مرَّ شهر كامل، شهر كامل أعمل فيه على إيجاد حلول للشركة، وأتأقلم مع الموظفين الذين يحتقرونني. لأكون صادقة، في هذا الشهر خَفَّت النظرات، على الأقل بدأ الجميع يشعرون بالفضول نحوي، وبخصوص هويتي وأصلي.
السيد فابيان -والدي- هو وأخوه، كلاهما يبحثان في خلفيتي، لكن الشكر لله، والشكر للمحامي مورغان الذي بسلطته وعلاقاته طمَس معلوماتي ومعلومات أمي. في العديد من الاجتماعات تعرَّضت للاستهزاء والسخرية من جاسبر وزوجته، إلا أنني لم أهتم لهما. أما عن المدعو والدي وابنه، فكانا يضغطان عليَّ من نواحٍ أخرى، فبدلاً من أن يسخرا مني، كانا يضغطان عليَّ بالعمل.
ها.. لا يعلمان حقيقتي عندما أُصر على فعل شيء.
في هذا الشهر انتقلنا إلى قصر جدي، أعيش أنا وإخوتي فيه. أمي وأبي يزوراننا بين الحين والآخر، وخصوصاً أن عمل أبي تراكم، فعادا إلى أرض الوطن، ويأتيان لرؤيتنا كل أسبوع. رغم أن الأمر مكلف، إلا أن نفوذ آل أستور كان ذا فائدة.
أخي سيفُ الدينِ أنهى دورته بالفعل، منذ وفاة جدي، فسجَّل في أحد المستشفيات التابعة لشركة أستور. منذ أسبوعين بدأ العمل، فصرت طوال الوقت وحدي في الشركة، وقليلاً ما يأتي محمد إذا أنهى عمله لرؤيتي.
كذلك هو تقدَّم لشركة البناء التابعة لأستور، وبدأ العمل. لا عِلْمَ لنا كم من الوقت سنمكث في بريطانيا، لذا كل واحد منا حاول التأقلم.
أما عن دراستي، فاستأنفتها حضورياً بعد أن كنت أدرس أونلاين فقط. في البداية استصعبت الوضع، خصوصاً حضوري للشركة والمحاضرات، فأصبت بضغط مهول. لكن.. حمداً لله، تقدَّمت بطلب للأكاديمية بأن تكون محاضراتي أربعة أيام في الأسبوع فقط، وأحضر النصف الأول من النهار فقط، مع الأخذ في الاعتبار أنني طالبة ذكية ومجدة، فتم قبول طلبي. حينها ارتحتُ راحة لا توصف. أتذكر دعائي لله طوال الليل بأن يتم قبول طلبي، فاستجاب لي.
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً حين دققت باب مكتب جدي. المكتب الذي لم يدخله أحد منذ رحيله، إلا أنا. وقفت أمام الباب الخشبي الثقيل للحظة، أتأمل نقوشه القديمة، ثم فتحته.
الغرفة كانت كما تركها. مكتبه الضخم من خشب الماهوغاني، المنحوت بدقة متناهية، والكرسي الجلدي العتيق الذي كان يجلس عليه لساعات يخطط ويكتب. الرفوف الممتلئة بالكتب التي قرأها وأعاد قراءتها، بعضها يحمل علامات وتعليقات بخط يده.
أشعلتُ الأضواء، فانساب ضوء دافئ في المكان، يرسم ظلالاً طويلة على الجدران. وضعتُ ملفاتي على المكتب، مرتبة حسب الأسماء، وجلستُ على كرسي جدي.
شعرتُ للحظة بدفء غريب يغمرني. كأنه لا يزال هنا.
سيفُ الدينِ دخل أولاً. وقف في المدخل لحظة، يتفحص المكان بعينين هادئتين، ثم جلس على الكرسي بجانب المكتب. لم يتكلم. فقط عقد ذراعيه وانتظر. هكذا هو دائماً. يراقب ويحلل قبل أن ينطق بكلمة.
إيلين دخلت خلفه. كانت ترتدي عباءة زرقاء داكنة فضفاضة، وحجاباً يغطي صدرها بالكامل. جلست على الكرسي المقابل، وضبطت جلستها باستقامة، يديها في حجرها، في أدب كامل.
"هذه جدتك؟"
أشارت للصورة فوق مكتب جدي.
"نعم. كانت امرأة جميلة. يبدو أن جدي أحبها كثيراً."
إيلين أومأت بصمت.
محمد دخل متثائباً بملابسه المنزلية، ثم توقف في الباب حين رأى الأجواء. فتح فمه قليلاً، ثم أغلقه. نظر إلى المكتبة، إلى الأريكة، إلى الصورة.
"واو... هذا مكتب الجد؟ أول مرة أدخله. طوال مكوثنا في القصر، كنت أسمع عن هيبته فقط." تقدَّم ببطء، ولمس غلاف كتاب على الرف. "أشعر أنني في فيلم قديم. فيلم عن عائلات ثرية وأسرار قديمة."
إيلين همست: "اجلس يا محمد ولا تفسد الأجواء."
جلس محمد على كنبة صغيرة في الزاوية، ومد رجليه بلا مبالاة. نظرت إليه نظرة سريعة، فعدَّل جلسته فوراً.
آخر الواصلين كان المحامي مورغان. دخل ببدلته الرسمية، وحمل ملفاً في يده، ونظارته الذهبية تتدلى من يده الأخرى. نظر حوله بتقدير، وتوقف للحظة أمام صورة جدتي، التي قلبتها فوق المكتب، ثم جلس على الكرسي بجانب المكتب، بمحاذاة سيف الدين.
نظرت إليهم جميعاً. إلى درعي الذي سأحمله معي في هذه المعركة.
"شكراً لأنكم جئتم."
محمد علق بصوت خافت: "منذ متى وأنت مؤدبة معنا؟"
نظرت إليه، فابتسم ابتسامة خفيفة. إيلين زجرته بنظرة، لكنه تجاهلها.
قلت: "أنت محق. لا حاجة لمقدمات واهية."
سيفُ الدينِ تحدث بصوته العميق البطيء، كمن يخرج كلماته من بئر قديم:
"ما الأمر؟"
"أتعرف ما الفرق بين العنكبوت والصياد يا سيف؟"
رفع سيف رأسه ونظر إليها.
"العنكبوت لا يطارد فريسته. يبني شبكة، ثم ينتظر. الفريسة تأتي بنفسها، تتشابك بخيوط لا تراها، ثم تصبح أسيرة. الصياد يركض خلف فريسته فينفذ طاقته، وقد تفوته. العنكبوت يوفِّر طاقته، والفريسة لا مفرَّ لها."
سيفُ الدينِ أومأ ببطء: "شبكة عنكبوت إذن."
"شبكة عنكبوت." ابتسمت ابتسامة خفيفة. "خيوطها من حرير، لكنها أقوى من الحديد. كل خيط صُنع خصيصاً لشخص معين. كل خيط يلمس أعمق نقطة ضعف فيه. وعندما يتشابك الجميع، يصبح من المستحيل الخروج."
أخذت نفساً عميقاً:
"لذا أحتاج استراتيجية محكمة تجعل كل فرد من آل أستور يعود إلى القصر ظناً منه أنها إرادته الخاصة، ومصلحته الشخصية."
"إذاً سيتشاركون معنا القصر؟ أنا الذي ظننت أخيراً أنني سأعيش في رفاه! ذهبت أحلامك يا محمد يا مسكين."
مزح محمد واضعاً يده على وجهه بطريقة درامية.
لتَنْطِقَ إيلين مكشرة:
"محمد، لطفاً، ليس وقت مزاحك الثقيل الآن."
ابتسمت، ووضعت لوحة أمامهم حاملة قلماً في يدي لأشرح لهم الخطة التي فكرت فيها.
"قبل أن نبدأ، يجب أن تعلموا أن المعلومات التي لدي عن كل فرد من عائلة أستور، جاءت من مصدرين: ملفات جدي في الخزنة، والمحامي مورغان. أنا سأشرح لكم الآن كل شخصية على حدة. ستستمعون، وتحلِّلون، وتفكِّرون. وبعدها سنبني الخطة معاً."
محمد رفع حاجبه: "يعني تحوَّلت من مهندس إلى رجل مخابرات؟"
"نوعاً ما."
إيلين وضعت نظارتها الطبية مركِّزة على السبورة البيضاء. "أنا جاهزة. ابدئي."
فتحت الملف الأول.
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
"أولاً: فابيان أستور." بدأت وأنا أخرج صورة فابيان من الملف. حدَّقت فيها. روجين.. لا وقت لمشاعرك، عليك التفكير بالعقل. استرسلت:
"الابن الأكبر. عمره 48 عاماً. يدير الشركة عملياً منذ عشر سنوات. متزوج من سيرافينا، وله ولدان: كاسيان (24 عاماً) وأليستير (21 عاماً)."
سيفُ الدينِ تدخَّل: "شخصيته؟"
"فابيان رجل عقلاني، عملي، لا يتحرك إلا لمصلحة واضحة. يهتم بالشركة حقاً. ليس من أجل المال، بل من أجل الإرث. الشركة عمرها مئة عام، بناها جده ثم والده. بالنسبة له، هي الأمانة التي يجب أن يحافظ عليها."
إيلين سألت: "وما الذي سيجذبه للمجيء إلى هنا؟"
فتحت ملف المشروع.
"مشروع أستور سيتي. حلمه منذ عشرين عاماً. مدينة سكنية وتجارية متكاملة. المشروع توقف بسبب خلافات مع مستثمرين، لكن جدي استمر في العمل عليه سراً. هنا في هذا الملف، كل شيء: دراسات الجدوى المحدَّثة، عقود مع مستثمرين من الإمارات والصين، موافقات حكومية، خرائط تفصيلية. كل ما يحتاجه فابيان لتحقيق حلمه موجود هنا، في خزنة القصر."
صمت الجميع للحظة، يفكرون.
مورغان رفع رأسه وقال بصوته المهني الهادئ:
"إذا عرف فابيان بوجود هذه المستندات في القصر، فسيأتي بلا تردد. لكن كيف نُعلِمه بذلك دون أن يشك في مصدر المعلومات؟"
محمد قاطع: "ماذا عن جس نبضه؟"
"كيف؟" سألت.
"أن يتواصل معه أحد المستثمرين بتحريض منا، ويسأله عن سير المشروع، وأن الجد تواصل مع المستثمرين. ومن ذلك الكلام."
نظرت إليه بتقدير. كان يفكر بجدية رغم مظهره المسترخي.
مورغان أيَّده: "فكرة ممتازة. أستور سيتي حلم فابيان منذ الصغر، حاول كثيراً لإنجاح هذا المشروع لكن حدثت مشاكل جعلت الجد يمنع اكتماله."
أمعن النظر إليَّ، كأنه يحاول إيصال رسالة لي.
إيلين أضافت: "لكن يجب أن يكون الأمر غامضاً. لا يُكشَف كل شيء، فقط يُذكَر أن المستندات الأصلية موجودة في مقر العائلة."
أومأت موافقة.
سيفُ الدينِ فكَّر قليلاً، ثم قال ببطء:
"سيأتي إلى القصر، يرى المستندات. لكنه سيريد أخذها. ماذا ستفعلين؟"
ابتسمت: "سأرحب به، وسأوصله إلى مكتبة القصر حيث المجلدات. سيراها أمامه، كاملة، منظمة. لكن عندما يطلب أخذها، سأقول: 'سيد فابيان، هذه المستندات جزء من تركة الجد. قانونياً، لا يمكن إخراج أي شيء من القصر دون موافقة مني أنا الوريثة. لكنك تستطيع البقاء هنا ودراستها. المكتبة تحت تصرُّفك. القصر تحت تصرُّفك. أنت في بيتك.'"
محمد صفَّر بإعجاب: "جميل. جعلته يبقى دون أن يشعر."
سيفُ الدينِ أضاف: "سيبقى. لأنه سيدرك أن المشروع يحتاج إلى وجوده هنا. والمراجعات تحتاج إلى أرشيف العائلة."
"بالضبط."
أغلقت ملف فابيان.
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
فتحت الملف الأحمر. كان سميكاً، مليئاً بالوثائق.
"جاسبر. الابن الثاني، عمره 45 عاماً. المدير المالي للشركة. متزوج من روسيليا (40 عاماً)."
محمد قاطع: "من الاجتماع، رأيت فيه رجلاً متعجرفاً."
قلت: "صحيح. جاسبر ذكي، طموح، لكنه أيضاً طمَّاع. لا تهمه الوسيلة بقدر ما تهمه الغاية. والمفاجأة.. أنه متورط مع منظمة غير قانونية. جدي عَلِم بهذا، لذا ملفه مملوء بأدلة تربطه بهم. لا بد أن جدي كان يتألم."
إيلين رفعت حاجبها: "منظمة غير قانونية؟"
تحدَّث المحامي مورغان:
"أجل، السيد إبراهام كان يشك فيه، حاول قمعه لكن جاسبر كان قوياً وذكياً. لن أنكر أنه تأثَّر كثيراً برؤية ابنه يسير في طريق موحل."
"نعم. لذا خطتي مع جاسبر مختلفة."
أخرجت وثيقة قديمة.
"هذا عقد بين شركة أستور وشركة سويسرية تُدعى 'هولدر إنفستمنت'. صندوق استثماري مشترك بين الشركتين. بعد وفاة جدي، تجمَّد الصندوق. لتحريك الأموال، يحتاج إلى وثيقة رسمية موقعة بختم العائلة."
سيفُ الدينِ فهم فوراً: "الختم لديك."
"نعم. علينا إفشاء خبر عن وجود الصندوق الاستثماري المشترك لجاسبر. بطمعه وحبه للمال سيأتي."
مورغان تدخَّل: "إذا أرسلنا لجاسبر بريداً إلكترونياً يبدو أنه من الشركة السويسرية، يخبره عن الصندوق بصفته المدير المالي، وأن الأموال محفوظة منذ مرض السيد إبراهام، لكنهم يحتاجون إلى رؤية الوثيقة الأصلية بختم العائلة..."
إيلين أكملت: "...سيأتي مسرعاً."
محمد فكَّر بصوت عالٍ: "لكن على البريد أن يكون محترفاً. أختام، توقيعات، تفاصيل دقيقة."
قلت: "وجدت نموذجاً فارغاً من ورق الشركة السويسرية في مكتب جدي. سأملؤه بنفسي. رقم الاتصال سيكون لشخص ما من جنيف، سيؤكد أي استفسار. محامي مورغان، أنت تكفَّل بالعثور على شخص ما."
"الأمر سهل."
أومأت.
سيفُ الدينِ علَّق: "وعندما يأتي؟"
"الختم معي، لذا أفضل طريقة لأخذه هي عندما أكون في القصر. سيحاول أخذه خلسة، دون علم أحد، لذا سيمكث أياماً ينتظر. ثم أسابيع. وروسيليا ستأتي معه."
إيلين سألت: "روسيليا؟ ما قصتها؟"
"روسيليا امرأة مادية. كزوجها تماماً. أكثر ما تهتم به صورتها ومظهرها أمام الناس، وكذلك حبها للمجوهرات النادرة. ويالَ الصدفة! في هذا القصر تَعَدَّدت أنواع المجوهرات التي تعود لجدتي. عنها هي ستكون صيداً سهلاً."
محمد ضحك: "كُلُّ سَاقِطَةٍ لَهَا لَاقِطَةٌ."
ضحكنا على مثل محمد المناسب لهما تماماً.
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
فتحت الملف الوردي.
"سيرينا. الابنة الثالثة. عمرها 40 عاماً. أرملة. تعيش على المال، وللأسف لديها الكثير من العشاق. لديها ابنة، أليسون، عمرها 15 سنة."
إيلين عدَّلت نظاراتها: "ابنة؟"
تنهَّدت: "أجل، ابنتها تلك تعاني بالفعل."
صمتنا قليلاً، حتى كسر مورغان الصمت، قائلاً:
"المال. نقطة ضعفها هي المال."
أومأت وأخبرته:
"أجل. لذا سنستغل هذه النقطة. ويبدو أن جدي كان يريدها أن تعود للعيش في القصر، لذا أعدَّ لها صندوقاً ائتمانيّاً مُعلَّقاً بشرط."
مورغان نَبَّه: "أجل، أراد السيد أن يكبح جماح مشاكلها، لذا حاول استغلال حبها للمال، لكن للقدر رأي آخر."
مع غوصي في أسرار هذه العائلة، يزداد ألمي لشعوري بجدي وهو يرى كل أبنائه يسيرون نحو الهاوية.
تنهَّدت، وأخرجت ورقة من الملف.
"هذا ملحق خاص بسيرينا في ملف جدي. الشرط: أن تمضي ستة أشهر متواصلة في القصر. وضعه جدي منذ مدَّة، وكان سرِّياً."
محمد فكَّر: "يعني لو عَلِمَت بهذا الشرط، ستأتي غاضبة لكنها ستبقى. المال أهم من كرامتها."
مورغان أشار: "لكن كيف نُعلِمها دون أن تشك؟"
قلت: "محاميها الشخصي. سنرسل له رسالة تُخبره بوجود ملحق في الوصية. المحامي سيتصل بها. بعد كل شيء، هذا حقها الشرعي."
سيفُ الدينِ أومأ: "ممتاز. وأليسون؟"
"أليسون ستأتي لأنها تتبع والدتها في كل مكان. أظنها سترى في القصر، على الأقل، متنفَّساً لها."
"نتمنى ذلك." همست إيلين.
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
الملف الأرجواني كان الأثقل. فتحته ببطء.
"إلينور. الابنة الرابعة. عمرها 32 عاماً. أصغر الأبناء. تزوَّجت في الثامنة عشرة من رجل عنيف، فقدت طفلتها بسببه. هي تكنُّ لِجَدِّي كرهاً ولَوْماً كبيراً."
صمت الجميع. حتى محمد توقف عن الحركة.
سيفُ الدينِ قال بجدية: "لا يمكن جذبها بالمال."
"لا."
"ولا بالمشاريع."
"لا."
إيلين همست: "تحتاج إلى شيء يلامس روحها."
قلت: "في القصر، هناك غرفة لم يدخلها أحد. غرفة طفلتها. فيها ألعاب، صور، وشريط سجَّله جدي."
محمد سأل بصوت منخفض: "شريط؟"
"شريط كاسيت. سجَّله جدي بعد وفاة الطفلة بشهر. يبكي فيه على حفيدته. يحدثها عن أمها.. عن.. ندمه."
صمت طويل. ثم سأل سيفُ الدينِ:
"وكيف ستعلم إلينور بوجود هذه الغرفة؟"
هززت رأسي لا أعلم، حتى تحدث مورغان:
"عجوز كانت تعمل في القصر. اسمها مارغريت. عمرها فوق الثمانين. السيدة إلينور تحترمها وتُقدِّرها باعتبارها ساعدت في تربيتها. لذا علينا إخبارها عن الغرفة. من حبها لها، ستتصل بإلينور."
إيلين أمسكت يدي: "هذا سيُذكِّرها بالماضي."
"لكنه ضروري. إلينور تستحق أن تعرف الحقيقة."
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
فتحت الملف الأخضر.
"كاسيان. ابن فابيان الأكبر. عمره 24 عاماً. مدير في الشركة، طموح. يبحث عن هويته المستقلة."
أخرجت رسائل قديمة.
"كاسيان يحترم جدي كثيراً. تمنَّى كثيراً أن يكون مقرَّباً منه، لذا ظل يرسل له رسائل في عيد ميلاده، غير عالم أن جدي يحتفظ بها في القصر."
"من الآن سنلعب على الجانب النفسي."
صمتوا يفهمون مغزى كلامي.
محمد عاد لحيويته: "أرشيف العائلة. إذاً ليكتشفها بنفسه."
سيفُ الدينِ فكَّر: "لكن كيف يعلم بوجودها؟"
مورغان قال: "شخص من القصر يُخبر كاسيان بالصدفة. خادم."
إيلين مسحت على وجهها: "سيأتي ليرى. سيجد رسائله. سيعيده الحنين إلى المكان."
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
الملف الأزرق الداكن.
"أليستير. ابن فابيان الأصغر. عمره 21 عاماً. رجل إطفاء. بعيد عن عالم المال. علاقته بوالده متوترة بسبب اختياره الإطفاء على العمل في الشركة. فبينما كاسيان الابن النموذجي، أليستير ابن متمرِّد في نظر والده."
أخرجت صورة.
"هذا مارك تورنر، قائد فرقة أليستير السابق. وهو الرجل الوحيد الذي يثق به أليستير، يُعامله كوالده. قبل عشرين عاماً، أنقذ مارك حياة جدي."
محمد سأل: "وعلاقة مارك بالقصر؟"
"جدي كان يدعم فرقة الإطفاء التي يعمل بها مارك. كتب له رسالة شكر طويلة، وترك له كتباً نادرة عن تاريخ الإطفاء في مكتبة القصر. أليستير شاب مولع بالإطفاء، لذا كتب كهذه لن تفوته."
مورغان أومأ: "مارك سيتلقى رسالة من مؤسسة خيرية تُخبره أن الكتب جاهزة. سيدعو أليستير لمرافقته."
أكملت: "نقطة ضعفه هي عدم اعتراف والده به، ويظن أن جده كذلك. لكن ماذا لو كان جدي سعيداً به؟"
محمد قال: "ستكون نقطة قاضية له، سيبتهج."
لأُجيبه: "أجل. هذا ما حدث. جدي كان يدعم أليستير سراً، أنشأ صندوقاً تابعاً للمؤسسة ليُمَوِّل الإطفاء، لكن أليستير لا يعلم. لذا مجيئه للقصر ليأخذ الكتب من أحد الموظفين القدامى الذي سينزلق بالكلام ويتحدث عن الصندوق، وعن كيف كان الجد مهتماً به. سيعود حنينه، شخص ما يعترف بمجهوده، وهنا ستظهر الرسائل التي تركها جدي له."
إيلين أكملت: "لكن كيف سيبقى؟"
ابتسمت وأنا أتذكر العينين المستمتعتين اللتين كانتا تنظران إليَّ يوم الاجتماع:
"سيبقى، لأن لديه حنيناً للمكان، وفضولاً لمعرفتي."
أغلقت الملفات ونظرت إليهم. كان الجميع صامتين، يفكرون.
محمد كان أول من تحدث: "هذه استراتيجية مهولة. كل خيط منفصل. كل واحد يظن أنه الوحيد القادم."
إيلين أضافت: "لن يربطوا بينها أبداً."
سيفُ الدينِ قال بصوته العميق: "إن نجحْتِ، ستكونين عبقرية."
نظرت إلى الجميع.
"لن أنجح وحدي. أنتم معي. كل واحد منكم أضاف قطعة مهمة."
محمد وقف وتمدَّد: "يعني نحن الآن فريق الظل. نحن من نحرك الخيوط من الخلف."
سيفُ الدينِ ابتسم ابتسامة نادرة: "شاهدت أفلام المخابرات كثيراً يا محمد."
"أنا شاب مثقف يا رجل."
ضحك الجميع. حتى مورغان ابتسم.
نظرت من النافذة إلى القمر.
"خلال شهر، سيكون الجميع هنا. وستبدأ الرحلة الحقيقية."
محمد تمتم وهو يتجه إلى الباب: "رحلة أم بلاء!؟"
إيلين صرخت وراءه: "سخيف!"
"يا امرأة، ماذا قلت أنا؟."
سيفُ الدينِ وقف ببطء، ونظر إليَّ.
"كوني حذرة. هذه ليست لعبة."
"أعلم."
غادروا واحداً تلو الآخر. بقيت وحدي في مكتب جدي.
وضعت يدي على مكتبه. شعرت للحظة بدفء. كأنه لا يزال هنا.
نظرت إلى صورة جدتي.
"سأفعلها يا جدي. بإذن الله سأصلح ما أفسدته، سأجمعهم."
أطفأت الأضواء، وخرجت.
الخطة بدأت.
❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋
قراءة ممتعة 🌹
استودعكم الله ♥️
Rimas☁️