المنشأة

المنشأة

16 0

الهواء هنا دائمًا بارد، كأنّه يخرج من فم آلة معدنية لا تعرف الحياة. لا نافذة واحدة تسمح بدخول الضوء. كل شيء رمادي: الجدران، الأرضية، السقف... وحتى الأطفال.

إنها ليست مدرسة. وليست مستشفى. إنها شيء بين السجن والمختبر. المكان الذي يذوب فيه الإنسان ببطء حتى يصير رقماً.

في أحد الأجنحة المعزولة، تحديدًا الجناح التجريبي C، هناك ثلاث غرف متقاربة تحمل ثلاثة أسماء مشفّرة:

H-00-RA

K-HMRO

K-WTCH

لكنّهم، رغم الأرقام، كانوا يعيشون.

هاروكا – H-00-RA

في العاشرة من عمرها، كانت تجلس دائمًا في زاوية غرفتها، ظهرها للجدار، تنظر إلى الكاميرا الحمراء فوقها كأنها تراقبها كما هي تراقبها. عيناها لا تطرف، حتى عندما يتحدث إليها أحد.

لا تبكي، لا تشكو، لا تصرخ.

هاروكا كانت تجسيدًا للصمت.

ولذلك كانوا يخشونها.

كانت أنجح تجربة في الجناح. تحمل الألم دون صوت. تنفذ الأوامر بدقة. عيناها... لا تحتويان على أي أثر للطفولة. شيء ما فيها كان مكسورًا ثم أعيد تشكيله من رماد.

كازويا – K-HMRO

كان هو الفتى الذي يبتسم، حتى عندما تنزف يده.

كان يُلقب بين الباحثين بـ"العنصر الإيجابي". يردّ بلطف على العلماء، ويضحك أحيانًا عندما يتعرّض للوخز أو يُجرى عليه الاختبار.

لكن تلك الابتسامة كانت تحوي شيئًا مختلفًا. ليست سذاجة… بل تصميم غريب، كأنّ كل ما حوله مسرحية لا تهمّه إلا بقدر ما تهمّه نظرة واحدة من عينٍ معينة…

عين هاروكا.

كلما رأى هاروكا في الردهة، كان يُبطئ خطاه فقط ليطيل النظر. كان يعرف أنها لا تردّ عليه، لكنها تسمع. كانت له كنجمة بعيدة، جميلة، وخطيرة، ولا تُقرب.

مرة، رآها تنزف من كتفها بعد جلسة طبية فاشلة.

اقترب منها بصمت.

نظر إلى الجرح… لم يعلق.

بل خلع قميصه الصغير ومزقه، وربط به جرحها بحذر.

قال لها بهدوء وهو يربط قطعة القماش:

"أعرف أن الألم لا يُزعجك… لكن لا بأس لو اعتنيتِ بنفسك قليلًا، أليس كذلك؟"

لم ترد.

لكنها، لأول مرة، لم تُبعد عينيها عن وجهه.

يوجي –K-WTCH

كان الأذكى بين الثلاثة. لم يكن الأقوى، ولا الأسرع، لكنه كان يلاحظ كل شيء.

كان يعرف متى يدخل الطبيب الحقيقي، ومتى يحاولون خداعه بممثل. يعرف كم كاميرا في كل زاوية، ويعدّ خطواتهم دون أن يظهر ذلك.

لكن يوجي كان دائمًا قلقًا. لم يكن يرتاح، لم يكن ينام جيدًا، وكان يحلم دومًا... بحريق، بدم، بأصوات لا تُفهم.

ذات مساء، جلس بجانب هاروكا قرب حوضٍ صغير من الماء في الفناء الداخلي الذي يسمح لهم بالمشي لساعة أسبوعيًا.

سألها فجأة:

"هل تحلمين أحيانًا؟"

لم ترد.

"أنا… أحلم أنني أراهم يجرّونك بعيدًا. لا أعرف لماذا، لكنهم يلبسون الأسود، ويأخذونك، وأنتِ لا تقاومين."

نظرت إليه أخيرًا.

"الحلم ليس تنبؤاً يا يوجي."

"بل تذكير."

الغرفة السوداء

كازويا كان يجلس الآن على كرسي معدني بارد في وسط الغرفة السوداء.

ليس هناك ضوء كافٍ، فقط مصباح فوقه، كأنه موجه لمعاقبته لا لإنارته.

أيديه مربوطة خلف ظهره، وساقاه مشدودتان بحلقات حديدية. في الزاوية، أدوات حادة. بعضها جراحي، وبعضها يبدو كألعاب تعذيب من عصور قديمة.

دخل أحد المسؤولين، بصوت حذائه الصلب.

"K-HMRO، الاختبار الخامس اليوم. هل أنت مستعد؟"

أجاب كازويا، بصوت لا يزال يحمل تلك النبرة المبتسمة:

"هل أنا أملك خيارًا؟"

بدأ الاختبار.

الحرارة.

ثم البرودة المفاجئة.

ثم قطع خفيف عند أطراف الأصابع.

ثم صدمات كهربائية على القلب مباشرة، يقيسون منها مقاومته للموت.

لكن الأسوأ لم يكن الجسد…

بل المقاطع التي عرضوها له على الشاشة أمامه.

مشاهد من موت متعمد، جثث، صرخات… وأحيانًا وجه هاروكا، وهو يُحقن بعقاقير مشوهة، ليختبروا عاطفته، هل يرتجف؟ هل يخاف؟ هل يغضب؟

لكنهم لم يفهموا شيئًا.

كازويا لم يكن يرى الألم.

كان يرى فيها طُهرًا يرفض أن يُلوثوه.

كان يرى ظلّه وهي تُمسك بسكين في حُلمه، تُقاتل، تتحدى، وتنجو.

أوقاتهم معًا

بعد التعذيب، كان يُعيدونه إلى الجناح.

كان يترنح، بالكاد يمشي.

في يومٍ ما، كان يوجي ينتظره عند باب غرفته.

دون أن يسأله شيئًا، أمسك بكتفه، وساعده على الجلوس.

ثم جاء صوت من الزاوية…

هاروكا.

"أنت تنزف."

رد كازويا وهو يحاول أن يبتسم:

"أفضل من أن أكون ميتًا، أليس كذلك؟"

اقتربت منه.

جلست على ركبتيها، فتحت قميصه بصمت، وبدأت تنظف جروحه.

لم يتكلما كثيرًا.

لكنه تمتم لها بهدوء:

"لو قتلتهم جميعًا… لن أحزن."

قالت بصوت ناعم، لكنه يحمل جمرًا:

"لا تبدأ الحريق… إن لم تكن مستعدًا لأن تحترق معه."

كانوا يجلسون في ركن صغير من الجناح، بعيداً عن عيون المراقبة المباشرة، رغم أن الكاميرات لا تغيب عن رؤيتهم أبداً. هاروكا كانت هادئة، نظراتها الحادة تتحرك بين كازويا ويوجي، لا تنطق إلا بالكلمات الضرورية، لكن كل كلمة منها محملة بثقل سنوات لم تُعبر عنها سابقاً. كازويا كان أكثرهم توازناً، يحتفظ بابتسامته الخفيفة التي كانت تخفف من جمود المكان، وصوته دائماً دافئ، يحاول أن يزرع نوعاً من الطمأنينة، حتى في وسط القسوة التي تحيط بهم. يوجي، كان يتحسس الكلام، كثير التفكير، يتردد أحياناً لكنه كان يطرح الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة صادقة.

قال يوجي بحذر: "كيف تعيشون كل هذا اليوم بعد يوم؟ كيف لا تفقدون أنفسكم وسط هذا القسوة؟"

هاروكا رفعت رأسها، نظرت إليه ببرود، وقالت:

"لا تعيش، أنت فقط تتنفس لتنجو."

كازويا ضحك بخفة وقال:

"هي صادقة، لكني أؤمن أن البقاء لا يكفي. يجب أن نخلق لحظات تجعلنا نشعر أننا لم نصبح مجرد أرقام."

يوجي أدار وجهه إلى هاروكا وقال بصوت خافت:

"هل تجدين تلك اللحظات؟"

صمتت هاروكا لبرهة، ثم أجابت بهدوء:

"نعم، أحياناً. عندما أراكما هنا، حتى لو لم تتكلمان، أشعر بأنني لست وحدي."

ابتسم كازويا واحتضن الحديث قائلاً:

"أن نكون هنا معاً… هذا أكثر من مجرد صداقة، أكثر من مجرد تجربة. أحياناً أشعر أنني أتنفس من جديد حين تكونين بجانبي يا هاروكا."

هاروكا، رغم صلابتها، لم تستطع أن تخفي لمعة خفيفة في عينيها، لم ترد، لكنها لم تنظر بعيداً.

يوجي تنفس بعمق وقال:

"كنت دائماً أتساءل، لماذا أنتِ، هاروكا؟ لماذا نجوتِ وأنتِ بهذا الصمت وبكل هذا الألم؟"

قالت هاروكا: "لأنني تعلمت أن أكون مظلماً… لأن الضوء في هذا المكان مميت أكثر من الظلال."

كازويا أومأ برقة وقال:

"وأنا، تعلمت أن أكون اللطف الذي لا يعرفه أحد… أن أكون النقطة التي تستند إليها عندما لا تستطيع أن تمشي."

نظر يوجي إليهما بجدية:

"أنتم لستم مجرد تجارب، أنتم عائلة."

ابتسمت هاروكا قليلاً وقالت:

"عائلة لا تختارها، ولكنها تبقى رغم الألم."

كانت الكلمات تخرج من بينهم ببطء، تحمل وزن الماضي وأمل المستقبل. لم يكونوا يتحدثون فقط عن الألم، بل عن أشياء صغيرة جداً – لحظة ضحك، لمسة صامتة، كلمة واحدة جعلتهم يشعرون بأنهم بشر، لا مجرد أدوات.

قال كازويا:

"أحياناً أتخيل أننا عندما نخرج من هنا، سيكون هناك عالم ينتظرنا. عالم مختلف، حيث يمكننا أن نكون نحن، لا مجرد أسماء وأرقام."

يوجي أومأ وقال: "وأنا أخاف من ذلك العالم… لأنه لا يعرف من نحن."

ضحكت هاروكا بشكل خافت:

"أنا لا أخاف، لأنني اعتدت على الخوف."

ثم صمتوا لبرهة، كل واحد منهم يغوص في أفكاره.

قال يوجي أخيراً:

"هل تعتقدون أننا سنجد معنى لكل هذا؟ لكل الألم، لكل التجارب؟"

كازويا رفع رأسه وقال بثقة:

"نعم، لأننا نكتب معنى لأنفسنا، ليس لأنهم كتبوه لنا."

هاروكا نظرت في عينيه وقالت بنبرة مختلفة، وكأنها تكشف سرها:

"أنا لا أقاتل فقط لأني مجبرة، بل لأنني أريد أن أرى النهاية التي لم يرها أحد منّا."

ابتسم كازويا وقال:

"وهذه النهاية، مهما كانت، سنواجهها معاً."

كانت كلماتهم تملأ الزاوية الصغيرة بدفء رغم برودة المكان القاسية. لم يكن الحديث فقط عن البقاء أو الألم، بل عن روح تحاول أن تزهر في أرض يابسة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الظل الياباني

المؤلف RAWA'AH
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة