كانت الغرفة الرمادية أشبه بقبرٍ واسع. المقاعد المعدنية الثلاثة المصفوفة بجانب الحائط أصبحت جزءًا من يومياتهم، تمامًا مثل الطعام المعلّب والهواء البارد الذي لا يتغيّر. لكنهم تعلموا أن يجدوا في هذه اللحظات الصغيرة معًا حياةً لم يمنحهم إيّاها أحد.
كازويا جلس متربعًا على الأرض، يعبث بقطعة بلاستيكية صغيرة وجدها في الممر، يحاول أن يحولها إلى لعبة.
يوجي تمدد على المقعد المعدني، يده تحت رأسه كوسادة، يتحدث ببطء وكأنه يحكي قصة مسلية.
أما هاروكا فجلست قريبة منهم، ساقاها مطويتان تحتها، نظراتها تراقب كل حركة وكأنها تخزنها في ذاكرتها.
قال يوجي وهو يتنهد:
"تخيلوا… لو لم نكن هنا. لو كنا أطفالًا عاديين. ربما كنا نلعب في الشوارع الآن."
رفع كازويا رأسه مبتسمًا:
"كنت سأكون الأفضل في كرة القدم."
ردت هاروكا ببرود ساخر:
"أنت بالكاد تستطيع المشي بخط مستقيم."
ضحك يوجي:
"صحيح، سيقع في أول دقيقة."
لكن خلف ضحكاتهم، كان هناك صمت ثقيل. كأن الجميع يعرف أن هذه اللحظات مؤقتة.
وفجأة، فتح الباب المعدني بصوتٍ عالٍ. دخل رجلان بزي أبيض، ومعهما جهاز لوحي إلكتروني. أحدهما نظر إليهم دون أي تعبير وقال:
"الطفلة H-00-RA. إلى الاختبار."
تجمدت الغرفة.
وقف كازويا بسرعة:
"لماذا هي مجددًا؟ لقد أخذت اختبارًا بالأمس!"
لم يرد الرجل. تقدم نحو هاروكا وأمسك بذراعها.
حاولت أن تبقى هادئة، لكن عينيها التفتت نحو كازويا ويوجي.
"لا تتحركوا…" قالت بصوت خافت.
لكن كازويا صرخ:
"اتركوها! على الأقل أخبرونا ما الذي ستفعلونه!"
ضربه أحد الحراس بكتفه فأوقعه أرضًا. أسرع يوجي ليساعده، لكن نظراته بقيت مثبتة على هاروكا.
بينما كانت تُسحب إلى الخارج، همس كازويا بصوت مبحوح:
"سننتظركِ… اسمعتي؟ لن يكسروك."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت على وجهها. ثم أُغلق الباب خلفها.
الطريق إلى غرفة الاختبار كان طويلًا ومظلمًا. خطوات الحراس تصدح على الأرضية المعدنية، أما هاروكا فشعرت بجسدها يثقل أكثر كلما اقتربت من الباب الكبير الأسود: "غرفة الضغط."
حين فُتح الباب، ضربها الهواء البارد كصفعة. الجدران مزودة بأنابيب معدنية، أصوات الأجهزة والآلات لا تهدأ. في منتصف الغرفة كانت هناك كرسي معدني مثبت عليه قيود.
أجلسوها بالقوة وربطوا معصميها وكاحليها. ثم وضعوا على رأسها جهازًا مغطى بأسلاك كهربائية دقيقة.
صوت الطبيب المسؤول كان باردًا:
"اختبار التحمل العصبي. مستوى الضغط: المرحلة الثالثة."
بدأت الأجهزة تصدر أزيزًا متصاعدًا. في البداية، كان الأمر يشبه وخزًا كهربائيًا خفيفًا يسري عبر أعصابها. تنفست ببطء وحاولت أن تبقى ثابتة.
لكن شيئًا فشيئًا، تحولت الومضات إلى حرائق داخل جسدها. كل عصب، كل عضلة، كأنها تحترق من الداخل. عيناها اتسعتا، أنفاسها تقطعت.
همست لنفسها:
"لن… لن أصرخ."
لكن المستوى ارتفع أكثر. صور مشوشة بدأت تلمع في عقلها: وجوه، ظلال، وماضي غامض لا تستطيع السيطرة عليه.
ثم—
صرخة اخترقت الغرفة.
صرخة حقيقية، لم يسبق أن خرجت منها. صرخة جعلت حتى الحراس يلتفتون للحظة، قبل أن يتجاهلوا الأمر.
كان الألم أكبر مما تحتمل. جسدها يتشنج، الدموع انزلقت من عينيها رغمًا عنها. حاولت أن تخفي صوتها، لكن الصرخة التالية كانت أعلى، أعمق، كأنها تخرج من كل جرح دفين بداخلها.
خارج الغرفة، في الزنزانة الرمادية… كان كازويا ويوجي جالسين بصمت. وفجأة، سمعا الصوت.
صرخة هاروكا.
كازويا تجمد، يده ترتجف وهو يضغط على صدره.
"لا… لا يمكن…"
يوجي رفع رأسه ببطء، عينيه متسعتان. لم يقل شيئًا، لكن وجهه كان شاحبًا، كأن شيئًا انكسر بداخله.
كانت تلك اللحظة بداية الجحيم.
عندما توقفت الأجهزة أخيرًا، كانت الغرفة مشبعة برائحة معدنية كريهة، مزيج من العرق والدم. جسد هاروكا كان ممددًا على الكرسي، أنفاسها متقطعة وكأن كل شهيق يحتاج معركة.
رفع أحد الأطباء نظرة باردة إلى الشاشة:
"نتائج المرحلة الثالثة… تجاوزت الحد البشري. التجربة ناجحة."
لم ينظر إليها كإنسانة. مجرد عينة أخرى.
فكّ الحراس القيود، وسقط جسدها إلى الأرض بثقلٍ مفزع. لم يكن لديها القوة لتمنع ارتطام ركبتها بالأرضية المعدنية. حاولت أن تدعم نفسها بيديها، لكن أصابعها كانت ترتعش بشدة وكأنها لم تعد تعرف معنى الإمساك.
اقترب الحارس الأول، أمسكها من ذراعها، وسحبها كما لو كانت دمية مكسورة. رأسها يتمايل بلا قوة، شعرها الأسود يلتصق بوجهها العرقان.
خارج الغرفة، في الممر الطويل، ظلّ صوت خطواتهم يتردد حتى وصلوا إلى الزنزانة. فتح الباب، وألقوا بجسدها على الأرض أمام كازويا ويوجي.
كازويا اندفع نحوها بسرعة، عينيه تلمعان بالقلق والغضب:
"هاروكا!"
ركع بجانبها، رفعها بين ذراعيه بحذر، كأنها قد تنكسر لو لمسها بقوة. كان جسدها ساخنًا من الحمى، وعرقها يغطي جبينها. عيناه اتسعتا وهو يرى الكدمات الحمراء على معصميها مكان القيود.
يوجي اقترب أيضًا، جلس بجانبها لكنه لم يمد يده، فقط نظر إليها بعينين ساكنتين، يحاول أن يتمالك نفسه.
فتحت هاروكا عينيها ببطء، بؤبؤاها يرتعشان، شفتاها تتحركان بالكاد:
"أنا… بخير…"
لكن صوتها كان ضعيفًا لدرجة أنه كاد لا يُسمع.
صرخ كازويا:
"بخير؟! أنتي كنتي تصرخين هناك! سمعناك!"
تجمدت الغرفة. كلمات "سمعناكِ" كانت كافية لتُسقط صمتًا ثقيلًا. فهاروكا… لم تصرخ أبدًا. مهما كان الألم، مهما كانت الاختبارات.
الآن، لم تستطع إخفاءه.
أشاحت بوجهها، الدموع ما زالت عالقة في عينيها رغم محاولتها إخفاءها:
"آسفة…"
ارتعش قلب كازويا. لم يعرف ماذا يقول. شد قبضته، ثم وضع يده على رأسها بلطف، يمرر أصابعه بين خصلات شعرها:
"لا تعتذري. أبداً. أنتي…" ابتلع ريقه وكأن الكلمات ثقيلة:
"أنتي معنا. هذا يكفي."
جلس يوجي بصمت للحظة طويلة، ثم قال بصوت خافت لكنه ثابت:
"لو كانوا يظنون أن هذا سيكسركِ… فهم لا يعرفونك."
نظرت إليه هاروكا بعينين دامعتين، ولم تستطع منع ابتسامة ضعيفة من أن تتسلل إلى شفتيها. ابتسامة هشة، لكنها حقيقية.
جلس الثلاثة بجانب بعضهم في صمت. لم يكن هناك حاجة للكلمات. فقط دفء قربهم معًا كان درعًا صغيرًا في وجه الجحيم.
RAWA'AH