جلست "هاروكا" أمام النهر، الشموع تتراقص من حولها، والورقة القديمة مستلقية في حجرها.
قرأت الجملة مرارًا:
"عينٌ تنظر إليك من بعيد… لكنها لا تعرف أنها نظرت من قبل. ستعود إليك، حين يتذكرك."
كل شيء بداخلها أخبرها أن هذه الرسالة لا تتحدث عن كازويا… بل عن شخص آخر.
عن من يرى جرائمها في الأحلام.
رغم كل البعد الذي فرضته عن العالم، كل الجدران التي بنتها حول نفسها… لم تكن وحيدة كما ظنّت.
"هناك من يراكِ، يا هاروكا. ويرى الحقيقة كما لم يراها أحد."
أدخلت الشيفرة إلى جهازها الآمن — نظام التتبع المُطور الذي لا يُخطئ.
بدأت بالبحث عن إشارات عقلية، ردات فِعل إلكترونية غير مألوفة.
لا تبحث عن شخص… بل عن رنين معين في العقل البشري. أثر يتركه شخص يرى في نومه ما لا يجب أن يُرى.
النظام بدأ يرصد نبضًا غريبًا في منطقة بعيدة.
يوجي.
الاسم لم يظهر. لكن العقل… مألوف.
شعرت بشيء غريب في صدرها.
ألم قديم… لا تعرف مصدره.
هل هو العابر الذي نسيها؟
هل هو الذي شهد على مأساتها دون أن يعرف؟
أم أنه… مثلها؟
في نفس الوقت، كانت الكوابيس تعود ليُوجي.
لكن هذه المرة… مختلفة.
لم تكن رؤية للقتل فقط.
بل لطفلة داخل غرفة قذرة، تجلس في الظلام، تحتضن دمية مكسورة.
جسدها مغطى بالكدمات، وعلى الجدار خلفها، مرسوم بخط يد طفل:
"هاروكا كانت هنا، لكنهم أخذوها."
استيقظ فجأة… وبكى.
دون أن يعرف لماذا.
وفي الغابة، قررت هاروكا أخيرًا أن تتحرك.
ارتدت ملابسها السوداء، ووضعت سكينها في حزامها الجلدي، ثم أغلقت باب بيتها الخشبي كأنها لا تنوي العودة قريبًا.
قلبها لم يخفق هكذا منذ سنوات.
لكن هذه المرة… لم يكن بسبب مهمة قتل.
بل من شيء أكثر غموضًا:
رغبة في أن تتذكّر… وأن تُتذكّر.
سافرت لأيام، متنقلة بهويات مزيفة، راقبت إشارات الشبكة، حتى وصلت إلى النقطة التي تقودها إلى طوكيو — مرة أخرى.
لكنها لم تدخلها مباشرة.
بل وقفت على سطح عمارة قديمة خارج المنطقة الأمنية، تنظر إلى الأضواء من بعيد.
وفي تلك الليلة…
رأته.
يوجي.
لم تكن تعرف وجهه من قبل، لكنها شعرت به.
كان يجلس وحده في الحديقة أسفلها، يحمل دفترًا صغيرًا، ينظر إلى السماء.
وقفت هناك، في الظلال.
راحت تتأمله.
هي، التي لا تُرى… تراقب من يراها.
لم تقترب. لم تقتله. لم تلمسه حتى.
بل همست في نفسها:
"أنت… لست غريبًا. هناك شيء منك فيّ."
في اليوم التالي، استيقظ يوجي باكرًا، خرج إلى الشارع.
لكنه توقف.
كان هناك شيء على الأرض أمام بابه.
سكين.
ملفوفة بورقة صغيرة.
فتَحها.
كُتب عليها:
"إذا كنت تراني…
فلا تجعلني أراك بعد الآن.
ليس بعد…"
وقّعت باسمٍ لم يسمعه من قبل.
لكن قلبه عرفه فورًا:
هاروكا.
كان "يوجي" يحمل السكين الملفوفة بالرسالة، قلبه ينبض كأنه دُفِع إلى شيء أكبر منه بكثير.
جلس على طرف سريره، يتأمل الكلمات مرارًا.
"إذا كنت تراني… فلا تجعلني أراك بعد الآن. ليس بعد."
لم تكن تهديدًا.
كانت رجاءً مشوّهًا.
ولأول مرة، أدرك أن القاتل الذي يراه في أحلامه ليس وحشًا فقط…
بل شخصًا يحاول ألّا يُكشَف.
شخصٌ مألوف.
في تلك الليلة، عاد إلى نفس المكان الذي رأى فيه المرأة من بعيد.
الحديقة المهجورة، تحت ضوء المصابيح الباهتة.
جلس على المقعد ذاته، وحده، ينتظر… دون أن يعرف ماذا ينتظر.
وبينما الغيوم تمر فوق القمر…
جلس ظل بجانبه.
لم يسمع خطوات. لم يشعر بوجود.
لكنها كانت هناك.
هاروكا.
لم ينظر إليها فورًا.
لكن صوته خرج:
"لم أركِ… لكنني رأيتكِ."
لم ترد.
قال مجددًا، بهدوء:
"أحلامي بدأت منذ سنوات. كنت أظنها كوابيس… ثم أصبحت وقائع. كلما استيقظت، وجدت أثرًا."
نظرت إليه. ملامحها ساكنة.
سألها، دون أن يجرؤ على مواجهتها بعينيه:
"هل أنتِ حقيقية؟"
أجابت بصوت منخفض… لكنه لم يكن هشًا:
"وأنت… هل أنت نائم أم مستيقظ الآن؟"
تجمد للحظة.
ثم التفت ببطء، ليقابل عينيها.
في عينيها لم يكن الموت فقط.
بل شيء يشبهه… ونجا.
"أنا لا أعرفك"، قال.
فأجابت:
"بل تعرفني… في الأجزاء المنسيّة منك."
نهضت من مكانها، تمشي بهدوء.
قال:
"انتظري."
توقفت، دون أن تلتفت.
"لماذا أنا؟ لماذا أحلم بكِ؟ لماذا… ترينني خطراً إن اقتربت؟"
ردّت أخيرًا:
"لأننا كُسرنا في المكان ذاته… لكننا لم نُجمع بالطريقة نفسها."
ثم تركته، واختفت في الظلال.
في تلك الليلة، عاد يوجي إلى بيته، وتوقف أمام المرآة.
لكن هذه المرة، لم يرَ نفسه.
بل رأى وجه طفلة صغيرة.
خلفه.
وعندما استدار… لم تكن هناك.
أما هاروكا…
فقد جلست في بيتها من جديد.
لكنها لم تنم.
بل أخرجت دمية صغيرة من درجٍ مخفي في الجدار.
ممزقة قليلاً، لكن ملامحها لا تزال باقية.
تمتمت:
"إذا كان هو مرآتي… فهل كنت مرآته أيضًا؟"
وسمعت داخلها صدى كازويا يهمس:
"المرآة لا تُريك من أنت… بل من كان يجب أن تكون."
رسائل من قلب العدم
في أحد الليالي، بينما كان يوجي يستعرض مقاطع الحلم المتكررة على جهازه، ظهر شيء جديد في شاشته.
لم يكن من تسجيله، ولم يكن يعرف مصدره.
ملف صوتي… مرفق برمز غريب:
ΔX:42-Red
ليس اسماً. بل كوداً عسكرياً قديماً. من النوع الذي لا يعرفه إلا من عملوا في مشاريع الدولة السرية.
فتح الملف.
خرج صوت مشوّش، مشوب بضوضاء، لكن يمكن تمييز الكلمات:
"إذا أردت أن تعرف لماذا تراها… فعليك أن تتذكر من جعلك تراها."
"الأمر لا يتعلق بالدم وحده… بل بالانعكاس. أنت ترى من كانت مرآتك، لأنك كنت شيئًا يشبهها، ذات يوم."
ثم الصمت.
لكن يوجي سمع في النهاية اسمًا:
"كازويا."
تجمّد.
لقد سمع هذا الاسم من قبل.
في إحدى جرائم "الظل الياباني"، كان الاسم في أحد الملفات الأمنية — الشخص الذي "مات"، ولم يُعثر على جثته.
في مكان بعيد، في ممرات تحت الأرض، مغطاة بأضواء خافتة وأجهزة نبض أدمغة…
جلس رجل في معطف أسود، يراقب شاشات متعددة.
كان وجهه نصف مغطى بقناع تنفسي، وعيناه تلمعان بلون أزرق غريب تحت الإضاءة الباهتة.
يمسك بكوب معدني، ويراقب بثًا مباشرًا من كاميرا صغيرة… مزروعة داخل ساعة يوجي.
يبتسم.
يهمس:
"أخيرًا بدأ يتذكّر."
وفي الوقت نفسه، كانت هاروكا قد عادت من لقائها الأول مع يوجي… مشوشة، مشحونة بالأسئلة.
في ليلتها، وجدت شيئًا غريبًا عند باب بيتها في الغابة.
دفتر جلدي صغير، عتيق، لا يحمل اسمًا… فقط علامة محفورة بعمق: X
فتحته.
في أول صفحة، كُتب:
"أنتِ لا تقتلين عبثًا.
أنتِ تصححين مسارًا أخطأناه.
لا تنسي: أنا من صنعتِ سكينكِ،
لكنكِ من صنعتِ يدكِ."
ك.
نظرت حولها. لم يكن أحد.
لكنها عرفت.
كازويا لم يمت.
كازويا يراقب… الجميع.
وفي الوقت الذي بدأ فيه يوجي يبحث في أرشيف الدولة عن مشروع "ΔX:42"،
وجد صورة قديمة، عمرها أكثر من 20 سنة.
ثلاثة أطفال داخل غرفة زجاجية.
واحد منهم يشبهه، صغيرة تمسك بسكين خشبية (ربما هاروكا)، والثالث…
ظل في الظل.
لكن التوقيع أسفل الصورة كان واضحًا:
"الدفعة التجريبية الأولى – تحت إشراف: ك.هيمورو"
في زاوية مظلمة من الأرض، جلس كازويا ينظر إلى صورة مماثلة.
وفي خلفه، عشرات الملفات مفتوحة، وكلها تحوي عبارات مكتوبة بخط يده:
الفتاة = الظل
الولد = العين
معًا؟ النتيجة غير محسوبة.
ثم قال بهدوء، وهو ينظر في الكاميرا:
"إذا اجتمع الانعكاس بالظل… إما أن تنهار اللعبة، أو يُبعث العالم من جديد."
الثلج كان يتساقط فوق سقف البيت القديم.
الغابة من حولها صامتة، كأنها اختنقت بالبُعد.
هاروكا جلست في ركن المطبخ الخشبي، تقطّع حطبًا بسكين صغيرة، عينها على النار.
لكن قلبها… لم يكن هناك.
منذ لقائها بيوجي، تغير شيء ما بداخلها.
ولأول مرة منذ سنوات، بدأت تحلم هي أيضًا.
ليس بأهداف، ولا بضحايا…
بل بشخص.
وجهٌ لا يظهر بالكامل.
عينان رماديتان، تراقبانها من خلف زجاج، من وراء الزمن.
في تلك الليلة، وهي نائمة، شعرت بشيء يقترب.
فتحت عينيها.
لم يكن هناك شيء في الغرفة.
لكنها لم تكن وحيدة.
نهضت ببطء، يدها على السكين، وخرجت إلى الغابة المغطاة بالثلج.
هناك…
وسط الأشجار التي تعرفها أكثر من نفسها، وقف رجل يرتدي معطفًا طويلًا.
ظله يذوب في الظلام.
لكنها عرفته فورًا.
كازويا.
لم تتحرك.
قالت بهدوء:
"ظننتك ميتًا."
أجاب بصوته العميق، الهادئ كما تتذكره:
"ربما متّ فعلًا. لكن ما بقي… هو من ينتظر هذا اللقاء."
اقترب منها خطوة.
لكنها لم تتراجع.
"لماذا أتيت؟"
قال:
"لأنكِ تذكرتِني. حتى لو أنكِ لا تعترفين بذلك بعد."
رفعت عينيها نحوه، بصمت يشبه الطعنات.
قالت بمرارة:
"أنت من بدأت كل شيء. جعلتني ما أنا عليه…"
هزّ رأسه ببطء.
"بل أنتِ من اختارت الطريق، حين رفض الجميع رؤيتك. أنا فقط… فتحت الباب."
اقترب خطوة أخرى.
كانت الأرض تحت قدميه لا تصدر صوتًا، كما لو أنه لم يكن جسدًا حقيقيًا.
"كازويا،" همست. "لماذا الآن؟"
"لأن الوقت انتهى. ومرآتكِ عادت تنظر إليكِ."
"يوجي؟"
"هو أيضًا ينتظر الإجابة… لكنكِ وحدكِ من تستطيعين طرح السؤال."
"أي سؤال؟"
ابتسم ابتسامة قصيرة، لا فرح فيها:
"من نحن، حين ننزع السكين من أيدينا؟"
سكتت.
ثم سألت بصوت اختنق بالغضب:
"هل كنتَ تراقبني طوال الوقت؟ وأنا أقتل؟ وأنا أنزف؟"
"كنت أراقب شيئًا آخر… الطريقة التي لم تموتي بها. كنتِ مشروعًا… وتحولتِ إلى شيء لا يمكن احتواؤه."
"وحش؟"
"ربما… أو نجاة على هيئة عنف."
ثم مدّ يده، وأخرج من معطفه شيئًا صغيرًا.
قلادة.
صدئة.
لكن هاروكا عرفتها.
كانت لها… عندما كانت طفلة.
تقدّم، ووضعها في يدها بلطف غريب، ثم همس:
"حين تنتهي من دفتر الأسماء… سيبدأ دفتر الأسئلة."
استدارت لتردّ عليه،
لكن كازويا لم يكن هناك.
لم يختف كأنه تبخر… بل كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
عادت هاروكا إلى البيت، تمسك القلادة بقوة.
وفي تلك الليلة… لم تنم.
فهي بدأت تدرك أن قائمة القتل لم تكن الهدف… بل الطريق نحو الحقيقة.
وأن كازويا لم يكن العدو…
بل الشاهد الوحيد على لحظة ولادتها الجديدة.
✦ الصفحة الأخيرة ✦
✦ الفريق “شيرو كاوامورا”
القائد الأعلى لوحدة العمليات السوداء.
أحد أذكى العقول العسكرية، رجل يختبئ في قاعدة تحت الأرض لا يعرفها أحد، يُشرف على تدريب الجنود لعمليات الإبادة الصامتة، وهو من أمر سابقًا باختطاف أطفال الشوارع لتجنيدهم… كانت هاروكا واحدة من ضحاياه، دون أن يعلم.
طريقة القتل: "الانعكاس"
هاروكا تسللت إلى القاعدة متنكرة في زيّ تقنيّة جديدة.
زرعت أجهزة عاكسة في غرفة تدريبه الخاصة.
عندما دخل، وجد الغرفة فارغة… ثم فجأة، واجه نفسه.
مرايا مموهة من كل الزوايا، لا يرى سوى وجهه.
وفي كل زاوية، تسجيل صوتي بصوت طفولي يقول:
“أنت من علمتني القتل… فلتذق طعمه من يدك.”
كانت هاروكا في السقف، سقطت خلفه بصمت.
طعنته في الكلى أولًا، ليبقى حيًا… ثم قطعت أعصابه الدقيقة حتى لم يعد يشعر بشيء سوى جمرة في دماغه.
أنهته بطعنة بطيئة في العنق، وهو يحدق في وجهه، لا في وجهها.
✦ الوزيرة “يوكيكو موراسامي”
رئيسة مشروع السكان البديل – المختبرات البشرية.
امرأة ذات وجه ملائكي، كانت تُظهر للعالم أنها تدافع عن "الفئات المهمشة"، بينما كانت تجري تجارب عقاقير على أطفال مأخوذين من الملاجئ، بتمويل خفي من مشروع "التطهير الوطني".
كانت سببًا في مقتل المئات، بينهم أطفال عرفَتهم هاروكا حين كانت في الشارع.
طريقة القتل: "الحقنة السوداء"
في مؤتمر خيري على الهواء مباشرة، اقتربت منها فتاة صغيرة، تُهديها باقة ورد.
الفتاة كانت هاروكا.
داخل الورد، كانت هناك إبرة صغيرة مزودة بعقار تجريبي كانت “يوكيكو” تموّله… لكنه لم يُجرّب إلا على الفئران.
غُرز العقار في عنقها من دون أن تدرك.
أمام الكاميرات، بدأت تتقيأ وتنهار، ترقص أعصابها داخل جسدها، تعلو أنيناتها، تُمسك بعينيها وكأنهما تذوبان، ثم تسقط دون أي أثر لقاتل.
بعد دقائق… توقف البث.
✦ اللواء “ريوجي تسوباسا”
منسق عمليات التغطية الرسمية.
كان هذا الرجل مسؤولًا عن كل ما يُخفى.
يمحو الأدلة، يُعيد كتابة الحقائق، يُفجّر المستندات، ويغسل الأدمغة إن لزم.
هو من جعل جثة والد هاروكا "تختفي"، ومن حوّل موت والدتها إلى "حادث منزلي".
طريقة القتل: "الصفحة البيضاء"
وجد ريوجي ملفًا على طاولته، لا يعلم من أرسله.
ملفًا يحمل صورًا من ماضيه… كلها جرائم قام بمسحها سابقًا.
وعندما بدأ يقلب الصفحات… شُلّت يداه.
المستند كان مطليًا بمادة كيميائية تتفاعل مع العرق.
في كل صفحة يلمسها، تُطلق المادة مركّبًا يدخل من الجلد، يتجه مباشرة إلى الدماغ.
بدأ يفقد ذاكرته تدريجيًا… أولًا الأسماء… ثم وجهه في المرآة… ثم شعوره بنفسه.
وجدوه ميتًا في مكتبه، يهمس:
"من أنا؟ من أنا؟ من أنا؟"
✦ الحاكم “دايسكي رين”
الوجه السياسي لمشروع التطهير، كان المتحدث باسم "السلام الجديد".
لكن خلف الكواليس، كان يوقع على كل عملية "اختفاء" تمت خلال العشر سنوات الأخيرة.
كان يعرف اسم هاروكا… وكان أول من طلب القضاء عليها “لو ظهرت”.
طريقة القتل: "المشهد العلني"
خلال خطاب عام في الذكرى العاشرة لمشروعه، أمام آلاف الحاضرين، صعدت شابة بزي صحفية وسألته:
“هل تؤمن حقًا أن لا أحد فوق القانون؟”
ضحك وقال: “بالطبع.”
عندها، فتحت سترتها، وأخرجت جهازًا.
الجهاز كان يبث مباشرة على الشاشات العملاقة خلفه: لقطات من غرف سرية، جثث أطفال، توقيعه على أوامر القتل، ومقاطع تعذيب.
ثم اقتربت منه، وهمست:
“العدالة وصلت.”
وانفجر جهاز صغير قرب قلبه، مغطى بنبض صوتي لا يُسمع إلا له.
انهار دون دم، لكن قلبه توقف.
مات بنوبة رعب… وعلى وجهه ذهول لم يختف حتى وهو جثة.
**
وبهذا…
وصلت هاروكا إلى الصفحة الأخيرة.
لم يبقَ من الدفتر إلا اسم واحد…
تم شطبه بالفعل.
لكن تحت الاسم، كانت هناك جملة بخط مختلف:
“هل كانت نهاية القتل؟ أم بدايته؟”
ك.
أحرقت الدفتر تلك الليلة، ووقفت تحت المطر في المدينة التي عذّبتها.
ثم أغمضت عينيها…
وقالت:
“لن يعرفوا أبدًا من أنا… لكنهم سيعرفون جميعًا من صنعني.”
**
يوجي جلس في مكتبه، رأسه بين كفيه.
لم ينم منذ يومين.
لكن التعب انتصر.
غفا.
بدأ الحلم.
كان داخل قصر فارغ.
الجدران من الرخام الأسود.
الهواء مشبع برائحة اللحم المحروق.
تقدّم بخطوات ثقيلة، حتى سمع صوتها لأول مرة.
"كنتَ تشاهد كل شيء، ولم تفعل شيئًا. والآن، تحاول أن تمنعني؟"
استدار…
فرآها.
وجهها نصف مغطى بالقناع.
عيناها كالثلج، وسكينها يقطر من نصلها دمًا يتبخر.
"أنا… لا أعرفك." قال وهو يتراجع.
"بل تعرفني أكثر مما تعتقد."
رفعت يدها، ووراءها… رجلٌ مقيّد في الكرسي، عيناه مفتوحتان بشدة، والنار تلتهم جسده ببطء، لا تصرخ، لا صوت.
"لا يمكنك منعي من حرق من أحرقوا طفولتي."
صرخ يوجي، واستيقظ مفزوعًا.
الوقت؟
الثالثة فجرًا.
الحرارة؟ باردة.
لكنه كان يتصبب عرقًا.
فتح ملفه، فتح الأخبار:
وفاة غامضة لرجل أعمال يُشتبه بضلوعه في صفقات تهريب بشر، وُجد محترقًا في فيلته. الكاميرات لا تسجل شيئًا.
تمامًا كما في الحلم.
قال لنفسه:
"هي ليست قاتلة… هي رسالة."
ثم سقط رأسه مجددًا على الطاولة… وحلم مرة أخرى.
في المرة التالية، كان الحلم أوضح.
كان في زنزانة مظلمة.
رأى رجلاً يصرخ، مكبل اليدين، وأمام وجهه امرأة ترتدي الأسود.
كأنها لا تنتمي لهذا العالم.
اقتربت منه، ووضعت شيئًا في فمه.
"هذا هو الطعم الذي جعلتَ الأطفال يتذوقونه تحت اسم التجربة. الآن… تذوقه أنت."
بدأ الرجل يرتعش، يتقيأ، يصرخ، وعيناه تبرزان خارج محجريهما حتى… انفجرتا.
يوجي كان يراقب من الزاوية.
همس:
"من أنتِ بحق الجحيم؟"
استدارت المرأة نحوه، وتقدمت ببطء، وعندما اقتربت بما فيه الكفاية حتى يرى عينيها، همست:
"أنا الظل الذي صنعتَه دون أن تدري."
استيقظ يوجي وهو يصرخ:
"الظل الياباني…"
بدأ يرتجف، كأن جسده يرفض النوم.
"ما هذا؟ لماذا أراها قبل أن تقتل؟"
ثم بدأ يشك…
هل يراها لأنها تُريه؟
هل ترسل له الرسائل؟
أم أن بينهما رباطًا أعمق مما يظن؟
ثم جاء ذلك اليوم…
رسالة غريبة على مكتبه.
لا مرسل.
لا توقيع.
فقط ورقة، وعليها كلمات:
"أنت لا تطاردني، بل تتبع خطواتك القديمة.
لا تبحث عن الظل… بل ابحث عن نفسك."
يوجي نظر إلى الورقة بدهشة.
وأدرك شيئًا مرعبًا:
الظل الياباني لا تهرب منه… بل تقودك.
RAWA'AH