أقفُ على عتبة الباب، حائرةً كفراشةٍ في مهبِّ الريح. أتقدمُ خطوةً فأعودُ خطوتين. يلفّني صمتُ الباب الثقيل، وترتجفُ في صدري أنفاسٌ ضائعة.
لأول مرّة أغادرُ قلعتي الآمنة هاربةً كظلِّي. لا بدَّ أن قلبَ أمي يتصدّع قلقاً، وأن عيني أبي تنظران بخيبةِ أملٍ عميقة.. لطالما رأى فيَّ الشجيرةَ المثابرة، فإذا بي أغدو فرعاً يهتزّ في أول عاصفة.
أدخلتُ أنفاسي عميقاً في صدري.. وقرعتُ...طرقتُ قلبي قبل الباب.. وانتظرت.
لم يُسمَع سوى حفيفِ شجيرات الحديقة.. ثم انفتح الباب.
أحنيتُ رأسي، أنتظرُ وابلَ التأنيب.. لكن صمتاً جميلاً احتضنني.
رفعتُ نظري فالتقى ببسمةٍ دافئةٍ تتألق في وجه شابٍّ واقفٍ كالسنديانة:
"عشتُ ورأيت.. نورَ البيتِ يصبحُ أحمراً."
كانت ابتسامته مفتاحاً لقلبي المقفل. اندفعتُ للداخل محاولةً إخفاءَ عواصفي..
"أخي! عدت!"
فما كان منه إلا أن أوسعَ الطريق مبتسماً:
"تفضلي، جلالتك، وأجل عدت."
كلماتُه رَشفتُ منها جرعةَ شجاعة. وفي الصالة، رأيتها..
رأيتُ أمي.. "وِجَادِي".. جالسةً كتمثالٍ من فرط القلق، عيناها بحيرتان هائجتان من الأفكار، ويداها ترتعشان كأوراق الخريف. مجرد نظرةٍ منها أخبرتني كم أحرقتُ قلبها.
تقدمتُ كالطفلة الضالة.. فلما أحست بي.. أضاءت عيناها للحظة ثم أظلمتا، معرِضةً وجهها كالقمر عندما يحجبُه سحاب.
حملقتُ فيها.. امرأةً في ربيعها الرابع، حملتْ بين ضلوعها أربعَ حدائق، دفؤها يُذيبُ الجليد وبرودتها تصنعُه.
"وجادي.. أتغضبين من ضيائك؟"
التفتتْ بابتسامةٍ مُرّة:
"ضيائي.. للأسف أصبحَ معتلاً وانطفأ ظلاماً."
انقضضتُ عليها كالطير الجريح، أحتويها بين ذراعيّ، أبحثُ في حضنها عن ذاك الدفء الذي يطردُ برودةَ خوفي. تصلّبتْ للحظة ثم ذابتْ كالشمع.
همستُ في أذنها بصوتِ النَّدَم:
"آسفة.. أقلقتُك."
فهمهمتْ والعتبُ يرقصُ على شفتيها:
"ولمَ أقلق؟ ضيائي صارت كبيرة.. لا تحتاجُ لأحد."
"ضيائي".. كم أطربُ لهذا اللقبِ الذي لا تخلعه حتى في ساعة الغضب.
شددتُ أحضاننا، وانهمرَ كلامي كالنَّدى:
"لم أدرِ أين أذهب.. تركتُ قدماي تحملان قلبي التائه.. بحثتُ عن ملجأٍ خارجَ جدران نفسي."
سكتُّ فجأة.. وعادت الذكريات كالطلقات.
أفقتُ على لمسةِ يديها وهي تمسحُ دمعتي الخفيّة، محيطةً إيّاي بدفءٍ يذكّرني بأنني لم أغادرْها قط:
"ملجأكِ هنا.. متنفسكِ بين ضلوعي.. لمَ تبحثين عنه بعيداً؟ أيُّ ألمٍ دنا منكِ فلم أغصْ فيه مكانكِ؟"
حَنتْ عليَّ كالغيمةِ الحنون:
"تعالي.. أمسكي يدي. كلُّ شيءٍ سيكونُ بخير."
استسلمتُ لجناحيها، أدفنُ وجهي في حِجرها الأنيس.
بدأتْ تلملمُ خصلات شعري المُشتّت، كأنها تلملمُ أفكاري المبعثرة:
"إذاً.. ماذا قررتِ يا بُنيتي؟"
انطلقتُ الكلماتُ من أعماقي:
"سأذهبُ.. أريدُ أن أراه. لا أريدُ للندمِ أن يصيرَ وطناً لي ."
توقفتْ يدها اللطيفة.. فجلستُ أمامها، حاجتي إلى موافقتها كحاجتي إلى الهواء:
"عليَّ أن أقفُ أمامه.. أن أكونَ كما ربّيتِني."
احتضنتْ يداي.. وفي عينيها بريقٌ عرفتُه:
"يا رُوجِين.. لستُ بحاجةٍ لتبريرات. منذ دخلتَ البابَ رأيتُ قراركِ في عينيكِ.. أعرفُ قلبي الذي ربيته."
وضعتْ إصبعها على شفتيَّ المتعثرة:
"اسمعيني.. أنا وأمكِ لم نربّيكِ لتُحاصري في الظلام، بل لتشرقي حتى في الليالي الحالكة. إن قلتِ لن تذهبي.. لشككتُ أن هذه ابنتي!"
انهمرَت دموعها أخيراً:
"اذهبي.. واعلمي أن ربَّ السماوات معكِ. عامليه بما أوجبَ الله، لا بما تريدين. كوني مع الله.. يكن معكِ."
كانت تلك العزيمةُ التي تربّيتُ على رؤيتها في عينيها.. فؤادٌ من رخامٍ ورحمةٌ من حرير.
أومأتُ.. فغاص كلامها في قلبي كالبذرةِ الطيبة.
انغرستُ في حضنها.. وكان كلُّ الكونِ فيها: حنانٌ يغسلُ الهموم، وصفاءٌ يُصلحُ ما انكسر.
وفجأةً.. صوتٌ يعرفُ كيف يسرق اللحظة:
"الأم وابنتها يحظيان بلحظتهما الخاصة، أليس كذلك يا إيلين؟"
"أيتها الخائنة! تحظين بدفئ أمي دوني!"
هناك وقفا.. إيلين توأم روحي، ومحمد سندي الذي فتح لي الباب بابتسامته المُنقذة.
لويتُ شفتي مبتسمة:
"أتغارين؟"
"أغارُ! لا بدَّ أن حجراً في الطريق قد أصابكِ!"
لكن أمي صفّقتْ يديها بلطفها الحازم:
"كفى.. لنتجمّع حول مائدة واحدة. محمد.. اتصل بأبيك أخبره أن أختك عادت. إيلين.. معي إلى المطبخ. و رُوجِين.. غيّري ثيابكِ وتعالِي إلينا."
تفرّقنا كأسرابِ طيورٍ تعودُ إلى أعشاشها. أصعدُ الدرج بخفّةٍ جديدة.. أعلمُ أن قلبي لم يعد وحيداً.
***
حين اجتمعنا حول مائدة العشاء، كنا ننتظرُ القطعةَ الأخيرة من لوحتنا.. أبي.
دخل ومفاتيحه تُغني أغنيةَ العودة، فانطلقنا أنا وإيلين كالعادة:
"أهلاً بكَ يا أبي!"
ففتح ذراعيه الرحبتين:
"أهلاً مهجتا قلبي!"
غصنا في عناقه الآمن.. تلك الطقوس التي تصهرُ قلوبنا من جديد كلَّ مساء.
بعد أن جلسنا، نهضتُ.. وجميعُ الأنظار تُسلّط عليَّ أشعتها الدافئة:
"غِيَاثِي.. قررتُ الذهابَ إلى بريطانيا.. لأرى كبيرَ عائلة أستور."
صمتٌ أخّاذ.. ثم عاد أبي لتناول طعامه بهدوء، وتبعه الجميع.
ارتبكتُ:
"أبي؟.."
فرفعَ عينيه المليئتين بحكمةٍ عرفتُها منذ نعومة أظافري:
"محمد.. جهّزتَ ما طلبتُ منك؟"
"بالطبع يا أبي.. كلُّ شيءٍ جاهز."
"أحسنتَ."
تبادلتُ نظراتٍ حائرةً مع إيلين.. فابتسمتْ وهي تهمس:
"قرّرنا جميعاً أن نرافقكِ.. رحلةٌ عائلية إلى بريطانيا."
"ماذا؟!" لم أصدّقُ ما أسمع.
"كما سمعتِ." ردّ محمدُ مبتسماً.
"غياثي.. هذا صحيح؟"
"وهل تظنين أني سأتركُ زهرتي تزهرُ في أرضٍ غريبةٍ وحدها؟ كيف أبرّرُ ذلك لأمِّك؟"
انفجرتُ ضحكاً.. ضحكةً كانت تختزنُ دموعاً من الفرح.
قفزتُ نحو حضنه، ألثمُ يديه ورأسه:
"شكراً.. شكراً.. آسفةٌ لإزعاجكم جميعاً."
فنقرَ أخي رأسي بخفّة:
"غبيّة!"
نظرتُ إليهم.. إلى هذه الدائرة المقدسة من الوجوه المشرقة.
هذه ليست عائلتي فحسب.. بل هي وطني الوحيد.
مَتنفّسي.. مَلجأي.. انتمائي.
هم الذين صنعوا مني "رُوجِين".. وأنا.. سأكونُ دوماً نوراً في ديارهم.
.
.
.
.
ثلاثة أيام فقط.. وكل شيء تغير..
وقفنا في رحاب المطار كأننا في لوحةٍ مُعلَّقةٍ بين الماضي والمستقبل.. عائلتي تحيط بي كسورٍ حصينٍ يقي القلبَ من زلازل المجهول. الحقائبُ تسير بجانبنا كرفاقِ رحلةٍ أوفياء.. نعلمُ أن يدَ الحكيم تملكُ القلمَ الذي سيخطُّ الفصلَ التالي من حياتنا.
ارتديتُ عباءة بزرقةَ السماءِ وبياضَ السحابِ الخجولة.. وحجاباً بلون البحر في ساعةِ الغروب. حتى ثيابي صارت حنيناً إلى دفءٍ أعرفه.. في بلدٍ لا أعرفُ نسماته. لكنّ قلبي كان يلبسُ خوفاً بريطانياً تحت هذا الأزرق الصيفي.
ثلاثة أيامٍ فقط.. تحوّل فيها المستحيلُ إلى واقعٍ ملموس. نفوذُ عائلة "أستور" كساحرٍ يحرّكُ العالمَ بإصبعٍ واحدةٍ.. فكانت الطائرةُ الخاصةُ تنتظرنا كذئب ينتظر فريسته.. والسريةُ تلفُّ رحلتنا كضبابٍ كثيف.
لماذا هذا السرُّ؟ لماذا الكتمانُ الذي يشبهُ مؤامرةً سينمائيةً؟
"لا يهمّ".. همستُ لنفسي.. ولكنّ السؤالَ ظلّ معلقاً في حلقي كعظمةٍ صغيرة.
استقبلنا المحامي "مورغان" بابتسامةٍ لا تصلُ إلى عينيه.. ورجلان صارمان كحارسيْ مقبرةٍ مَلَكيةٍ. سافرت كثيراً.. لكن هذه المرةَ الأولى التي أشعرُ فيها أنني أدخلُ عالمَ حكايةٍ أخرى.. عالمٌ غربيٌ مختلفٌ كلّ الاختلاف.
قلبي يرفرف:
"كيفَ سينظرون إلي؟"
"كيفَ ستكونُ عيونُ جدي حين يراني؟"
"ماذا تخبئُ لي عائلةُ أستورِ.. تلك التي يلفُّها الغموضُ كالتاجِ الملكي؟"
لمسةُ إيلين على كتفي كانت كالبلسم:
"لماذا الشرود ؟ إنها مجرد رحلة عائلية.. لا أكثر."
فابتسمتُ.. وابتسامتي كانت جسراً من ورقٍ أرميه فوق هوّةِ مخاوفي.
صعدنا.. فإذا بالطائرةِ عالمٌ آخرُ.. كجناحٍ من قصرٍ مُعلّقٍ في السحاب.
"أظنني سأعتاد النفوذ!" قال محمدٌ بسخريةٍ تختفي وراءها رهبةٌ حقيقية.
"انظري.. حتى المقاعدُ ليست مقاعد.. إنها أسرّةٌ للتحليق في الأحلام!" أشارت إيلين.
جلست أمي بوقار السنديانة العتيقة:
"نسأل الله السلامة والعافية...أما كل هذا ليس دائما."
وأبي بجانبها يبتسم موافقاً.. ابتسامةَ الحكيم الذي رأى الدنيا كلّها.
دخل المحامي "مورغان" وجلس مقابلاً لنا.. صوتهُ كصوتِ المطر على الزجاج:
"سننطلق قريباً."
"بارك الله في عملك يا بني." قال أبي بنبرةٍ تحملُ ألفَ تحيةٍ .
"أقوم بعملي فحسب يا سيد ناصر." ردّ المحامي.. والصراعُ الخفيُّ يلمعُ في عينيه.
انطلقت الطائرةُ.. وانطلق معها حوارٌ كان ينتظرُ الإقلاع:
"مما أعلم.." قال محمد وكأنه يقرأ من مخطوطةٍ سريةٍ.. "لم تُعلن عائلة أستور مرض كبيرها للصحف.. أليس كذلك؟"
ارتسمت على شفتي مورغان ابتسامةٌ باردة:
"أجل.. قلة قليلة تعلم.. لأسباب أمنية."
"إذاً هو مهدَّدٌ لدرجة أنه أخفى مرضه حتى عن أسرته؟" أصرّ محمد.
هنا تدخّل أبي.. وصوته يحمل نغمة التأنيب:
"محمد.. ما بك وهذه الأسئلة؟"
"لا شيء يا أبي.. أريد فقط أن أعرف في أي بحرٍ سنغوص."
أومأ المحامي موافقاً:
"سمح لي السيد الكبير بإعلامكم.. لا بأس."
ثم أخذ نفساً عميقاً.. كمن سيطلق رصاصةً من كلماته:
"هناك صراعٌ داخليٌّ بين الابن الأكبر والابن الثاني.. معرفةُ الناس بمرض الأب ستُهزّ أركان الشركة.. وستُشعل الحربَ على كرسيِّ الرئاسة.. لذلك قرّر إخفاء مرضه.. حتى عن بعض أفراد عائلته."
سخرتُ.. وسخريتي كانت حامضةً كالليمون:
"يبدو أن الأسهمَ أهمُّ من الروح.. يفضل الموتَ وحيداً على أن تهتزّ أسعارُ الأسهم!"
تغيّر وجه مورغان.. وصوته أصبح كالصقيع:
"سَتفهمين كلَّ شيءٍ عندما نصل.. الأمورُ ليست بهذه البساطة."
أعرضتُ عنه.. وأغرقتُ وجهي في زرقة النافذة.. حتى غصتُ في نومٍ كان ينتظرني منذ ثلاثة أيام.
.
.
.
.
استيقظتُ على همسة إيلين.. كأنها ملاكٌ يوقظني النور أو للظلام:
"وصلنا.. هذه هي لندن."
المطارُ.. حيث تتحوّلُ الألسنةُ المختلفةُ إلى ضجيجٍ واحدٍ.. وكأن بابلَ أعيد بناؤها هنا.
خروجنا كان كحلمٍ.. كلُّ الأبواب تفتحُ قبل أن نطرقها.. نفوذُ "أستور" هنا أقوى من صلابة الجدران.
ركبنا السيارة السوداء.. وكانت الوجهة: المستشفى.. حيث يرقد رئيس عاجزٌ.. حيث ينتظرني جدٌّ لم أعرف دفءَ حضنه قط."
السيارةُ تمضي.. وكلُّ مترٍ يقترب بي من اللحظةِ التي ستقسّم حياتي إلى "قبل" و"بعد".
يدُ إيلين تحتضنُ يدي.. دفءٌ في عالمٍ من الجليد.
"كلُّ شيءٍ بخير.. نحن معك."
فابتسمتُ.. وكنتُ كمن يبتسم وهو يصعد منصة الإعدام.. لأنّ حولي وجوهاً تحبني.. وهذا يكفي لأكونَ شجاعة.
----------------(🌸)------------------
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
قراءة ممتعة 🌹
استودعكم الله ♥️
Rimas☁️