بَقَايَا رُوحٍ تَنتَظِر...

بَقَايَا رُوحٍ تَنتَظِر...

15 0

طلاء أبيض...

رائحة مطهر...

صمت قاتل...

توتر خانق...

هذا ما شعرت به وقدمي تلج بأول خطواتها للمستشفى. يد إيلين تقبض على كفي بقوة، تبث الطمأنينة في قلبي المتوجس. وأنا كذلك أمسك بكفها كمن يستنجد بحثاً عن الحياة.

الموضوع غريب... خائفة من ملاقاة شخص... لطالما تساءلت عنه... من هو؟ وكيف شكله؟ هل يشبهني؟ أو الأصح... هل أشبهه؟

دارت تساؤلات كثيرة في خلدي على مدار السنوات الماضية، إلا أنني كنت أطمسها... أكبحها... لكي... لا أتألم.

✧✧✧

منذ أن وعيت على نفسي، في عمر الثانية عشرة، أخبرتني أمي عن قصتها. باحت لي بماهية عائلتي... بحقيقة أبي... وقسوة جدي... أخبرتني كل شيء.

رغم عمري الصغير، أنصتُّ لها تلك الليلة... لم يشأ النوم أن يزورني... وحتى أمي...

يومها علمت الحمل الثقيل الذي كان يدق فوق ظهرها. كم أنها ضحت بنفسها من أجل جنين لم تكن تعرف ماهيته حتى... من أجلي ضحت... لم تتخل عني...

ابتسمت متذكرة عبارة غرست في تربة قلبي بستاناً من الزهور. يومها نبست:

"لم أندم يوماً على المجيء إلى هنا. أول يوم أتيت، كنت أفكر كيف سأعيش؟ وأنني لن أستطيع. لكن كل شيء تغير. وجدت الخلاص، وجدت الطمأنينة والراحة، وجدتني أنا التي اختفت. لقائي بسامية غيرني... فضولي نحوها قادني إلى حيث سكنت... بقرب الله. الشعور الذي راودني وأنا أردد الشهادة... كان غريباً... لطيفاً... ومنعشاً. وجودكِ هنا أراكِ فراشة تدغدغ صدري. لذا أنا لست نادمة ولن أندم، فهذا القرار غيرني بالكامل. رُوجِين، عيشي حياتك مليئة بالسكينة والسعادة وذكر الله. أبداً لا تدعي ما أخبرتك به اليوم يشبع قلبك حقداً على عائلتك. يوماً ما ستلتقيه... ستلتقي والدك. تعاملي معه بما أمر الله. لا تؤذيه، ولا تلوميه. سامحيه، ليس من أجله، بل من أجلك. لا أريد لقلبك النقي أن تكتسحه ولو نقطة ضئيلة من السواد. كوني سعيدة."

✧✧✧

أفقت من مغارة ذكرياتي على نكزة من إيلين وهي تردد:

"روجين... أنت بخير؟"

فتحت ثغري بابتسامة وأومئ لها:

"بخير. شردت قليلاً فقط."

حاوطت ذراعي بيديها، جرتها نحو صدرها، واتخذت من ابتسامة مشرقة زينة لوجهها، ثم همست:

"بالله عليكِ، بجانبك كل هذا الجمال وتغيبين في أفكارك؟ يبدو أن أختي في مرحلة التخلي عني."

قرصت يدها بخفة وأشحت بوجهي عنها:

"خسئتِ."

توقفت كلماتها عن الخروج من فمها على صوت المحامي مورغان ينبس بعملية روبوت:

"تفضلوا من هنا. غرفة السيد الكبير في هذا الجناح."

نظرت للطريق حيث نسير. كل شيء فخم وغالٍ. حتى الممر خاوٍ من المرضى أو الأطباء. صحيح أننا دخلنا من الباب الخلفي للمستشفى، وذلك لكي لا نجذب الأنظار إلينا. كما أن مكوث "السيد الكبير" هنا سري، ومشاهدة أكبر محاميه في المستشفى ستجلب العيون لمعرفة ما يحدث. كل هذا التخفي من أجل أسهم شركة وصراع وضيع بين شقيقين. غريب عني هذا العالم.

وقفنا في وسط الجناح الطبي، والذي كان أقل ما يقال عنه إنه شقة متوسطة الحجم. طغى اللون الأبيض والبني على الجناح. رائحة مطهر الجو والمعقمات تملأ المكان. امتعضت من الروائح، فأكثر ما أكرهه رائحة المستشفى، تصيبني بالغثيان.

تمالكت نفسي بعد أن مدت لي أمي نصف ليمونة لأشمها. فانشرحت... حتى هذا التفصيل الصغير لم تنسه.

أخبرنا المحامي بالجلوس، فاتخذ كل منا موضعاً له ننتظر الخطوة التالية. حيث نقف، تعتبر غرفة المعيشة التي يُستقبل فيها زوار المريض. تقطر فخامة ورقيّاً. تحتوي على مطبخ صغير في زاوية الغرفة، ومكتب بجوار نافذة زجاجية كبيرة. وحيث نجلس نحن، أرائك مخملية باللون الرمادي تتوسطهم طاولة رخامية بيضاء.

رمقت الباب المقابل لي، حيث يمكث المريض... سيد العائلة... جدي...

كيف حاله الآن؟ ألا يزال في وضع صحي حرج؟

كيف ستكون ردة فعله برؤيتي؟

أنا... كيف ستكون ردة فعلي؟

ماذا أفعل؟ أسلم عليه كما أفعل مع أبي؟ أم أنظر له فقط؟

تنهدت... لا أعلم... تصرفي كيف سيكون؟

✧✧✧

دنا مني المحامي مورغان، وبصوت متردد قليلاً أردف:

"الطبيب يقول أن شخصاً واحداً يمكنه الدخول. لذا من الأفضل أن تدخلي إليه وحدك."

توسعت مقلتاي. وحدي... أنا... بمفردي... معه... مع جدي...

نظرت لأبي وأمي أستنجد بهما ليجدا حلاً. لا أستطيع الولوج وحدي، لا أعلم ما سأفعل لحظة رؤيته. قد لا أتحكم في نفسي... قد أنبس بكلام يضره... قبل كل شيء، هو رجل عجوز مريض، ولا أريد أذية أحد.

انتبهت لأمي التي غيرت مكانها وجلست بجانبي. تثبتني بكفيها من كتفي، تنظر إلي بعزم، ثم تنبس:

"روجين، أنظري إلي."

أطعت كلماتها، نظرت إلى عينيها، كانت تملؤهما الصرامة والعزم والقوة.

"تذكري جيداً من أنتِ. كوني قوية. نحن معك. وددنا لو ندخل معك، إلا أن جدك في العناية المركزة ويحتاج للراحة. عاملية بحسن، بما تربيتِ عليه من تعامل كبار السن، بعيداً عن كونه جدك. فهمتِ؟"

أنهت كلامها ومسحت على وجنتيّ، ثم ضمتني بين أضلعها. بادلتها العناق، أتنفس محاولة الثبات.

صحيح... مما أنا خائفة؟ عائلتي معي. كما أنه رجل مريض لن يفعل شيئاً.

الحقيقة أن صورة جدي التي بنيتها في رأسي كانت صورة رجل متوحش، قاسٍ، ومتكبر. بعد حديث أمي عن كيف أمرها أن تجهض، جعلني أفكر: كيف لإنسان طبيعي أن يأمر بقتل روح بريئة؟ إلا إذا كان مجرداً من المشاعر. وهذا ما استنتجته.

✧✧✧

أنهيت عناقي بأمي، وقفت أعدل ثوبي، أخطو خطوات بطيئة نحو باب الغرفة حيث يقف المحامي مورغان كحارس شخصي، ويقبع رجل كان الفضول والخوف يراوداني لمقابلته.

فتح الباب. خطوت للداخل بثقل. رائحة المطهر كانت قوية، أصابني غثيان فوضعت يدي على فمي بتلقائية أستنشق رائحة الليمون المنعشة. صوت غلق الباب جعلني أدرك أين أنا.

بحثت حولي عنه، لأجده... عيناه تراقبني بحذر.

تصنمت مكاني، ونسيم بارد مر من بين أضلعي حتى اقشعررت.

صمت قاتل...

وعيون واسعة تراقب...

تشجعت... وخطوت... نحوه وعيناي على الأرض. لم أستطع النظر إليه وهو يتفحصني بنظراته.

وقفت أمام سريره... أقبض على كفي... بتوتر.

أحسست بتحركه... وكرّدة فعل نظرت له.

تجاعيد... تعب... إرهاق... أول ما استطعت قراءته من وجهه... بالإضافة إلى... مشاعر أخرى... مشاعر غريبة عن تصوري له... مشاعر حزن... وحدة... و... اشتياق.

توسعت مقلتاي من إدراكي لما اكتشفته. اشتياق؟! لابد أنني أتخيل...

أعدت نظراتي إليه، لأجده يبتسم لي بتعب:

"ستظلين واقفة هكذا؟ على الأقل اجلسي."

امتثلت لكلامه، أخذت مقعداً بجانب السرير جلست عليه، حانية الرأس. لا أعلم ما سأفعل...

تنهدت وشددت على عباءتي، ثم قلت بعد صراع:

"كيف حالك؟"

بسمة ضعيفة باغتتني، فرفعت نظري نحوه... صاحبها. تساءلت: "قلت شيئاً غريباً؟!"

"لا. لم أتوقع سؤالك فقط." نظر إلي وابتسامة متعبة تشق ثغره.

حسناً... أنا أيضاً لم أتوقع سؤالي. ولا ردة فعلك.

"بخير. أنا بخير كما ترين. وأنتِ؟" استرسل وهو يهز يديه إشارة لنفسه، فانتبهت للخيوط التي تكبل يده وتحتضن صدره. يبدو أن حالته الصحية صعبة جداً.

"بخير. أنا أيضاً." أجبته وأنا أنظر ليده، إلى العروق التي تملأها والتجاعيد. جسده الذي يبدو هزيلاً متعباً. كيف لهم أن يتركوا رجلاً كبيراً هكذا بدون رعاية من عائلته؟ خسئوا جميعاً.

وقفت من مقعدي، اتجهت نحو جهاز التحكم في السرير لأرفعه قليلاً ليناسب وضعه بحيث يتكأ عليه. عدلت الوسادة وراء ظهره ثم أردفت:

"ارتاح على الوسادة. تبدو متعباً وأنت على هذا الحال."

فعل ما قلت دون أن ينبس بكلمة. عدت لمقعدي كذلك أحاول ألا أنظر إليه. تحكم بي قلبي... فأنتج هذا التصرف... حسناً... ما فعلته صواب، بعد كل شيء فهو رجل كبير السن.

أعدت أنظاري إليه، فوجدته ينظر أمامه... في الفراغ.

تحدثت لأكسر صمت الغرفة:

"اسمي روجين لورنس. لربما لا تعلم اسمي."

"أعلم."

"ماذا؟!"

"يبدو أنك لا تتذكريني."

عقدت حاجبي بغرابة. لا أتذكره... هل التقينا من قبل؟ لا...

"هل التقيت بك في الماضي؟"

"أجل."

"متى؟" تساءلت محاولة التذكر، إلا أنني لم أتذكر شيئاً.

أتى صوته يذكرني:

"في الحديقة. رجل مسن يرتدي بدلة سوداء مع عكاز، اشتد به ألم صدره وكان على مقربة من السقوط، لتمسك به فتاة كالفراشة بتألقها، تساعده على الجلوس في كرسي، تعطيه دواءه."

صُدِمت... تذكرت... ذلك اليوم... قبل أربع سنوات...

كنت مع صديقاتي، أقمنا حفلة في الحديقة. بينما أتجه نحوهم، لاحظت رجلاً أجنبياً مسناً يبدو الألم على وجهه، يضع يده على صدره وكأنه يختنق. بدون تفكير، اتجهت نحوه، ساعدته على الجلوس، وأحضرت ماء ليشربه، ليخبرني بعدها أن الدواء في جيبه، فأعطيته إياه. بعد ذلك جلست معه حتى تحسنت حالته. طلبت منه الذهاب للمشفى إلا أنه رفض، قائلاً إنه معتاد على ذلك. حاولت معه إلا أنه رفض، وحينها رأيت نظراته المتفحصة والمنصدمة نحوي، ولكن لم أهتم. سألني عن اسمي رداً لجميلي، أخبرته أنه لا يحتاج ولكن أجبته حينها باسمي، وعرفني هو أيضاً عن نفسه باسم "أبراهام".

"كنت أنت ذلك الرجل؟!"

ابتسم ونظر إلي:

"أجل. يومها فوجئت برؤيتك."

"ماذا تقصد؟"

عاد ينظر للفراغ وعيناه تشع حزناً وندماً:

"ملامحك كانت مألوفة. رؤيتك أعادت لي ذكريات وندماً حاولت دفنهما. أنت... نسخة طبق الأصل من والدك."

فغرت فاهي بدهشة، وضعت يدي على ناصيتي أمسدها. صحيح أنني أشبهه... ولكن ليس لدرجة التعرف عليّ لحظتها... كيف؟

"قد يبدو الأمر صادماً لك، ولكنه ابني وأعرف شكله. لحظتها تبادرت لذهني والدتك وهي تخبرني بحملها. كنت مندهشاً... أيعقل أنها هي؟ بعد اختفاء والدتك، انشغلت بزفاف والدك، ولم أهتم لها. ولكن بعد مرور عام فقط، بدأت تراودني كوابيس عن أمك وعن جنين لم يولد بعد. أبوك أخطأ بحق، حيث كانت له خطيبة ليتزوج بدون أن نعلم من امرأة أخرى. كان الأمر صادماً لي، وكتصرف رأيته حينها صائباً، أخبرت أمك بأن توقع أوراق الطلاق وتغادر. أما عن أبيك، فقمت بسجنه في منزل في الريف حتى موعد زواجه. كنت أحمقاً وقاسياً. بعدها حاولت البحث عنكما، عن والدتك، إلا أنني لم أجد شيئاً، وكأن الأرض ابتلعتكما. حتى التقيتك... تفاجأت واندهشت. كنت قد استسلمت وقتها عن البحث، لأراك أمامي شبه أبيك تماماً، وبشكل أعمق... شبه جدتك."

كمية المعلومات التي يعالجها عقلي جعلته يتألم. إذاً هو لم يكن يعرفنا قبل... اكتشف منذ ذلك اليوم... غريب... أشبه جدتي... أنا؟

استرسل ناظراً إلي:

"حينها، باسمك بحثت عنك وعن والدتك، وتتبعت أمرك. حتى اكتشفت أنك أنت هي المنشودة. لأزيح الشك باليقين، قمت بتحليل الأبوة، وكم قفز قلبي للإجابة. كنت سعيداً بوجودك حقاً، وكنت آسفاً ونادماً على ما فعلت. أعلم أنك تكرهينني وتحقدين علي، وهذا حقك. ولست أطلب منك أن تتوقفي أو تسامحيني. أنا أطلب أن أعوضك عن كل ما فات. أردت رؤيتك فلربما تكون الأخيرة لي. أردت أن تعلمي أن لك جداً، قبل أن أموت. أنا آسف لكل السنوات التي مرت. آسف لكل يوم كنت تعيشين فيه دون عائلة. آسف لكل شيء."

انتهى كلامه ونبرة مرتجفة طغت على صوته.

توقف الزمن... أحاول فهم ما يحصل. لقاؤنا ذلك اليوم... كان المفتاح... وكأن الله أرسلني له ليخبره أنني موجودة... حية... تعيش.

ولكن... لماذا؟ لماذا الآن؟ بعد أربع سنوات... لماذا لم يأتني قبل؟

أكرهه... أحقد عليه... ماذا يقول؟ بماذا ينبس؟

عشت حياتي أحافظ على قلبي نقياً من كل مشاعر سوداء، كما وعدت أمي، وكما أردت أنا. لن أقول أنني لست متألمة منه، وأن قلبي صافٍ ناحيته. ولكني لا أكرهه... لا أحقد عليه... ولا أحبه. أنا... مستاءة... منه... وغاضبة... ولكن لست بحاقدة.

ولكنه... نادم... منكسر... حزين... وهذا أكثر من كافٍ لي.

تساءلت أنظر إليه بعيني مغلفتين بزجاج:

"لماذا أتيت الآن؟ لماذا ليس قبل أربع سنوات؟"

أجابني بانكسار مكتوم:

"أتيت بعد ثلاثة أشهر من لقائنا. وقفت حينها أمام بيتك. حاولت المضي إليك، لكنني لم أستطع. بأي وجه أظهر لك الآن بعد مرور سنوات؟ بأي حق أراك وأنا السبب في ما حصل لك من بُعدٍ عن أهلك؟ رأيتك حينها مع عائلتك تغادرون البيت في رحلة. رأيت ابتسامتك وانشراح صدرك، طمأنينتك وسعادتك. رأيتهم أماناً لك، وأنتِ كذلك رأيتِهم عالمك. إذا ظهرت أنا، سيتصدع ذلك العالم الجميل. رغم رغبتي الأنانية في أخذك، إلا أنني آثرت على نفسي أن تبقي معهم، على أن تكوني مع عائلة متفرقة وقاسية مثلنا."

نظرت للدموع التي أحاطت خديه الواهنان، يمسحها بكُمِّ ثوبه. فأخذت منديلاً من فوق المنضدة من جانبي، وقفت، فتوقف ينظر إلي. مسحت بالمنديل على خديه وسألته:

"ولماذا الآن أتيت إلي؟"

كنت أمسح وجهه من الدموع وهو يناظرني، وبحر من عينيه الحزينة يجري. بصوت مختنق أجابني:

"لم أستطع. لم أستطع منع رغبتي الأنانية في رؤيتك بجانبي. كانت تصلني صورك كل أسبوع، وتقارير بما فعلتِ وما تفعلين. كنت كل يوم أمنع نفسي من رؤيتك. رغم أن لدي أحفاداً بجانبي، إلا أنني لم أحمل في قلبي لهم ما حملته لك. اشتد بي المرض وصرت وحيداً. لا قريب يراني، ولا بعيد يسأل عني. حتى زوجتي... جدتك... التي كانت تؤنسني، غادرت وهي تلومني على فعلتي تلك. أخبرتها بما فعلت، أريتها صورك، كانت تبكي كل ليلة وهي تنظر إليك، تريد رؤيتك ولكن لم تستطع هي أيضاً. أردت رؤيتك. أردت على الأقل أن تتذكريني حتى ولو بالسوء. كنت مشتاقاً... اشتياقاً لا أعلم من أين أتى منذ أن رأيتك."

توقف عن الحديث يبكي بحرقة، مرفقاً "آسف" مع كل نفس.

بدوري كان البكاء رفيقي، والدموع كالسيل المنهمر من عيني. مشاعره تلك... وصلتني... أحسست بها. لم أستطع احتمال صوت بكائه، أن أراه يبكي ندماً... آلمني.

عانقته... أجل... تصرفت بناء على قلبي. شددت بعناقي إياه، وهو كذلك بادلني العناق، يردد كلمة "آسف". أنا أيضاً... كنت بحاجة عناق... كنت بحاجته... بحاجة جد.

ظننت أنني بخير بدونهم... ولكن يبقى الدم دماً. رؤية شوقه لي أيقظ في داخلي مشاعر أغلقتها في كهف في أعماق قلبي. رؤيته يبكي جعلتني أفكر... مالذي جعل رجلاً بمثل هيبته يبكي هكذا بين يدي؟

الصورة القاسية التي بنيتها له تكسرت لحظة رؤيته. رغم قولي أنني لست بحاجتهم... إلا أنني كنت فضولية. فضولية من هو والدي؟ وجدي؟ وإخوتي؟ كنت أتساءل، ومع كل سؤال يتضخم فضولي.

مستاءة منهم... أجل... ولكن لا أريدهم أن يتألموا. لا أريد لجدي أن ينهش قلبه الحزن والبؤس. أليس كذلك يا أمي؟ حتى أنتِ قبل أن تموتي أخبرتني أنك سامحتهم، أن قلبك صافٍ ناحية جدي وأبي... فكيف أحقد عليهم أنا؟ أخبريني... كيف؟

نبست بعد أن ابتعدت عنه، أراه وقد استجمع رباطة جأشه:

"أنا... لا أحمل في قلبي حقداً أو كرهاً لك. لن أنكر أنني مستاءة. ولكني أحتاج الوقت فقط. أحتاج أن أعتاد عليك. أنا شاكرة لك. من يعلم؟ لو بقيت معكم، لربما كنت حفيدة بغيضة. أمي قبل موتها سامحتك، أخبرتني بذلك. ليست تحمل في قلبها كرهاً لك، بل كانت تقول أن خطوتك جعلتها تقترب من إله لم تكن تعلم وجوده. وحتى أنا، لست أكرهك. أنا راضية على حياتي الآن. عشت بين عائلة بيننا رابط أعمق من الدم. تخليك عني كان خيراً لي وخيراً لأمي. ولقاؤنا ذلك اليوم كان لحكمة. لذا... أنا لا ألومك."

أنهيت كلامي أراقبه وابتسامة صافية زينت ثغري. نظر إلي بعينين حانيتين، مسح على وجهه بالمنديل، وبصوت متحشرج هدر:

"أعلم جيداً أنه لو كنتِ بجانبي لم أكن لأرى هذه الفتاة النقية اليوم. مكانك هناك صقلكِ وجعل منكِ إنسانة عاقلة طاهرة. وهذا سبب ترددي في إحضارك. لم أرد لنقائك أن يتلطخ بنا نحن السوداويين. لم أرد لتلك الابتسامة النابعة بالحياة والأمل أن تغادرك. ولكنني كنت أنانياً بإحضارك."

أردت نفي حديثه إلا أنني توقفت، للصوت بالخارج أنصت.

توجهت نظراتنا نحو الباب الذي طرق، فدخل الطبيب بردائه الطبي، يبتسم حاملاً جهازاً لوحياً بين يديه:

"سيد أبراهام، كيف أصبحت الآن؟"

راقبته، رجل يبدو في أواخر الأربعين من عمره، يرتدي نظارات طبية، أصلع الرأس. يبدو أن الطب يجعل الرجال صلعى.

أجابه جدي وابتسامة على وجهه:

"بخير. أشعر اليوم بالنشاط."

"جيد." الطبيب يتفحص جدي.

فوقفت نابسة:

"حسناً، أنا سأغادر الآن."

ما إن أكملت كلامي حتى أمسكت يد جدي بي، يخبرني:

"ابقي معي قليلاً أكثر."

تصنمت لنظرة الرجاء في عينيه. وحتى الطبيب رأيت اندهاشه. تنهدت، أعود أدراجي للمقعد، أشعر بنظرات الطبيب المتفحصة لي. يبدو أنني جذبت الانتباه للتو.

صرح الطبيب:

"مؤشراتك جيدة اليوم. على هذا الحال لن تحتاج البقاء هنا. أن أراك تتحسن بين ليلة وضحاها أمر عجيب."

ابتسمت للطبيب الذي يناظرني والفضول يغزو وجهه. وسؤال تدحرج من فمي:

"أيها الطبيب، ما هو مرضه؟ وهل يمكنه الخروج غداً؟"

تصلب جدي جعلني أدرك ما نبست به. حسناً... إنه سؤال عادي... أو لا... في وضعي.

نظر الطبيب للجد ينتظر منه الإذن لإخباري. فكان رد جدي إيماءة بسيطة منه، جعلت الطبيب يفتح فمه مجيباً:

"السيد أبراهام رجل كبير في السن، ولكبره فهذه الأمراض طبيعية. يعاني من ضغط الدم، وضعف في صمامات القلب. لذا نفسيته تلعب دوراً هاماً في حالته. فأي ضغط نفسي سيجعل القلب يتألم والصمامات تتوقف عن ضخ الدم. كما أنه يعاني من نقص تغذية. وأجل، إذا توفرت العناية التامة له، يمكنه الخروج."

"نقص تغذية؟!" نظرت لجدي بإستنكار الذي نظر لطبيبه يحثه على الخروج، ثم قلت: "ما بال نقص التغذية هذا؟! هل أفلست؟ لم يعد معك مال لتتناول طعاماً؟"

قهقهة رنانة غادرت جدي، تكلم والبسمة تعلو وجهه:

"يا ابنتي، الأمر ليس نقص مال أو طعام."

تغير وجهه لنظرة حزينة واسترسل:

"شهيتي مسدودة للأكل. والطعام أصبح بلا مذاق بالنسبة لي."

علمت ما يشعر به الجد. وحدته جعلت حياته موحشة. إلى أي مدى وصل من عقوق الوالدين ليتركوا أباهم وحيداً دون أن يسألوا عن حاله ومآله؟

تنهدت أنظر إليه بشفقة:

"أين أبناؤك عنك؟"

بؤس تكلل في ابتسامته ليقول:

"كل واحد في عمله وعائلته. لا أحد مهتم لي."

"حتى أحفادك؟!"

"أين هم حتى يهتمون؟ كل منهم منغمس في حياته."

غريب... أمرهم عجيب. مع كل معلومة عنهم، أزداد ثقة أن اختيار الله لي كان خيراً.

نهضت من مقعدي أتجه نحو الباب، فيوقفني صوت جدي الحذر:

"إلى أين؟"

"أنا جائعة. لم أتناول شيئاً منذ صعدت الطائرة. أربع ساعات للطائرة، وساعتين للوصول، بالإضافة إلى الحديث معك... ما مجموعه ست ساعات. سأذهب لأحضر شيئاً لتناوله."

أومأ جدي برأسه لي، رغم رؤيتي لذلك الهاجس في عينيه، مخافة أن أختفي. لو أردت الاختفاء لما بقيت هنا لساعتين.

✧✧✧

فتحت الباب لأجد أبي وأمي يجلسان في مكانهما. ما إن رأوني حتى تقدما مني متفحصين لي. ابتسمت:

"أنا بخير."

عانقتني أمي بقوة تبث طمأنينتها في قلبي، وكذلك فعل أبي. لأقهقه عليهم ساخرة:

"لم أدخل لعرين أسد لتتفحصوني بدقة هكذا."

نظرت أمي لسخريتي تجيبني:

"ليس لأنك دخلت عرين أسد. بل لأن العرين في قلبك يحفر مشاعرك فيه، لذا نبحث عن اليقين."

تصلبت من إجابتها التي لم أتوقعها. أزلت تصلبي حين رأيت المحامي مورغان يلج الغرفة. تقدمت منه وأخبرته:

"من فضلك، أحضر طعاماً لجدي. وأحضر طعاماً لنا أيضاً، نحن جائعون."

نظر إلي باستغراب وتفاجأ، إلا أنه تدارك نفسه مردفاً:

"حاضر. أترغبون طعاماً خاصاً؟ هل لديكم حساسية من فاكهة أو خضار ما؟"

"لا. أحضر فقط طعاماً حلالاً. يفضل إذا كان مغربياً. وجدي أحضر له شوربة الخضار."

أومأ بالإيجاب تاركاً الغرفة.

حولت نظري نحو أمي وأبي اللذان لا يزالان يراقبانني. حسناً... لديهما الكثير من الأسئلة.

أشرت لهما لأريكة حيث كانت إيلين ومحمد يجلسان:

"أين هما؟"

"إيلين تعبت فذهبت مع محمد للفندق. أخذهما المحامي مورغان." أجابني أبي.

صحيح... إيلين لم تنم طوال الرحلة، لذا لابد أنها مرهقة. والبقاء هنا لن يفيدها شيء.

أومأت، ثم أعدت الإشارة لباب غرفة جدي وسألتهما:

"أترغبان في مقابلته؟"

"أيسمح لنا؟" تساءلت أمي.

فأجبتها:

"صحته تحسنت، لذا يمكنه الخروج بالفعل. ويمكنكما رؤيته. هيا ادخلا."

أدفعهما نحو الباب، أطرقه، لأسمع رد جدي بالسماح. فتحت الباب وأدخلهما وابتسامة تشق وجهي، ثم تكلمت:

"جدي، هذه أمي، وهذا أبي. إنهما أماني ووئامي."

ابتسم جدي بوقار لهما. فدنا منه أبي يصافحه ويتحمد له بالسلامة. وكذلك فعلت أمي، تحني رأسها بخفة تتمنى له طول العمر والصحة.

أحضرت مقعدين بجانب مقعدي السابق، أحثهما على الجلوس، ليبدأ أبي بالحديث:

"كيف حالك الآن يا سيد أبراهام؟"

"بخير يا سيد ناصر. وبعد رؤيتي لروجين ورؤيتي لكم، ازددت نشاطاً."

"الحمد لله."

غاصت الغرفة مجدداً في صمت مطبق. الثلاثة محرجون. تبسمت أرى جدي يحاول إخراج الكلام من فمه:

"أشكركم على تربيتكم لروجين. عائلتي ممتنة لكم."

"إنها ابنتنا يا سيدي، وليست أي أحد." أجابه أبي والبسمة على وجهه.

"أجل. وأحسنتم تربيتها وصونها."

"روجين فتاة لطيفة وسهلة الانقياد. ليست شخصاً عنيداً."

وفجأة تحول الحديث الخجول بينهم... إلى حديث عن طفولتي... وعن المصائب التي كنت أفعلها في الصغر... لنقل التي كانت تفعلها إيلين وأنا كنت أُجرُّ لها بالإجبار.

بدأت قهقهات جدي وأبي تعلو. أبي يتحدث ومرة تذكره أمي، وجدي ينصت لهما والبسمة على وجهه، حتى أن محياه استنار.

✧✧✧

مر اليوم خفيفاً على القلب. بعد إحضار المحامي مورغان الطعام، تناولناه جميعاً بجانب جدي. وأحاديثنا أعادت الحياة لجناحه. حتى أظلمت السماء، والتعب اتضح على أمي. فأخبرنا جدي بالذهاب للراحة. رغم أنني أردت المبيت معه، إلا أنه أصر أن أذهب لأرتاح. وهذا ما حصل.

ها أنا ذي نائمة في سريري في الفندق، وبجانبي إيلين التي رغم وجود غرفة لها، إلا أنها أصرت على النوم بجانبي. حسناً... لا أمانع.

نمنا بعد قراءة أذكاري. اتخذت من يميني مسنداً لي. غداً عليّ الاستيقاظ باكراً... عليّ تحضير الفطور لجدي... إنه يشعر بالوحدة... عليّ أن أملأ وقته.

ظللت أفكر فيما سأفعل غداً... حتى غادرت الواقع إلى عالم الأحلام.

✧✧✧

قراءة ممتعة ♥️

استودعكم الله 🫂

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

السُّدفَة || Before the Dawn Breaks.

المؤلف Rimas☁️
2026/04/03 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة