يومين متتاليين، روجين غائبة فيهما عن الوعي.
أخبرنا الطبيب أنها تعاني إرهاقا متراكما، ضغطا هائلا، وحمى حادة ماسبب لها انهيارا نفسيا أدى إلى نومها لهذين اليومين.
ظللت معها، تغيبت عن الجامعة، مالذي يهم ؟ أكثر من أختي التي تعاني لوحدها في صمت.
روجين..لطالما كانت هكذا تحمل على عاتقها مهمة الإصلاح، تتحمل في سكون، تراقب بإبتسامة.
لكن خلف كل هذا...ألم، ألم لا متناهي.
حاولت كثيرا أن تدفن حقيقة عائلتها.
أن تدفن السبب الذي جعلها تعاني.
" روجين " هذا الإسم أطلقته عليها أمي، في حين أن أمها أطلقت علي إسم إيلين، كلاهما معانيهما إيجابية مشرقة، إن كان معنى اسمي الضياء والنور، فمعنى روجين شمس الحياة، وهكذا تم اعتبارنا النور الذي أضاء مسار والدينا.
استدرت إلى محمد النائم على الأريكة، بتعب.
ظل ملازما لنا طوال اليومين رغم أن عمله مكتظ، لكن ما إن ينتهي دوامه حتى يسرع في المجيء إلينا.
أما سيف الدين فيعمل في هذا المستشفى، يأتي بين فينة وأخرى للإطمئنان على روجين.
لم نستطع إخبار والداي، إن علما لا أعلم ما سيحصل لهما خصوصاً أمي، لربما سيلومان نفسيهما، كما يفعل سيف الدين.
انتقل والد روجين، سبب المشكل الأكبر، إلى القصر.
وعائلته كذلك، هذا ما أخبرني به محمد.
فأنا لم أغادر المستشفى منذ ولجته روجين.
أليستير أيضا زارنا خلال اليومين، يتفحص أحوال روجين، محضرا الطعام، يجلس قليلا ويغادر.
تململت مكاني، على ولوج سيف الغرفة، رمقني بعينين متعبتين. وكذلك فعل لمحمد.
جلس على الكنبة الأخرى، يسألني :
" لا حركة منها "
هززت رأسي بالنفي.
مسح رأسه بإرهاق، اقترب منها يحط يده على وجنتها، وبدفئ وحنان همس :
" روجين، إلى متى ستبقين غائبة عنا هكذا ؟ تعلمين أننا نعزك لذا تفعلين هذا لنا، أفيقي يا شمس الحياة، حياتنا أظلمت بعدم وجودك، استيقظي رجاءاً."
فاضت دموعي على خدي، هذا حال سيف الدين طوال اليومين، يظل يتحدث معها، يرجوها أن تستيقظ، لكن روجين نائمة كطفل أخيراً ارتاح.
مسحت دموعي بسرعة على صوت طرق خفيف للباب، اتجه سيف الدين نحوه، يغلق الباب علينا.
الحجرة حيث تنام روجين مكونة من غرفة داخلية وردهة في الخارج، تحتوي على الارائك إلا أن أخي محمد لم يتركهم مكانهم وحولهم إلى هنا، دفعة واحدة.
واحدة ينام عليها وواحدة لي أنا وأخرى صغيرة يأتي إليها سيف.
أما الخارج صار فارغا.
صدح صوت أستيل في الخارج، فعلمت أنها من أتت، كذلك تأتي مع أدريان للإطمئنان علي وروجين.
فُتح الباب تدخل منه، تخطفني لحضنها، الذي كنت بحاجته بلا كذب.
تشبثت بها، كغريق يتعلق بقشة، تطبطب علي، هامسة بكلمات مطمئنة.
دخل سيف، فتبعه شاب يرتدي أسود في أسود، بعينين زرقاوتين عميقتين كدوامة في بحر.
انتبهت أستيل إلى حيث أنظر فنظرت إليه. تشرح :
" هذا أخي أسترياس "
أومأت برأسي، لأنحني برأسي قليلا أحييه.
إيماءة صغيرة صدرت منه. والغموض يكتنفه.
أشرت إلى الأريكة أخبرهما أن يجلسا، إلا أن أستيل نفت :
" لا أستطيع، أرغب بذلك لكن أخي مشغول وقد توسلت إليه ليحضرني لبرهة فقط، أنا سعيدة لرؤيتك، أتمنى الشفاء العاجل لروجين. "
مدت سلة فواكه وباقة ورد لي، وعانقتني تغادر.
حملقت فيهما، يخرجان، ولبرهة التفت أخيها أسترياس يلمح ورائي..روجين! وغادر.
أسترياس هذا يبدو غامض ومعقد.
تنهدت أرتمي على الأريكة، أستلقي عليها بتعب، تأخذني أحلامي لغفوة أستريح بها من الواقع.
❃ ❃ ❃ ❃ ❃
أركض بسرعة، في عالم أسود مظلم، فراغ بلا لون أو شعور.
أركض بلا توقف أو نهاية، أدور وأدور محاولة إنهاء هذه الحلقة المفرغة.
توقفت، أستجمع أنفاسي، أنظر من حولي.
أين أنا ؟
ما هذا المكان ؟
يا إلهي أنجدني.
صوت مألوف نادى بإسمي:
" روجين "
" روجين "
تردد صدى اسمي في هذا الذي ظننته فراغ.
حتى صم اذني، أضع يدي عليها وأغلق عيني.
صمت موحش.
فتحت عيناي ببطئ، تجلى في ذلك السواد ضوء أبيض مشع، أخبرني حدسي أن هذا هو المخرج أو...الفخ.
خطوت نحوه بخطوات مثتاقلة، تتسارع.
لتترائى لي مائدة خشبية، يحيطها كرسيان، يجلس على أحدهما جسد رجل عجوز، هذا...
" جدي "
ابتسامة حانية ارتسمت على ثغره:
" أخيراً وجدتني، انتظرتك طويلاً."
نظرت بحيرة له :
" ماذا تقصد ؟ ثم أين نحن ؟ "
جلست على الكرسي مقابله، أرمقه بإشتياق وفضول.
" هنا حيث احتجتني. "
تصنمت مكاني.
" ماذا تقصد ؟ "
" أنت الآن متعبة، اخوتك كلهم قلقون عليك. "
ماذا يقول ؟
" أخبرتك إن استصعب الأمر غادري، لم اجبرك على البقاء وهلك نفسك"
" جدي ماذا تقول ؟ أنا لا أفهم شيئا. "
دنا مني جدي، يمسك يدي.
يداه...باردتان.
" روجين أنا لا أريد أن تفقدي نفسك، لا أريد للوهج الذي رأيته أول مرة ينطفأ، لا تضغطي على نفسك، أنت أهم عندي من كل شيء"
" جدي، أنا بخير، كنت أحتاج فقط للراحة "
" روجين، أنت يا ابنتي تخفين داخلك أكثر مما تظهرين، وهذا يؤلمك "
" أعلم أن رؤيتك لأبيك مع أبناءه وعائلته بعيداً عنك يؤلمك، ولو بقدر ضئيل المهم أنه يؤلم، أنا لا أريدك أن تتأذي."
عبرة خائنة سقطت من بحرها، يمسحها جدي بحنان غريب على يده الباردة، يهمس :
" أريدك أن تكوني كما أنت، الطفلة التي ساعدتني في الحديقة."
وشوشت :
" لكن...هذا صعب... أشعر أنني متناقضة، أنا سعيدة لأنني مع عائلتي، لكن في الوقت ذاته أشعر بالألم... أرى المدعو والدي يعاملني بحدة وعدم اهتمام رغم أنه لا يعلم لكن أنا أشعر بالبؤس، أراه كيف يتكلم عن عائلته، والتي لا تشملني أنا و أمي. "
تنفست، أسمح لشهقاتي بالمغادرة :
" حين ذكر كلمة زوجتي وإبني لم تكن عادية بالنسبة لي كما السابق، لقد أحسست بها تنهش روحي وقلبي، أشعر أنني متناقضة ياجدي ؟ "
حنت مقلتاه علي، وابتسم:
" لست متناقضة ياروجين، ما تشعرين به يدل على حياة قلبك، يدل على وجودك، هذه أنت، لو أنك مررت الأمر بشكل عادي، حينها يعني بأن قلبك مات. شعورك هذا طبيعي يا ابنتي. "
انهمرت الدموع على خدي كالسيل، لا رادع لها.
صوت قلق ولمسة دافئة صدحوا في هذا الفراغ:
" روجين أنا معك، نحن معك. "
ماهذا الصوت ؟
بعيد..لكنه قريب في الوقت نفسه.
نظرت لجدي الذي ابتسم :
" اذهبي، من يهتمون لأمرك ينتظرونك، بتوكلك على الله طريقك سيكون منيراً. "
استقمت من مكاني، أسمع الصوت البعيد يتردد من جديد.
" جدي... "
فغر ثغره في إبتسامة هادئة مشجعة.
" اذهبي يا ابنتي، لا تنسي نفسك، و تفقيدينها من كل هذا. "
أومأت، أخطو بأولى خطواتي نحو الصوت...أهرول...وأركض..حتى لم اعد أرى شيء.
فتحت عيني، يلفحني ضوء أبيض.
أين أنا مجدداً ؟
أعدت غلقهما، أعتاد على الضوء.
وعيت على صوت سيف الدين، يصدح :
" روجين، استفقتي. "
أحسست بيده الدافئة تمسك يدي، والأخرى على خدي تمسح الدمع عنه.
لحظة! دمع ! من أين أتت ؟
حاولت أن أنطق، لكن حشرجة في حلقي منعتني.
صرخ سيف بسرعة:
" أحضري الماء يا إيلين بسرعة "
انتبهت لإيلين في يساري، تركض لقنينة الماء، تمد بكأس الماء نحوي، والدموع تغطي وجهها بالكامل.
هيا..ليس إلى هذه الدرجة.
اعتدلت وسميت أرتشف الماء، كعطشان في صحراء حارة، لا نهاية لها.
فطنت لما حولي، غرفة يغلب عليها الطابع الكلاسيكي، أسلاك منغرزة في يدي، أنا في المستشفى.
إستفهمت كلامي :
" ماذا حدث ؟ لما أنا في المستشفى ؟ "
حملقت في وجه سيف الدين، التعب بادٍ على وجهه، كمن خرج من معركة للتو.
بصوت خافت مرتجف:
" حمدا لله على سلامتك، فقدت الوعي ليومين متتاليين. "
صرخت بدهشة :
" يومين!؟ "
أجاب سيف الدين:
" أجل، الضغط النفسي والإرهاق سببا لك انهيار نفسي، جعل جسدك يغوص في نوم عميق، بحثاً عن الراحة ياروجين. "
مسحت على رأسي، أحدق في من حولي.
يومين...يومين متتاليين..
مالذي حدث ؟ لم يحصل لي هذا أبدا...
أو منذ زمن...
تداركت نفسي، أحدق في إيلين التي تنتحب بخفوت.
وجهها أحمر، عينيها البنيين تشتعلان من فرط حمرتهما، هالات سوداء تحت حدقتيها. قلقة وخائفة كلها هذا من أجلي.
مددت يدي إليها، أبتر فمي ببسمة متعبة حانية، وبسرعة، كمن يحتاج الإذن فقط، إرتمت في أحضاني تجهش بالبكاء، يهتز جسدها بين ذراعي.
همست أطمئنها :
" هيا أنا بخير، كفكفي دموعك، يا غالية أختها. "
هدجت بصوتها :
" آسفة... آسفة لم أشعر بتعبك و ألمك...زدتك همّاً فوق همك، ولم أهتم بك."
شددت بيدي عليها، أهدئها :
" يا إبنة الحلال، أي تعب وأي همٍّ أنا بخير، أردت أن أتدلل عليكم فقط. "
" لم تري نفسك وأنت غافية كالميتة حولك الأجهزة الطبية، كنت جسد بلا روح، شاحبة، كتلك الأيام تماماً."
تشبثت بي بقوة، وأنا كذلك.
صدح صوت محمد :
" هيا يا إيلين كفاك بكاء، روجين مرهقة بالفعل "
حدجته بعيني، إبتعدت إيلين عني تمسح دموعها، وشهقات متتابعة تنسل من ثغرها.
رمقت سيف الدين الذي سألني :
" كيف تشعرين ؟ "
هززت كتفي، أمدد يدي، أقول :
" أشعر أنني استرحت بعد حرب ضارية "
" سأنادي الطبيب ليفحصك. "
ما خطبه؟ مابه بارد هكذا ؟
أومأت، يغادر الحجرة، فيدوي صوت محمد :
" وأخيراً أتى دوري لأحدثك. "
ابتسمت، ليجلس بجانبي على السرير، يختطفني إلى حضنه.
تصنمت...بقوة يدخلني بين ذراعيه...
" حمدا لله على سلامتك. قلقت عليك حقاً. "
كان يتصنع المرح، أما داخله يتآكل قلقا علي.
حاوطته بذراعي، أنبس :
" أنا بخير، بخير يا محمد. "
" لم أعتد على سمو الأميرة ضعيفة، عليك إستجماع طاقتك، والغدو أقوى. "
همهمت.
بقينا نستمد الطاقة من كلينا، لترتمي إيلين كذلك علينا، تحيطنا بذراعيها، ظللنا هكذا لمدة قصيرة، لكن خلالها راح التعب.
❃ ❃ ❃ ❃ ❃
أتت الطبيبة لمعاينتي، أخبرتني أن مؤشراتي الحيوية جيدة، وبإمكاني مغادرة المستشفى اليوم بالفعل.
لم أكن أريد البقاء فيه أيضا، فهو يذكرني بوقت أكرهه.
أجلس في مقعدي في السيارة، يسوقها محمد، وسيف بجانبه، أنا وإيلين في الخلف.
منذ استيقظت لم يتحدث معي سيف الدين كالمعتاد، بين فينة وأخرى يلقي بأسئلة علي كالربوت أو أوامر.
بدا..غريبا علي...
أخبرتني إيلين عن إنتقال فابيان وعائلته إلى القصر، منذ اليوم التالي لفقداني للوعي.
لا أعلم كيف سأتصرف..
خصوصاً أنني سأقابل زوجة الشخص المفترض أن يكون والدي.
لا أعلم عنها سوى ما أخبرني به مورغان.
وعيت على طريق القصر، ليتكلم سيف:
" انعطف يسارا، الى الشقة في المجمع. "
انعقد حاجبي، أتساءل :
" خيراً لماذا نذهب هناك ؟ "
محمد كان يقف في مفترق الطرق، بين الطريق المؤدية للقصر، والأخرى المؤدية إلى الشقة.
فصرخ فيه سيف :
" محمد أخبرتك أن تنعطف، ألا تسمع كلامي. "
تجمدت لعلو صوت سيف الدين، حاولت أن أتكلم إلا أن يد إيلين التي حطت على يدي، جذبت انتباهي، تميل رأسها يمينا و شمالا، مشيرة لي أن أصمت.
مالخطب ؟
نطق محمد بصوت هادئ :
" سيف تعلم أن هذا ليس حلاًّ. "
" قد السيارة واصمت. "
امثتل محمد لكلامه، ينعطف يسارا.
طوال الوقت صمت متوتر، غزا السيارة.
حدقت في سيف، الذي ينظر للطريق، بعينين منعقدتين، تفكران بعمق.
❃ ❃ ❃ ❃ ❃
أنسدح في حجرتي، في الشقة بالطبع، أحدق في السقف.
بعد وصولنا صعد سيف لغرفته وأغلق عليه فيها، إيلين منسدحة بجانبي، أما محمد غادر ليحضر لنا طعاما.
حنحنت إيلين، تعبث بأطراف ثوبها، وكأن الكلمات عالقة في حنجرتها ترفض الخروج.
فقلت :
" تحدثي لا داعي لترك الكلمات تخنقك. "
وكأنني ضغطت الزناد لها، بدأت الحديث :
" روجين لا تغضبي من سيف، طوال اليومين، كان خائفا عليك، قلقا، لم تريه وهو يتحدث معك رغم أنك نائمة. إنه غاضب الآن لكن فيما بعد سيهدأ حينها تحدثي معه. "
أومأت، أعلم خوف سيف علي، وهلعه.
لذلك آثرت على نفسي أن أتبعه إلى هنا حتى يهدأ.
بعدها أتحدث معه.
طرق على الباب، لتهتف إيلين :
" ادخل يا محمد. "
دار مقبض الباب، يدخل محمد.. أو من ظنناه محمد.
ولج سيف الدين للغرفة، يشير إلى إيلين :
" إيلين من فضلك اخرجي، أحتاج التحدث مع روجين."
بتردد طأطأت إيلين رأسها، تغادر الغرفة.
اعتدلتُ في مجلسي، أحدق في سيف. جلس على الكرسي أمامي، ربّع يديه، بدا متردداً في الحديث.
لكنه في النهاية تنهد ليقول:
"قررت العودة."
تسمرتُ مكاني. لا أحرك ساكناً.
" ماذا؟! العودة؟ " كأنها كلمة غريبة عليّ، نبستُ بها.
أقرّ، يؤكد كلامه. "أجل. العودة إلى المغرب."
ماذا يقول؟ لماذا يذهب؟
"هل حصل أمر ما؟ أمي بخير؟ وأبي؟ لماذا تعود ؟"
رفع عينيه إليّ. كانت فيهما نظرة لم أرها من قبل.
نظرة خوف عميق، مكتوم، يريد أن يقول شيئاً لكنه لا يستطيع.
"لن أترككِ وحدكِ." قال بصوت خافت. "سنعود جميعاً."
توقفت أنفاسي للحظة. "جميعاً؟!"
"روجين..."
" لا "
"لن أعود." ارتفع صوتي رغماً عني. "لم أتم الوصية بعد."
نهض من كرسيه. وقف أمامي. كان وجهه قريباً، وعيناه تحترقان.
"أنتِ لستِ بخير." ارتفع صوته " يومين كاملين وأنتِ غائبة عن الوعي. كنتِ باردة، شاحبة، كأن روحكِ غادرتكِ. لا تطلبي مني أن أتظاهر أن هذا لم يحدث."
ارتجفت.
تذكرتُ أياماً. أياماً لا أريد تذكرها.
أياماً كان فيها جسدي حاضراً وروحي غائبة.
أياماً كانت أمي سامية تقرأ القرآن بجانبي وأنا لا أسمع.
أياماً كان سيف يجلس بجانب سريري ساعات دون أن ينطق بكلمة، فقط ينتظر أن تعود عيناي إلى الحياة.
لم يقل شيئاً عن تلك الأيام. لكني رأيتها في عينيه. رأيت الخوف القديم يعود.
"أنا بخير." همست.
"لستِ بخير." صوته زاد في ارتفاعه قليلاً. "أنتِ تدفعين نفسكِ فوق طاقتها. هذا المكان يأخذ منكِ أكثر مما تعطينه. هؤلاء الناس..."
"هؤلاء الناس أمانة في عنقي." قاطعته بصوت صارخ لكنه قاطع. "جدي تركهم لي. كيف أعود وأتركهم؟"
صمت. نظر إليّ طويلاً. كان يتألم. رأيت الألم في عينيه بوضوح.
"أتذكرين تلك الأيام؟" سأل فجأة. صوته كان خافتاً، كأنه يخشى أن تسمعه الجدران.
لم أسأل عن أي أيام. عرفت.
"أتذكرين كيف كنتِ تنظرين إلى السقف ولا ترين شيئاً؟ كيف كنتِ تتنفسين وكأنكِ تنسين أن تعودي؟ كيف كنا نجلس حولكِ ونخاف أن ندعوكِ باسمكِ خوفاً أن لا تجيبي؟"
ارتعشت شفتاي. "سيف..."
"أنا لا أريد أن أعيش هذا مجدداً." قال.
كان صوته يرتجف. "أنا لا أستطيع أن أعيش هذا مجدداً."
دموعي كانت تنساب دون أن أشعر.
"لن يحدث."
" لكنه حدث."
فتحت فمي لأجيب. لم أجد كلمات.
اقترب خطوة. كان وجهه قريباً جداً.
"أنا لا أطلب منكِ أن تختاري بين جدكِ وبيننا." قال. "لكن أطلب منكِ أن تختاري الحياة. أن تختاري أن تعودي معي إلى حيث أنتِ مرتاحة. إلى حيث لا ينهشكِ هؤلاء الناس كل يوم."
"أين الراحة يا سيف؟" همست. "أين الراحة التي تريدها لي؟ في المغرب؟ سأجلس هناك وأتظاهر أن كل شيء لم يحدث؟ أتظاهر أن جدي لم يكن موجوداً؟ أن هؤلاء الناس الذين تركهم لي لا وجود لهم؟"
"هم ليسوا مسؤوليتكِ."
"هو كان مسؤوليتي. وهو تركهم لي."
صمت طويلاً. كان ينظر إليّ بعينين تدمعان.
"إذاً." قال بصوت خافت. "عليكِ الاختيار."
توقفت أنفاسي.
"بيني وبين بقائكِ هنا." أكمل. "عليكِ أن تختاري."
ارتجفت. شعرت بأن الأرض تزلزل تحت قدمي.
"لا." همست برجاء.
"عليكِ أن تختاري." كرر. صوته كان قاسياً لكن عينيه كانتا تبكيان.
"لا تطلب مني هذا." صرخت. "لا تطلب مني أن أختار بينك وبينه. لا تكسر ظهري بهذا الاختيار. لا تفعل."
شهقت.
"وإن لم تختاري؟" صوته ارتفع. "وإن بقيتِ هكذا تتشظين بين اثنين؟ وإن أكلتكِ هذه المسؤولية حتى لا يبقى منكِ شيء؟ ماذا أفعل حينها؟ ماذا أفعل حين لا أجدكِ حين أناديك؟ ماذا أفعل وأنا أراك تفقدين نفسك رويدا رويدا هكذا؟ ألم تفكري بألمي؟"
انهرت.
بكيتُ.
بكيتُ كطفلة صغيرة لا تعرف كيف توقف دموعها.
"سأختارك." همست بصوت مكسور. "إذا اضطررت. سأختارك. لأني إن فقدتُك، لا شيء يبقى. لكن لا تطلب مني هذا. لا تجعلني أختار. دعني أحاول. دعني أكمل. دعني أكون عند حسن ظنه ثم أعود. سأعود."
نظر إليّ طويلاً. كانت عيناه تدمعان أيضاً.
" وماذا إن لم تعودي ؟ "
"سيف... أنت تطلب مني أن أختار بينكِ وبينه. بين عائلتي التي أحب وبين الأمانة التي حملتها. هذا لا إنصاف فيه."
استرسلت:
"إن عدتُ الآن، سأكره نفسي. سأظل أتساءل كل يوم: ماذا لو بقيتُ؟ ماذا لو حاولتُ؟ ماذا لو كنتُ عند حسن ظنه؟ سأظل أحمل هذا السؤال حتى أموت. هل تريد لي هذا؟"
ارتجفت يده. رأيته يبتلع ريقه.
"لكن إن بقيتِ..." صوته كان خافتاً.
قاطعته : " سأعود، سأعود كما أنا أو أفضل. هذا وعد أقطعه على نفسي قبل أن أقطعه معك. "
"وعد؟"
"وعد." مسحت دموعي بكم قميصي. "وعد بيني وبين الله. سأكمل ما بدأت، ثم أعود. لن أتركك. لن أترك أحداً. وعد."
صمت. ثم تنهد. تنهيدة طويلة، عميقة، كأنه يخرج كل ما في صدره.
"أنتِ عنيدة."
ابتسمتُ رغم دموعي. "أعرف."
"مستحيلة."
"أعرف."
"ستقتلينني."
" حفظك الله."
ضحك. ضحكة خفيفة، مكسورة، لكنها كانت ضحكة. جلس بجانبي على السرير. أمسك يدي.
"سأسندك." قال. " سنبقى معكِ. لأنه إن حصل لك شيء ما، لن أغفر لنفسي أبداً."
سقطتُ في صدره وأنا أبكي. وهو ضمّني. ضمّني بقوة.
"فقط..." همس في شعري. "فقط لا تختفي ثانية. لا تتركيني أخاف هكذا. لا تتركيني أفقدكِ."
رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه. "لن أختفي. بإذن الله . لن أختفي."
مسح دموعي بإبهامه. " استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه."
" آمين."
جلسنا صامتين. هو على حافة السرير، أنا إلى جانبه. لا أحد منا يتكلم. لكن الصمت كان كافياً.
نطقت أكسر الصمت :
" إذا هل نعود للقصر الآن ؟ "
بصوت جاد :
" لنقضي الليلة هنا، غدا إن شاء الله نعود. "
أومأت.
طرقات خفيفة، تدخل ورائها إيلين، بتردد :
" العشاء جاهز. "
حملقت فينا بقلق وحيرة، استقمت من مكاني أتجه نحوها، أحدثها :
" ما بال نظراتك هذه ؟ نحن بخير، لم يقتلني بعد، كما تعلمين. "
ابتسمت آخر كلامي أغادر الغرفة، تتبعني.
تلك الليلة قضيناها نتحدث ونتسامر، نحن الأربعة، متذكرين أيامنا الماضية معا.
❃ ❃ ❃ ❃ ❃
في اليوم التالي، أقف في ردهة القصر، الصباح باكر، الجميع نيام.
لكننا عدنا للقصر لأتجهز لمحاضراتي اليوم، أنا و إيلين.
خطوت بقدماي نحو غرفتي، أغير ثيابي، أستعد للمغادرة.
في داخلي أتمنى ألا ألتقي بفابيان وزوجته.
أظن في هذه اللحظة من سمعني سيسخر مني.
تركت حجرتي أمشي نحو الدرج، لألتقي بعينين كزرقة السماء، تصطدم بي، ابتسم أليستير بفرحة لي :
" روجين، أخيراً أراك. "
هرول ناحيتي محاولا معانقتي إلا أنني منعته قائلة :
" آسفة لكن لا تلمسني فهذا مخالف لعقيدتي. "
بحرج حمحم :
" آسف لم أكن أعلم، فقط اشتقت لك وقلقت عليك، لذا ما إن رأيتك لم أتحكم في نفسي. "
إذا أتينا للحقيقة، فلا ضرر في معانقته لي، بما أنه أخي.
لكن الأفضل أن أضع حواجز بيني وبينه، إلى أن تظهر الحقيقة فسيظل شابا غريباً علي في نظره.
" لا بأس، أنا بخير، شكرا لك. "
أومأ لي، والحرج لا زال بادٍ على وجهه.
" لطيف"
" هاه "
هاه؟!
ماذا قلت ؟!
وعيت على نفسي وبما نبست، ألوح بيدي بسرعة، أتدارك سهوي.
" أقصد أنت لطيف لقلقك علي. "
هز رأسه ببعض الحيرة و الاندهاش .
" أجل، فهمت. "
سحقا لك يا فمي.
لماذا قمت بتسريب أفكاري؟
خائن!
أشرت له لباب القصر الذي تجلى لنا بعد أن نزلنا السلم.
" علي الذهاب، لا بد أن محمد ينتظرني. "
لم أنتظر رده، الصواب أنني لم أستطع، بعد خروج مارثا من المطبخ، ما إن رأتني حتى تهلل وجهها، تخطو بسرعة نحوي، تحتضنني.
" حمداً لله على سلامتك، قلقت عليك يا ابنتي. "
عبرت عن قلقها، تتفحص كل إنش مني.
فتكلمت:
" أنا بخير مارثا، احتجت لقليل من الراحة فقط. "
مسحت مارثا بكفها على وجهي بخفة، والدفئ يقطر من وجهها.
" يا عزيزتي عليك أن تهتمي بنفسك، إذا غادرتك صحتك فلن تستطيعي فعل شيء، لا الدراسة ولا إدارة الشركة. لا تنسي نفسك، أنت لا تزالين فتاة في التاسعة عشر من العمر، وهذا العمر يعتبر بوابة لك على العالم، وليس أن تدفني نفسك وصحتك في لا شيء. عيشي بتوازن اهتمي بنفسك لتستطيعي الإهتمام بما حولك."
شق ثغري إبتسامة ممتنة لكلماتها الحانية.
مارثا على الرغم أنها لم تتقبلني في الأول إلا أنها أيضا لم ترفضني، أو تسئ إلي.
لكن بعدها بدأت تعاملني كأم لي، لنا جميعاً.
مما علمت من مورغان أن زوجها كان يعمل هنا في القصر، إلا أنه توفي منذ سبع سنوات، بمرض السرطان. فبقيت مارثا وحيدة مع ابنها الوحيد، فإهتم جدي بها وبإبنها تماماً، لذا هي رغم كبرها إلا أنها لم تتخلى عن هذا القصر، رغم فراغه من أفراده إلا أنها اعتنت به، وكانت مؤمنة أنهم سيجتمعون فيه يوما.
" حاضر، ثم إنك تهتمين بي بالفعل لذا أنا بخير حقا. "
حدجتني بنظرات جانبية، تردف :
" إذا يا آنسة هل تناولت فطورك ؟ "
فطور...
صحيح..نسيت تناول فطوري..
" لا، لكن سآخذ شيئا في.."
لم أكمل كلامي حتى جذبتني بيديها نحو الباب، تتجه بي نحو الحديقة.
حيث الفطو....
انقطعت أفكاري.
أرى أمامي على مائدة الإفطار، يجلس فابيان، بجانبه ابنه كاسيان، وكذلك امرأة... زوجته.
تصنمت مكاني، لم أستطع التحرك، استغربت مارثا تصنمي أيضا، فقالت:
" روجين، مابك ؟ "
رمقتني بإستغراب، تلوح بعيناها إلى أليستير خلفي، تعيد النظر إلى حيث أحدق. حاولت أن ألتقط أنفاسي. لم أكن أتوقعهم. لم أكن مستعدة.
لكن روجين متى تستعدين ؟
متى سأكون مستعدة ؟
إن بقيت هكذا مترددة وخائفة، لن أتقدم في فعل ما هدفت له.
إما الآن أو أبدا.
تنفست الصعداء، أطمأن نفسي.
أليستير تقدم مني، نظراتي لا تفارق المائدة.
كان فابيان يتحدث مع كاسيان بصوت منخفض، لم يرفع رأسه بعد.
سمعت خطوات أليستير خلفي، ثم صوت ابتسامته الدافئة:
"أمي."
التفتُ لأراه يحتضن امرأة جالسة على الطرف الآخر من المائدة.
سيرافينا. زوجة فابيان. كانت ترتدي ثوباً رمادياً بسيطاً، وشعرها الأشقر القصير يبرز ملامحها الناعمة.
احتضنت ابنها بحنان، نظرت إلى وجهه طويلاً تتفقده.
"أليستير... ابني." همست.
ثم التفتَ إلى كاسيان، مد يده ليصافحه. كاسيان أمسك يده بحرارة، عانقه وابتسامة خفيفة تزين محياه.
وفجأة، شعرت بكل العيون تتجه نحوي.
فابيان رفع رأسه. نظراته الباردة توقفت عندي. كان يجلس على رأس المائدة، ببدلته الرمادية الداكنة، وجهه صارم كعادته.
"أنتِ." قال. "لم نكن نتوقع حضوركِ."
لم أَرُد. جلستُ على الكرسي المقابل لهم.
مارثا أسرعت لتضع أمامي كوب شاي وطبقاً صغيراً.
فابيان لم ينتظر طويلاً. نظر إلى أليستير، ثم قال بصوته البارد المعتاد:
"أليستير. ماذا تفعل هنا؟ ألم يكن لديك عمل في محطة الإطفاء؟"
"في إجازة." أجاب أليستير بصوت منخفض و بإيجاز.
"إجازة." كرر فابيان. "طبعاً. العمل الذي اخترته يحتاج إلى إجازات كثيرة، لكي تلهو هنا وهناك، ليس كالعمل الحقيقي."
رأيت قبضتي أليستير تشتدان تحت الطاولة. لكنه لم يرد.
فابيان لم يتوقف.
"أخبرني، كم حريقاً أطفأت هذا الشهر؟ أم أنك مشغول بتصوير نفسك بزي الإطفاء للنشر على الإنترنت؟"
ارتفع تنفس أليستير. كان وجهه يحمر. شعرت بأنه على وشك الانفجار. رأيت كتفيه يرتفعان، وجسده يتصلب.
نهض من مقعده فجأة. كاد الكرسي أن يسقط خلفه. كان سيمشي. كان سيغادر. رأيت الغضب في عينيه، الغضب المكبوت منذ سنوات.
تقدمتُ بكلامي قبله:
"سيد فابيان."
توقف الجميع. حتى أليستير توقف في منتصف حركته.
"نعم؟" نظر إليّ فابيان.
"هل انتهيتَ؟"
"ماذا تقصدين؟"
"هل انتهيتَ من تدمير ابنك أمام الناس؟ أم لديك المزيد؟"
صمت. كان ينظر إليّ بعينين ضيقتين.
"هذا لا يعنيكِ."
"أليستير جالس على مائدتي. في بيت جدي. بيتي أنا، كل من في هذا القصر يعنيني."
أليستير كان لا يزال واقفاً. نظرت إليه.
"اجلس."
نظر إليّ. كانت عيناه تدمعان من الغضب.
"لماذا؟"
"لأنه إن غادرت الآن، ستثبت له أنه يستطيع أن يهينك متى شاء. اجلس." قلت أصوب نظرات حادة على فابيان.
تردد للحظة. ثم جلس. جلس على كرسيه، يحدق في الطاولة. لم يتكلم.
فابيان كان ينظر إليّ بنظرة باردة. لكنه لم يقل شيئاً.
التفتُ إلى سيرافينا. كنت بحاجة إلى تغيير المسار.
"سيدة سيرافينا."
نظرت إليّ. كانت عيناها حذرتين، فضوليتين.
"نعم؟"
" أتشرف بمقابلتك، سمعت الكثير عنك طبيبة الأعصاب المشهورة."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"بل أنا من لي الشرف سمعت الكثير عنك، الوريثة الصغيرة والذكية لشركات أستور. يأكلني الفضول لمعرفة من أنت؟ و يا للصدفة فجأة قرر زوجي العودة إلى قصر عائلته حيث تقطنين."
نظرت إلى فابيان للحظة. ثم عادت إليّ. تحللني.
"لكن هناك شيء آخر أيضاً."
"ما هو؟"
"علمت مؤخرا أن مكتبة هذا القصر تحتفظ بمخطوطات نادرة. ليس فقط في الطب، بل في الفلسفة، وعلم النفس، وحتى... اللاهوت. كنتُ أتساءل إن كان بإمكاني الاطلاع عليها."
"اللاهوت؟" رفعت حاجبي. "طبيبة أعصاب مهتمة باللاهوت؟"
ابتسمت. "العقل والروح يا آنسة روجين. لا يمكن فصلهما. أعمل مع مرضى فقدوا ذاكرتهم، فقدوا قدرتهم على الكلام، فقدوا كل شيء. لكن بعضهم... بعضهم يحتفظ بشيء لا تفسير له. خيط من نور لا يموت. ظل إيمان لا ينطفئ. هذا يجعلني أتساءل: هل الروح شيء منفصل عن الدماغ؟ أم أن الدماغ مجرد آلة تستخدمها الروح؟"
نظرت إليها. كانت تتحدث بجدية. لم تكن مجرد فضول عابر.
"وماذا وجدتِ من إجابات؟"
"لا شيء يقيني. لكني أؤمن أن هناك ما هو أكبر منا. شيء لا تلتقطه أجهزة التصوير ولا تسجله مخططات الدماغ."
صمتت للحظة. ثم أضافت:
"سمعتُ أنكِ تدرسين علم النفس الإسلامي. هذا نادر هنا. هل يمكن أن تخبريني عنه؟"
ابتسمت، وبدأت أتحدث. عن فهم النفس في ضوء القرآن، عن أن الإنسان ليس مجرد جسد يعمل، عن أن الشفاء الحقيقي يبدأ من القلب قبل العقل. عن أن بعض الجروح لا تلتئم إلا باليقين.
كانت تستمع باهتمام. كانت تسأل أحياناً، تتعمق. كنا غارقتين في الحديث، لا نلاحظ من حولنا.
صدقاً... أحببت ذلك.
فابيان قاطع فجأة:
"سيرافينا. ألم يأتِ وقت تناول الدواء؟"
نظرت إليه. كانت نظراتها باردة قليلاً. "تناولته."
"إذاً فقد حان وقت ذهابك للعمل."
"لم أنتهِ بعد."
"انتهيتِ." قال بصوت حازم.
صمتت.
نظرت إليّ للحظة. كان فيها اعتذار صامت.
ثم سمعت خطوات تقترب. ضحكات مألوفة. صوت إيلين العالي، وصوت محمد الساخر.
توجهت الأنظار كلها نحوهم.
محمد كان أول من وصل. كان يرتدي قميصاً أبيض غير مكوي بالكامل، وسروالاً رياضياً، وشعره منكوش كأنه نهض لتوه. خلفه إيلين، ترتدي فستان أزرق فاتح وحجاباً بنياً، تصلح من حجابها وهي تمشي. وسيف الدين خلفهما، ببدلته السوداء الهادئة، كعادته.
توقفوا جميعاً حين رأوا المائدة ممتلئة.
محمد نظر إليّ، ثم إلى فابيان، ثم إلى سيرافينا، ثم إلى كاسيان وأليستير. نظر إلى وجوههم، ثم عاد إليّ.
"روجين... انتِ كنتِ هنا؟"
نهضتُ. تقدمتُ نحوهم.
"تعالوا." قلت. "تعالوا اجلسوا."
أشرتُ إلى الكراسي الفارغة على الطاولة. تقدم سيف الدين أولاً، جلس بجانبي بهدوء. إيلين جلست بجانبه، ومحمد جلس إلى جانب إيلين.
نظرت سيرافينا إليهم. كانت نظراتها متسائلة.
حسنا هي لم تراهم من قبل، وحتى إن فعلت ستتساءل. كالمعتاد.
"من هم؟"
نظرت إليها. ثم نظرت إلى عائلتي. إلى سيف، إلى إيلين، إلى محمد.
"هذه عائلتي." قلت. "هذا أخي سيف الدين. وهذه أختي إيلين. وهذا أخي محمد."
صمتت. حتى كاسيان نظر إليهم بفضول.
محمد ابتسم ابتسامته العريضة. "أهلاً وسهلاً. نحن عائلة روجين بالرضاعة ."
فابيان رفع حاجبه. بإستغراب "بالرضاعة؟"
"نعم." قال سيف الدين بصوته الهادئ العميق. "أمي أرضعت روجين عندما كانت طفلة. فصارت أختنا."
هاه...وكأنهم سيفهمون يا سيف ماذا عنيت؟
كاسيان نظر إليهم. كان صامتاً كعادته، لكن عينيه كانتا تتحركان بين وجوههم.
أليستير... أليستير كان ينظر إليّ. إلى إخوتي. رأيت في عينيه شيئاً. حسداً؟ أملاً؟ لا أعرف.
محمد مد يده ليأخذ قطعة خبز من السلة. إيلين صفعته على يده.
تهمس :
"محمد! ألا ترى توتر الجو!"
" ما الغريب؟ هذه عائلة أستور. روجين أخبرتنا بالفعل عن جوهم."
حدجته بحدة، تسكته.
فابيان نظر إليّ.
" أنا لا أفهم حقا إذا كانت لديك عائلتك لماذا أتيت لنا؟ وماذا تقربين لأستور بالفعل ؟ أنت معقدة."
قلت : " أبراهام أستور جدي من الأب. هذا ما تحتاج لمعرفته."
اندهش. نظر إليّ طويلاً :
" أبي لديه ابنين فقط وهما أنا وجاسبر فكيف اصبحت لديه حفيدة أخرى من إبن آخر لا نعلم عنه. "
حدقت بعينيه بعمق، أردد :
" من يعلم؟ لديه عائلة أخرى غيركم ربما، بما أنكم جميعا تخليتم عنه. "
صمت قاتل حل على المائدة، حتى محمد الذي كان يأكل توقف.
امتعض وجه فابيان، ورمقني بغيظ يحاول كبته، ثبتت نظراتي عنه، في حرب عيون باردة وحادة.
حتى انقطع الصمت لصدوح صوت سيرافينا.
سيرافينا تحدثت بصوتها الهادئ: "أنتِ محظوظة. بعائلتكِ هذه."
حولت مقلتاي إليها. ابتسمت بفخر : "أعرف."
نظرت إلى إخوتي. إلى سيف الهادئ، إلى إيلين مطأطأة الرأس، إلى محمد الذي يحاول أخذ الخبز من جديد.
"هم من علموني أن العائلة ليست بالدم فقط."
سيرافينا نظرت إليّ طويلاً. ثم قالت:
"أتمنى أن أتعرف عليهم أكثر."
ابتسمت. " إن رغبوا هم بذلك."
فابيان كان صامتاً. كان ينظر إلى أليستير، إلى كاسيان، ثم إلى إخوتي. ربما كان يقارن. ربما كان يفكر.
أما أليستير... أليستير كان ينظر إليّ. كانت عيناه تلمعان.
شمس الصباح كانت دافئة على وجهي. وعائلتي كلها كانت حولي. عائلة بالدم، وعائلة بالاختيار.
يا جدي... هل رأيت هذا؟ هل كنت تعلم أن جمعهم سيبدأ هكذا؟
نظرت إلى السماء.
عالمي المعتاد بدأ في الإنكسار، ليظهر عالم آخر غير معتادة عليه.
لكن... بتوكلي على الله، وبتسليم أمري لله، وبإذن الله، سأمضي فيه بدون أي ندم.
------------------
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
قراءة ممتعة 🌹
أستودعكم الله ♥️
Rimas☁️