الزائر من العدم

الزائر من العدم

20 0

ليلة باردة.

والسماء تمطر ثلجًا خفيفًا كأنها تغسل المدينة من دمها.

هاروكا كانت قد عادت للتو من إحدى مهماتها الأخيرة، يدها لا تزال ترتجف من أثر الطعنة التي وجّهتها لرجل خان قسمه وشرّع الظلم بقوانين رسمية.

دخلت بيتها بين أشجار الغابة.

الدفتر الذي أنهته، مفتوح أمامها على الطاولة.

الصفحة الأخيرة… شُطبت.

كانت تشعر بالفراغ.

لا غضب. لا حزن. لا فرح.

كأن شيئًا قد انتهى.

وضعت السكين على الحائط.

نزعت القناع.

وغسلت يديها من الدم.

ثم شعرت بشيء مألوف… وغريب في الوقت نفسه.

كأن أحدهم يتنفس في المكان… لكن لا أحد هناك.

استدارت.

ووقف هناك.

كازويا.

نفس المعطف الطويل.

نفس العيون التي لا تنتمي لزمانٍ بشري.

ونفس الهدوء… الهدوء الذي يسبق العاصفة.

قالت هاروكا، دون أن تُظهر أي دهشة:

"أنت ميت."

ابتسم بهدوء، واقترب خطوة.

"إن كنتِ ترينني الآن، فأنا لست كذلك."

قالت وهي تمسك السكين من الحائط:

"لماذا تظهر لي وحدي؟"

اقترب أكثر… حتى أصبح بين الضوء والظل.

وجهه نصفه من نور النار، ونصفه من سواد الليل.

قال:

"لأنك الوحيدة التي يجب أن تري النهاية."

سكتت… ثم سألت:

"أي نهاية؟ انتهى الدفتر. انتهت اللعبة."

هزّ رأسه.

"بل بدأت الآن."

اقترب ووضع شيئًا على الطاولة.

ورقة قديمة… ولكنها ليست من دفتر الأسماء.

كانت خريطة.

خريطة مع نقاط سوداء.

قال كازويا:

"كل هؤلاء… لم يكونوا سوى قفازات.

اليد الحقيقية؟ لم تلمسيها بعد."

صمتت هاروكا للحظة.

"كنت جزءًا من اللعبة… وصنعتني. لماذا تُريني هذا الآن؟"

قال بنبرة هادئة:

"لأنك تجاوزت ما صنعتك لأجله."

اقترب أكثر، نظر في عينيها مباشرة:

"لم تعودي أداتي… بل أصبحتِ شيئًا لا يمكن التنبؤ به.

لذلك… أتيت كـرسالة. لا كقائد."

همست:

"هل أنت حي… أم مجرد وهم آخر؟"

رد بابتسامة غامضة:

"حين تشكّين إن كنتِ تحلمين أم لا… فتذكّري:

الأموات لا يتركون رسائل مشفّرة."

ثم استدار نحو الباب، وقبل أن يختفي في الظلال، قال:

"سيأتي من لا يُقتل بسكين، ولا يهزم بالغضب."

"فهل ستواجهينه وحدك… أم ستتذكرين من كنتِ قبل أن تصبحي الظل؟"

رحل.

وترك خلفه فقط… خريطة.

ونقطة حمراء… لم تزرها من قبل.

وفي اللحظة التالية…

رنّ هاتفها.

رسالة من رقم محظور:

"يوجي بدأ يشك.

لا تدعيه يصل قبلك."

النقطة الحمراء – البيت الذي لا ينام

كانت النقطة تشير إلى منطقة بعيدة…

أرض محظورة على الخرائط العسكرية.

مغلقة منذ عشرين عامًا.

منشأة قديمة تحت الأرض… كان يُشاع أنها مركز بحوث.

لكن لا أحد خرج منها يومًا ليتحدّث.

ولا أحد دخل… وعاد.

سافرت هاروكا ليلاً، تسلّلت عبر الجبال حتى وصلت.

البوابة الحديدية كانت مغطاة بالطحالب، والهواء هناك ثقيل…

كأن الأرض نفسها تتنفس خوفًا.

دخلت.

خطوتان…

ثم ثلاث…

ثم بدأت الأضواء تُضيء تلقائيًا… كما لو أن أحدهم ينتظرها.

أبواب المنشأة تُفتح أمامها دون أن تلمس شيئًا.

والحواسيب تُضيء لحظة عبورها.

شاشات تُعرض عليها لقطات من حياتها… من طفولتها… من قتلها الأول.

وكلما تقدّمت أكثر، ازداد قلبها برودة.

حتى وصلت إلى غرفة دائرية.

فيها كرسي وحيد،

وفيه يجلس…

كازويا.

لكن ليس كما عهدته.

وجهه هزيل، مغطى بندوب قديمة لم ترها من قبل.

شعره مبعثر، وعيناه تلمعان بجنون.

كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ قرون.

ضحك، ضحكة قصيرة غريبة، ثم وقف ببطء.

وقال وهو يفتح ذراعيه كأنه يقدّم عرضًا:

"مرحبًا بكِ في قلب الظل يا هاروكا."

قالت ببرود:

"ما هذا المكان؟"

أجاب بابتسامة واسعة:

"هنا بدأتِ… وهنا أنتهي.

وهنا… نكتشف الحقيقة الأخيرة."

اقترب منها، خطواته متوترة، كأن الأرض لا تطيقه.

ثم همس:

"أتدرين ما أجمل شيء فيكِ؟

أنكِ فشلتِ في أن تكوني ما أردته لكِ… وصرتِ أفضل من ذلك."

رفعت حاجبها:

"هل جننتَ؟"

ضحك مجددًا… لكن هذه المرة، ضحكة من فقد كل عقله.

"نعم. ربما… أو ربما… أنا فقط وصلت إلى النقاء الحقيقي."

نظر في عينيها، ثم قال بصوت مهووس:

"لقد صنعتكِ. نعم. أنتِ أعظم قطعة فنية خرجت من جحيمي.

وفي كل مرة قتلتِ فيها أحدًا… كنت أشاهدكِ. وأبتسم.

وفي كل صرخة… كنت أسمعها كما أسمع الموسيقى."

تراجعت هاروكا خطوة.

لكن كازويا لم يهاجمها.

بل اقترب… حتى أصبح على بعد أنفاس.

وقال:

"أتعرفين؟ كنت أتابعكِ كل شهر، كل ضربة، كل أثر دم.

ليس فقط كمصمّم… بل كمهووس.

كمحب.

كمن يرى فيكِ آخر ما تبقّى من المعنى في هذا العالم العفن."

كان يقترب منها لا كعدو… بل كـمُعجب مريض.

وقال أخيرًا:

"أنهيتِ دفتر الأسماء؟

جميل.

الآن… حان دور دفتر الأسرار.

لكن المفتاح… هو أنا."

وسحب من سترته دفترًا أسود.

كتب على غلافه:

"الفصل الأخير من الظل الياباني."

قال وهو يضحك بجنون:

"إذا كنتِ شجاعة بما يكفي… افتحيه."

ببرود لا يخلو من الحذر… نظرت هاروكا إلى الدفتر الأسود في يد كازويا.

كان ممزق الأطراف، تفوح منه رائحة قديمة لا تُشبه الورق… بل تُشبه الرماد.

مدّ الدفتر نحوها ببطء، وعيناه تلمعان بهوسٍ صامت.

قال همسًا:

"افتحيه… وستفهمين لماذا الظلال لا تموت."

لم تتردد.

أخذته من يده، بأصابع مشدودة، وفتحت الصفحة الأولى.

لم تكن أسماء.

بل صور.

صور مشوشة، مطبوعة بتقنيات قديمة، مشاهد من مختبرات وتجارب…

وأطفال.

أطفال مقيدون.

منهم من يبكي.

منهم من ينظر إلى الكاميرا بعينين ميتتين.

وفي أسفل كل صورة…

رمز، واسم شفري، وتاريخ.

ثم بدأت الكلمات تظهر، سطور بخط صغير، كُتبت على عجل:

"المرحلة 01 – فشل عقلي تام."

"المرحلة 04 – جسد لا يتوقف، عقل لا يشعر."

"المرحلة 07 – الاختبار الوحيد الذي نجا… (الموضوع رقم: H-00-RA)."

توقفت هاروكا.

حدّقت بالرمز الأخير.

H-00-RA

همست:

"هذا… اسمي؟"

كازويا ابتسم ابتسامة لا تحتمل.

"كنتِ التجربة الأخيرة. وهربتِ. أو هكذا ظننتِ."

فتحت الصفحة التالية.

كانت صورة قديمة… بالأبيض والأسود.

فتاة صغيرة… مربوطة إلى سرير من المعدن.

تضع قناعًا على فمها، وأنابيب تدخل في جسدها.

كانت… هي.

ارتجفت أنفاس هاروكا للحظة،

لكنها أكملت.

الصفحات التالية كانت أسوأ… تقارير طبية، تقييمات نفسية، لقطات كاميرا مخفية من داخل منشآت لا اسم لها.

كل شيء… كان عنها.

كل من ربّاها، كل من آذاها، كل من استغلها، كل من درّبها… كانوا جزءًا من هذا المشروع.

لكن ثمّة اسمٌ واحدٌ… ظهر كثيرًا.

"الراعي الأعلى: K-HMRO"

كازويا.

قالت هاروكا بصوت مشبع بالغضب المكتوم:

"كل هذا… كنتَ تراقبه وتدوّنه؟"

قال كازويا وهو يجلس على الكرسي وكأن الأمر مجرد محاضرة:

"أجل. كنتُ أدوّن كل شيء. لأنه حين ينتهي كل شيء… من سيتذكرك؟"

وقفت.

أغلقت الدفتر بقوة، كأنها تسجن كل ما فيه.

قالت:

"تتحدث وكأنك تحبني… لكنك كنت تقطعني إلى أجزاء."

ضحك، لكنها هذه المرة كانت ضحكة حزينة:

"وأنا أيضًا… كنت تجربة فاشلة. في مكانٍ آخر.

كلانا خرج من رحم الهاوية، لكنكِ… كنتِ النتيجة الأجمل."

اقتربت هاروكا منه، ببطء، نظرت إليه نظرة خالية من الرحمة.

"لن أقتلك، كازويا.

لكنني سأفعل ما هو أسوأ."

رفع حاجبه.

"وما هو؟"

قالت وهي تمزّق الصفحة الأخيرة من الدفتر الأسود، وتضعها في جيبها:

"سأجعلك تبقى… وتعيش لترى كيف تحترق كل فصولك."

ثم استدارت… وغادرت الغرفة.

لكن هذه المرة، لم تكن تهرب من ماضيها.

بل كانت تسير إليه… بخطى واثقة.

بينما استدارت هاروكا لتغادر الغرفة، خطواتها تقطع دائرة الضوء الباهت…

وقبل أن تصل إلى الباب المعدني،

انغلق بصوت "تشااااااك!" خلفها.

توقفت.

حدّقت في الباب الذي أغلق تلقائيًا.

ثم سمعت الصوت خلفها…

صوت خطوات بطيئة، ثقيلة، تجر شيئًا في الظلام.

كازويا.

قال بصوت منخفض، فيه نشوة قاتمة:

"ظننتِ أن بإمكانك الرحيل؟ بعد أن فتحتِ الدفتر؟"

استدارت هاروكا بسرعة، وضعت يدها على السكين في خصرها، لكن قبل أن تتحرك…

كان كازويا أمامها.

أمسك يدها التي تحمل السكين،

بضغط لم يكن فيه عنف، بل سلطة قديمة تعرفها جيدًا.

اقترب منها، صوته يتسرّب كسمٍّ في أذنها:

"لن تخرجي، يا صغيرتي… ليس بعد أن عدتِ لذات النقطة."

صرّت على أسنانها، حاولت سحب يدها، لكنّه ثبّتها إلى الجدار بيد واحدة،

اليد الأخرى لامست خدّها بشيء أقرب إلى الشفقة المريضة.

قال، وعيناه مليئتان بجنون هادئ:

"كنتُ أراقبكِ من بعيد، نعم… لكني أيضًا كنت أحميك. كل من حاول أن يصل إليكِ… كان يموت قبل أن يعرف اسمك."

"كنتِ لي، هاروكا… حتى إن نسيتِ. كنتِ أكثر من تجربة. كنتِ الجزء الذي لم أستطع قتله في نفسي."

نظرت إليه بعيون باردة، لكن قلبها يضرب كأن أحدًا يقرع طبول الدم داخله.

قالت بنبرة خافتة:

"وهل تعتقد أنني سأبقى هنا؟ معك؟"

ضحك. ضحكة قصيرة… ثم اقترب أكثر، حتى أصبح وجهه يبعد سنتيمترًا فقط:

"لن تبقي. ستعودين… وحدك. عندما تدركين أنكِ لم تفهمي بعد ما كتب في الورقة."

