الفصل
تنظر توتو إلى يدي ليريو الممسكتين بالمقود. كانت آثار الدماء لا تزال عالقة على أصابعه ومفاصل يديه، وكأن الليل كله لم يغادرهما بعد. بقيت تحدق فيهما بصمت، بينما جسدها المنهك لا يكاد يقوى على الحركة. كانت تشعر بالألم في كل جزء من جسدها، ورأسها ما يزال ثقيل في حيرة من امرها
يلتفت إليها ليريو للحظة وهو يقود السيارة عبر الطريق المظلم.
— حسناً... أخبريني كيف وصلتِ إلى هناك؟
تنظر إليه توتو بعينين ضائعتين، ثم تجيب بصوت ضعيف يكاد لا يسمع:
— لا أعلم.
يشد ليريو على المقود بقوة ثم يضرب رأسه بخفة على عجلة القيادة.
— كيف لا تعلمين؟! ما بك؟
ترتجف توتو قليلاً من نبرة صوته. ترفع يديها ببطء شديد، ويدها ما تزال تحمل آثار القيود والجروح الحمراء التي مزقت معصميها. تضع يدها فوق رأسه وكأنها تحاول تهدئته.
— لا تغضب...
يتوقف ليريو للحظة.
تنخفض عيناه نحو يديها المجروحتين. كانت الجروح واضحة بشكل مؤلم، والجلد ممزق من شدة ضغط القيود عليها. يشتد فكه ويظهر الغضب في عينيه أكثر.
— من آذاك هكذا؟
يصمت للحظة ثم يضيف بصوت بارد مخيف:
— أقسم أنه سيندم... وأعدك أنني سأقتله.
أما توتو فتبقى تنظر إليه دون أن تفهم معنى كلماته أو سبب ذلك الغضب المشتعل داخله.
في تلك الأثناء...
كانت أضواء المزرعة تملأ المكان، والضحكات ترتفع من كل جهة. جلس الضيوف حول الطاولات الطويلة، وتتحرك الخادمات بين الحضور حاملة الطعام والمشروبات.
جلست ميرو وإيمي وسط ذلك الجمع، تراقبان المكان بصمت.
وفجأة تتوقف إيمي عن الحديث وهي تنظر نحو المدخل.
— أليست هذه الفتاة التي التقيتها في الجامعة؟
ترفع ميرو رأسها وتنظر بدورها.
— ما الذي تفعله هذه هنا؟
تدخل ميمي بابتسامة واسعة، وما إن تقع عيناها على ليلي حتى تتجه نحوها وتعانقها بحرارة.
تضحك ميرو بخفة وهي تهز رأسها.
— كنت متوقعة أن لهما صلة ببعض.
وفي مقدمة القاعة تقف الجدة بثقة وفخر واضحين على وجهها.
تنظر إلى الحضور ثم تقول بصوت مرتفع:
— وها قد جاءت عائلة العروس. تفضلوا جميعاً، لنبدأ الطعام.
تعلو الضحكات من جديد، وتمتلئ القاعة بالأحاديث والحركة.
لم يكن أحد يعلم أن شيئاً آخر يقترب من ذلك المنزل.
تتوقف سيارة ليريو أخيراً أمام المزرعة.
تنعكس أضواء الحفل على زجاج السيارة بينما يعم الصمت داخلها.
ينزل ليريو من السيارة دون أن يقول شيئاً.
يتجه مباشرة نحو الباب الآخر ويفتحه.
ترفع توتو رأسها نحوه ببطء.
كانت مرهقة إلى درجة أنها لم تعد تملك القوة للاعتراض أو المقاومة.
ينحني نحوها ويحملها بين ذراعيه.
هذه المرة لم تحاول دفعه بعيداً.
لم تحاول الهرب.
اكتفت بالنظر إليه بصمت.
كان معطفه لا يزال يلف جسدها النحيل ويخفي جزءاً من جروحها.
أما قدمها المجروحة فلم تعد قادرة حتى على لمس الأرض.
رفعت يدها المصابة ووضعتهـا فوق كتفه دون وعي منها.
ثم أسندت رأسها قليلاً وهي بين اليقظة والإرهاق.
يتجه ليريو نحو المدخل.
يفتح الخدم الباب فور رؤيته.
وما إن دخل إلى القاعة حتى بدأت الأصوات تخفت تدريجياً.
التفت الضيوف واحداً تلو الآخر.
توقفت بعض الأحاديث.
وتجمدت بعض الابتسامات.
كانت جميع الأنظار تتجه نحوه.
نحو الفتاة التي يحملها بين ذراعيه.
ونحو الرجل الذي يسير بخطوات ثابتة وسط القاعة.
أما ليريو...
فلم ينظر إلى أحد.
وحين رفع عينيه أخيراً نحو الحاضرين، لم تكن في ملامحه رحمة.
ولا شفقة.
ولا هدوء.
كانت نظراته باردة وثقيلة بشكل جعل كثيراً من الحاضرين يشيحون بأبصارهم عنه.
Toto Ri