" ألن تأتي للمنزل الليلة، لماذا؟ لقد عملت ليوم كامل. "
أتاني صوته من الهاتفي يرد :
" لا أستطيع، صحيح أن دوامي كان صباحاً، إلا أن هناك العديد من العمليات تحتاجني، لا تقلقي سأرتاح في المستشفى. "
" همم...لم نعد نراك كثيراً حتى، إيلين ستحزن بعد أن أعدت وجبة عشاء لنا. "
" أخبريها أنني آسف، إن شاء الله ما إن أنتهي من تنظيم عمليات الحادث سأكون معكم. ثم هناك بشر يحتاجونني فكيف لا ألبي ندائهم. "
" حسنا، استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه. "
" آمين "
أغلقت الهاتف أضعه على المنضدة بجانب السرير، أتمدد، أشرد في أحداث هذا الأسبوع الذي مر.
أمر أحسست به مؤخرا. الأيام تمضي بسرعة كبيرة منذ وطأت قدماي هنا.
حصل حادث كبير في لندن، اضطر جميع المستشفيات إلى الوقوف واستقبال المصابين والجرحى، وبصفة أخي سيف طبيب جراحة عامة فالطلب عليه كبير، لذا لم يعد إلى المنزل، رغم أن الحادثة مرت منذ ثلاثة أيام.
أما محمد فلا يزال مع فريقه، حيث سيتم بناء أستور سيتي، يتواصل معنا في الهاتف فقط، اشتقنا للإثنين حقا.
بالنسبة لعائلة أستور، فهم يتعايشون مع قوانيني، عجيب أمرهم سيفعلون أي شيء من أجل المال، جاسبر حاول العديد من المرات خلال هذا الاسبوع الولوج إلى جناح الجد متحججا بأنه يرغب برؤية آثار والده، أو يود الحديث معي، لكنني منعته قطعا من خطو خطوة واحدة، كذلك لم يدخل أحد منهم إليه.
روسيليا و سيرينا كانتا تتذمران بين الفينة و الأخرى، لكن حمدا لله الوضع إلى الآن تحت السيطرة.
" آه...اشتقت إلى أمي وأبي. "
تنهدت، أحدق في سقف الحجرة.
لم أرى أبي و أمي منذ شهر تقريبا، وهذه هي أطول مدة لم أستطع رؤيتهما فيها، صحيح أننا نتواصل عبر الهاتف، إلا أن نفسي تاقت إلى دفئهما، وعناقهما، لم أستطع أن أخبرهما أن يأتيا بعد أن رأيت أن عمل أبي في حاجته، ولا أريد الإثقال عليه، فحتى هما لم يعتادا على فراقنا.
رمقت إيلين، تحمل صينية كبيرة تتعدد الأطباق عليها، تضعها على التربيزة، تتبعها مارثا تحمل صحنا كبيراً، رائحته شهية، تحطه في وسط التربيزة.
قمت من مكاني نحوهم، اتخدت من الكنبة موضعا لي، أبصر أصناف الطعام، من الطبق الرئيسي وهو لحم الغنم في الفرن، بأطباقه الجانبية من سلطة خضار، وسلطة الطماطم، بطاطس مقلية، إلى الزعلوك وهو طبق مغربي، يصنع بطبخ الباذنجان مع الطماطم و الثوم، كذلك الفلفل الحلو والحار والبهارات بالطبع.
" همم...رائحة شهية. "
نبست، أستنشق الهواء، تبتسم مارثا :
" أجل..الرائحة ملأت القصر بالفعل، رغم إغلاقكم باب الجناح. "
" بالطبع يا مارثا أنا من طبخت، لذا الطعام يجب أن يكون مذهلا. "
نطقت إيلين بمزاح، تبادلها مارثا :
" يا ابنتي، ذقت طبخك بالفعل وأشهد أنه لذيذ ورائع."
" إذا اجلسي لتتناولي العشاء معنا، نحن وحيدتان بالفعل. "
طلبت إيلين من مارثا، لأنبس أقضم البطاطا المقلية :
" ألن تتناولي العشاء معنا؟ لماذا؟ "
تساءلتُ، تجيب بإعتذار :
" أنا آسفة، لدي موعد للخروج مع ابني، ولا يمكنني تفويته، فلم نخرج معا منذ مدة. "
استقمت مكاني، بإندهاش قلت:
" إذا لما لم تذهبي؟ لا بد أن المسكين ينتظرك الوقت تأخر بالفعل. "
أحطت كتفيها بيدي، أدفعها لخارج الغرفة بلطف، أسمع صوتها السعيد :
" لم أستطع المغادرة حتى أنتهي من إعداد العشاء لكم جميعاً، الآن فقط يمكنني المغادرة. "
عانقتها، أقبلها من جبينها، أبتسم :
" ما أجملك يا مارثا ! عليك أن تحظي بعشاء لطيف مع ابنك، لا بد أنه يشتاق إليك أيضا. "
هزت برأسها، تحتضنني، تطبطب بيديها علي :
" قلبك الجميل ليراني الأجمل، أحب أن أراك هكذا يا ابنتي، حيوية ونشيطة، الإكتئاب و الإنطوائية لا يناسبانك. "
" حسنا، يسعدني أن تريني هكذا. "
أوصلتها لباب الجناح وقلت :
" اذهبي فوراً ! لا أريد أن المح ظلا لك هنا. ابنك ينتظرك. "
ابتسمت ولوحت لي بيديها، بادلتها.
تتبعتُ مارثا بنظري حتى غابت عن البصر، ثم أردتُ غلق باب الجناح. ويا لجمال المصادفة، تمر أليسون من أمامي.
تنبهت لوجودي، فتوقفت مكانها، لم تتقدم نحوي ولم تكمل المسير، فقط ترمقني بعينيها الواسعتين.
"أليسون."
ناديتها، فتسمرت مكانها، تحدق فيَّ كأنها ترى شيئاً لا تفهمه.
نظرت حولها بسرعة، وكأنها تبحث عن أحد، ربما تخاف أن تراها أمها معي. سيرينا، كما عرفت هذا الأسبوع، حذرتها من الاقتراب منا أو الحديث إلينا. والمسكينة انعزلت في غرفتها، لا تخرج إلا للضرورة. من المدرسة إلى غرفتها، والعكس. لا تفعل شيئاً غير ذلك.
"هيا، تقدمي. أنا لا أرتدي حجابي، لا أريد أن يراني أحد هكذا."
تقدمت بخطوات مترددة، ثقيلة، كأنها تمشي في وحل. كانت ترتدي سروالاً جينزاً واسعاً، وقلنسوة سوداء كبيرة تخفي يديها ورقبتها، وشعرها ينسدل على وجهها كستار كثيف لا يترك منه شيئاً ظاهراً إلا عينيها. وقفت على بعد خطوات، لم تقترب أكثر.
"تعالي."
لم تتحرك. فقط تحدق بي من تحت غرتها، بعينين خاويتين، فارغتين، كأن من ينظر من ورائهما ليس طفلة في الخامسة عشرة، بل روح منهكة لا تعرف كيف تستمر.
تنهدت.
نظرتُ يميناً ويساراً، لا أحد حولنا. اقتربتُ منها بسرعة، أمسكت بيدها بلطف، وجررتها إلى داخل الجناح، ثم أغلقت الباب خلفي.
تصلب جسدها.
رعشة خفيفة أصابتها من لمستي، شعرت بها ترتجف. ابتعدتُ عنها فوراً.
"آسفة، لم أقصد إيذاءك. كما ترين، أرتدي البيجاما وشعري مكشوف، لم أرد أن يراني أحد هكذا."
لا تتكلم، لا تتحرك. فقط تقف هناك، كتمثال منحوت من الصمت.
"تفضلي بالدخول. هل تناولتِ عشاءك؟"
نفت برأسها بحركة خفيفة، بالكاد تُرى.
شعرتُ بالحرج :"آسفة، يبدو أنني أزعجتكِ. أنا وأختي نتناول العشاء وحدنا، فارتأيت أن تشاركينا."
نظرت إليّ بعينيها الخاويتين، وكأنني كائن غريب، أو مشهد لا تستطيع تفسيره.
"روجين! تعالي، العشاء برد."
صدح صوت إيلين من الداخل.
أشرتُ لأليسون نحو غرفتي. "هلا تتفضلين؟"
صمت، لا كلمة، لا حركة.
تنهدتُ مرة أخرى.
أمسكت بيديها برفق، وجررتها خلفي. تبعتنى دون مقاومة، كأن جسدها يمشي وروحها في مكان آخر.
دخلنا الغرفة، رائحة الطعام الشهية تملأ المكان، إيلين جالسة على الأريكة، تحمل جهاز التحكم عن بُعد، تبحث في القنوات. لما رأتنا، اعتدلت بذهول.
سحبتُ أليسون نحو الطاولة، أجلستها على الكنبة. جلست بإستسلام، كأنها تعرف أن لا فائدة من المقاومة. جلستُ أمامها بجانب إيلين.
"اختطفتُ أليسون لتتناول العشاء معنا."
ابتسمْتُ، حينما رأيت أليسون عينيها تتسعان قليلاً، لكن سرعان ما عادت إلى طبيعتها. ضربتني إيلين بخفة على ذراعي.
"يا إلهي، روجين! خيراً فعلتِ."
التفتت إلى أليسون بابتسامة دافئة، كأنها تعرفها منذ سنين.
"أهلاً وسهلاً بكِ يا أليسون. أنا إيلين، شقيقة روجين. سعيدة جداً بمشاركتكِ لنا. أعددت هذه الأطباق لإخوتي، لكن للأسف لم يستطع أي منهما الحضور. يسعدني أن أشارككِ إياها."
أشارت إلى المائدة، تبتسم لأليسون بودٍّ.
أليسون لم ترد، فقط تحدق في الطعام بعينيها الخاويتين.
إيلين مدت يدها، ملأت صحناً صغيراً بأنواع الطعام، وضعته أمام أليسون.
"تناولي، من فضلك. أنتِ ضيفتنا الليلة."
نظرت أليسون إلى الصحن، ثم إلينا، ثم عادت إلى الصحن. أمسكت بالملعقة، لكنها لم ترفعها. كانت تنتظر شيئاً، ربما الإذن، ربما التأكيد أن الطعام مسموح لها، أو أن أحداً لن يمنعها.
"كلي، بارك الله فيكِ." قلتُ.
بدأت تأكل ببطء، دون أن ترفع رأسها. كانت تخفي يدها اليسرى تحت غطاء قلنسوتها الطويلة، تأكل بيمناها فقط.
وبدأنا نحن أيضا نتناول الطعام.
صمتنا لحظة، ثم بدأت إيلين تتحدث عن طقس لندن، عن الجامعة، عن أستاذها الذي ينام في المحاضرات. كانت تحاول أن تجعل أليسون تتحدث، لكنها كانت فقط تأكل وتستمع.
رغم ذلك، هذا جيد.
قررتُ أن أغير الاستراتيجية.
"أليسون." ناديتها بصوت خافت.
رفعت رأسها قليلاً، لم تنظر في عيني، لكني شعرت أنها تنصت.
"جدي... أبراهام... كان يتحدث عنكِ كثيراً."
توقفت عن الأكل، كانت تسمع.
"كان يحب أن يرى رسوماتكِ، قال إنها مختلفة. كان يتابعها سراً، ويحتفظ بصور لها في مكتبه."
رفعت عينيها قليلاً، رأيت فيها شيئاً، ليس ألماً فقط، بل دهشة. كأنها لا تصدق أن أحداً كان يراها.
"أخبرني: 'أليسون ترسم كأنها تتنفس، رغم أن لوحاتها لا تحتوي على بشر، إلا أن هذا ما يميزها رسوم ثابتة لا تتغير عكس الناس'."
ارتجفت يدها التي تمسك الملعقة قليلاً.
"قال إن رسوماتكِ حزينة، لكنها حزينة بطريقة جميلة. كأنها تعرف أن الدنيا ليست وردية، لكنها مصرّة على أن ترسمها رغم ذلك."
صمتت. كانت أليسون تحدق في الطبق، لا تتحرك.
"لهذا أعد لكِ مرسماً في القصر. جدي كان يتمنى أن ترسمي في مكان يشعركِ بالأمان."
صمت طويل، طويل جداً.
ثم عادت إلى الأكل، دون كلمة، دون نظرة.
إيلين نظرت إليّ، عيناها كانتا تقولان: "دعيها، لا تضغطي عليها."
أومأت.
ظللنا صامتين، أليسون تأكل، إيلين تتابعها بعينين حنونتين.
بعد وقت، وضعت أليسون الملعقة. كانت قد انتهت تقريباً.
رفعت رأسها، نظرت إلى الطبق الفارغ أمامها، ثم إلى إيلين.
صوتها كان خافتاً، بالكاد يُسمع:
" الطعام.."
لم تكن تسأل عن الطعام، كانت تسأل عن شيء آخر، كانت تحاول أن تقول شيئاً.
إيلين نظرت إليها. كانت عيناها تلمعان.
"الطعام لذيذ. أليس كذلك؟"
أليسون أومأت، حركة خفيفة بالرأس، ثم همست:
"لذيذ."
كلمة واحدة، لكنها كانت كافية.
فجأة، ودون سابق إنذار، قفزت إيلين من مكانها. اقتربت من أليسون، وضمتها إلى صدرها بقوة.
"أنا سعيدة جداً لأنكِ أكلتِ معنا." قالت إيلين بصوت فيه حب لا يتصنع. "سعيدة جداً."
تصلبت أليسون. جسدها كان صلباً، كأنها لا تعرف كيف تستقبل عناقاً، لكنها لم تدفع إيلين بعيداً، فقط بقيت هناك، مندهشة، مصدومة، وربما... لا تصدق أن أحداً يحضنها هكذا.
رأيت وجهها يحمر تحت غرتها، خجلاً. لا تعرف أين تضع عينيها.
إيلين أطلقتها بعد لحظات، ونظرت في عينيها.
"أنتِ مرحباً بكِ في جناحنا متى أردتِ. لا تحتاجين إلى إذن. فقط تعالي."
نظرت أليسون إليها، ثم إليّ. عيناها كانتا تلمعان بشيء لم أره من قبل، ليس دموعاّ، لكنه قريب.
نهضت أليسون، مشت نحو الباب بخطوات بطيئة. توقفت للحظة، وكأنها تريد أن تقول شيئاً، لكنها لم تجد الكلمات.
" انتظري، سأوصلك."
أومأت برأسها تنتظرني في خارج الحجرة، أما أنا أركض بسرعة نحو أسدال الصلاة أرتديها.
دنت إيلين مني.
"هل رأيتِ؟" همست إيلين. "كيف كانت تأكل كأنها تخشى أن يُنتزع الطبق من بين يديها؟"
أومأت.
"وكيف كانت تخفي يدها اليسرى؟"
أومأت مجدداً.
"شيء ما يحدث معها، روجين. شيء لا نعرفه."
تنهدتُ. "سنعرف.ط، ليس الآن، لكن قريباً."
نظرت إيلين إلى الباب . "هذه الفتاة مسكينة، لا تستحق أن تعيش هكذا."
"لن نتركها وحدها."
قلت أتجه نحو الباب. كانت أليسون لا تزال تقف هناك، استقبلتني بنظراتها الصامتة، عيناها الخاويتان تبحثان في وجهي عن شيء لا أستطيع تسميته.
حاوطتها بذراعي، ابتسمْتُ. "لنذهب."
لم تقل شيئاً، لم تتحرك، فقط تركتني أحتضنها، مشينا معاً في ممر القصر الطويل. خطواتها كانت خفيفة، تكاد لا تُسمع، كأنها تريد ألا تترك أثراً.
وصلنا إلى باب غرفتها، توقفت، نظرت إليها.
"هذا مفتاح المرسم." مددت يدي بالمفتاح الصغير. "المرسم الذي أعده لكِ جدي. هو هناك، في نهاية الجناح الشرقي. تستطيعين الذهاب إليه متى أردتِ، لا يحتاج إلى إذن."
نظرت إلى المفتاح، ثم إلى وجهي، لم تمد يدها.
"خذيه." قلت بلطف. "أنتِ من ترسمين، وهذا المكان ينتظر من يملؤه بالألوان."
أخذت المفتاح بصمت، قبضت عليه بقوة، كأنها تخشى أن يسقط.
"أنا هنا." أضفت. "إذا احتجتِ شيئاً، أي شيء، يمكنكِ أن تطلبي مني. لستِ وحدكِ."
نظرت إليّ طويلاً، عيناها كانتا تلمعان، بمشاعر غريبة عنها. همست بصوت بالكاد يُسمع:
"شكراً."
ثم فتحت باب غرفتها، ودخلت. أغلقت الباب خلفها بهدوء.
وقفتُ هناك لحظة، ثم تنهدت ومشيت نحو الجناح الخاص بنا.
قبل أن أصعد الدرج، رأيت ضوءاً خافتاً. يأتي من خارج القصر، من جهة الحديقة الجانبية. ضوء أبيض صغير، يتلألأ ثم يختفي، كأنه ينادي.
تتبعتُ الضوء، خرجتُ من الباب الجانبي، الهواء بارد، والسماء صافية، القمر يضيء العشب الفضي.
لوسيان كان واقفاً هناك، يرتدي معطفه الأسود الطويل، وشاحه الرمادي يرفرفه الريح. ينظر إلى ساعته، ثم يرفع رأسه نحو الباب، ثم يعود إلى ساعته. كان ينتظر. ينتظر بقلق.
تقدمتُ نحوه. لم أرفع صوتي، مشيت بهدوء حتى وقفت إلى جانبه.
هذه أول مرة أتحدث معه.
"لوسيان."
التفت إليّ. كانت عيناه واسعتين، قلقين. لم يكن يتوقع أنها أنا، ربما.
"ما الخطب؟"
لم يرد.
نظر إلى الأرض، ثم إلى الباب مجدداً، ثم إلى ساعته.
"لوسيان." كررت. " هل حدث أمر ما ؟."
" لا شيء. عودي من حيث أتيت. "
سخرت : " لا شيء! والقلق الذي على وجهك. ماذا يكون ؟ "
صررت على أسناني : " أخبرني، لا أزال أتحدث معك بهدوء. "
حدق في بتردد، يمعن ببصره في محياي، تنهد، ينظر للفراغ في الحديقة بقلق.
"لوسيانا." قال بصوت خافت. "لم تعد إلى القصر."
توقفت أنفاسي للحظة. "ماذا؟"
" لوسيانا لم تعد للقصر منذ... منذ المساء. قالت إنها ستذهب مع صديقاتها، و ستعود باكراً. لكنها لم تعد. ولا ترد على هاتفي."
"هل حاولت الاتصال بصديقاتها؟ هل هي عند إحداهن؟"
هز رأسه. "لا. اتصلت بهن ولا أي واحدة منهن رأتها. أبي... و أمي لا يسمحان لها بالخروج إلا بإذن. إن علما بعدم وجودها سيعاقبانها. ثم لو كانت عند صديقة، لاتصلت بي."
صمت. كان يضغط على شفتيه.
"وهي تعلم أيضاً..." توقف. "أنها إن تأخرت، سيعاقبها والدي، هي تعلم، لكنها تأخرت رغماً عن ذلك."
نظرت إليه، كان ضائعاً، لم يكن يعرف ماذا يفعل، كان خائفاً، لكنه كان يخاف أيضاً من أن يعرف أحد.
"لوسيان." قلت. "انتظرني سأعود بسرعة."
نظر إليّ بحيرة.
"ابق هنا." قلت. "فقط دقائق."
ركضت إلى غرفتي، إيلين كانت لا تزال جالسة على الأريكة، تشاهد التلفاز.
"لوسيانا لم تعد إلى القصر." قلت بسرعة.
نهضت إيلين. "ماذا؟"
أخبرتها بما حدث.
"سآتي معكِ."
"لا، ابقي هنا. إذا عادت، اتصلي بي. "
نظرت إليّ. كانت تريد المجادلة، لكنها رأت في عيني أن لا وقت لذلك.
"كوني حذرة." قالت.
أومأت.
غيرت ثيابي بسرعة، ارتديت ثياباً رياضية سوداء طويلة، وحجاباً أسود. أخذت هاتفي، ومفاتيح السيارة.
ضغطت على أزرار الهاتف، رن مرتين.
"مورغان." كان صوته خافتاً، نائماً. "آنسة روجين؟"
"سيد مورغان، أعتذر لإزعاجكِ في هذا الوقت. أحتاج منكِ أن تتتبع هاتف لوسيانا."
سمعته يجلس بسرعة. "ماذا حدث؟"
"لم تعد إلى القصر، أخوها قلق، أحتاج إلى موقعها، بسرعة."
"حسناً، سأتصل بكِ خلال دقائق."
أغلقت الخط. نزلت الدرج مسرعة.
لوسيان كان لا يزال واقفاً في مكانه، أليستير كان معه الآن. كان يتحدث معه بصوت منخفض.
هذان الإثنان على علاقة جميلة رغم بعد العائلة عن بعضها.
رآني أليستير، تقدمت نحوهم: " ما الذي أتى بك في هذا الوقت ؟ "
" ذهبت لأحضر زجاجة ماء من المطبخ، فرأيت لوسيان، و أتيت اليه."
نظرت إلى لوسيان، شاحباً كان.
" ستكون بخير بإذن الله. " طمأنته.
كالغريق استنجد بعينيه بي.
هرولت نحو مرآب السيارات.
"تعالا." قلت.
لوسيان نظر إليّ. "إلى أين؟"
"سنذهب للبحث عنها."
مشيت نحو السيارة، تبعني الاثنان بصمت.
داخل السيارة، أدرت المحرك. يداي ثابتتين، لكن قلبي كان يدق بسرعة، أهدئه بذكر الله.
لوسيان جلس بجانبي، أليستير في المقعد الخلفي صامتاً. كلانا صامت.
خرجنا من بوابة القصر، انطلقت السيارة في الطريق المظلم. أضواء الشوارع تتساقط على الزجاج كدموع بلا سبب.
رن هاتفي.
"مورغان." قلت.
"أرسلتُ لكِ الموقع. إنها في منطقة صناعية مهجورة، على أطراف المدينة. لا أعلم لما هي هناك."
"شكراً لكِ."
"لا تذهبي وحدكِ. أنا في طريقي."
"سأنتظرك هناك."
أغلقت الخط، نظرت إلى لوسيان.
"هل تعرف هذا المكان؟"
نظر إليّ، خائفاً، قلقا. إذاً يعرف المكان.
"ماذا تفعل هناك؟"
صمت، كان يضغط على شفتيه.
"لوسيان." قلت بصوت حازم. "أحتاج إلى معرفة ما سنواجهه."
تنهد.
"ساحة سباق غير قانونية، يجتمع فيها الشباب، الفتيان والفتيات، يتسابقون بسياراتهم الرياضية، يراهنون، يشربون، يفعلون..." توقف. "يفعلون أشياء لا أريد أن أصفها."
أليستير تحدث من الخلف: "أماكن مثل هذه تحتاج إلى إذن، كيف حصلت عليه؟"
"نعم." قال لوسيان بصوت خافت. "كان كلانا يذهب إلى هناك. منذ مدة طويلة، أنا وهي، كنا نتسابق، كنا نتنفس. كنا... ننسى."
"ماذا تغير؟"
صمت.
ثم قال: "توفي أحد رفاقنا، في حادث، في السباق. رأيتُ كيف مات، سيارته تحترق. منذ ذلك اليوم، لم أعد. طلبتُ منها ألا تعود. لكنها... عندما تغضب، عندما لا تجد مفراً، تذهب. تذهب لتنسى."
يتحدث، ناظرا للفراغ أمامه، وكأنه يرى الحادث، سيارة رفيقه تحترق.
ما أنا مقبلة عليه ليس بالأمر السهل.
يارب نجنا واحفظنا يارب.
"لماذا غضبت اليوم؟" نطقت.
لم يجب، اختار الصمت.
لم أسأل مجدداً، عرفت أن هناك شيئاً لا يريد قوله، شيئاً يخاف منه.
السيارة تسير بسرعة، الطريق أصبح مظلماً، والمنازل تختفي، وتحل محلها أراضٍ خالية، ومبانٍ مهجورة.
نظرت للموقع في الهاتف، نحن في المكان المطلوب.
تتبعت آثار عجلات السيارات، في الطريق، حتى بدأت أسمع موسيقى.
ثم رأيت الأضواء، أضواء ملونة، متلألئة، تومض في الظلام كأنها عيون وحش.
الساحة.
كانت مكاناً واسعاً، محاطاً بمبانٍ صدئة. في الوسط، حلقة كبيرة مضاءة بأضواء نيون زرقاء وحمراء. حولها، سيارات رياضية مصطفة، وشباب واقفون، وفتيات...
الفتيات كانت ملابسهن لا تستر شيئاً. قطع صغيرة من القماش، تبرز ما لا ينبغي أن يبرز. كانت أصواتهن عالية، وضحكاتهن مصطنعة، وأيديهن تلامس الشباب بجرأة مقززة. الشباب ينظرون إليهن كأنهن فريسة. بعضهم كان يشرب، وبعضهم يدخن، وبعضهم ينظر إلى السيارات بعيون جشعة.
غضضتُ بصري، لم أستطع أن أنظر إلى تلك المشاهد دون أن أشعر بالغثيان.
"هناك." قال لوسيان.
كان يشير إلى سيارات تستعد للتسابق في أقصى الحلقة.
ركنت السيارة، ونزلنا.
اقترب منا شاب، يرتدي سترة جلدية، ووشماً على رقبته، ونظارة شمسية رغم الليل.
"من أنتم؟" سأل بصوت وقح. "هذه ساحة خاصة. للمدعوين فقط."
حملق بي من فوق لتحت بسخرية وجرأة، أحسست به يفترسني بعينيه.
مقزز..
نظرت إليه. "أبحث عن لوسيانا أستور."
ضحك. "لوسيانا؟ وما شأنكِ بها؟"
" إنها أختي." قال لوسيان من خلفي.
نظر الشاب إليه، ابتسم ابتسامة قذرة. " أوه..لوسيان. الجبان الذي ترك السباق. فقط لأن سيارة صديقه إحترقت ومات."
تقدم لوسيان، ينوي الجدال، منعته بيدي.
"أين هي؟" سألت بنظرات حادة حازمة.
تململ يجيبني، ينفث دخان سيجارته : "تستعد للسباق، مع فريق منافس، الرهان كبير."
"أوقف السباق."
ضحك مجدداً. " أوقفه؟ ومن أنتِ؟ حتى أوقفه. هي من اختارت اللعب."
لم أجبه، مشيتُ نحو الحلقة، كان الشاب يتبعني.
"لا يمكنكِ الدخول. ليس لديكِ دعوة."
التفتُ إليه. "لن أسأل مجدداً."
رفع يده ليوقفني. لم أتردد.
قبضتُّ على يده بسرعة، ولويتها خلف ظهره، يصيح، دفعتُه بعيداً.
الشباب الآخرون التفوا حولي، غاضبين، يريدون أن يظهروا قوتهم.
"من تظنين نفسكِ؟" صرخ أحدهم.
" نادي على لوسيانا أستور الآن. "
ضحكوا. يسخرون.
تقدم أحدهم. ضخماً، ووجهه محمراً من الشراب.
مقزز..
"همم... قطة صغيرة بمخالب..."
لم يكمل، تحركتُ بسرعة، ضربة على ركبته، وأخرى على ذراعه، ثم أفلتُّه أرضاً.
صمت، كانوا ينظرون إليّ بذهول.
همم...تدريب أبي أتى أُكله.
لوسيان وأليستير واقفين في مكانهما، عيون أليستير واسعة، يرى للمرة الأولى هذا الجانب مني.
لوسيان صامتاً، يتابع حركاتي.
تقدم شاب آخر. كان أذكى من الأول، لم يهجم مباشرة، فقط وقف أمامي.
"أنتِ لا تعرفين ما تفعلين، هذا المكان ليس لكِ. فقط غادري."
"أنا لا أريد سوءا. أبحث عن لوسيانا فقط، لن أرحل بدونها."
نظر إليّ طويلاً. ثم ابتسم.
"إذاً، اذهبي. خذيها."
لم أرد.
سمعت قهقهات مستمتعة لفتيات، الحديث التالي الذي وصل لسمعي، جعل قلبي ينبض بعنف.
" لا تقلقي يا عزيزتي، ستنفجر سيارتها قبل حتى أن تصل إلى خط النهاية، في المرة القادمة لن توجد فتاة بإسم لوسيانا. "
التفت بسرعة نحو صاحبي الصوت، فتاة ترتدي ملابس أخجل حتى من القول عنها ملابس، تجلس فوق صندوق سيارة رياضية، بجانبها فتى كله وشوم، وسلاسل، شعره يجمعه للأعلى، يتضح على محياه، أنه مفتعل مشاكل.
تقدمت منهم، والغضب يتصاعد في داخلي.
" ماذا تقصدان أنتما ؟ "
نظرت إليّ الفتاة بازدراء، عيناها المكحلتان ضاقتا. "من أنتِ؟"
"روجين أستور، أخت لوسيانا."
ضحكت بصوت عالٍ. "أختها؟ لا يهم. المهم أن أختكِ لن تصل إلى خط النهاية."
"ماذا فعلتما بها؟"
الفتى تدخل.
كان صوته أجشاً، كمن يدخن منذ سنين. "تشاجرت مع صديقتنا، أهانتها أمام الجميع، وها نحن نرد لها الجميل."
"ماذا فعلتما؟" كررت. كان صوتي يرتفع.
"لا شيء كبير." قال الفتى مبتسماً. "فقط... عبثنا بسيارتها. نظام الفرامل، نظام الوقود، وربطنا عداد السرعة بجهاز صغير. إذا قلت سرعتها عن 120 كيلومتراً في الساعة..." أشار بإصبعه كأنه يطلق النار. "بووم."
توقفت أنفاسي.
"أنتما مجنونان."
"لا." قالت الفتاة. "نحن فقط نحمي كرامتنا."
لم أرد. لم أعد بحاجة إلى كلمات، تقدمتُ خطوة، ورفعت يدي.
الصفعة كانت قوية، طارت الفتاة إلى الخلف، سقطت على الأرض، ويدها على خدها المحمر.
"أنتِ..." صرخت.
الفتى تحرك نحوي بسرعة. كان أكبر مني، وأضخم. قبضته تتجه نحو وجهي.
لم أتراجع، تحرك جسدي أسرع من تفكيري. انحنيتُ، تفاديتُ قبضته، وأمسكت بذراعه، لويتها خلف ظهره بقوة. ركلته في ركبته من الخلف فسقط على ركبتيه، ثم أفلتُّه أرضاً بضربة سريعة على كتفه.
استلقى على الأرض، يلهث، ينظر إليّ بعينين مصدومتين.
كان لوسيان قد وصل، وقف خلفي، ينظر إلى المشهد بذهول.
"مالذي يحدث؟"
"لقد عبثوا بسيارة لوسيانا." قلت بصوت لم أرفعه، لكنه كان حاداً. "جعلوها تنفجر إذا قلت سرعتها عن 120."
شحب وجه لوسيان. " ماذا؟! "
"نعم. هي الآن في المضمار. لا تدري أنها تقود قنبلة."
تراجع خطوة، يرتجف.
أخرجتُ هاتفي، التقطت صورة للفتى والفتاة وهم على الأرض، كانا يحاولان الوقوف، لكن عيونهما كانتا مثبتتين عليّ.
"اسمعاني جيداً." قلت بصوت بارد. "إن حصل لها ولوسيانا أي ضرر، أي ضرر صغير، سأجعلكما تتمنيان الموت، ولن تجداه. سأجعل كل من يعرفكما يندم على يوم عرفكما، سأجعل حياتكما جحيماً لا ينتهي."
كانا صامتين، الخوف يملأ عيونهما.
"ارحلا." قلت.
انطلقا يركضان كمن يطاردهم شبح.
التفتُ إلى لوسيان وأليستير، كان كلاهما ينظر إليّ.
"اركبا السيارة، الآن."
ركضنا. أليستير إلى المقعد الخلفي، لوسيان بجانبي. أدرت المحرك، انطلقت السيارة كَسَهم.
"إلى أين؟" سأل أليستير.
"المضمار."
"لكننا لا نستطيع..."
"لا تتكلم، سأفعلها."
الطريق كان مظلماً، أضواء المضمار كانت تومض في الأفق كأنها تنادينا. اقتربتُ بسرعة، والغبار يتطاير خلف العجلات.
دخلنا إلى حلقة السباق.
كانت السيارات الرياضية تتسابق بجنون. كلها حمراء، زرقاء، صفراء، تصرخ بألوانها في الظلام. محركاتها تزمجر كوحوش جائعة. والجمهور كان يصيح، يصفق، يراهن.
وسط كل ذلك، رأيتها.
سيارة لوسيانا الفضية، تتقدم بسرعة، في المركز الثاني. تسير بسرعة لا تقل عن 150 كيلومتراً في الساعة.
"إنها هناك." همس لوسيان.
"أراها."
دوستُ على البنزين بقوة، السيارة تمايلت قليلاً، ثم استقرت.
أليستير صرخ: "روجين، هذه السيارة ليست مصممة للسباق! لن نستطيع اللحاق بهم!"
ابتسمت، لم أرفع عيني عن الطريق.
"أهم مافي السباق ليس السيارة، بل السائق."
صمت.
"تعلمت القيادة عندما كان عمري 14 سنة." قلت. " حتى أنا كنت ارى فيها متنفسا لي، فقرر أبي أن يعلمني كيف أتحكم بالسيارة، كيف أقرأ الطريق، كيف أتجاوز، كنتُ أحب السرعة. كنتُ أتنفسها."
لوسيان نظر إليّ. "كنتِ؟"
"تخلّيتُ عن ذلك، عندما قررت أن أكون أقرب إلى الله، السرعة كانت تغريني، كنتُ أخاف أن تنسيني نفسي."
توقفت للحظة، ثم أكملت:
"لكن المهارات لا تموت، هي تنتظر فقط من يوقظها."
دوستُ على البنزين بقوة.
السيارة انطلقت، تجاوزتُ سيارة زرقاء على اليسار، ثم سيارة سوداء على اليمين، كنت أتحرك بين السيارات كسمكة بين أمواج.
يداي تتحركان على المقود بحرفية قديمة، جسدي يتذكر ما نسيه عقلي. كل انعطافة، كل تسارع، كل فرملة، كانت تأتي من ذاكرة العضلات لا من التفكير.
"كيف تفعلين هذا؟" سأل لوسيان بصوت مذهول.
"لا تفكر. فقط أشعر."
كانت السيارات تتسابق أمامي، أقرأ تحركاتها، أعرف أين ستذهب قبل أن تذهب، أرى الفجوات قبل أن تتسع.
تجاوزتُ سيارة خضراء، ثم سيارة بيضاء، ثم سيارة حمراء.
أليستير كان صامتاً.
السيارة الفضية كانت أمامي الآن، أراها بوضوح، تتمايل قليلاً، ربما الفرامل بدأت تتأثر.
الوقت ينفد.
"لوسيانا!" صرخ لوسيان من النافذة.
نظرت إلينا، عيناها واسعتين، لا تصدق ما تراه.
"ماذا تفعلون هنا؟!" صرخت.
"لا وقت! سيارتك مفخخة! إذا قلت سرعتها عن 120 ستنفجر! حافظي على سرعتك!"
وجهها شحب، بدأت يداها ترتجفان على المقود.
"ماذا؟!"
"لا تنقصي السرعة! ابقي بجانبي! سأخبركِ بما ستفعلين!"
بدأت أخطط في رأسي، كان المشهد جنونياً، لا يمكن إيقاف السيارة دون أن تنفجر، لا يمكن إخراجها دون مخاطرة.
"اسمعيني جيداً." قلت بصوت هادئ لكنه حازم.
"سأقترب منكِ، أجعل سيارتي موازية لسيارتكِ، عندما أقول لكِ، اقفزي، عليك بذلك."
"ماذا؟!"
"سأقفز إلى المقعد بجانبك، ثم أتحكم بالمقود، وعندها، ستقفزين أنتِ إلى سيارتنا."
"هذا جنون!"
"نعم، لكنه الحل الوحيد."
أليستير صرخ من الخلف: "روجين، هذا انتحار!"
"لا." قلت. "هذا ثقة بالله."
اقتربتُ من السيارة الفضية، المسافة بيننا لا تزيد عن متر، أقرأ سرعتها، 135، لدي وقت.
"لوسيان." قلت. "استعد للمقود."
"ماذا؟!"
"عندما أتحرك، ستأخذ مكاني. تبقي السيارة بجانبها، لا تترك المقود. لا تترك السرعة."
ابتلع ريقه، لكنه أومأ.
"أليستير." قلت. "عندما نقترب، ستقفز لوسيانا إليك، تشبث بها، بقوة، لا تدعها تسقط."
"أنا جاهز."
رفعتُ نظري إلى السماء للحظة، كانت النجوم تلمع كأنها تشجعني.
"بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله."
ثم دوستُ على البنزين.
السيارة انطلقت كالسهم، انحرفت السيارة. العجلات صرخت على الأسفلت. لكنني سيطرتُ عليها.
الآن، كانت سيارتي تتجه نحوها. كنا متوازيين تماماً. نافذتي أمام نافذة المقعد بجانب السائق .
"الآن!" صرخت.
فتحت بابي، الهواء يعصف بوجهي، يصم أذني، يملأ عيني بالغبار. لكنني لم أتردد.
قفزت.
كانت لحظة جنونية. كنت أتطاير بين سيارتين. يداي تمددت نحو مقعدها الجانبي، أمسكتُ بحافة الباب، أفتحه، أرمي بنفسي، جسدي اصطدم بالسيارة بقوة، أغلقتُ عيني للحظة.
ثم فتحتهما.
كنت داخل سيارة لوسيانا، بجانبها، جسدي يؤلمني، لكني كنت حية.
"تحركي!" صرخت.
تحركت لوسيانا بسرعة، انزلقت إلى المقعد الخلفي، زحفتُ أنا إلى مقعدها. جسدي يتألم، لكني تجاوزت الألم.
جلستُ في مقعد السائق. أمسكتُ بالمقود.
كانت السرعة 130. تنخفض. كانت تنخفض بسرعة.
"لا... لا..."
دوستُ على البنزين. السيارة تئن. ترفض. تموت.
السرعة 129.
127.
125.
120.
"لا إله إلا الله..."
دوستُ بقوة، كان المحرك يصدر صوتاً غريباً، كان يتألم، لكنه استجاب.
السرعة عادت إلى مئة وخمسة وعشرين. ثم مئة وثلاثين. ثم مئة وخمسة وثلاثين.
عاد تحكمي بالسيارة، و أصبحت السيارتين متوازيتين من جديد.
"لوسيانا! الآن!" صرخت.
فتحت لوسيانا بابها، كانت خائفة، ترتجف، لكنها أطاعت.
"اقفزي! لا تخافي! الله معكِ!"
نظرت إليّ، كانت عيناها تلمعان بالدموع.
"أنا خائفة."
"أنا أيضاً، لكننا سنفعلها، معاً."
ابتسمت ابتسامة خفيفة أطمأنها.
ثم قفزت.
أمسك بها أليستير من يدها، جذبها بقوة، سقطت على المقعد الخلفي لسيارتهم، تبكي.
في أمان.
تنهدتُ.
العرق يتصبب من جبيني، يداي ترتجفان على المقود.
السيارة لا تزال تسير بسرعة مئة وخمسة وثلاثين.
نظرتُ في المرآة، سيارتي كانت تتبعني.
ابتسمتُ.
ثم أدرتُ وجهي إلى الأمام.
الوقت قد حان لإنقاذ نفسي.
"الآن يا روجين." همست لنفسي. "عليكِ أن تبتعدي بهذه السيارة، عليكِ أن تخرجيها إلى مكان آمن، ثم تقفزين."
الطريق أمامي مظلماً، الأضواء تومض كأنها تنذر.
رأيت مخرجاً. على اليسار، طريق متفرع، ضيق، لا أحد يسلكه. يؤدي إلى مساحة واسعة فارغة، بعيداً عن المضمار، بعيداً عن السيارات، بعيداً عن الجميع.
أدرتُ المقود بقوة، السيارة انحرفت، انزلقت العجلات على التراب، لكنني سيطرتُ عليها.
خرجنا من المضمار. كانت السيارة تتمايل، الأرض وعرة. لكن السرعة بدأت تتناقص.
130.
126.
125.
ثم ضغطتُ على البنزين مجدداً. كنت بحاجة إلى سرعة ثابتة. بحاجة إلى الوصول إلى المساحة الفارغة قبل أن أنقص السرعة أكثر.
السيارة استجابت. عادت السرعة إلى مئة و ثلاثين.
كانت المساحة الفارغة أمامي. أرض واسعة، بلا عوائق، بلا مخاطر.
"الآن."
رفعتُ قدمي عن البنزين، بدأت السرعة تنخفض.
130، 129، 128.
كان قلبي يدق كالطبول، يداي ترتجفان.
"حافظي على هدوئك." همست.
فتحت الباب، كان الهواء البارد يداعب وجهي، كان ينعشني.
أمسكتُ برأسي بكلتا يديّ. حنيتُ جسدي إلى الخارج. كنت أستعد.
126 ، 125 ، 124.
"بسم الله."
122.
قفزتُ.
كانت اللحظة أطول من العمر، أتطاير في الهواء، أدور، أتقلب، ألمس التراب، ثم الهواء، ثم التراب مجدداً.
جسدي كان يصطدم بالأرض بقوة، يؤلمني، يصرخ. لكن فمي كان يذكر الله فقط.
"لا إله إلا الله... لا إله إلا الله... لا إله إلا الله..."
توقفت.
عيناي مثبتتين على السماء، النجوم تلمع كأنها تبتسم.
سمعتُ صوت انفجار، بعيد، قوي، هز الأرض من حولي.
سيارة لوسيانا.
تحترق.
تموت.
تنهدتُ.
جسدي كله يؤلمني، يداي مجروحة، قدماي تنزفان، وجهي مغبراً.
لكني كنت حية.
تحاملت على نفسي، أسجد لله، سجدة شكر وحمد، لأنه نجاني.
"الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله."
دموعي كانت تنساب على خدي، أبكي من شكر، أبكي لأن الله كان معي.
سمعتُ صوت سيارة تقترب، أضواء تضيء الظلام.
توقفت بعيداً عني قليلا.
نزل منها لوسيان، أليستير، ولوسيانا. يركضون نحوي، يصرخون باسمي.
"روجين! روجين!"
وصلوا إليّ، جثا أليستير بجانبي، يفحصني بعينين قلقتين، ينظر إلى جروحي، إلى جسدي المغبر، إلى وجهي المتعب.
"هل أنتِ بخير؟" سأل بصوت مرتجف. "هل تستطيعين التحرك؟"
"أنا بخير." همست. "أنا بخير."
لم يصدقني.
يفحص ذراعي، رجلي، رأسي، يبحث عن كسور، عن جروح خطيرة، عن شيء يبرر قلقه.
لكنه لم يجد.
"الحمد لله." همس.
ثم فجأة، دون مقدمات، احتضنني.
كان يحتضنني بقوة، يرتجف.
"لا تفعلي هذا مجدداً." همس في أذني. "لا تفعلي هذا مجدداً أبداً."
دهشت.
لم أكن أتوقع عناقاً من أليستير، لكنني لم أدفعه بعيداً. فقط تركت نفسي في حضنه للحظة.
"لن أفعل." همست.
ابتعد، وجهه محمراً، خجل، استدرك نفسه، لكن عينيه كانتا تلمعان بالامتنان.
لوسيانا تبكي، تقف خلفه، ترتجف.
"أنا آسفة." همست. "أنا آسفة. كل هذا بسبب..."
"لا." قاطعتها. كنت أحاول الوقوف. أليستير ساعدني. "ما حدث قد حدث. ونحن بخير الآن. هذا كل ما يهم."
"لكن..."
"لا لكن." نظرت إليها بعينين حازمتين. "لن تلومي نفسكِ."
صمتت، دموعها لا تتوقف.
لوسيان كان صامتاً، ينظر إليّ بعينين ممتنتين.
"لنذهب." قلت. "أريد العودة إلى البيت."
مشينا نحو السيارة، خطواتي بطيئة، جسدي يتألم. لكني كنت أمشي.
فجأة، سمعت رنين هاتفي، كان لا يزال في السيارة. أسرع أليستير نحوه، أحضره إليّ.
"مورغان." قلت. رفعت الهاتف إلى أذني.
"آنسة روجين؟ أين أنتم؟"
"لوسيانا معنا. سيارة لوسيانا انفجرت. لكننا بخير."
سمعته اندهش. "ماذا ؟!"
"سأرسل لك صوراً للشخصين المسؤولين، أريدكِ أن تعرف من هما، وأن تحضرهما."
"سأفعل، لكن... ماذا حدث بالضبط؟"
"فيما بعد يا مورغان، الآن أريد فقط أن أرتاح."
"كما تريدين. "
أغلقت الخط.
ركبنا السيارة. جلستُ في الخلف، بجانب لوسيانا، أليستير قاد السيارة، يركز على الطريق.
"لنذهب إلى المستشفى." قال أليستير.
"لا."
"روجين..."
"لا أحتاج إلى مستشفى."
"وجهكِ مجروح. يدكِ تنزف. لا يمكنكِ العودة هكذا."
"سأعالج نفسي في البيت."
أليستير نظر إليّ، كانت عيناه حازمتين. "لا، سنذهب إلى المستشفى، لا نقاش."
لوسيانا أمسكت يدي. "من فضلكِ، من أجلي."
نظرت إليها، كانت عيناها تدمعان.
تنهدتُ. "حسناً، لكن ليس المستشفى، حيث يعمل سيف."
"لماذا؟"
"لا أريد أن يقلق، إذا عرف أنني هنا من حادث... سيف سيغضب."
ابتسم أليستير ابتسامة خفيفة. "أنتِ خائفة من أخيكِ؟"
"أنا لا أخاف من أحد." قلت. "لكني لا أريد أن أسمع محاضرة في الثانية صباحاً."
ضحك لوسيان من الأمام. كانت أول مرة أسمعه يضحك.
---
وصلنا إلى المستشفى. كان الممر طويلاً، مضاء بأضواء بيضاء باردة. كنت أمشي ببطء، وأليستير يمسك بذراعي من جهة، ولوسيانا من الجهة الأخرى.
استقبلتنا ممرضة في الاستقبال، نظرت إلى جروحي، إلى ثيابي المتسخة.
"مالذي حصل لك؟"
"حادث سقوط."
"حسنا، تفضلي معي للفحص."
"شكراً."
نظرت إليّ الممرضة بعملية. ثم أومأت.
"تفضلي."
جلستُ على سرير في غرفة صغيرة. أليستير ولوسيانا ولوسيان وقفوا خارجاً. الممرضة بدأت بتنظيف جروحي.
كانت الجروح سطحية. خدوش، كدمات، جروح صغيرة في اليدين والركبتين. لكن وجهي كان متورماً قليلاً، وخدي الأيسر كان فيه جرح صغير.
"كيف حدث هذا؟" سألت الممرضة.
"حادث."
"حادث ماذا؟"
"حادث... عرضي."
لم تسأل مجدداً.
" انتظري سنقوم بأخذ صور مقطعية لك، نتأكد من سلامتك. "
أومأت.
غادرت، كنت أجلس على السرير، أنظر إلى يدي الملفوفة بالضمادات.
....
حمدا لله مر الأمر بخير، لم تكن لدي أي إصابات خطيرة أو داخلية، فقط بعض الجروح والكدمات، والتواء بسيط في يدي، يحتاج للراحة.
غادرت المستشفى، أبتغي العودة لمنزلي فقط، أنام.
---
وصلنا إلى القصر، كان الضوء خافتاً في الردهة، إيلين تنتظرنا، كانت تمشي هنا وهناك، كما تفعل دائماً حين تقلق.
لما رأتنا، توقفت. كانت عيناها واسعتين. ثم ركضت نحونا.
"روجين!" صرخت، ضمتني بقوة، ضمت لوسيانا بقوة.
"قلقت عليكما، قلقت كثيراً."
"نحن بخير." همست.
ابتعدت قليلاً. نظرت إلى وجهي، رأت الجرح على خدي، رأت الضمادات، رأت ثيابي المتسخة.
"ماذا حدث؟!" صرخت تضع كفيها على فمها بصدمة.
"حادث."
"حادث ماذا؟!"
"سأخبركِ. لكن الآن... أريد حماماً ساخناً، النوم."
نظرت إليّ، كانت تريد أن تسأل أكثر، لكنها رأت تعبي.
"حسناً." قالت. "تعالي."
أليستير قال: " ارتاحي يا روجين، إن احتجت شيئا اتصلي بي."
"شكراً لكِ." ابتسمت.
نظر إليّ طويلاً. ثم انصرف.
حدقت في لوسيان و لوسيانا اللذين ينظران لي بحرج، تقدمت منهما وقلت :
" لا تذكرا ما حدث لأحد..."
" لكن..."
حاولت لوسيانا مقاطعتي، إلا أنني اعترضت :
" لا اعتراض، أنا سأتكفل بكل شيء، لوسيان غادر لترتاح، أما أنت يا لوسيانا تعالي معي لجناحي. "
أرادت الحديث إلا أنني منعتها بنظراتي. استسلمت.
" شكراً لك. " نطق لوسيان.
ابتسمت، أومأ برأسي له.
غادر يعطينا ظهره، أما نحن مشينا نحو الجناح، كلتاهما تدعمانني.
دخلنا الجناح، إيلين أعدت الحمام لي، أما لوسيانا ذهبت للحمام في غرفة إيلين.
الماء الساخن كان يغسل التراب والألم، يريح عضلاتي المتعبة، غصت تحته طويلاً، أرتاح.
خرجت، ارتديت بيجاما ناعمة، جلست على السرير. إيلين كانت قد سخنت الطعام للوسيانا. التي تجلس على الكنبة تأكل، ترتدي بيجاما زرقاء.
"الآن." قالت إيلين. "أخبريني ماذا حدث."
بدأت أروي.
قلت عن الساحة، عن الشباب، عن الفتاة التي تآمرت، عن العبث بالسيارة، قلت عن السباق، عن السرعة، عن القفزة التي قفزتها بين سيارتين، عن السيطرة على المقود، عن الانفجار، عن القفزة الأخيرة التي كادت تقتلني.
إيلين صامتة، تسمع، عيناها تتسعان.
"يا إلهي." همست. "يا إلهي."
لوسيانا كانت تبكي بصمت، تسمع، ودموعها تنساب.
"أنا آسفة." همست. "أنا آسفة. كل هذا بسبب..."
"لوسيانا." قاطعتها. "لا."
"لكن..."
"لا." نظرت إليها بعينين حازمتين. "ما حدث قد حدث، ونحن بخير الآن. هذا كل ما يهم. لن تلومي نفسكِ."
صمتت، كانت دموعها لا تتوقف.
إيلين ضربتها بخفة على ذراعها. "اسمعيها، لا تلومي نفسك، المهم أن تستفيدي من خطأك."
ابتسمت لوسيانا ابتسامة خفيفة رغم دموعها.
"الليلة ستنامين معنا." قلت.
نظرت إليّ. ترددت. "أنا..."
"لا جدال."
صمتت، أومأت.
تسطحنا على السرير الواسع، لوسيانا في المنتصف، إيلين عن يمينها، أنا عن يسارها.
كان ضوء القمر يتسلل من النافذة، يرسم ظلالاً فضية على الجدران.
بدأت أرتل.
"بسم الله الرحمن الرحيم. قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد."
صوتي كان هادئاً، منخفضاً، ينساب في الغرفة كنسيم ليل.
"قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد."
"قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس."
لوسيانا تتنفس ببطء، تسترخي، تنصت.
كان صوتي يخفت. كان ينحدر إلى همس.
"اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي."
تنفس لوسيانا بعمق، عيناها مغلقتين، تنام.
إيلين قد نامت أيضاً، تتنفس بهدوء.
قرأت آية الكرسي، همست بها في الغرفة المظلمة.
ثم صمتّ.
نهضتُ بهدوء، دثرتهما بالأغطية، غطيت لوسيانا جيداً، غطيت إيلين، ثم عدت إلى مكاني.
استلقيتُ، أسمع أنفاسهما، أشعر بدفئهما.
لوسيانا في أمان. إيلين بجانبي. وأنا... هنا.
"الحمد لله." همست.
أغمضتُ عيني.
النجوم خارج النافذة تلمع، السماء صافية، والليل لا يزال طويلاً.
حينها شعرت أن الصباح سيكون جميلاً.
---
يتبع...
قراءة ممتعة 🌹
أستودعكم الله 🫂
Rimas☁️