"حينها، ستعودين إلي. لا لأنكِ مجبرة… بل لأنكِ الوحيدة التي بقيت."

ترك يدها أخيرًا، وابتعد بخطوة واحدة، ثم كبس زرًا على الجدار.

الباب المعدني فُتح مجددًا.

قال وهو يُدير لها ظهره:

"اذهبي الآن… أريد أن أرى إلى أي مدى يمكنكِ أن تبتعدي قبل أن تعودي إلي."

"لكن تذكّري، يا ظلّي…"

استدارت هاروكا بهدوء، وعند العتبة وقفت.

قال هو أخيرًا، بنبرة مجنونة تنزف شغفًا:

"نحن لا نهرب من المرايا… نحن فقط نُطفئ الأنوار."

غادرت…

لكن هذه المرة،

كانت تحمل في جيبها الورقة…

وفي يدها الصفحة الأخيرة من الدفتر الأسود

وفي قلبها، خوفٌ جديد: أن كل ما عرفته حتى الآن… لم يكن سوى صفحة الأول.

**

في إحدى الليالي الباردة في طوكيو، بينما الضباب يزحف على الأرصفة، ووهج أعمدة الإنارة بالكاد يخترق العتمة…

كان يوجي يجلس في سيارته، ساكنًا، يحدق في دفتر ملاحظاته.

يداه ترتجفان رغم المعطف الثقيل،

وعيناه لا تزالان تحملان أثر الحلم الذي رأه قبل ساعات.

حلم جديد.

جثة أخرى.

لكنها لم تكن جثة من بلاغ رسمي… بل من مستقبلٍ لم يحدث بعد.

كانت الجثة ملقاة فوق منضدة مغطاة بالبلاستيك…

جثة لرجل برتبة عالية، مشدودة بسلاسل حديدية،

وصدره مفتوح كأن أحدًا سلخه ببطء…

والظل الياباني كانت واقفة بجانبه، تنظر إليه بلا رحمة،

قبل أن تنغرز السكين في عنقه كأنها توقيع.

"لم تعد مجرد أحلام"، تمتم يوجي.

"أراها قبل أن تحصل… وكل مرة تكون التفاصيل صحيحة."

مدّ يده نحو ولاعة السيارة، وأشعل سيجارة رغم محاولاته للإقلاع عنها منذ أشهر.

لكنّ أصابعه كانت تهتز، كأن عقله لا يحتمل الصمت بعد الآن.

وفجأة…

سمع صوت طرقة ناعمة على نافذة السيارة.

استدار بسرعة، وضع يده على مسدسه.

لكن حين رأى من بالخارج…

جفّ حلقه.

كانت هي.

واقفة بثبات على الرصيف، بين الظلال… الظل الياباني بنفسها.

بذلتها السوداء، قناعها الأسود المائل قليلاً عن وجهها، وعيناها مثل ليلٍ لا نجاة منه.

فتح الباب ببطء، نزل، لكنه لم يرفع سلاحه.

قال:

"هل أنا… أحلم الآن؟"

هاروكا تقدّمت خطوة، ونظرت إليه بعينين لا تنطقان بالشر… بل بالتجربة.

قالت بنبرة محايدة:

"لست تحلم يا محقق. هذه المرة… أنا التي جاءت إليك."

يوجي وقف مذهولًا.

"لماذا؟"

قالت، واقفة قبالته تمامًا، والضباب يلفّ جسدها كأن المدينة تخفيها وتُظهرها بإذنها:

"لأنك الوحيد… الذي يرى ما لا يراه الآخرون.

ترى ظلي… حتى عندما لا أكون هناك."

اقتربت أكثر.

كان جسده مشدودًا، لكنها لم تظهر أي نية للعدوان.

قالت بصوت منخفض:

"هل تعرف لماذا تراهم؟ الجثث؟ طريقة موتهم؟ لأننا… مرتبطان. وأنتَ لا تعرف كيف بعد."

سألها، محاولًا الحفاظ على ثبات صوته:

"ما الذي تفعلينه؟ قتل كل هؤلاء… ما الهدف؟"

هاروكا نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:

"ليس قتلًا يا يوجي. بل تطهير. إن كنتَ ترى أحلامي، فربما أنت تستحق أن ترى الحقيقة أيضًا."

ثم… مدّت يدها ببطء، وأخرجت من جيبها الصفحة الممزقة من الدفتر الأسود.

ناولتها له.

قالت:

"اقرأ هذا… وسأنتظرك هنا غدًا، نفس المكان…

إذا جئت، سأريك كل شيء.

إذا لم تأتِ… فسأعتبرك مثلهم."

ثم استدارت… وغادرت نحو الزقاق الخلفي، كأن الظلال التهمتها.

يوجي بقي واقفًا، والورقة بين يديه، ونبضه لا يتباطأ.

فتحها.

كانت الصفحة تحتوي على اسم… أعلى رتبة عسكرية حاليًا في البلاد.

واسمه كان تحت تصنيف:

"مموّل مشروع الأطفال – التجربة رقم صفر."

يوجي رفع عينيه ببطء.

همس:

"ما هذا الجنون…؟"

ثم طالع اسمه في الزاوية السفلية من الورقة… بخطٍ صغير جدًا.

(المحقق المراقب – يوجي كيتاگاوا)

عيناه اتسعتا.

"أنا… كنت ضمن المشروع؟!"

في اليوم التالي

كانت المدينة غارقة في الرماد الرمادي، كأن الغبار والضباب تآمرا على حجب كل ما هو حي.

الشارع الذي اختارته هاروكا للقائه لم يكن عادياً،

كان زقاقًا ضيقًا مهجورًا، فيه جدار مغطى برسومات باهتة،

ومصباح واحد فوق الرأس، يومض كأنّه يحتضر.

وصل يوجي قبل الوقت بقليل.

ملامحه منهكة، عيونه حمراء من قلة النوم،

لكنّه كان يحمل الورقة مطويّة بعناية في جيبه الداخلي…

وكأنها لم تعد دليلاً، بل مفتاحًا لخوف أكبر.

وقف وانتظر.

ثم… من بين الظلال، ظهرت.

هاروكا.

لكن هذه المرة، لم تكن فقط ظلًا.

كانت تقف بثقة، في ملابس رمادية قاتمة،

قناعها غير موجود.

وجهها مكشوف.

أول مرة يرى ملامحها كاملة.

جميلة بطريقة لا تشبه البشر…

بل تشبه النجاة نفسها، عندما تأخذ شكل امرأة.

قالت بنبرة خالية من المجاملات:

"أنت جئت. إذن لازال شيء فيك يريد أن يعرف."

يوجي لم يجب فورًا.

ثم قال بهدوء:

"أنا رأيتك… رأيتك تقتلينهم."

هزّت رأسها.

"لا، بل رأيت ما أرادوا أن ترَاه… حتى الآن لم ترَ شيئًا حقيقيًا."

تقدمت خطوة، وفتحت حقيبة صغيرة كانت معها.

منها، أخرجت مجلدًا قديمًا، أوراقه صفراء،

مربوطة بشريط جلدي مهترئ.

ناولته له.

"اقرأ هذه الملفات. كل من قُتل… كان جزءًا من مشروع اسمه ‘المِرآة’.

مشروع بدأ قبل عشرين سنة… لتجنيد أطفال في تجارب سلوكية غير قانونية، واستخدامهم كأدوات قتل تحت ظروف قهرية."

يوجي بلع ريقه.

قال بصوت خافت:

"وأنا كنت أحدهم؟"

سكتت. ثم قالت ببطء:

"لست متأكدة بعد… لكنك كنت المراقب. أو على الأقل، تدريبهم جعلك كذلك."

ثم اقتربت أكثر.

أصبحت المسافة بينهما لا تكفي لخطوتين.

قالت:

"كازويا قال إنك مرآتي. وأنا بدأت أصدق ذلك… كلانا عاش نصف الحقيقة، وتم تلقينه الدور الذي عليه أن يمثّله."

"لكنك بدأت تحلم. وهذا يعني…"

سألها مباشرة:

"يعني ماذا؟"

همست:

"أن أحدنا… ليس من يجب أن يكون."

وفجأة… دوى صوت طلق ناري قريب.

كلاهما التفتا في لحظة.

رصاصة ارتدت من أحد الجدران، لكنها لم تكن موجهة لهما مباشرة.

كان إطلاقًا تحذيريًا.

ثم… ظهر كازويا.

نعم، لم يظهر من البعيد، بل كان يقف أعلى أحد المباني،

ينظر إليهما من فوق،

وفي عينيه بريق غريب،

وابتسامة جنونية تعرفها هاروكا جيدًا.

قال بصوت ارتد في الزقاق:

"هل كنتما تظنان أنكما وحدكما؟ أنتما الاثنان… مشاريع ناجحة، لكن واحد منكما فقط سيكمل."

ثم نظر إلى يوجي مباشرة، ورفع سبابته نحوه:

"أنتَ بدأت ترى الأحلام، لأنك بدأت تستفيق…

لكنّ السؤال الآن… هل ستبقى في صفّ القَتل، أم ستعود إلى صفّ النظام؟"

ثم ابتسم ابتسامة واسعة، لا يمكن وصفها إلا بكلمة واحدة:

هوس.

هاروكا صرخت بصوت منخفض، حاد:

"كازويا! توقف!"

لكنه اختفى.

يوجي استدار نحوها، قلبه ينبض بعنف.

"ماذا كان يقصد؟ لماذا قال إننا مشروعان؟"

هاروكا نظرت إليه نظرة لم يرها من قبل…

نظرة صدق خالص، ولكنها كانت مخلوطة بشيء يشبه… الشفقة.

قالت:

"لأننا كنا… مرآتين في قاعة مظلمة.

لكن واحدة منا فقط… قررت أن تُكسر."

مخبأ مهجور تحت الأرض، جدرانه صدئة، إنارته خافتة، وصوت أنفاس الاثنين فقط هو ما يملأ المكان...

كان يوجي يجلس على صندوق معدني، والملف القديم في يده.

لكن عينيه لم تفارقا هاروكا، التي وقفت مقابل لوحة خرائط قديمة عليها نقاط حمراء.

سألها بنبرة منخفضة:

"من أنتم؟ كازويا وأنتِ؟ ما هذه التجارب؟"

تنفست ببطء، ثم استدارت إليه، وأخيرًا قالت:

"اسمي الحقيقي ليس هاروكا فقط...

اسمي هو H-00-RA."

تجمدت ملامح يوجي.

"كنتُ أول طفلة تنجو من سلسلة تجارب مشروع ‘المِرآة’.

طفلة يتيمة، خُطفت من دار أيتام في الريف، وتم تعديل وعيها تدريجيًا عبر مراحل، واختباري تحت ظروف ضغط نفسي وعنف متكرر. كانوا يريدون أن يصنعوا آلة… لا تشعر، لا تتردد، تقتل بمجرد الإشارة.

لكنني لم أنكسر.

لم أتبع أوامرهم… تمامًا."

سألها يوجي:

"وكازويا؟"

هزت رأسها ببطء، وجلست أمامه، وبدأت تحكي:

"كان هناك طفل آخر… اسمه في الملفات: K-HMRO.

كنا نراه أحيانًا في الأروقة.

صامت، دائمًا تحت المراقبة، لكنه كان الأذكى."

"كانوا يقولون إنه ليس مثلنا، بل مثل 'النموذج الأصلي'. ولأنه أكبر سنًا، استخدموه لتدريبنا أحيانًا.

لم يكن يؤذينا، لكنه كان يراقب بعيون ميتة."

توقف صوتها لحظة، كأن الذكرى تخنقها.

ثم أكملت:

"في إحدى الليالي، حصل تسرب للبيانات… وانقطع الاتصال بالمنشأة.

كنت أنا الناجية الوحيدة من التجارب، أو هكذا اعتقدت. لكن بعد سنوات… بدأ اسمي يُستخدم في عالم الجريمة، وأدركت أن أحدهم يحاول إيقاظ ماضيّ.

ثم… عرفت أن كازويا لم يمت."

"بل أصبح جزءًا من النظام."

يوجي ضغط على الورقة التي في يده، وقال:

"وهو من أخرجك من المشروع؟"

ابتسمت بسخرية.

"بل هو من أعادني إليه… لكن خارج الجدران هذه المرة.

بنى لي عالَمًا أُقتل فيه بحرية… لأظن أنني أهرب، بينما كنت أنفذ لهم أعمالهم القذرة."

وقف يوجي، اقترب منها، ونظر إلى وجهها مباشرة.

"لماذا تخبريني هذا الآن؟"

همست هاروكا، وعيناها مليئتان بصدق مرّ:

"لأنك تحلم… كما كنا نحلم نحن قبل أن يأخذوا ذاكرتنا.

أنت لست فقط مراقبًا، يوجي…

أنت كنت أحدهم.

أنت K-WTCH."

يوجي تراجع خطوة.

"كاذبة…"

لكنها مدت له صورة.

فيها طفل صغير…

نفس عينيه، بنفس الندبة القديمة على ذراعه.

وتحتها مكتوب:

K-WTCH – وحدة الرصد والتعديل السلوكي (ناجٍ – تحت المراقبة الذاتية)

ساد الصمت.

ثم تمتم يوجي، كأن العالم تحطم بداخله:

"كل شيء… كذب."

هاروكا وضعت يدها على كتفه، ببطء:

"لكننا أحياء… وهذا وحده لا يمنحنا خيار الصمت."

أومأ يوجي ببطء، لكن نظراته كانت متجمدة، كأنه يحاول تثبيت عالم يتهاوى داخله. الصورة بين يديه ترتجف… لا بسبب الورق، بل بسبب يده التي لم تعد تعرف إن كانت تنتمي لمحقق، أم لظل قديم.

قال بصوت مختنق:

"K-WTCH… إذا كنتِ على حق، فكل ما عشته حتى الآن، كل ما اعتقدت أنه حقيقي… ليس إلا سيناريو مكتوب مسبقاً؟"

هاروكا نظرت إليه بثبات، دون شفقة، لكنها لم تكن قاسية.

"نعم. نحن لم نختر هذا. كنا أوراقًا بيضاء. كتبوا علينا كما شاؤوا. أنت كنت المراقب الصامت. من يشاهد ولا يتدخل. يرصد… يحلّل… يُبلغ. وأنا؟ كنت التجربة التي تنفّذ. القاتل الذي لا يسأل."

سكتت، ثم أضافت بنبرة أخف:

"لكننا الآن لسنا أطفالًا. ولسنا تحت يد أحد.

الفرق الوحيد… أنني قررت أن أقاتل. وأنت… يجب أن تقرر الآن."

يوجي رفع عينيه نحوها، وفي صوته نغمة حادة:

"وهل القتال يعني القتل فقط؟"

هاروكا اقتربت منه، ونظرت في عينيه عن قرب.

"أحياناً، نعم. عندما لا يكون هناك طريق آخر… القتل يصبح العدالة الوحيدة. لكنني لا أريدك أن تصبح مثلي."

يوجي تمعّن في عينيها، لأول مرة يرى خلف الظل… إنسانة.

سألها:

"ولِمَ تهتمين؟"

سكتت لثانية، ثم قالت بصوت منخفض:

"لأنني لا أعرف من أنا حقاً… لكن عندما أكون معك، أشعر أن هناك احتمال… أن أكون أكثر من مجرد قاتلة."

الهدوء ساد بينهما…

وفي زاوية الغرفة، كان الضوء الخافت يرتعش، كما لو أنه يحبس دموعًا قديمة.

قال يوجي أخيرًا، بنبرة حاسمة:

"إذن… فلنفتح الدفتر الأخير."

نظرت إليه باستغراب.

"ماذا تقصد؟"

أخرج يوجي دفترًا صغيرًا من جيبه… لم يكن دفترها.

بل واحد يشبهه تمامًا… لكن عليه رمز محفور:

⧗ – مرآة مزدوجة.

قال:

"وجدته في مقر قديم تحت الأرض. في أحد أحلامي… ثم اكتشفته فعلًا، كما كان في الرؤيا."

فتح الدفتر.

كل الأسماء التي قتلتهم هاروكا… كانت موجودة فيه،

مرفقة بتواريخ دقيقة، وأماكن، وملاحظات بخط دقيق.

لكن في الصفحة الأخيرة…

كان هناك اسمٌ جديد لم تره من قبل.

"K-HMRO – قيد التصفية. موقعه: النقطة الحمراء."

هاروكا شهقت.

"كازويا؟"

يوجي نظر إليها وقال:

"المشروع قرر التخلص من نموذجه الأخير."

سألت بصوت أقرب إلى الهمس:

"إذن… كازويا ليس المتحكم؟"

أجاب:

"كان… لكن يبدو أن هناك من هم فوقه، وقرروا التخلص من الجميع."

وقفت هاروكا، قبضتها ترتجف:

"سأذهب إليه… وحدي."

لكن يوجي وقف أمامها، نظر في عينيها:

"لا، هذه المرة… نذهب معًا."

الهدوء تحطم…

ليبدأ شيء آخر.

ليست مجرد مواجهة بين قاتلة ومرشدها…

بل حرب بين من تمت برمجتهم… ومن قرروا تحطيم الشيفرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الظل الياباني

المؤلف RAWA'AH
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة