في اليوم الثالث بعد اختبارها الأخير، لم يُسمح لهاروكا بالخروج من زنزانتها، ولا حتى للمشي القصير في الممر الرمادي الذي كان يمثل بالنسبة لهم "فسحة". جلست على الأرض، ساقاها مطويتان، وذراعاها تحت ذقنها. كانت صامتة، لكن عينيها تتحركان كل بضع دقائق نحو الباب، وكأنها تنتظر صوتًا تعرفه جيدًا.
الخربشة المعتادة أتت من الحائط.
"هاروكا؟"
كان صوت كازويا، خافتًا لكنه دافئ.
أجابت بهدوء:
"أنا هنا."
"هل أطعموك اليوم؟"
"قطعة خبز. وشوربة باردة."
"هل تشتاقين إلي؟"
ابتسمت رغم الحزن في ملامحها.
"هل تسأل لأنك تشتاق؟"
سُمع ضحكة ناعمة منه.
"ربما."
"أنا أشتاق لرؤية عينيك."
قالتها ببطء.
ثم انضم إليهما صوت ثالث من فوق، من الفتحة الصغيرة في الأعلى حيث كان يوجي يستطيع التسلل بصوته من زنزانته:
"إنه يتوهج إذا ذكرتي عينيه، يا هاروكا. سيغني لكِ بعد قليل."
قال كازويا:
"أغني فقط إذا وعدتني أن لا تضحك."
ضحك الثلاثة، ضحكة خفيفة، قصيرة، كأنهم يخافون من أن يسمعهم أحد.
لكن اللحظة لم تطل.
أتى صوت الإشارة الميكانيكية، مع صوت الأقدام الثقيلة. الباب انفتح.
صوت الطبيب جاء واضحًا من الممر:
"H-00-RA، استعدي للاختبار التالي."
رفعت رأسها ببطء. نظرت نحو الجدار الذي يفصلها عن كازويا. لم تقل شيئًا، لكنها وضعت يدها عليه.
قال كازويا من خلف الحائط:
"سأكون هنا. مهما حدث، أنا هنا."
---
الاختبار كان مختلفًا هذه المرة.
وضعت في غرفة بيضاء، لا يوجد فيها شيء، سوى كرسي حديدي صغير وسط الغرفة، وسقف نيون يضيء بشكل مؤذٍ. الحراس أدخلوها وأجبروها على الجلوس، ثم ثبتوا أطرافها بقيود باردة.
جاء الطبيب، ومعه امرأة ترتدي الأبيض، لكن ملامحها خالية من أي شعور.
"هذا اختبار على الاستجابة العاطفية والقدرة على اتخاذ قرار تحت ضغط حسي ونفسي."
قالت الطبيبة:
"سنبدأ العرض الآن."
الجدران تحولت إلى شاشات. عرضوا عليها مقاطع حقيقية: طفل صغير يبكي في زاوية مظلمة. امرأة تنادي على أحدهم ولا يتجاوب. صوت زجاج يتحطم. أصوات انفجارات. مشاهد متقطعة من غرف أخرى... من اختبارات قديمة، فيها كازويا... يصرخ.
ثم ظهر مشهد لكازويا مقيدًا في "الغرفة السوداء". على الشاشة، كان ينظر للأعلى، ينادي باسمها.
"هاروكا!! هاروكا!!"
صرخت وهي تحاول النهوض من الكرسي:
"أوقفوا هذا! هذا قديم!! هذا قديم!!"
الطبيبة لم تُظهر أي رد فعل.
أطلقت صدمة كهربائية بسيطة في طرف قدمها. لم تكن قوية، لكنها حادة كفاية لتجعلها تتشنج.
قال الصوت:
"هذا اختبار استجابة. كلما أظهرت ضعفًا عاطفيًا، نزيد التحفيز."
"إنه ليس ضعفًا!" صرخت هاروكا.
"اسمه إنسانية!!"
عرضوا بعدها مشاهد من زنزانة كازويا، وزاوية فيها دفتر صغير. كانوا يتجسسون حتى على حديثهم الخاص.
"أوقفوا كل شيء! قلت لكم أوقفوا!!"
عيناها امتلأتا بالدموع.
---
في وقت لاحق، أُعيدت إلى زنزانتها. لم تكن قادرة على المشي جيدًا، لكن أحد الحراس أمسك بها من ذراعها وأسندها حتى الباب.
بمجرد إغلاقه، سمعت صوت خربشة قوية على الجدار.
"هاروكا؟!!"
كازويا كان يطرق بقلقه.
"هل أنتِ بخير؟ أرجوكِ تكلمي معي!"
ردت بصوت مبحوح:
"أنا... أنا بخير."
"أقسم إنهم سيحاسبون على هذا."
قالها كازويا من بين أسنانه.
"لم يؤلموني جسديًا كثيرًا... لكنهم جعلوني أشعر وكأني وحيدة."
قالتها ببطء.
رد كازويا:
"أنتِ لستِ وحيدة. طالما أنا أتنفس، لن تكوني كذلك."
لحظات، ثم سمعوا صوت يوجي:
"كل مرة يسحبون أحدنا، نعود أضعف في أجسادنا... لكن أقوى في قلوبنا. إنهم لا يفهمون أن ما بيننا لا يمكن كسره بالتجارب."
هاروكا همست:
"لقد أروني مشهد لك... في الغرفة السوداء."
قال كازويا بنبرة مفاجئة، حزينة:
"أرادوا كسر قلبك بي."
"تقريبًا نجحوا."
"لكنهم لم ينجحوا، أليس كذلك؟"
"لا، لم ينجحوا... لأنك هنا."
وساد بينهم الصمت... لكن هذه المرة، كان صمتًا دافئًا، صمتًا يحمل وعدًا غير منطوق:
نحن هنا. وسنظل.
في زاوية الغرفة الرمادية، بعد الاختبار...
كانت هاروكا جالسة على الأرض، ظهرها مسنود إلى الحائط البارد، وركبتاها مضموّتان إلى صدرها. أنفاسها ثقيلة، وعيناها شبه مغلقتين. الأسلاك التي كانت ملتصقة بجسدها قد أُزيلت منذ ساعة، ولكن أثرها ظل على الجلد — أحمر، مُزرق، كأنّ الألم رسم خرائطه الخاصة على جسدها الصغير.
دخل كازويا أولًا، يليه يوجي، وهما يحملان معهما شيئًا غريبًا: كرتونة فارغة، مرسوم عليها وجه مبتسم بعينين كبيرتين.
قال يوجي متصنعًا الجدية، وهو يلوّح بالصندوق أمامها:
"حضرة الآنسة هاروكا، جئنا اليوم لنقدّم لكِ أعظم اختراع في تاريخ البشرية: السيد بوبو الكرتوني، طبيب القلوب المنهكة!"
فتح كازويا الصندوق وأدخل رأسه فيه، ثم رفعه ببطء وجلس على ركبتيه، مقلدًا صوتًا آليًا ساخرًا:
"أنا الدكتور بوبو. أُشخّص حالتك: قلب متعب، روح متكسرة، وجرعة كبيرة من الصمت! العلاج؟ عناق من النوع الثقيل… أو ضحكة واحدة فقط."
رفعت هاروكا رأسها ببطء، نظرت إليهما دون تعبير، لكنها لم تستطع منع طرفي شفتيها من الارتعاش.
قال كازويا بنبرة متهكمة وهو ما يزال في الصندوق:
"تحذير: الضحك قد يؤدي إلى آثار جانبية مثل الراحة، الإحساس بالأمان، وربما… الشعور أنك ما زلتِ إنسانة!"
ضحكت — خفيفة، ضعيفة، لكنها ضحكة.
يوجي قفز فورًا وقال بصوت مبالغ فيه:
"انتباه! الضحكة الأولى في هذا الشهر! ندوّنها رسميًا، ونطالب بجائزة من الإدارة!"
هاروكا رفعت يدها قليلًا، وقالت بصوت خافت:
"أنتم… أغبياء."
رد كازويا بسرعة، وهو يخلع الصندوق من رأسه ويبتسم:
"نعم. لكن أغبياء نحبك."
بعد يومين — في مختبر التجارب النفسية المتقدمة
في تلك الغرفة المعزولة، حيث لا يُسمع فيها شيء سوى صوت الأجهزة، وصرير المعدن، وهدير الكهرباء الخافت، وُضِعت هاروكا في ما يُعرف باسم "اختبار الهلوسة الموجّهة".
جلس المشرف خلف زجاج عازل، يتابع على الشاشة إشارات دماغها.
تم حقنها بمادة محسوبة بدقة، لا تُفقدها الوعي، ولكن تحفّز في عقلها ذكريات مُشوّهة، ورؤى كاذبة.
مطلوب منها فقط: أن تبقى هادئة… ألا تصرخ… ألا تبكي… ألا تتكلم.
لكن الصور بدأت تتوالى في ذهنها — والدتها وهي تُسحب من بين ذراعيها، كازويا وهو يصرخ في غرفة سوداء، يوجي وهو يبكي ويختفي أمامها، صرخات أطفال آخرين، ثم وجه المشرف يضحك بخبث.
أرادت أن تصرخ… لكنها عضت شفتها، وأغمضت عينيها.
قال صوت خفي في رأسها، كان يشبه صوت كازويا:
"هاروكا… فقط عُدّي للخمسة. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة…"
كان ذلك كافيًا لتستعيد جزءًا من تماسكها. لقد نقش كازويا هذا التدريب في رأسها منذ زمن:
"كلما كان الألم كبيرًا، عدّي. الألم يخاف من الأرقام."
عادت إلى غرفتها بعد ثلاث ساعات.
عندما دخلت، كانت خطواتها مترنحة، وعيناها حمراوان من شدة التركيز. كازويا ويوجي كانا ينتظرانها كمن ينتظر خبر نجاتها من معركة.
قال يوجي:
"هل ترينني الآن؟ أو هل تحولتُ إلى تنين عملاق كما في اختبارات الهلوسة؟"
أجابت ببطء وهي تجلس:
"أنت دائمًا تنين… لكن من النوع الأحمق."
قال كازويا مبتسمًا وهو يضع غطاءً صغيرًا على كتفيها:
"لو كنتِ بخير بنسبة عشرة بالمئة فقط، فأنا واثق أن التسعين الباقية سترجع… لأننا سنسرقها من قسوة المكان، ونرجّعها لكِ."
ضحكت هذه المرة، ضحكة قصيرة ولكنها حقيقية.
قالت وهي تغمض عينيها وتستند إلى كتفه:
"لا أعلم كيف… لكن كل مرة أخرج من الجحيم… أرجع إليكما."
في الليلة التالية — داخل الغرفة المشتركة
جلسوا الثلاثة على الأرض، يوجي يحاول تقليد مشرف المختبر وهو يتكلم كأن فمه مليء بالبطاطا، وكازويا يرسم على الجدار المجاور بالطباشير المهرّبة، خطوطًا تشبه نجومًا.
قال فجأة:
"يومًا ما… إذا خرجنا من هنا… سآخذكما إلى البحر."
قالت هاروكا وهي تنظر إليه بفضول:
"ما هو البحر؟"
تجمّد قليلاً، ثم ابتسم بحزن:
"لا أعرف… قرأت عنه فقط. لكن يُقال إنّه واسع… ومالح… ويحتوي على مخلوقات لا تعرف الألم."
قال يوجي:
"يعني مثل مختبر التعذيب… لكن مع رمل."
ضحكوا كلهم هذه المرة.
حتى الألم، ولو لوهلة، توقف في الخارج، كأنّه خاف أن يدخل غرفةً فيها ضوء… وضحكة.
كان الضوء الأبيض الباهت يتسرّب من المصابيح المثبتة في سقف الغرفة الرمادية. جدران المنشأة الصامتة تشهد على آلاف اللحظات التي مرّت دون أن يحفظها أحد… إلا هم.
جلست هاروكا في الزاوية، ساقاها مطويتان تحتها، وذراعاها معقودتان حول ركبتيها. شعرها الأسود الناعم انسدل على كتفيها بينما كانت تحدّق في الفراغ بعينين شبه زجاجيتين.
دخل كازويا، بخطواته المعتادة المليئة بالحماس الغريب، ممسكًا بعلبة فارغة صنع منها شيئًا يشبه القناع.
قال بمرح:
"انظري، لقد صنعتُ قناعًا يجعلني أبدو كأنني القائد الأعلى!"
ثم ركض نحوها واضعًا القناع على وجهه، وصوته يتغير:
"أيها الجنود، أعلِنوا الولاء للقائد العظيم كيه-إتش-إم-آر-أوو!"
رفعت هاروكا حاجبها ببرود، دون أن تبتسم.
"أنت لا تبدو قائدًا… بل تبدو غبيًّا."
ضحك يوجي من الباب، وكان قد دخل لتوّه:
"أخيرًا قالت الحقيقة التي كنا نخفيها عنك منذ أسبوع."
أدار كازويا رأسه بتصنع الجدية وهو ما زال يرتدي القناع.
"خيانة في صفوفي؟ لا بأس… أيها الحارس يو جي، ستُرسل إلى زنزانة العقاب!"
"الزنزانة الوحيدة التي سأذهب إليها هي عقلك، وأعتقد أنها مزدحمة بما يكفي."
قالها يوجي وهو يجلس بالقرب من هاروكا، ثم التفت إليها، صوته يهدأ:
"أنتِ بخير؟"
أجابت بعد صمت:
"لم أنم جيدًا."
نظر إليها كازويا بقلق، وخلع قناعه وهو يجلس بقربها.
"هل كانت الكوابيس مجددًا؟"
هزّت رأسها ببطء.
"ليست كوابيس... فقط أحلام… لا أريد أن أراها."
سألها يوجي بهدوء:
"تحلمين بالذين رحلوا؟"
أجابت بصوت منخفض بالكاد يُسمع:
"وأحيانًا... أرى وجهي مكانهم."
ساد الصمت للحظة. ثم قال كازويا بنبرة خفيفة محاولًا كسر الجمود:
"إذا رأيتِ وجهي مكانهم فذلك كابوس حقيقي."
ضحكت هاروكا ضحكة صغيرة، خفيفة، لكنها حقيقية. نظر إليها الاثنان بدهشة.
"هل... هل ضحكتِ للتو؟" قال يوجي متظاهرا بالصدمة.
قال كازويا وقد وقف فجأة:
"سجّلوها، إنها لحظة تاريخية! هاروكا تضحك!"
نظرت إليهما هاروكا بخفة وسخرت:
"لن تضحكوا إن عدت كما كنت."
"لن تضحكي إن توقفتِ عن الحديث مثل الشريرة في القصص."
قالها يوجي وهو يغمز لكازويا، فتبسّما.
صمتت لحظة ثم تمتمت:
"لكن... أنتم تجعلون كل شيء... أسهل."
وضع كازويا يده على كتفها.
"دائمًا سنكون هنا، حتى عندما تصبحين مجنونة... سنكون مجانين معك."
قال يوجي وهو يتكئ بجسده إلى الوراء ويغمض عينيه:
"ما رأيكم أن نهرب من كل هذا ونعيش على سطح القمر؟"
"فكرة رائعة!" قال كازويا متحمسًا، ثم أردف:
"لكن لا أظن أن يوجي سيصل، فدماغه لا يتحمل الضغط الجوي."
"هل كنت تظن أن دماغي موجود أصلًا؟"
هزّت هاروكا رأسها ثم قالت بسخرية:
"أحيانًا أتساءل إن كنتما نتائج فاشلة لاختبارات سابقة."
ضحكوا جميعًا. كانت ضحكة بريئة، بسيطة، أشبه بصوت الماء فوق الحجارة الناعمة.
قال كازويا فجأة، وهو ينظر في السقف:
"هل تتخيلون أن نخرج من هنا يومًا، ونعيش في بيت واحد؟ فقط نحن الثلاثة. بدون جدران رمادية، ولا اختبارات… فقط… نحن."
أجابت هاروكا بهدوء:
"سيكون غريبًا أن أستيقظ ولا أرى وجوهكم."
أردف يوجي:
"غريب... لكنه جميل. وربما، إن عشنا طويلًا، سأصبح محققًا."
سأله كازويا وهو يتصنع الجدية:
"وأنا؟"
"أنت؟ ستكون مهرجًا."
"وأنتِ يا هاروكا؟" سألها كازويا بلطف.
نظرت إليه، ثم إلى يوجي.
"سأكون شيئًا… لا أحد يستطيع التحكم به."
نظر كازويا في عينيها، وابتسم.
"وأنا سأكون معك، دائمًا."
RAWA'AH