إِنهِيَار.

إِنهِيَار.

12 0

مر أسبوع كامل ظل أليستير فيه يتردد على القصر، تارة يقضي الليل فيه، وتارة أخرى يبقى معنا في النهار ويغادر لمقر عمله.

في العديد من المرات كان يلمح لي بعينيه بأنه يرغب بالبقاء، فما كان مني إلا أني أخبرته بأن هذا القصر منزله في الأول و الأخير. وهذا وإن دل على شيء، فسيدل على أن خطتي معه نجحت.

بالطبع... قرأ مذكرات جدي عنه، يومها، إتصل بي في منتصف الليل والبكاء قد أهلكه، يبحث عن كلمة مني تطمئنه عن لحظات جدي الأخيرة له.

توقعت حالته هذه، أليستير بطبعه يبدو مرهف الإحساس، حنونا، ما كان يجعله بارداً أو الأصح يتصنع البرود هو ظنه أن عائلته لا ترضى بإختياره لطريق الإطفاء، و الآن يعلم حقيقة فخر جدي به، ستجعل ذلك الغلاف الذي وضعه حوله يتصدع، حينها أجبته بأكثر ما كان يحتاج له قلبه:

" كان سعيداً، فخورا بك، ظل يحدثنا عنك، وعن بطولتك رغم أنك كنت مبتدئ، أحبَّك جدك حبًّا خفيا، لم يصلك، لكنه أحاطك. "

ليلتها، بكى واشتد بكاءه، أسمعه من على الهاتف. لم أتكلم، لم أفعل شيئاً...لاشيء. هذا ما كان يحتاج له أليستير.

صحوت من شرودي على دخول إيلين لحجرتي، تحمل بيديها صحناً مملوءاً بتشكيلة فواكه متنوعة، ارتسمت ابتسامة مرحة على ثغرها :

" أعددت لك الفواكه، تناوليها! وتوقفي عن غوصك في أفكارك كل الوقت! "

افترَّ ثغري، أتأملها تضع الصحن فوق المنضدة بجانب الكنبة حيث أضطجع، اليوم إجازة. لا شركة، ولا محاضرات، لا عمل...

هذا ليس كلامي...كلام سيف الدين بعد أن شاهد كم أصبحت مرهقة.

مددت ذراعي، آخذ كرزا من الطبق، ألتهمها بمرأى إيلين.

قعدت بجانبي، تتناول الفاكهة كذلك.

صمت دار بيننا، لكن كالمتوقع إيلين أنهته بسؤالها :

" ما كل هذا الشرود؟ فيما تفكرين ؟ "

رمقتها بتبسُّمٍ مُغتَبِط :

" لا يمكنك منع فضولك ! "

إستنكرت :

" أي فضول ! الساعة العاشرة صباحاً الآن، وأنت منذ الفجر تجلسين على هذه الحالة شاردة الذهن فقط، كل هذا لأن سيف منعك من العمل، صحيح يجب عليك الراحة، لكن ليس هكذا. "

تفاجأت...إيلين قلقة علي.

عدلت جسمي أجلس بجانبها، أرى بنيتيها المستنكرتين تراقباني، أمسكت كفيها أحيطهما، أهمس :

" آسفة، أقلقتك. "

رمقتني ببعض الحزن والقلق، تناجي :

" روجين، منذ مجيئك لبريطانيا، وأخذك العالم هنا، حياتك أصبحت مابين عمل، محاضرات، وتخطيط وعائلتك تلك، أصبحت لا تهتمين بنفسك، تُقتُ إلى أيامنا معاً، نخرج ونمرح، نتسامر الأحاديث، أنا لا أريد زيادة حملك ولا أن أثقلك بهمٍ آخر، لكن أنا استوحشت المكان هنا، وأنا أراك لا تهتمين بنفسك وبي. "

دمعة ضئيلة سقطت من عينيها، اندهشت من بوحها بما في قلبها...

أرى أنني قصرت...قصرت في اهتمامي بها، واهتمامي بنفسي..

صحيح...طوال مكوثنا هنا، شحَّت علينا الأيامُ بمسامراتنا الأخوية العذبة.

علاوة على ذلك، إيلين تركت وطنها، أهلها، صديقاتها، واتبعتني..رغم أن لا شيء لها هنا عكسي، إلا أنها لازمتني، هجرتْ صُحبتها، ويمّمت شطر جامعةٍ في بيئةٍ مغايرة، بقعةٍ نائية تختلفُ تماماً عن تلك التي ألِفتها في الوطن.

كفكفت دمعها، أعتذر بملء قلبي :

" آسفة، تركتك وحيدة في عالم غريب عليك. "

" غريب عليك أنتِ كذلك "

ضممتها لحضني، أطبطب على ظهرها، أسرُّ لها :

" انغمست في هذا العالم، حتى ذهلتُ عنك وتركتك في مهبِّ الغربة بمفردك. "

تشبثت بي، ترجوا:

" روجين، تعلمين أنك بالنسبة لي لست أختا في الرضاعة فقط، أنا أعتبرك توأمي، نصفي الثاني، روحي...أنتِ أنَا، لذا هَمُّكِ همِّي، حزنك حزني، شقائك شقائي، لا تتصرفي وكأنك وحدك في المسير، تذكري كل ما يحصل معك يحصل معي. "

ارتفع صوتها باختناق:

" إذا أهملت نفسك، أهملتني، وإذا مَرِضتِ مَرِضتُ أنا، تتعبين أتعب، ترهقين نفسك أُرهَقُ أنا، تسعدين أسعد، هذا ما نحن عليه، مجيئي معك وبقائي لأن مكاني بجانبك...جوارك، لا بعد عنك، أتفهمين ؟ "

أومأت برأسي، والعبرات ترقرقت في مآقيّ، أضمها لحضني بقوة.

إيلين بالنسبة لي تعتبر كل شيء، ولدنا معاً في نفس اليوم والشهر والسنة فقط في اختلاف الوقت، أنا سبقتها بنصف ساعة، رغم أننا من بطنين مختلفين، إلا أننا كنا توأمين، روحين اجتمعتا معاً.

سكنت ثورة عبراتنا، نحدق في بعضنا، لتنطلق ضحكات منَّا.

لقد...جننا..

ارتمت إيلين على الأريكة خلفها، تضحك:

" يا إلهي..أنظري لحالنا المزري. "

مسحت دموعي بمنديل، أرمق وجهي في المرآة:

" يالله..وجهي صار أحمر من البكاء. إذا رآنا سيف هكذا ستبدأ حلقة أسئلته عن السبب. "

" ماذا نفعل ؟ يبدو أن مسامرتنا اليوم كان بالبكاء "

ضحكت، أمشي نحوها، أشير لها نحو الحمام :

" بسرعة إغسلي وجهك، حالك سيء أكثر من حالي. "

تقدمت تمشي للحمام، لتتوقف، بدون أن تدير وجهها نبست :

" روجين مارأيك أن نخرج اليوم ؟ "

عقدت حاجبي :

" نخرج ! إلى أين ؟ "

تطلعت إلي ببريق مُلحٍّ ومستبشر :

" فقط وافقي، أما عن المكان فلا تهتمي وجدت مكان بالفعل"

لم أقوَّ على مقاومة تلك النظرة، فأومأتُ برأسي قائلة:

" لكِ ما شئتِ "

قفزت بحماس تعانقني، مقبِّلةً خدي :

" أنت أفضل أخت في العالم"

قهقهت على حماسها، تهرول خارج الحجرة صارخةً :

" هيَّا غيري ثيابك، سأذهب لأتحدث مع محمد. "

صرخت محاولة إيقافها، لكن لا مستجيب.

ابتسمت في سرور، حمداً لله.

يبدو أنني ملت لكفة ونسيت الأخرى.

يالله...نور لي طريقي، ولا تدعني أجري في طريق لا خير لي فيه.

❃ ❃ ❃ ❃ ❃ ❃

أرتديت فستان طويل من ثوب الجوبه الناعم باللون الأزرق الغامق الممزوج بلمسة من السماوي.

الفستان يأتي بتصميم كلاسيكي مع لمسة عصرية حيث يغطي الجسم بالكامل بطريقة أنيقة ومناسبة للفتيات المحجبات.

القماش ناعم ونفاذ للهواء مما يجعله مريحاً للارتداء طوال اليوم، وتنسيقه مع الحجاب باللون الأزرق الداكن يعطي إطلالة متكاملة ومتكيفة. ومعطف صوفي بالأزرق السماوي، بما أن لندن باردة.

نزلت الدرجات نحو الردهة، يصادفني أليستير، يجلس براحة على الأريكة، رحب :

" أهلا بالمنعزلة ! لم أراك منذ الأمس "

حييته بقليل من السخرية :

" أهلا باللزقة أراك لا تمل من البحث عني. "

استنكر :

" لزقة!؟ "

هززت رأسي بأجل، أقول:

" إذا هل هناك معنى آخر، رغم أن رجال الإطفاء مشغولين إلا أنك خلاف ذلك يومياً أراك في القصر، أمام وجهي، كالظل، ما تفسير ذلك ؟ "

لا ضير في مشاكسته قليلا، التعابير التي تكسو وجهه، تجعلني أستمتع .

" سابقا لم أكن اخذ إجازات لذا أصبح لدي مخزون منها، والآن قررت أخذها أهناك مشكلة ؟ "

" لا مشكلة، إذا خذ راحتك "

اتجهت للخارج، فإستوقفني بسؤاله :

" ذاهبة لمكان ما، إلى أين ؟ "

دون أن أدير وجهي له، قلت :

" إلى حيث أريد "

تبعني يهرول، يعيق طريقي :

" هيا يا روجين اخبريني إلى أين ؟ "

نظرت له بإستمتاع :

" لماذا ؟ ترغب بإتباعي يا ظلِّي "

بسؤال غير متوقع، فاجأني :

" هل أزعجك ؟ أعني هل تشعرين أن صحبتي تثقل كاهلك "

لم أتوقع سؤاله..ولا ملامحه الجدية التي تكسو وجهه.

صوت إيلين تركض نحو السيارة منتبهة لي صدح :

" هيا يا روجين... آه سيد أليستير مرحبا "

ابتعد عني يهز برأسه، ردا لتحيتها.

محمد الذي خرج يحمل مفاتيح سيارته قال :

" ماذا تفعلان هنا ؟ هيا اركبا السيارة سنتأخر ."

رمقني أليستير بحيرة، لم أهتم واتجهت للسيارة، لمحته لا يزال واقفا مكانه، استدرت له صحت فيه :

" ماذا تنتظر ! هيا لنذهب يا أليستير "

صعدت السيارة بعد أن أحسست به يتبعني، والحيرة تجلت في كل جسده.

محمد في مقعد السائق، بجانبه إيلين تحمل هاتفها تريه الطريق، أنا وأليستير في الخلف.

تحركنا، فسألت إيلين بمرح :

" إذا يا أختي الغالية إلى أين نتجه ؟ "

بصوت متحمس أخبرتني :

" أخبرتك عن أستيل، عائلتها تقيم حفل في قاعة تزلج على الجليد وذلك لتجربة الأحذية الذكية للتزلج على الجليد الجديدة الخاصة بشركتهم، قامت بدعوتي، أخبرتني أن أحضر معي عائلتي. "

همهمت، أنظر للطريق، ليتحدث محمد :

" لم نذهب للتزلج منذ مدة، علينا الإستمتاع بهذه التجربة "

إيلين هتفت بحماس :

" يا إلهي...أحذيتهم جميلة أرتني أستيل صورا لها، ثم التزلج في قاعة كبيرة أنا متحمسة. "

" عليك بالإستمتاع مع صديقتك "

" أجل "

صمتنا نراقب الطريق، حتى تحدث أليستير :

" آسف على الإزعاج، يبدوا أنني أزعجت موعدكم العائلي. "

رمقته بإستنكار، ليتحدث محمد:

" ماذا تقول يا أليستير ؟ أنت من العائلة بالفعل، كفاك رسمية معنا. "

" أجل، عائلة روجين عائلتنا. " وافقت إيلين.

" لكن..."

حاول أليستير الإعتراض. فصفعت كتفه بخفة في حركة مغتاظة منه.

" اصمت ولا تتكلم حتى نصل، أنظر للطريق فقط "

التفت للنافذة ناحيتي، استرسل :

" يا أخي كلامك جعل طعماً لاذعاً في فمي. "

لم أعر اهتمام لنظراته المتفاجأة ولا نظرات محمد المبتسمة.

❃ ❃ ❃ ❃ ❃ ❃

توقفنا أمام المبنى ذو التصميم الحديث المتدفق، حيث يغطي سقفه الأبيض المقوس السماء الزرقاء الصافية كأنه يحملها على ظهره. الجدران الزجاجية المزخرفة تعكس صورة السماء والبيئة المحيطة حولها، مما يخلق إحساساً بالاتصال الكامل بين المبنى والطبيعة.

يحيط بالمبنى عشب أخضر ناعم يضفي عليه جمالاً خاصاً وطابعاً طبيعياً يكمل هندسته المعمارية الفريدة.

إيلين بإنبهار :

" ماشاء الله ما أجمله ! "

وافقها محمد :

" أجل! إنه رائع. "

اتجهنا نحن الأربعة نحو المدخل، الذي يحرسه حارسان، مدت اليهما إيلين بطاقة الدعوة، التي ما إن رأوها حتى انحنى الإثنان لنا يرحبان بنا.

استغربت إيلين :

" ما بالهم ؟ "

أجابها أليستير، الذي نسيت وجوده معنا لعدم تفاعله:

" صديقتك تلك أعطتك دعوة للضيوف المهمين جداً "

ابتسمت بمرح:

" روجين، حين تلتقين بأستيل ستحبينها، هي فتاة مرحة مهذبة كذلك جميلة جداً. "

هززت برأسي، أراقب حماسها، سعيدة أنها وجدت صديقة تملأ وقتها في الجامعة.

نفذنا لقاعة التزلج، التي كانت عبارة على سطح زجاجي لامع يتوهج تحت الأضواء، وكأنه بحر من الجليد يتوهج. المكان واسع ومصمم بحداثة فريدة، حيث تختلط الألوان الزاهية مع اللمسات المعدنية، مما يخلق جواً من المرح والحيوية. اللافتات الإعلانية اللامعة تضفي لمسة من الديناميكية، بينما تبدو الأضواء السماوية في السقف وكأنها نجوم تطل علينا من الفضاء!

همم...بدأت أتخيل كيف سيكون شعور التزلج هنا.

لاحظت فتاة جميلة بشعر بني مائل للأحمر، وبدلة تزلج باللون الوردي، عينيها زرقاوتين منعشتين، تتجه نحونا وهي تلوح لإيلين بإبتسامة واسعة.

علمت أنها أستيل الموعودة.

ركضت الإثنتان نحو بعضهما تتعانقان، تتحدث أستيل :

" ظننت أنك لن تأتي، شعرت بالحزن وأنا أنتظرك "

عانقتها إيلين، تتأسف لها :

" آسفة تأخرت في إخبار أختي لذلك لم نأتي باكراً "

هللت أستيل :

" لا يهم، المهم أنكم أتيتم "

أومأت إيلين، تشير لها نحونا :

" هيا لأعرفك على أختي. "

رمقت محمد الذي عاد للوراء يغض بصره، يشاهد القاعة وأليستير كذلك، يتبادل معه أحاديثه الفضولية.

شهقت المدعوة أستيل، تتأملني، تضع يدها على فمها بذهول :

" ياللروعة إيلين، أختك بالغة الجمال حقاً كما أخبرتني. "

نظرت لها بإستغراب..غير متوقع..

أنها حيوية.. جداً

دنت مني تمد يدها بخجل، والذي لا أعلم من أين أتى.

" أهلا وسهلا بك أنا أستيل صديقة إيلين "

انفرجت شفاهي بابتسامة صافية أصافحها :

" أهلاً أنا روجين أخت إيلين، أخبرتني إيلين عنك شكراً لدعوتنا، كما أننا بنفس العمر لذا لا داعي للرسمية بيننا. "

حدقت في كمن يحدق في شيء عجيب، وقالت :

" يا إلهي إبتسامتك جميلة، سعيدة حقاً بمعرفتك. "

أومأت لها أرسم بسمة على وجهي.

حسنا بدأت أتوتر، لم أعتد على هذا الإهتمام والمديح الصافي من أحد.

" أرحب بكم مجددا، تفضلوا معي لتغيير أحذيتكم. "

سرنا خلفها وئيداً، أتأمل المبنى من حولي، حتى يصدح صوتها من جديد.

أستيل هذه، إنها شعلة متقدة، نشيطة جداً..

ركضت بسرعة تجرُّ إيلين معها، فتوقفت أمام رجل يبدو في أواخر الأربعين أو أكثر.

تشير إلى إيلين تقول :

" أبي، رحب بصديقتي التي أخبرتك عنها، هذه إيلين."

تبسم الأب، يرحب بإيلين :

" أهلاً بك، سعيد أن ابنتي وجدت صديقة مثلك، منذ لقائك ظلت تحدثني عنك بدون توقف. "

بخجل همست إيلين :

" شكراً لك يا سيدي، أنا أسعد بصحبتها. "

" هيا توقفوا عن الرسميات، أبي أعرفك على روجين إنها أخت إيلين "

أشارت لي، فإبتسمت بعملية :

" أهلا سيد..."

حسنا... ما اسمه ؟

" سيباستيان اسمي "

أومأت:

" يسرني معرفتك سيد سيباستيان "

ما إن أكملت جملتي، حتى صرخ صوت مألوف بإسمي :

" آنسة أستور؟!"

التفت إلى صاحبه، وكذلك الجميع فعل.

" سيد أدريان؟! "

كان أدريان الشاب الذي التقيت به في الإجتماع.

تساءلت أستيل بإستغراب :

" أدريان تعرف روجين؟ "

أجابها :

" أجل إنها الآنسة أستور رئيسة الإدارة في شركة أستور "

شهقة متفاجأة.

بتململ...نظرت لصاحبتها...

مجدداً...مابالها مع تعابيرها هذه ؟

" أنت الوريثة المجهولة والعبقرية التي ترأس أستور "

نظرت لإيلين، التي كانت تراقبني ببعض القلق .

هويتي التي كنت أحاول إخفاءها، مع أستيل سيعلم الجميع.

" إيلين لما لم تخبريني ؟ "

حمحم والد أستيل المدعو سيباستيان، يجذب انتباهي :

" سعيد بمقابلة العبقرية الصغيرة، دعيني أقدم نفسي بشكل أنسب، أنا سيباستيان هالستيد رئيس مجموعة هالستيد. "

مجدداً أومأت أخبره:

" أتشرف بمعرفتك أنا روجين أستور رئيسة مجموعة أستور "

هذا لم يعد لقاءًا بين صديقتين، بل أصبح لقاء أعمال.

دنا محمد وأليستير منا. أشرت لهما :

" هذا أخي محمد، وهذا أليستير أستور أظن أنه غني عن التعريف. "

" أجل، سعيد بمقابلتكما "

صافحه محمد بعملية :

" نحن أسعد "

تحدث أدريان صاحب كل هذه الفوضى :

" يا للصدفة! نلتقي هنا ايضاً "

سألت أستيل :

" ماذا تقصد ؟"

نظر لي ثم لها :

" آه..لاشيء "

رمقته بشك، فأردف والدها :

" هيا يا أستيل لا تتركي ضيوفك ينتظرون خذيهم لتجربة الأحذية. "

" حاضر يا أبي "

حييتهما بإحترام أتبع أستيل. لأسمع صوت والدها من جديد :

" أيها السيدان، أدريان سيأخدكما لإختيار الأحذية "

" شكراً " نبس محمد.

❃ ❃ ❃ ❃ ❃ ❃

بدلت حذائي لحذاء تزلج ذكي، والذي كان عبارة على مزيج متطور من معدات التزلج الكلاسيكية والتكنولوجيا الحديثة.

تميز بشفرات فولاذية عالية الجودة، وأجهزة استشعار لقياس سرعة وزوايا التزلج، ونظام إضاءة ، كما يوفر خاصية التدفئة الذاتية وشاشات عرض صغيرة للبيانات.

أظنها ستغدو تجربة مثيرة.

وقفنا نحن الفتيات الثلاثة معاً بجانب حدود القاعة، تهتف إيلين بحماس :

" أنا متحمسة لتجربته، يبدو مثاليا. "

أستيل ردت :

" بالطبع، فقد أشرف أخي عليه هو وفريقة الأول للتطوير. "

وافقتهما الرأي :

" من النظرة الأولى يبدو اختراعا متكاملا، لذا بإذن الله سينجح في المبيعات. "

" أتمنى ذلك "

كانت ساحة التزلج واسعة كبيرة، ومملوءة، تم استقطاب العديد من الرياضيين للترويج للمنتج.

غصنا في الساحة، فوق الجليد نتزلج، لست ماهرة كفاية. لكن في صغري كثيراً ما كان أبي يأخذنا للتزلج في القاعة، وكذلك فوق الثلج ، لذا يمكن اعتباري متعلمة.

تزلجت معهما، صوت أستيل وإيلين المستمتعتين، جعلني أنغمس معهما، أشاركهما متعتهما.

مر وقت ليس بالقليل، تعبت لأهمس :

" إيلين، أستيل، سأجلس لأرتاح قليلا، أكملا أنتما. "

قالتا كلتاهما :

" حسنا "

جلست في مقعد خشبي على حدود الساحة، آخذ قارورة ماء، أشربها.

ترائى لي محمد من بعيد، فلوحت له بيدي.

ماذا يفعل ؟ الأحمق يتجه نحوي...

وقف أمامي، يتفقدني :

" أنت بخير ؟! وجهك أحمر "

وضع يده على ناصيتي، يتفحص حرارتي.

" محمد أنا بخير، فقط تزلجت لذا تعبت فجلست أرتاح"

أومأ بفهم.

وكالذباب اتبعه أليستير وكذلك أدريان يتساءلان:

" مالذي حدث محمد ؟ "

لمحني، فنبس:

" روجين أنت بخير؟! "

قلبت عيني بتبرم، ليس أنت أيضاً .

" أليستير أنا بخير، عد و أكمل تزلجك."

حاول الإعتراض، إلا أن نظراتي الحارقة، لفعتهما الإثنين، بل الثلاثة حتى أدريان المسكين.

عادوا للتزلج، أما أنا أسندت رأسي على صفيحة الحديد ورائي، أشعر بجسدي متعب منذ الصباح، يبدو أن حمى ستصيبني.

حملقت في السماء، الأصح في سقف القاعة، أنصت للأصوات من حولي.

حتى غشيني ظل أسود حالك، انتفضت مكاني، أصوِّب حدقتي نحوه. هل أهلوس ؟

أغمضت عيني أعيد فتحهما، لا زال الظل يغمرني.

همست :

" بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. "

سددت بصري، أراقبه، ألحظ عينين زرقاوتين عميقتين ترمقاني، هذا الزوج من العيون يبدو مألوفا لي.

اعتدلت في جلوسي، أوجه سؤالي له :

" هل هناك مشكلة ؟ تحتاج شيئا ؟ "

بحركة غير متوقعة، مد يده لي بمنديل، فقط يحدق بي لا كلام ولا حركة..لا شيء.

أمسكت المنديل، الذي كنت بحاجته، أشكره:

" شكراً لك "

فقط إيماءة صغيرة صدرت منه.

استغربت..ما خطبه ؟

هل لا يستطيع الكلام ؟

مجدداً مد بورقة بيضاء نحوي، يحثني بعينيه على أخذها.

أمسكتها بتردد، أقلبها بين يدي، أتبين مافيها.

احتوت على العديد من الأسئلة حول حذاء التزلج الذكي، يبدو أنه يريدني أن أجيب عليها.

قلت :

" أحتاج قلماً "

أشار لأذنيه، فهمت، يريد أن أجيب شفهيا ليسمعني.

أومأت، أسأله :

" هل أنت من فريق التطوير للحذاء ؟ "

جلس بعيدا مني، يترك مسافة آمنة بيننا، طأطأ رأسه جوابا.

قرأت الأسئلة، أجيبه :

" حسنا.. عموماً الحذاء مميز، ميزته في تحليل الأداء، من سرعة إلى قوة القفزات وسرعة الميلان على الجليد، وكذلك جانب أنه يساعدك على اكتشاف الأخطاء الفنية التي لا تلاحظ بالعين المجردة، و مراقبته للصحة، وأخيراً عناصر التسخين المدمجة كل هذا يتم التحكم به عبر تطبيق من الهاتف، يمكنني القول أنه مدرب شخصي داخل حذائك يساعد المتزلجين على التعلم. لذا أرى مستقبلا مشرقا له في المبيعات. أجل! ولا ننسى الخامة والتصميم كلاهما تصميمين فريدين، خلاصة إنه احترافي."

رفعت اصبعي الإبهام له، أبتسم ابتسامة محلل.

زرقاوتيه تأملتني تملئهما مشاعر مبهمة، ما خطبه ؟

غضضت بصري، أراقب الساحة في صمت، وهو لا يزال جانبي، أحس بنظراته لكنني حاولت ألا أهتم.

حسنا...لقد حاولت.

" عذراً ألا تزال تريد شيئا ؟ "

قلتها أحدق فيه، ليبعد أنظاره عني بغموض، حقاً لا يسعني قراءته.

نهض وغادر تركني أنظر لظهره بإستغراب وحيرة.

" غريب " همست لنفسي.

❃ ❃ ❃ ❃ ❃ ❃

انتهى وقتنا في التزلج، نقف أمام المدخل ننتظر محمد وأليستير يأتيان.

نبست أوجه كلامي لأستيل :

" سعدت بهذه التجربة، يسعدني حقاً قدومك للقصر متى تريدين مع إيلين"

هتفت : " حقاً! "

أومأت: " بالطبع "

ابتسمت لحماسها تعانق إيلين، إنها طفلة نقية.

وكأن عمري أربعون عاماً...أتحدث .

رن هاتفي، لألتقطه من الحقيبة أجيب :

" السلام عليكم"

أجابني المتصل :

" أهلا آنستي "

" محامي مورغان خيراً"

" خبر سار آنسة روجين، السيد فابيان وقع في شبكة العنكبوت. "

ابتسمت بإستمتاع :

" إذا مالذي حدث ؟ "

" لقد أتى وسألني عن الأحوال في القصر، وهل يمكنه الدخول إليه ؟ بصفته أستور حتى لو لم تسمحين بذلك، إلا أنني أجبته بأنه لايمكن بما أنه أصبح ملكية خاصة لك، حينها سألني لماذا ابنه أليستير يمكث في القصر، قلت أنك سمحتي له بذلك. لذا سألني إن كان بالإمكان الحديث معك، لم يكن مني إلا أن مثلت أمامه بأن الأمر ممكن وصعب. "

هتفت بشيء من الذهول :

" يبدو فضوليا أيضا، أحسنت سيد مورغان بردودك. "

" هذا عملي آنستي، المهم الآن يبدو أنه يتجه إلى القصر للحديث معك. "

" الآن!؟ "

" أجل الآن "

" أنا خارج القصر الآن للوصول إليه أحتاج ربع ساعة أو أكثر "

" حسنا، سأخبر الحرس أن يسمحوا له بالدخول. حتى تعودين "

" حسنا "

أغلقت الإتصال، يترائى لي محمد يقترب هو وأليستير، لأشير لمحمد أنني أرغب في الحديث معه على انفراد.

امتثل لي، أخبره عن الحديث الذي دار بيني وبين المحامي مورغان.

" لذا علينا الإسراع بالعودة "

" أمرك جلالة الأميرة "

ابتسمت بفخر.

لمحت لبرهة ذات الشاب الغامض، يحدق في إلا أنه يختفي في لمح البصر.

غريب أمره .

❃ ❃ ❃ ❃ ❃ ❃

أمام باب القصر أقف مترددة مابين دخول والبقاء مكاني، تنفست الصعداء، أخطو للداخل، أسمع صوته الهادئ.

لا زال جلوسي معه يهزني.

بعد كل شيء إنه السبب في وجودي في هذا العالم.

وهذا السبب يقف أمامي الآن بكامل أناقته ورزانته، يحللني.

إلى هذه الدرجة أنا صعبة التحليل، لست سهلة يا روجين.

جلست في الكنبة مقابله، أقول :

" أهلاً بك سيد فابيان، ماسبب هذه الزيارة المفاجئة؟"

بصوت هادئ خفيض :

" شكراً لك، أما عن سبب الزيارة أظن أن مورغان أخبرك "

إذا يحاول اختباري. ابتسمت :

" أجل أخبرني أنك ستزورني ، لكن سبب الزيارة أظن أن الزائر من الواجب عليه البوح بها. "

" ذكية آنسة أستور، تعلمين عن المشروع الذي ظهر، بالطبع تعلمين بصفتك رئيسة إدارة أستور. "

" تقصد مشروع أستور سيتي، أعلم عنه. "

" جيد...ذلك المشروع كنت أشرف عليه منذ زمن ولكن بسبب أحداث طرأت اضطررت إلى وقفه، لذا أنوي إكماله، وخصوصاً أنني علمت أن والدي رحمه الرب قد تواصل مع مستثمرين أجانب قبل موته من أجل المشروع. "

رفعت حاجبي، بشيء من عدم الفهم المصطنع :

" إذا ما دوري أنا؟ يمكنك تحضير تقرير للمشروع، وإرساله لي إن كنت تحتاج لموافقتي كرئيسة الإدارة."

رأيت التردد في عينيه لما هو آت، نبس :

" ليس هذا... الأرشيف والمستندات المتعلقة بهذا المشروع توجد في القصر، لهذا أحتاج أن تسمحي لي بأخذها، بما أنك المالكة الفعلية لها. "

بينغو...ووصلنا للنقطة الموعودة.

إستنكرت بتزييف :

" أعتذر سيد فابيان، ما في القصر يبقى فيه، لا يمكنني السماح بأي شيء أن يخرج منه. "

" الارشيف بالفعل يخص عائلتنا. "

" وإن يكن، أصبح كل شيء لي. "

رأيت رجاءه في عينيه حين قال :

" آنسة روجين، أتفهم جيداً وجهة نظرك، لكن هذا المشروع بالنسبة لي عهد مع والدي منذ الصغر، إنه حلم لطالما صبوت إلى تحقيقه، أتمنى منك أن تتفهمي."

صدمة تجلت فيّ، لم أتوقع رجاءه هذا، إلى أي مدى يمكنه التضحية من أجل هذا المشروع.

تنهدت، قلت :

" سيد فابيان أنا لم أمنعك من المشروع، كل ما أخبرتك به أن مافي هذا القصر لن يغادره. "

" ماذا تقصدين ؟ "

عقد حاجبيه في حيرة، فأردفت :

" يمكنك المكوث في القصر، وأخذ المستندات المطلوبة في القصر للمشروع، دون أن تغادره، بما أن المشروع مهم لك وأرى فيه خطوة مستقبلية للشركة، سأسمح لك بالبقاء هنا أنت وعائلتك. رغم أنني لا أريد."

بصراحة.. أنا لا أريد مجيئه.

لكن علي الوفاء بالمهمة التي أسندت لي.

أنا من قبلت بها، ويجب علي إكمالها.

قال بإندهاش :

" حقّا ما تقولين! "

بتململ قلت :

" كما سمعت، لن أعيد الكلام. "

تفرس فيَّ بإمتنان، لم أعهده منه، ولم...يعجبني.

استقمت من مكاني، أتركه خلفي، فإستوقفني حديثه :

" إذا غداً سآتي أنا و زوجتي وابني كاسيان تعرفينه. "

" لا يهم، لا تسبب ضجيجا لي ولا لإخوتي فقط. "

قلت ببرود.

خرجت من الردهة، قلبي ينغزني...

كلمته حين قال زوجتي وابني.

انغرست في أيسري كالسكين، تجرحه.

ما خطبي مع هذه التناقضات ؟

تارة لا أهتم وتارة أخرى أتألم من كلمة بديهية.

تنفست أخرج الحمل الثقيل على قلبي.

أصعد السلالم، فألتقي بأليستير، حملق بي بعينين متسائلتين.

" أنت بخير ؟ "

ابتعد...قلبي متألم، ألمي هذا سأصبه عليك.

أنا لا أريد...لا أريد يا أليستير.

لا أريد أن أؤذيك، لمجرد أنك إبنه..

أعاد سؤاله علي :

" روجين، أنت بخير ؟ "

دنا مني يحاول مساعدتي على الصعود، تنفسي قل واختنق.

ما بالي ؟ روجين أفيقي...

صددته بقوة، أبعده بيدي..

" ابتعد! "

" روجين، لا تبدين بخير، دعيني أساندك..."

" قلت لك ابتعد عني، اتركني ألا تفهم. "

قاطعته، أصرخ عليه، صوتي رغم علوه كان مختنقا.

تنفسي وتيرته تصاعدت، أصبح إدخال الهواء صعبا علي.

روجين، تحملي..ليس هذه الحالة..

لا تعودي لها... أنت قوية..

يالله ساعدني...

اختنقت، أركع بقدمي أمسك الدرابزين الذي يحد الرواق.

حاولت التنفس بهدوء، لكن...لا جدوى.

" محمد.."

صرخت بكل قوة ونفس ملكته، أسند رأسي للدرابزين، ألمح أليستير ينظر لي بحيرة... مجدداً، يحاول الإقتراب إلا أن الخوف -لا أعلم إن كان مني أو علي- يمنعه.

وعيي بدأ يغادرني، حاولت استجماع قوتي والنهوض.

لكن حالتي القديمة قد عادت، ماضيي يطاردني.

عيناي تثاقلت، تحاول الإنغلاق، آخر شيء رأيته قبل إغلاقها وفقداني للوعي كان محمد وإيلين يهرولان نحوي، والقلق والخوف يملأ تعابيرهما.

حينها أيقنت أنني لم أكن قوية كما ظننت يا جدي.

لم أحتمل كلمة بسيطة من المدعو والدي.

وانهرت منها...خيبت أملك جدي.

" آسفة "

❃ ❃ ❃ ❃ ❃ ❃

عيد فطر مبارك 🤍

قراءة ممتعة 🌹

أستودعكم الله 🫂

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

السُّدفَة || Before the Dawn Breaks.

المؤلف Rimas☁️
2026/04/03 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة