استدار "غيث" بكرسيه الدوار ونظر إليها بنبرة هادئة ومستفزة:
— "نعم؟ هل هناك خَطب ما؟"
ردت إيفا وعيناها تشتعلان غضباً:
— "نعم، هناك أنك تجرأت وطردتني من عملي!"
قال ببرود وهو يتكئ بجسده إلى الخلف:
— "أجل.. وما الغريب في ذلك؟"
صمتت إيفا للحظات، نظرت إليه بحاجبين مرفوعين وتراجعت خطوتين للوراء، ثم أخرجت خطاب الفصل مع الشيك المرفق به وتمزقهما إلى أجزاء صغيرة برعونة وألقتها فوق مكتبه.
اقتربت منه وانطلقت نبرتها المتحدية:
— "أنا عائدة إلى مكتبي!" ثم ابتسمت ابتسامة استفزازية وأردفت: "يا غيث!"
استدارت وغادرت القاعة صافةً الباب خلفها بقوة هزت أرجاء المكان.
في تلك اللحظة، اشتعل الغضب في عيني غيث للمرة الأولى، وهمس لنفسه بنبرة حادة:
— "سأريكِ من أكون.."
دخلت إيفا مكتبها، جلست على الكرسي الدوار ورفعت ساقيها فوق المكتب بجرأة وتحدٍّ.
"طق.. طق.. طق"
— "ادخل."
فتح الباب ودخل الشاب الذي اصطدمت به بالأمس؛ وقف يتأملها ثم قال بحذر:
— "هل يمكنني الدخول؟"
أشارت بيدها نحو المقعد:
— "تفضل."
تحدث الشاب بعد صمت قصير:
— "أعتذر عما حدث بالأمس، ولقد طلبتُ لكِ قهوة على حسابي.. لم أكن أعلم مقدار السكر الذي تفضلينه فجعلتها مضبوطة، العامل 'ماكس' سيحضرها فوراً إلى مكتبكِ. إذا لم يكن لديكِ مانع، أود أن أشربها معكِ وأتعرف عليكِ."
ثم مد يده ليصافحها أردف:
— "أنا ديمون سالفاتور، تشرفتُ بكِ."
مدت يدها بابتسامة مصطنعة:
— "وأنا إيفا فيكتور."
وقبل أن تستكمل حديثها، اقتحمت المكان سكرتيرة غيث بمشيتها المستفزة وهي تمضغ العلكة بدلع، ونظرت إليها من الأعلى إلى الأسفل قائلة:
— "مستر غيث يريدكِ فوراً."
تأففت إيفا، ثم اعتذرت لديمون واستأذنته لبضع دقائق وتوجهت إلى مكتب المدير.
دخلت لتجده يحتسي قهوته ببرود، أشار إليها:
— "تفضلي بالجلوس."
استغربت موقفه وقالت:
— "ما المناسبة؟"
— "من اليوم.. ستكونين سكرتيرتي الخاصة."
ردت بحدة وقاطعية:
— "وأنا غير موافقة!"
استدارت لتغادر، لكن صوته الصارم أوقف خطواتها:
— "ليس بما يحلو لك. .. هذا أمرٌ من مديركِ، أم تُفضلين أن أطردكِ نهائياً؟"
كظمت غيظها ونظرت إليه ببرود:
— "حسناً، موافقة.. سأبدأ من الغد."
استمر غيث في نظراته الباردة وابتسامته المستفزة. كان غيث يتمتع بجسد رياضي متناسق، وسيم الملامح بفك حاد، وعينين زرقاوين كالمحيط، وشعر أسود فاحم. لم يكن أحد في الشركة يعرف عنه شيئاً سوى اسمه الأول: "غيث". حتى مستر آدمز لم يكن يملك الحق في معرفة أسراره، فقد كان غيث معروفاً بغموضه وسطوته ونفوذه النافذ في عالم الأعمال.
عادت إيفا إلى مكتبها وهي تهمس بغضب:
— "غيث الحقير.. اللعنة عليه! يتحداني هذا الأحمق؟"
وفجأة استوعبت وجود ديمون وداليا في المكتب، فمسحت وجهها بارتباك واعتذرت لهما.
سألتها داليا عما حدث، فأخبرتها إيفا بالقرار.
ضحكت داليا بخفة وحذرتها:
— "لا تضعي عقلكِ بعقله يا إيفا، ودعيكِ في حالكِ فنحن لسنا نداً له."
ردت إيفا بنظرة تحدٍّ حادة:
— "سأريه من تكون إيفا فيكتور!"
وكان كل ذلك يجري تحت أنظار ديمون الذي كان يراقبها باهتمام شديد.
مرت أسابيع متتالية، وأصبحت إيفا سكرتيرة غيث الخاصة. كان غيث يفعل كل ما في وسعه لإزعاجها والضغط عليها، لكنه كان ينصدم في كل مرة من صمودها وقوة عزيمتها. وفي الوقت نفسه، كان يراقب من خلف الزجاج المظلل لمكتبه التقارب المتزايد بين إيفا وديمون.
وفي أحد الأيام، وأمام جميع الموظفين في الشركة، جثا ديمون على ركبته وطلب يد إيفا للزواج!
صفق الجميع بحرارة، وتطايرت الأوراق في الهواء كالزهور الملونة، واحتضنته إيفا وهي تضع الخاتم في إصبعها والسعادة تغمرها. تقدم ديمون لخطبتها رسمياً من والدها "فيكتور"، الذي أوصاه بها خيراً، ليطمئنه ديمون بوعود صادقة.
وجاء يوم الزفاف..
بعد لحظات ملؤها الدموع والفرح والوداع الدافئ لوالدها، ركبت إيفا السيارة بفستانها الأبيض الأنيق بجانب ديمون.
لاحظت إيفا أن هيئة السائق من الخلف فيها شيء مريب؛ لم تكن غريبة عنها، لكنها لم تعر الأمر اهتماماً وسط زحام مشاعرها.
وفجأة، التفت إليها ديمون ونظر في عينيها وقال بنبرة غامضة:
— "إيفا.. أريد أن أعترف لكِ بشيء."
نظرت إليه باهتمام وقالت:
— "ما الأمر يا حبيبي؟"
وقبل أن تستكمل كلماتها، وضع يده الممسكة بقطعة قماش مخدرة على فمها وأنقها بقوة. وقبل أن تسقط في غياهب الغيبوبة، التفتت بعينيها الثقيلتين لتشهد المفاجأة التي لم تتوقعها قط..
كان السائق الذي يمسك بمقود السيارة وينظر إليها في المرآة يبتسم ابتسامته الماكرة.. إنه غيث!؟؟!!!؟؟! نفسه!
يا الهي.؟!!!!!!!
Just Jessie _72