لِقَاء.

لِقَاء.

16 0

"أَنْتِ... هُنا"

انتبهتُ من سَحَر تأمّلي على نداءٍ يخترق سكون روحي... حوّلتُ نظري نحو الصوت، فإذا بها تَهُبُّ نحوي على دراجتها الوردية كفراشةٍ تعود إلى بستان. توقفتْ بجانبي تلهث، وكلماتها تسبق أنفاسها.

قلتُ لها بنعومة: "تَنفّسي أولاً... ثمّ حدّثيني."

جلسَتْ على الرصيف، وأسندتُ الدراجة إلى حائط قديم. توجّهتُ إليها، لكنّها سبقتني بسؤالٍ يقطر لوعة:

"لماذا لم تُخبريني بأنّك أتيتِ إلى هنا؟"

حوّلتُ وجهي عن عينيها الحانقتين، نحو الأرض الواسعة... أرضٍ اختزنتْ في عمقها أحلاماً ذابلة، وأمانٍ تحوّلت إلى تراب. نظري تعلّق هناك، عند قبرٍ منعزل في زاوية المقبرة الشاسعة، حيث يرقد قلبٌ كان يَنبض لي يوماً.

سألتْ بصوت خافت: "أتشتاقين إليها؟"

فأجبتُ، والغصّة تهدّد حنجرتي: "بل اسأليني: متى لم أشتق إليها؟"

انهمرتْ الكلمات كندى على شَفَّة جرح، تنهّدتُ محاولةً إخفاءَ رعشتي... نظرتْ صديقتي إليّ، وعيناها تفيضان فهمًا وحزنًا، ثم قالت:

"ادعي لها بالمغفرة والرحمة... ولا تحزني، فهي في نعيم بإذن الله."

تبادَلنا ابتسامةً شفيفة، ولمستُ خدّها برفق:

"وما الذي أتى بكِ إلى هنا، يا صاحبة الابتسامة المُشرقة؟"

قالت بتظلّم مزاج: "أيتها المخادعة! وعدتِني أن نعود معاً إلى البيت، وها أنا ذاهبةٌ وحدي لأسمع توبيخ أمي لأنّنا افترقنا!"

نظرتْ إليّ بحاجبَين مُقوّسين، فابتسمتُ مُحاولة تهدئة الموقف، وركبتُ الدراجة بسرعة:

" الحقي بي أيتها المبتسمة "

قدت الدراجة بسرعة خاطفة، لأسمعها من خلفي:

"لا... انتظري!"

لكنني استمريت، تاركةً الريح تعبث بمشاعري. كانت تتبعني بخطواتٍ متسارعة، أنفاسها تصل أذني كهمسات بعيدة:

"لقد تعبت... توقفي!"

كانت تلاحقني كظلها، وبينما أبطأت قليلاً، رأيتها تمد يدها نحو مقعد الدراجة الخلفي، فابتسمت وزدت سرعتي من جديد، في لعبة قديمة كنا نعشقها.

"هذه المرة... لن تمسكي بي!"

قلتها وأنا ألتفت نحوها، لأرى عينيها تلمعان بين التعب والمتعة.

لكنها توقفت فجأة، تنحني لالتقاط أنفاسها، فعدت أدراجي نحوها، واقفةً بجانبها:

"آسفة... نسيت أنكِ لستِ طفلةً بعد."

نظرت إليّ بعينين دامعتين من شدة الجهد، ثم انفجرنا ضاحكين معاً، وكأن السنوات لم تمر، وكأننا ما زلنا في الساحة نلعب نفس اللعبة.

وأخيراً، ركبنا معاً على الدراجة، أنا أدفع بالدواسات، وهي تمسك بخصري من الخلف.

خفّفتُ السرعة، وتركتُ الدراجة تسير ، وابتسامتي تتسع كضوء فجر. كانت تعرف أنّها نجحت في إخراجي من دوّامة الحزن... نجحتْ في شَغلي عن شوقي المُتأجّج لمَن صار تحت الثرى.

تباطأت حين رأيتُ السيارة السوداء الفاخرة واقفةً أمام بيتنا ذي الطوابق الثلاثة والحديقة الصغيرة... كأنّما الحياة تنتظرنا هناك، حيث الماضي يُغازل الحاضر، والذكرى تُزهر بين الأرواح.

ترجلت عن الدراجة الوردية كمن يترجل عن حلم، وتوجهنا نحو الباب الحديدي العتيق الذي ظل يحرس أسرارنا منذ الطفولة. التفتُّ إليها وأومأت أن نصمت، فانطبقت شفتاها كبرعم متحفظ.

أشرت لها أن تطرق الباب، فتطايرت عيناها دهشة:

"أنا؟ تمازحينني؟ اطرقيه أنتِ!"

انحنتْ كغصن يخجل من الريح، فتقدمت لأطرق الباب مرتين.. ثلاث.. وانفتح.

ظهرت أمي في المدخل، لكنّ وجهها لم يكن كالعادة - تلك السحابة الدافئة التي عهدناها. كانت تحمل في عينيها طقساً غريباً، ابتسامتها كانت كالقمر تحت ضباب، تخفي ما لا نعرف.

"تعالا...ادخلا"

كان صوتها ناعماً لكنه يحمل حافةً خفية. ولجنا إلى الدفء المعتاد، لكن الجو كان مشحوناً بأسئلة لا صوت لها.

"أمي، من يزورنا؟ رأينا سيارة سوداء جميلة بالخارج، أليس كذلك؟"

همست إيلين وأشارت إليّ، فأومأت موافقة بينما كانت عيناّي تتعلقان بأمي التي أمسكت أيدينا بلطف حازم.

"اصعدا إلى غرفتكما، ولا تنزلا حتى أناديكما.. هل فهمتما؟"

كان تحذيرها ناعماً كالحرير، لكنه صلب كالحديد. دفعتنا بلطف نحو السلم، وحاولت إيلين الاعتراض، فلمست ذراعها أنبس:

"فهمنا يا نبع الحنان"

صعدنا كظلّين، خطواتنا على الدرج الخشبي كانت تطنُّ كدقات قلب خائف. وقفنا أمام باب غرفتي، وألقينا نظرة أخيرة إلى الأسفل، حيث وقفت أمي تنظر إلينا.. في عينيها كانت تسبح مشاعر لم أعرفها من قبل، خليط غريب من خوف وحنان، كمن يحمل طائراً جرحوه ويخشى أن يطير.

ارتميتُ على السرير، وإيلين بجانبي تتحدث بسرعة، لكن كلماتها كانت تصلني كأمواج بعيدة، حتى قرصتني بلطف:

"ماذا بكِ؟ كنت أتحدث منذ قليل وأنتِ في عالم آخر!"

"آسفة.. شردت قليلاً"

"رُوجِين، من يكون صاحب تلك السيارة السوداء الفخمة؟"

صمتُّ، ونظرتُ إلى سقف الغرفة حيث كانت خطوط الضوء تلعب مع الظلال. فجأة نهضت إيلين متربعة على السرير بابتسامة غامضة:

"أيعقل أنه ذلك الشاب الذي زارنا ذات مرة وأعجب بكِ؟ هل جاء لخطبتك؟"

ابتعدتُ عنها كوردة تتهرب من لمسة شمس حارقة، قبل أن تبدأ في نسج سيناريو جديد من خيالها الخصب، كعادتها دائماً.. منذ أن كنا أطفالاً. وهذه الغرفة التي كانت دوماً ملجأنا، صارت فجأة كمسرح تتحضر عليه دراما لا نعرف فصولها بعد.

تتقافزُ الظنونُ في رأسِ إيلين، تُعيدني كعادتِها إلى ذاك الشاب الذي قال يومًا إنه وقعَ في حبِّي من النظرة الأولى، وأنا أغادرُ حرمَ الكلية.

فتنسجُ لي كلَّ مرةٍ قصةً جديدةً: نتزوَّجُ فيها، ونُرزَقُ أطفالًا حتى.

لم أكذبْ حين قلتُ إنها ساذجةٌ مُتطفلة، لكنها مع ذلك... مُحبَّبةٌ بكلِّ ما تحملُ الكلمةُ من دفءٍ ومعنى.

يُطرقُ البابُ فأنهضُ مسرعةً،

أفتحه فأجِدُ أمي واقفةً، يداها متشابكتان كأنهما تحملانِ همومَ الدنيا كلَّها،

تنظرُ إليَّ بنظراتٍ لا أفهمها،

كأنما تقرأُ في وجهي مستقبلاً لم أكتبهُ بعد.

"ضياء، والدُكَ ينتظرُ في الأسفل... يودُّ الحديثَ معكِ.

وارتدِي شيئًا، فهناكَ غرباءُ معه."

تقولُها بصعوبةٍ،

وأنا أرى غشاءً شفافًا من القلقِ يتجمَّعُ حولَ عينيها الواسعتين.

أهزُّ رأسي لها،

وتتدافعُ في رأسي الأسئلةُ كأمواجٍ متلاطمة.

أُعدِّلُ حجابي دون كلمةٍ،

ولا أنظرُ إلى أيِّ شيءٍ سواها،

إلى أمي الصامتةِ الواقفةِ كشجرةٍ تنتظرُ العاصفة.

أتوجَّهُ نحوَ بابِ غرفتي،

لكنَّ صوتَها يلاحقني قبلَ أن أخطوَ خطوةً واحدة.

تتعلَّقُ بي بنظرتينِ تحملانِ قلَقًا عاتيًا،

ومشاعرَ أخرى لا أعرفُ فكَّ شفرتِها،

تضمُّني بينَ ذراعيها بقوَّةٍ تكادُ تُزيلُ أنفاسي.

أنصاعُ لاحتضانِها رغمَ دهشتي،

تتبدَّدُ داخلي مشاعري كأوراقِ خريفٍ في مهبِّ ريح،

مشاعرُ الطفولةِ الآمنةِ حين كانت أحضانُها لي وطنًا لا يُخون.

ولكنِّي اليومَ... أخافُ منها.

تطلقُ سراحي بعدَ أن تسرَّبَ شيءٌ من هدوئها إليَّ،

تنظرُ إليَّ والعالمُ كلهُ حنانٌ في عينيها،

تُحاولُ أن تبتسمَ ابتسامةً مضمَّخةً بالطمأنينة،

لكنَّها تبدو لي كشمسٍ تختبئُ خلفَ سحبٍ رقيقة.

ثمَّ تضعُ كفَّها على خدِّي،

كأنها تُمسحُ عليه ذكرياتٍ ستُكتبُ من جديد،

وتقولُ بصوتٍ ناعمٍ كالندى:

"ابنتي رُوجِين،

ضيائي التي كبرتْ فأصبحتْ تمامًا كاسمِها،

شخصيةٌ قويَّةٌ ومسؤولةٌ أنتِ،

قادرةٌ على اتخاذِ قراراتِك بنفسِك.

وكما مررتِ بصعابٍ قبلَ اليومِ وخرجتِ منها بقراراتٍ حكيمةٍ،

ستأتي محنٌ أخرى... وتخرجينَ منها أقوى ممَّا كنتِ.

فقط تذكَّري أنَّ قراراتِكِ،

حلوةً كانت أم مرَّةً،

نحنُ عائلتُكِ سنقفُ خلفَكِ دائمًا.

وتذكَّري أنَّ لكِ أمًّا وأبًا وإخوةً... سيظلُّونَ سندَكِ ما حييتِ."

كلماتُها كانت كالنورِ الدافئ،

ولكنَّها اخترقتْ قلبي كسهمٍ من صقيع.

أفيقُ من شرودي على شيءٍ دافئٍ ينسابُ على خدِّيها،

دمعةٌ من عيني أمِّي القلقة.

نحتضنُ بعضَنا بقوَّةٍ،

كأننا نحاولُ أن نخزِّنَ دفءَ هذه اللحظةِ للأبد.

ثمَّ نبتعدُ،

وخدّاها مُبلَّلانِ،

وأنا أحاولُ أن أبتسمَ ابتسامةَ الثقةِ:

"أعلمُ ذلكَ جيدًا يا أمِّي الحبيبة،

بارك اللهُ لي فيكم."

نتبادلُ ابتسامتينِ:

واحدةٌ مشرقةٌ لكنها مرتجفةٌ،

وأخرى هادئةٌ لكنها تحملُ في طيَّاتها كلَّ الأسئلة.

أهبطُ السلالمَ وأنا أمنحُ أمِّي نظرةً شاكرةً أخيرةً،

من خلالِ عينيها أعلمُ يقينًا أنَّ ما سيأتي لن يكونَ سهلًا،

لذا يجبُ أن أحفظَ توازني،

وأجمعَ شتاتَ قلبي قبلَ أن أفتحَ ذلك الباب.

مع كلِّ درجةٍ ينقبضُ قلبي كأنما يُعصرُ بينَ أصابعِ الخوف،

ولكنِّي أُذكِّرهُ أنَّ في داخلي قوَّةً اسمها "يقين باللَّه".

أقفُ أمامَ بابِ مكتبِ أبي،

أستنشقُ نفسًا عميقًا وأطرقُ البابَ:

واحد... اثنان... ثلاثة...

"تفضلي."

يأتيني صوتُهُ من الداخل،

فأمسكُ بمقبضِ البابِ الباردِ،

وأديرُهُ بيدٍ ترتجفُ من داخلي.

البابُ يُفتحُ،

وأنا أخطو إلى الداخلِ مطأطئةَ الرأسِ،

في هذه اللحظةِ لا أعرفُ إن كنتُ أخجلُ أم أخاف...

"اجلسي يا رُوجِين،

هذا السيدُ إيفيلين مورغان."

يشيرُ لي أبي بالجلوسِ في المقعدِ المقابلِ لرجلٍ غريبٍ،

أجلسُ وأنا أحسُّ بنظراتِ الرجلِ تتفحَّصُني كأنها أشعَّةٌ تكشفُ ما في الظلام.

أنزِلُ رأسي نحوَ أبي،

فأراهُ يقولُ بصوتٍ عالٍ،

لكنَّ نظراتِه تحملُ خوفًا يحاولُ إخفاءَه:

"السيدُ مورغان... يودُّ الحديثَ عن والدَيكِ... وعائلةِ والدَك."

تلكَ الجملةُ وحدها كفيلةٌ بأن تجعلَ الوقتَ يتوقَّفَ،

والهواءَ ينقطعَ،

والقلبَ ينكمشَ كوردةٍ تنتظرُ قطفَها.

تبدأُ الحكايةُ من هنا،

من نظرةِ غريبٍ،

ومن جملةٍ تحملُ في طيَّاتِها عالَمًا من الأسرار.

وأنا في المنتصفِ،

أحاولُ أن أمسكَ بخيوطِ نفسي قبلَ أن تتبعثرَ في روايةٍ لم أكتبْ فصولَها بعد.

--------------(🌸)------------------

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أنا ريماس 🎀

أتمنى أن تنال البداية على إعجابكم

وادعموني من فضلكم

استودعكم الله ♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

السُّدفَة || Before the Dawn Breaks.

المؤلف Rimas☁️
2026/04/03 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة