ماذا حدث لنا؟

ماذا حدث لنا؟

15 0

مرّت أيام، وربما أسابيع، دون أن يخبروهم بالوقت. الضوء الاصطناعي في السقف لا يتغير، لا ليل ولا نهار. فقط مواعيد الوجبات، والاختبارات، والصمت المعلق في الهواء، كان دليلهم على مرور الزمن.

في أحد الأيام، دخل اثنان من الطاقم إلى الجناح وهم يرتدون الأبيض، تلك الملابس العقيمة التي تشبه الكفن أكثر من زي طبي. اقتربوا من غرفة كازويا، وفتحوا الباب ببطء.

هاروكا ويوجي كانا يراقبان من أماكنهما.

كازويا وقف ببطء من سريره المعدني، عينيه على الممرضين.

قال أحدهم:

"اليوم اختبار العزل المطوّل. K-HMRO، ستبقى تحت المراقبة لـ72 ساعة."

لم يتكلم كازويا. فقط نظر إلى هاروكا، نظرة سريعة، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، كما لو أنه يعتذر منها على شيء لم يقم به بعد.

قال يوجي بصوت خافت، كأنه يحادث نفسه:

"اختبار العزل؟... لكنهم أوقفوه بعد أن فشل على الدفعة السابقة…"

همس بصوت أكثر انخفاضًا، دون أن يدري إن كانت هاروكا تسمعه:

"الطفل الأخير خرج... فاقدًا للنطق."

كانت هاروكا لا تزال تنظر إلى كازويا وهو يُساق بهدوء، خطواته لا تُظهر خوفًا، لكن كتفيه كانا متوترين بشكل واضح.

مرّ يوم كامل لم يظهر فيه. ثم آخر.

وفي مساء اليوم الثالث، عاد.

أعادوه إلى غرفته دون كلمة. لكنه لم يدخلها، بل ترنّح وسقط على الأرض مباشرة أمام الباب.

هاروكا فتحت باب غرفتها، وهو شيء لا تفعله عادة. مشت نحوه، نظرت إليه دون أن تقترب كثيرًا.

صوت أنفاسه كان غير منتظم، ووجهه شاحب، لكن عينيه مفتوحتان، تنظران إلى السقف.

"هارو...كا؟"

قالها بصوت بالكاد يُسمع، وكأنها الكلمة الوحيدة التي تذكرها من حياته.

اقتربت منه، جلست بجانبه، لمسته أخيرًا.

"كازويا..." قالت بهدوء، ويده باردة كالمعدن.

"هل كانوا... يتحدثون إليك؟"

كان صوته غريبًا، كأنه يتحدث من قاع بئر.

"لا." ردت.

"لكنني أردت أن أعرف إذا كنت ستعود."

ابتسم، رغم الألم.

"أنا... كنت معهم، لكنني لم أكن معهم. كانوا يهمسون، يحاولون أن يجعلوني أنسى صوتي... لكنكِ، كنتِ هناك. حتى في الظلام."

وضعت يدها على جبينه.

"أنت لست بخير."

ضحك بسعال خافت، وقال:

"ولا أحد هنا بخير، هاروكا."

ثم جلس ببطء، بصعوبة، لكن عينيه ثبتتا عليها.

"أتعلمين؟ أحيانًا أفكر... ماذا لو كنا أطفالًا عاديين؟ لدينا دروس، وملعب، وأمهات تصرخ علينا لأننا لم نغسل أيدينا؟"

صمت لبرهة، ثم أكمل:

"هل كنتِ ستكرهينني أقل لو كنا نعيش حياةً عادية؟"

هاروكا نظرت إليه طويلًا، ثم قالت ببطء:

"أنا لا أكرهك."

كانت كلماتها أثقل من أي اختبار خضع له. نظر إليها وكأنها قالت شيئًا لم يكن يجرؤ على الحلم به.

وفي تلك اللحظة، دخل يوجي بخطوات سريعة، كان يحمل قطعة صغيرة من خبز سرقها من وجبته.

"كازويا، أنت حي."

قالها كأنه لا يصدق.

"بالكاد." أجاب كازويا وضحك قليلاً.

جلسوا معًا في الزاوية مرة أخرى. لم يتكلموا كثيرًا، لكن وجودهم سويةً كان كافيًا لخلق مساحة ضيقة من الحياة.

قال يوجي فجأة:

"اليوم رأيت الخريطة."

نظر إليه كازويا وهاروكا في وقت واحد.

"الخريطة؟"

"خريطة المنشأة. عندما كنت في غرفة القياسات، رأيت شاشة مفتوحة على مصور هندسي. هناك أجنحة لا يذكرونها، ومكان تحت الأرض يسمى 'الأرشيف الأحمر'… وأعتقد أنه فيه ملفاتنا."

هاروكا نظرت إليه بحدّة.

"لا تعبث. نحن نعيش لأننا لا نعرف."

قال يوجي:

"لكن ألا تريدين أن تعرفي لماذا أنتِ هكذا؟ لماذا لا تشعرين بالخوف؟ لماذا لا تحلمين؟"

صمتت.

كازويا قال وهو يتكئ إلى الحائط:

"أنا أريد أن أعرف. ليس عني… بل عنكما. لماذا اختارونا؟ لماذا نحن الثلاثة ما زلنا هنا، رغم أن عشرات الأطفال تم سحبهم ولم يعودوا؟"

يوجي أضاف:

"أنا أحلم بأصوات، وهمسات. ليسوا بشرًا… بل كأنهم يتحدثون عبر جدران."

هاروكا نظرت إلى الاثنين، ثم همست:

"ربما نحن الثلاثة... فشلنا في أن نكون أدوات. فاحتفظوا بنا كشيء مختلف. لا كأرقام… بل كأسرار."

قال كازويا:

"إن كانوا يعتقدون أننا أسرار، فهم لم يعرفوا بعد… أننا سنصير مفاتيح."

ثم أغمض عينيه وأكمل:

"لن نبقى هنا إلى الأبد. لكن إلى أن يأتي ذلك اليوم… نحن هنا، معًا."

قال يوجي بهدوء:

"معًا. هذا يكفي مؤقتًا."

هاروكا لم تقل شيئًا، لكنها وضعت يدها على الأرض، بالقرب من أيديهم.

لم تمسكها.

لكنها كانت قريبة كفاية… ليفهموا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الظل الياباني

المؤلف RAWA'AH
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة