة في أرجاء المنزل. كنت معه، خشيت أن يؤذيك كما فعل بوالدك. وعندما لم يجدها، أدرك أنها لا تزال في حوزتك، وأنه لا بد من بقائك على قيد الحياة حتى يعرف منك مكانها."
تغيّرت ملامح ليان قليلًا. ارتسم على وجهها مزيج من الحرج والندم، خفضت بصرها ولم تستطع أن تواجه رعد. فقد كانت، في ذلك الوقت، جزءًا من خطة لم تكن تدرك كل أبعادها.
تابع جبران بصوت خافت:
"حين فشل في التقرب منك... أرسل إليك ليان. وعندما قرر أنه قد بلغ به الأمر نهايته، وأراد اقتحام منزلك، ذهبتُ معه. أعلم أنني تعاملت معك بقسوة وجفاء، لكن صدقني... كان ذلك رغماً عني. عندما اختطفناك، أعطيتك سكينًا صغيرًا لتتحرر، وحاولت ألا أشعل النار إلا بعد أن أتأكد من نجاتك. أخبرتك أن الباب الخشبي هو الممر المختصر، لأنني كنت واثقًا أنك لن تغادر دون إنقاذ ليان. لم أرغب أن أطلب منك صراحةً أن تُنقذها، حتى لا تظن أننا شركاء في خداعك. نسيت أمر الباب الحديدي تمامًا، لكنني وقفت في الممر أنتظر عودتكما."
تنهد جبران، ثم نظر إلى رعد بنظرة حملت كل الذكريات التي مرت، وقال بصوت أقرب إلى الهمس:
"هذا كل شيء... يا رعد."
بعد أن أسدل جبران ستار صمته الطويل، وسرد كل الحقيقه ، سكنت الكلمات في الفراغ، لكنها لم تسكن في القلوب.
كانت تتردد، تتغلغل، تتحول إلى صدى يقرع الأذهان والصدور معًا.
رفع جبران عينيه نحو رعد...
لكنها لم تكن النظرة الصلبة المعتادة، لم تكن تلك العيون الحديدية التي طالما رأى فيها رعد البرود والحسم، بل كانت نظرة مبللة بشيء لا يُخطئه القلب: الندم.
ندم ليس صاخبًا، بل هادئًا كغروبٍ متأخر، مرهق كمن حمل أوجاعًا طيلة عمره ولم يبح بها.
في الجهة الأخرى، كانت ليان لا تزال واقفة كمن أفاق من حلم طويل، أو سقط من سحاب.
كانت تحدّق في رماح — الرجل الذي حفر وجهه في خيالها منذ الطفولة، لكنها لم تكن تعرف انه هو منذ دقائق فقط !.
نظرت إليه كمن يرى وطنًا عاد فجأة بعد منفى طويل...
نظرة مترددة، تختلط فيها المحبة بالخذلان، والشوق بالغضب.
نظرة ابنة تعشق أباها، وتعاتبه بنظرات صامتة، أكثر فتكًا من ألف عتاب منطوق.
رماح، بملامحه المتعبة، ظل صامتًا هو الآخر.
لم يعرف كيف يمد يده، أو كيف يختصر سنينًا من الغياب بجملة واحدة.
لكن العيون كانت تتكلم... وكانت ليان تقرأ، وتبكي بصمت.
أما رعد...
فقد بدا كمن ابتلع عاصفة.
كان جسده يرتجف برفق، أنفاسه متقطعة، وعيناه متسعتان كمن رأى العالم الحقيقي لأول مرة.
كل شئ انكسر بداخله، وتبعثر.
حاول أن يقف، أن يستوعب، أن يُصدّق، لكن عقله رفض، وقلبه لم يعد يحتمل.
فجأة... ودون كلمة، تحرّك.
تحرّك نحو جبران.
ليس كمن يذهب إلى مُذنب، بل كمن يفرّ من طوفان الداخل، من الانهيار، من الوحشة...
اقترب ببطء، ثم ببطء أشد...
مدّ ذراعيه، واحتضن جبران.
كان العناق صامتًا، لكنه عميق حدّ الانهيار.
عناق لم يكن مجرد رد فعل، بل كان ملاذًا، احتجاجًا، عتبًا، ونجدة في آنٍ واحد.
دموع رعد كانت تنساب كأنها تنزف من ذاكرة طويلة ظنها منسية.
كان يعانقه، لكنه في الحقيقة كان يحتضن والده الغائب، يحتضن عائلته الممزقة، يحتضن طفولته، يحتضن ذاته.
كان رعد يهرب من جبران... إلى جبران !.
كأنما يقول له دون صوت:
"أنت السبب... وأنت الملجأ".
أما جبران، الذي جفّت الكلمات في حلقه، لم يجد ما يليق بتلك اللحظة سوى كلمة واحدة خرجت بصوت مكسور:
"آسف".
كلمة بدت كأنها تحمل أوزان عمرٍ بأكمله.
قالها وهو يردّ العناق، وقد فهم أن الغفران لا يُطلب بالكلمات، بل بالحقيقة، وبالحب، وبالصمت أحيانًا.
رماح، الذي لم يقوَ على مزيد من الاحتمال، تقدم نحو ليان دون أي تردد هذه المرة، احتضنها بحرارة الأب الذي أنهكته السنون بحثًا عن حضن صغير يخبئ فيه وجعه.
ولم تقاوم ليان، بل استسلمت...
استسلمت لأن قلبها كان منهكًا أيضًا.
وفي النهاية، لم تكن تحتاج إلى إجابات، بل إلى صدق، ودفء، ويد تُعيدها إلى الحياة.
وفي تلك اللحظة، بدا كل شيء ساكنًا، كأن الكون توقّف.
لحظة تداخلت فيها الحقيقة بالمشاعر، والندم بالحب، والخذلان بالحنين.
كيف يمكن أن تنقلب الأرواح بهذا الشكل في دقائق؟
كيف تتحوّل الحقيقة، بكل قسوتها، إلى لمسة شفاء؟
لا أحد يعلم...
لكن الشيء الوحيد المؤكد الآن...
أن الظلال انقشعت، وأن ما بقي في الساحة، هو قلب مفتوح، ووجوه منهكة، وحقائق لا رجعة فيها.
*****
بعد دقائق ثقيلة من الانهيار، ومن عناقٍ لم يحمل دفئًا بقدر ما حمل عتابًا، بعد أن ذابت الصدمة الأولى في مجرى الدم، وتسللت الحقيقة أخيرًا إلى الوعي، بدأت مرحلة الصمت الجديد… صمت ما بعد العاصفة.
كان كل شيء قد قيل.
كل أسرار الزمن انكشفت، وكل الأقنعة سقطت، ولم يتبقَّ سوى مواجهة الواقع كما هو… بمره، بثقله، وبقسوة لا تعرف الرحمة.
رعد، الذي ظلّ واقفًا في مكانه، تتأرجح في داخله أمواج متلاطمة من الألم والخذلان والحيرة، رفع عينيه إلى جبران، وكانت نظرته كافية لأن تروى بها حكايات.
أما ليان، فكانت لا تزال في حالة من الانهيار العميق… الخارج صامت، لكن الداخل يصرخ بكل ما فيه.
كانت تنظر إلى رماح، إلى ملامحه التي حفظتها من الصور الباهتة، تتساءل بين نفسها:
كيف يمكن لإنسان أن يختفي عن ابنته كل هذه السنوات؟
كيف يمكن لأبٍ أن يتركها في يد امرأة تحترف القسوة، وتغرس شوكها كل يوم في روحها الصغيرة؟
كانت تحب أباها، نعم… لكنها لم تتوقع أن يكون اللقاء به مؤلمًا إلى هذا الحد.
وأخيرًا، كسر رعد حاجز الصمت بصوت هادئ، لكنه مشبع بالمرارة:
"ماذا تنتظر مني الآن؟ ماذا يجب أن أفعل؟ وكيف يمكن أن أتعامل مع كل هذا؟"
نظر إليه جبران، ولم يجب فورًا.
اكتفى بالتحديق في عيني رعد للحظة، كأنّه يبحث عن شيء في أعماقه.
ثم قال بهدوء:
"كل ما أطلبه الآن، هو أن تبقى في أمان… سأستعيد الشريحة من منزلك، ونعطل التتبع بها مؤقتًا.
وحينها، سنجتمع أنت وأنا لإيقافها تمامًا.
أنت ذكي، يا رعد… كما كان يقول والدك دائمًا."
لم يجب رعد.
أغمض عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت منهك:
"أحتاج للهدوء… رأسي على وشك الانفجار."
ولم ينتظر ردًا.
استدار بخطوات بطيئة، وصعد إلى الطابق العلوي، وكأنّه يصعد نحو زنزانة من التفكير، لا من الراحة.
ليان لحقت به، لكن قبل أن تخطو أولى درجات السلم، التفتت نحو والدها.
نظرة واحدة، طويلة… مشحونة بكل ما لا يُقال.
نظرة ابنة عاشت يتيمة وهو على قيد الحياة.
ثم تابعت صعودها بصمت، وكأن كل خطوة على الدرج، تسحب خلفها سنوات من الأسئلة.
وبقي الأسفل غارقًا في السكون…
سكون ما قبل القرار.
وسكون من يعرف أن ما بعده… لن يكون كما قبله أبدًا.
مضت ساعات قليلة هادئة في الخارج، لكنها كانت مليئة بالفوضى والدمار في أعماق رعد. كان عقله يغلي من الصدمة، وأفكاره تتصادم مع بعضها البعض. مشاعره متضاربة بين الحزن، والغضب، والدهشة، والخيبة. كان قد اكتشف فجأة أن جميع من حوله كانوا يخدعونَه! هو الذي كان يظن أن ليان هي الوحيدة التي كذبَت عليه، وأن قلبه انفطر يومها. أما الآن، فهو في حالة من الضياع، بعدما أدرك أن جميع من حوله شاركوا في هذه الكذبة الكبرى. حتى جبران، الذي كان يعتبره أقرب الناس إليه، كان يخفي عنه كل شيء.
"حتى أنت يا أبي؟" تردد هذا السؤال في ذهنه بينما كان يتذكر والده. لم يكن غاضبًا منه، بل كان يشعر بحزن عميق على كل ما مرّ به. كان في حالة من التوهان، لا يدري كيف يتعامل مع كل ما اكتشفه.
ثم، فجأة، تساءل: لماذا لم يخبره جبران بالحقيقة منذ البداية؟ لماذا كان غامضًا إلى هذا الحد؟ لماذا كانت مشاعره باردة، وصوته دائمًا صامتًا، وكأن هذا كله كان يراوغ به؟
نزل رعد السلم بهدوء، وكما توقع، وجد جبران جالسًا في مكانه، يضع يديه على رأسه، وعينيه شاردتين في المكان. لم يجد رماح في الغرفة، فاقترب من جبران وسأله بصوت هادئ، لكن مشحون بالكثير من التوتر:
"لماذا أخفيت عني الحقيقة منذ أن التقينا؟"
نظر جبران إلى رعد بنظرة عميقة، ثم تنهد بتعب، وكأن وزن العالم على كتفيه. تأمل قليلًا، ثم بدأ حديثه بصوت مبحوح، محملًا بالندم:
"رعد... الحقيقة كانت أكبر من أن أُفشيها لك في وقت مبكر. لو كنتَ علمت بكل شيء من البداية، كنتَ سترفضه تمامًا. كنتَ ستشك في الجميع، وفي كل ما حولك. كانت هناك مخاطرة كبيرة في أن تعرف الحقيقة دفعة واحدة، فأنت لم تكن جاهزًا لها بعد. كانت هناك احتمالات بأنك قد تفقد ثقتك فينا، وفي نفسك، وأنك قد تهدم كل شيء، حتى ما كنا نأمل في الحفاظ عليه.
أنا لا أبرر ما فعلته، لكن كان ذلك هو الخيار الوحيد في وقتها. لو أخبرتك بكل شيء دفعة واحدة، ربما لم تكن لتقبل، وكنت ستبقى محاصرًا في دائرة الشك والخوف. كنت أتمنى أن نجد الوقت المناسب، لحظة تكون فيها مستعدًا لتقبل كل ما جرى.
كان هدفي أن أكون معك لحمايتك، حتى لو كانت الحماية هذه تتطلب أن نُخفي عنك الكثير. كنت أخاف أن تفقد كل شيء قبل أن تجد قوتك لتواجه الحقيقة. "
نظرات رعد كانت مليئة بالتساؤلات، بينما كانت مشاعره تتدفق بين الصدمة والقلق. كان هناك شعور مختلط من الحيرة والحزن، وهو يحاول أن يستوعب كل ما سمعه للتو. لم يكن يتوقع أن تكون هذه هي الإجابة، لكنه في نفس الوقت شعر بقدر من التخفيف، وكأن جبران كان يحاول أن يحميه حتى لو كانت الحماية تقتضي إخفاء الحقيقة عنه.
تنهد رعد طويلًا، وكأن أنفاسه تحمل ثقل العالم، ثم أردف بنبرة منخفضة متعبة:
"كان يمكنك أن تخبرني بالحقيقة منذ لقائنا الأول... ربما كانت الأمور ستؤول إلى حالٍ أفضل."
ضحك جبران ضحكة مريرة، تكسوها شروخ الألم والندم، ثم أجاب بنبرة قاتمة:
"لا... ليس بعد. أتذكر حين رأيتني مع سراج بعد وفاة والدك؟ رأيتُ في عينيك حينها الشك والريبة... لا من ذاك اللعين فحسب، بل مني أنا أيضًا. ولم يكن بوسعي التحدث بحرّية في تلك اللحظة، كما تعلم... كنت مراقبًا، وكان لا بد لي من إحضارك إلى هنا أولًا. لم أمنع سراج من اختطافك، لأنني قد بيتُّ النية مسبقًا على تهريبك بعد ذلك، لا شك في ذلك.
لكن، بعد أن وصلنا إلى هنا... تخيل، لو أنك رأيت وجهي حينها، وأخبرتك أنني عمك! وأنت لم تكن لتفهم شيئًا بعد، لا عن الشريحة، ولا عن سراج، ولا عن المنظمة، ولا حتى عني. كنت ستراني مجرد وغد قاتل، بلا رحمة، بلا قلب. لذا، كان لزامًا عليّ أن أجعل صورة "الصامت" تتلاشى تمامًا من ذاكرتك، وأن أرتدي اللثام... حتى لا تميزني، لا أنت، ولا ليان.
أقسم لك، لم تكن لتصدقني. كنت ستظنّ أن الأمر برمته خدعة دنيئة من سراج لانتزاع الشريحة منك. لهذا، سعيت أولًا خلف الشريحة... حتى لا تظن أنني أعبث بك أو أستدرجك فحسب لأجلها لذا كان علي معرفة مكانها اولًا حتي لا يكون هناك داعي لخداعك فيسهل تصديقك لي . وحين عرفتُ مكانها، وحين علمتَ أنت أنني أعلم، وعلمت أنني الصامت... كان لا بد أن أخبرك بالحقيقة، قبل أن ينفجر رأسك من كثرة الظنون، ويبتلعك القلق.
كنت صارمًا، هادئًا... وهذا طبعي، مذ تورطت في هذا المستنقع القذر الذي يسمونه "المنظمة". لكن السبب الآخر، كان خوفي... خوفي من أن يلين قلبي تجاهك، فأهوي، وينهار كل ما خططت له."
عاد الصمت ليرخي سدوله على المكان، ولم ينطق رعد بكلمة. اكتفى بأن جلس بجانبه، في استسلام تام، ثم أغمض عينيه ووضع رأسه بين ذراعيه، وكأن حديث جبران قد أثقل كاهله حتى العجز.
ظل جبران يحدّق في الفراغ للحظات، قبل أن يتنهد، ثم استأنف بصوت خفيض، كأنما يتحدث إلى ضميره:
"أما رماح، فقد اضطر إلى إخفاء هويته هو الآخر، حتى تهدأ الأمور. فعقل ليان، أيضًا، لم يكن ليستوعب الحقيقة آنذاك. رماح كان يعلم يقينًا أن والدتها شوهت صورته في ذهنها، بعد أن اوهمتها أنه مات. لذلك، آثر الصمت والاختفاء، حتى تمضي الأحداث بسلاسة، ودون أن تتكاثر الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها في حينها."
كان رعد لا يزال ممسكًا برأسه، غارقًا في سيل الأفكار والمشاعر، حين قُطع سكون اللحظة بصوت ناعم مألوف... صوت ليان، وقد ظهرت على درجات السلم، تبحث عنه بعدما لم تجده في غرفته.
اقتربت بخطوات هادئة، ووقفت بجواره، تُلقي بنظرة جانبية إلى جبران دون أن توجه الحديث إليه، ثم قالت بصوت خافت ينضح بالقلق والحنو:
"أأنت بخير يا رعد؟"
رفع رعد رأسه ببطء، وعيناه محمرتان، تغلفهما سحابة من التعب والانكسار، ثم أجاب بابتسامة باهتة، بالكاد نطقت بها ملامحه:
"نعم... بخير. وأتمنى أن تكوني أنتِ بخير أيضًا، بعد كل ما مررتِ به. فما عشته أنتِ لا يقل دهشةً عمّا عشته أنا."
ابتسمت ليان، تلك الابتسامة التي تخترق جدران الألم، وقالت بنبرة دافئة:
"أظن أن الأمر لم يعد بتلك القسوة... أن نكتشف بأن لنا عائلة، رغم كل ما حدث، هو أمر لا يُستهان به. ظهور والدي لم يكن محزنًا... لكنه صادم. وحين تجاوزت صدمتي، شعرت ببعض من السعادة، نعم... سعادة نادرة."
ثم نظرت إلى جبران، قبل أن تعود بنظرها إلى رعد، تكمل حديثها بنبرة تحمل شيئًا من الأمل والإصرار:
"وأظن أنك أنت أيضًا يا رعد، ينبغي أن تفكر بهذه الطريقة. جبران... ربما يخفي وجهًا آخر، مغمورًا بالمشاعر والحنان، يدفنه تحت قناع من الجفاء والصرامة. أعطه فرصة... تحدثا، وافتحا الباب لما هو أعمق من الصمت. أما أنا، فعندما يعود أبي، سأحادثه... سنجعل لكل كلمة وقتها."
وضعت يدها بلطف على كتفه، تبتسم بتلك الرقة التي لا تُجيدها إلا القلوب الطيبة، ثم همّت بالصعود مجددًا، تاركة وراءها أثرًا من الطمأنينة.
نظر رعد نظرة أخيرة إلى جبران، نظرة مشوبة بالأسى والتساؤلات، ثم نهض وتبعها بصمت، وكأن خطواته تعيد ترتيب الفوضى التي تعصف في داخله.
sarab mahmoud