أَوَّلُ الغَيث.

أَوَّلُ الغَيث.

15 0

كان صباح لندن يلف المدينة بضبابها المعتاد حين وقفت أمام المرآة أتأمل انعكاس وجهي.

فستان أبيض طويل من قماش حريري ناعم، به تصميم بسيط وأنيق. الفستان يغطي الجسم بالكامل مع تدرج لوني من الأبيض النقي إلى درجات أفتح من الكريمي قرب الحاشية، و حجاب كريمي يغطي شعري وصدري. ومعطف صوفي بنفس اللون. لا أريد أن أبدو متحدية، ولا خائفة. أريد فقط أن أكون أنا.

طرقات خفيفة على الباب.

"ادخل."

فتح سيف الدين الباب. بدلته السوداء الرسمية، ربطة عنق رمادية، مع معطف أسود، وجهه الهادئ كعادته. وقف على العتبة دون أن يدخل، ودون أن يتكلم. فقط نظر إليّ طويلاً.

"سأكون خلفك." قال أخيراً. "لن تتكلم عيناي. لكنهما ستراقبان."

هذا سيف الدين. لا يهدر الكلمات. حين يتكلم، يكون لكل كلمة وزنها.

"إيلين ومحمد؟"

"إيلين ذهبت للجامعة . لديها محاضرة في الخوارزميات لا يمكن تأجيلها. ومحمد... غارق في خرائطه. مشاريعه الهندسية تراكمت."

أومأت. خيراً. محمد لو جاء لملأ المكان بضحكه، لكن اليوم ليس يوم ضحك.

نزلنا إلى البهو. أمي مدت إلي حقيبة صغيرة: "خذي هذا. وجبة خفيفة. لا تدري كم سيطول يومك."

حسنا. تعلم أنني لن أتناول شيئا.

والتوتر يغزوني..

قبلت رأسها.

أبي وضع يده على كتفي: "تذكري يا بنيتي... أنتِ لست وحدكِ أبداً."

أومأت. أقبل رأسه.

خرجنا. كالبارحة السيارة السوداء تنتظر.

❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋

برج أستور القابضة كان شامخاً، زجاجياً، يعكس أضواء المدينة كمرآة لا ترحم. وقفت أمام بابه الزجاجي أشعر بصغري رغم أني أعلم أن بداخلي ما هو أكبر من هذا البرج.

أمس كان اجتماع مجلس الإدارة، أما اليوم فعلي رؤية نشاطات الشركة، وكيف أتعامل مع من يرفضوني..

آه..لدي الكثير من العمل.

منذ أن نبست بقبولي، أحضر المحامي مورغان العديد من الملفات يشرحها لي بوجود أبي، منها فهمت وضع الشركة.

سهرت الأربعة ليالي أدرس الملفات.

وحمدا لله حصلت على شهادة إدارة الأعمال في شهر.

إضافة إلى ذكائي التجاري وما علمني أبي.

والشكر أخيرا للكتب..لولاهم لكنت علكة بين كل فرد في الشركة.

التحدي الأول أمامي هو لإثبات جدارتي..

رغم أنني لا أهتم..لكن سير الخطة يقتضي ذلك.

سيف الدين وقف خلفي. لم يتكلم. فقط كان هناك.

دخلنا. استقبلتنا الموظفة، صعدنا المصعد، طوابق ترتفع بنا. كل شيء معقم، أنيق، بارد. كعائلة أستور نفسها.

مكتب مورغان في الطابق الخامس عشر، يطل على نهر التايمز. ينتظرنا.

"آنسة روجين. تفضلي."

جلست أمام مكتبه. سيف الدين جلس بجانبي.

نظر إليّ مورغان طويلاً. نبس :

" مستعدة ؟"

" بإذن الله"

"خلال عشر دقائق سيكون الجميع في قاعة الاجتماعات."

عشر دقائق. كل دقيقة منها كانت ثقيلة كالرصاص.

❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋

قاعة الاجتماعات كانت في الطابق الثلاثين. فسيحة، مهيبة، بطاولة خشبية طويلة تكفي لثلاثين شخصاً. الجدران زجاجية، تطل على لندن كلها، والمدينة تبدو صغيرة من هذا الارتفاع، كأنها لعبة في يد أحدهم.

جلست على رأس الطاولة. سيف الدين إلى جانبي. مورغان وقف بجانبي، والأوراق بين يديه.

بدأ الحضور يتوافدون.

الرجال والنساء ببدلاتهم الفاخرة، بمجوهراتهم التي تصرخ بالثراء، بنظراتهم الفضولية. بعضها متعاطف. و معظمها معادٍ. الكثير منها ينتظر فقط ليرى هذه "الطفلة" التي تجرأت على الجلوس في هذا المقعد.

كنت أحدق في كل وجه. أحاول أن أقرأ ما خلف العيون. لا شيء يخفى على من يعرف القراءة.

"السيد جاسبر أستور والسيدة روسيليا أستور."

فتح الباب، فدخل رجل في أوائل الأربعين، أنيق الملبس، ملامحه حادة، وعيناه تلمعان بغرور لا يخفى. خلفه، امرأة أشقراء تبدو في الاربعينات أيضا، فستانها أحمر ضيق، ومجوهراتها تتلألأ تحت الأضواء.

جاسبر. الابن الثاني للجد. عمي.

نظر إليّ بنظرة ازدراء واضحة، وجلس في الطرف المقابل دون أن يلقي تحية. أما روسيليا، فجالت بعينيها في ثيابي، ثم انحنت نحو زوجها وقالت بصوت منخفض لكنه مسموع:

"يا إلهي! بهذه الثياب تدعي ملكية شركة أستور؟! أنظروا إلى هذه الخرقة على رأسها! كأنها خارجة من الصحراء للتو!"

قهقهات خافتة ترددت. بعض النظرات ابتسمت بسخرية.

شعرت بيد سيف الدين تضغط على ذراع الكرسي، لكنه بقي صامتاً. كما طلبت منه. فهذه معركتي وحدي.

نظرت إلى روسيليا نظرة هادئة. انتظرت حتى توقفت عن الكلام، ثم قلت بصوت واضح، رنان، يملأ القاعة دون صراخ:

"السيدة روسيليا، يسرني لقاؤك اليوم. أتمنى أن تكوني بخير."

توقفت. كانت تنتظر رداً حاداً، تهجمياً. لم تحصل عليه.

أكملت: "أما بخصوص ثيابي، فهي تعبر عن هويتي وقناعاتي، وأنا أكنّ لها كل احترام كما أكنّ لثيابكِ كل احترام. لكل منا أسلوبه الذي يختاره. الأهم أن نلتقي جميعاً هنا اليوم لنعمل من أجل مصلحة الشركة التي تجمعنا. أليس كذلك؟"

صمت مطبق. لم تكن تتوقع هذا الرد الهادئ، المهذب، الذي يضعها في موقف المتطاولة دون أن أقول ذلك مباشرة.

حاولت أن ترد، فتحت فمها، ثم أغلقته. جاسبر نظر إليّ بعينين ضيقتين، لكنه لم يقل شيئاً.

استدرت إلى مورغان وقلت: "سيد مورغان، هل تفضلت بتقديم بقية الحضور؟"

توالت الأسماء. مدراء الأقسام، أعضاء مجلس الإدارة، مستشارون. كنت أراقبهم جميعاً، أحفظ الوجوه، أحلل النظرات.

ثم فتح الباب.

دخل رجل في أواخرالأربعين، أنيق، هادئ، بعينين خضراوتين عميقتين. مشيته واثقة لكن متعبة. خلفه، شاب في مقتبل العشرينيات، طويل، بملامح أبيه لكنها أكثر حدة، يختلف في لون عينيه فقط حيث لونهما بزرقة السماء الصافية، يقف كحارس لأبيه.

"السيد فابيان أستور، ونجله السيد كاسيان أستور، مدير قسم التطوير."

توقف قلبي للحظة. هذا هو أبي. هذا هو الرجل الذي لا يعلم أن الفتاة التي أمامه هي ابنته. وهذا أخي.

نظر إلي فابيان بنظرة باردة، لكنها لم تكن كبرود جاسبر. كانت نظرة محلل، باحث، يحاول أن يفهم.

جلس في مكانه بهدوء، ثم قال بصوت هادئ لكنه نافذ:

"لن أطيل عليكِ. أنا رجل أعمال، وأقدر الوقت. اسمكِ روجين، كما سمعت. لا نعرف عنكِ شيئاً. لا عائلتكِ، لا خلفيتكِ، لا مؤهلاتكِ. وفجأة، تظهرين بإسم أستور لترثي ثلث شركة عمرها مئة عام. هل يمكنكِ أن تفسري لنا هذا اللغز؟"

كاسيان أضاف، لكن صوته كان أقل هدوءاً، أكثر حدة: "نحن لا نشتري الغامض في أكياس يا آنسة. من أنتِ؟ وماذا تريدين حقاً؟"

نظرت إليهما طويلاً. إلى عيني أبي الخضراوين. إلى نظرة أخي المتحدية. في داخلي، كان قلبي ينبض بعنف، كان يصرخ، كان يريد أن يقول: "أنا ابنتك! أنا أختك!" لكن وجهي بقي هادئاً، جامداً، كقناع من حجر.

قلت بصوت هادئ:

"اسمي روجين أستور. عمري تسعة عشر عاماً. لا أملك خبرة في إدارة الشركات، ولا أدعي ذلك. لكني أملك شيئاً واحداً: ثقة الرئيس أبراهام بي. وهو من وضعني هنا."

توقفت. رأيت بعض النظرات الساخرة. أكملت:

"لكن قبل أن تحكموا علي، اسمحوا لي أن أسأل. سيد فابيان، بصفتك الابن الأكبر، أنت تعرف الشركة أفضل مني. هل يمكنك أن تخبرني عن أكبر ثلاثة تحديات تواجهها الشركة هذا العام؟"

نظر إليّ فابيان متفاجئاً. صمت قليلاً، ثم قال:

"أولاً، تراجع أرباح قسم التكنولوجيا بنسبة 15% هذا الربع. ثانياً، منافسة شرسة من شركات ناشئة في السوق الأوروبية. ثالثاً..."

توقف. نظر إليّ بعينين ضيقتين.

"هذا ليس وقت الامتحانات يا آنسة."

قلت بابتسامة خفيفة: "أنا لا أمتحنك يا سيد فابيان. أنا أتعلم. أكمل من فضلك."

نظر إليّ طويلاً. ثم قال:

"ثالثاً، انقسام داخلي في مجلس الإدارة بسبب الصراع على من سيخلف والدي."

أومأت. ثم التفت إلى أحد المدراء:

"سيد ريتشاردز، أنت مدير قسم التكنولوجيا منذ عشر سنوات، صحيح؟ في تقرير الربع الماضي، ذكرت أن سبب تراجع الأرباح هو تأخر إطلاق منتج جديد. ما سبب هذا التأخير بالضبط؟"

نظر إليّ ريتشاردز متفاجئاً. لم يكن يتوقع أن أعرف اسمه، ناهيك عن تفاصيل تقريره.

"ال... المنتج الجديد واجه مشاكل تقنية في المرحلة الأخيرة. نحن نعمل على حلها."

"كم من الوقت تحتاجون لحلها؟"

"ثلاثة أشهر تقريباً."

التفت إلى فابيان مجدداً: "سيد فابيان، في تقريرك الشهري، ذكرت أن شركة 'تك إيدج' الناشئة استحوذت على 5% من حصتنا السوقية في أوروبا خلال ستة أشهر فقط. هل لديكم خطة لمواجهة هذا؟"

صمت. القاعة بدأت تهدأ تدريجياً. النظرات الساخرة بدأت تتحول إلى دهشة.

فابيان نظر إليّ بإمعان. قال: "نعم. لدينا خطة لتحديث خط إنتاجنا وإطلاق حملة تسويقية في أوروبا."

"ما ميزانية هذه الحملة؟"

"خمسة ملايين جنيه."

"وهل هي معتمدة في ميزانية هذا الربع؟"

"لا. نحن في انتظار موافقة مجلس الإدارة."

التفت إلى جاسبر: "سيد جاسبر، أنت رئيس اللجنة المالية. ما رأيك في هذه الميزانية؟"

جاسبر نظر إليّ بازدراء: "هذه الميزانية مبالغ فيها. يمكننا تخصيص ثلاثة ملايين فقط."

قلت: "وهل درست تأثير خفض الميزانية على نجاح الحملة؟"

صمت. لم يجب.

التفت إلى أحد المستشارين: "سيد تومسون، أنت خبير تسويق. كم تحتاج حملة بهذا الحجم لتحقق هدفها؟"

تومسون نظر إلى جاسبر، ثم إليّ. قال: "خمسة ملايين هي الحد الأدنى لتحقيق الهدف. ثلاثة ملايين ستضيع هباءً دون نتيجة."

صمت. جاسبر احمر وجهه.

استمر الاجتماع ثلاث ساعات كاملة. سألت عن كل شيء: عن عقود الموردين، عن خطط التوسع، عن نسب الربحية، عن استراتيجيات التسويق، عن مشاكل الموظفين. كل سؤال كان يظهر أنني درست ملفات الشركة جيداً، وأنني لم آتي لألعب.

النظرات تغيرت. بعضها أصبح يحمل تقديراً، بعضها خوفاً، وبعضها حقداً أكبر.

فابيان كان صامتاً معظم الوقت. لكن عينيه كانتا تتبعاني. كانتا تحللان، تدرسان، تبحثان عن شيء. بين الحين والآخر، كان يتبادل نظرة مع كاسيان، وكأنهما يتحدثان بدون كلمات.

في النهاية، اختتمت الاجتماع وقلت :

" أخيراً، سيتم إنشاء فريق استشاري، مكون من مستشار مالي، مستشار قانوني والذي هو المحامي مورغان، ومستشار الإستراتيجية والأعمال، مستشار الموارد البشرية، ومستشار تقني. سيتم اختيارهم بعناية فائقة، إما من خارج الشركة أو داخلها. إذا هل لدى أي أحد منكم أي استفسار؟ "

أمعنت النظر في كل واحد فيهم. تحدث أحد المدراء :

" ما متطلبات كل إستشاري ؟ "

ابتسمت بعملية. أردف :

" سؤال جيد. تحديد متطلبات كل استشاري يعتمد على "ماذا سيقدم ؟ "

ثم الخبرة، سرعة البديهة، أن يكون واسع الأفق، سأضع الشروط المطلوبة لكل مستشار، سيتم منح فرص للأفراد داخل الشركة، وبالطبع القرار الأخير يرجع لي. "

أنهيت كلامي. دققت النظر فيهم من جديد وقلت :

" هناك استفسار آخر ؟ "

صمت الجميع. إذا لا سؤال. نطقت :

"شكراً لوقتكم. أعلم أن وجودي هنا مفاجئ للجميع، وأعلم أن الكثيرين لا يثقون بي. لكنني أعدكم بشيء واحد: سأعمل بجد لأتعلم، وسأستمع إلى كل ذي خبرة، وسأضع مصلحة الشركة فوق كل اعتبار. من أراد مساعدتي، فبابي مفتوح. ومن أراد معاداتي، فهذا اختياره. لكن تذكروا شيئاً واحداً: نحن جميعاً هنا لخدمة شركة ظلت شامخة لمئة عام. فلنكرم ذكراها معاً."

نهضت وخرجت. سيف الدين خلفي.

في الممر، وقف فابيان ينتظرني. كاسيان إلى جانبه. كانا وحدهما.

نظر إليّ فابيان طويلاً. عيناه الخضراوان تفحصان وجهي بتركيز غريب. للحظة، رأيت شيئاً يتغير في نظراته. حيرة. تساؤلاً. ربما... ذكرى بعيدة.

"أنتِ..." قال بصوت منخفض. "عيناكِ... فيهما شيء... لا أدري."

كاسيان نظر إلى أبيه باستغراب: "أبي؟"

هز فابيان رأسه وكأنه يطرد فكرة سخيفة. عادت نظراته الباردة.

نطق ينظر إلى سيف: " إذا من هذا؟! وريث ثانٍ "

ابتسمت : " هذا سيف الدين أخي، سيكون معي أغلب الوقت بالطبع "

تساءل بتفاجأ : " أخيك؟! "

وضحت : " أجل أخي، ليس أستور، لذا لا تخف. "

"لا يهم. المهم أن أعطيكِ نصيحة. هذه الشركة ليست لعبة أطفال. ما فعلته اليوم كان ذكياً، لكنه لا يكفي. أثبتي نفسكِ في الميدان، ليس في قاعة الاجتماعات."

نظرت إليه. إلى الرجل الذي لا يعلم أنه أبي. إلى العيون التي ورثتها منه.

قلت بصوت هادئ، جامد: "سأفعل يا سيد فابيان. شكراً لنصيحتك."

انصرفت. خطواتي كانت ثابتة، واثقة. لكن في داخلي، كان قلبي يتحطم إلى ألف قطعة.

سيف الدين وضع يده على كتفي. لم يتكلم. فقط بقي معي.

بعد أن ابتعدنا بما يكفي، همست بصوت لا يكاد يسمع:

"لنذهب إلى القصر."

❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋

السيارة خرجت من لندن باتجاه الشرق. سيف الدين خلف المقود، ومورغان إلى جانبه، وأنا في الخلف أحدق في المناظر المتغيرة. المدينة تبتعد، وتحل محلها أرياف خضراء، ثم غابات كثيفة.

ساعة كاملة من الصمت. لا أحد يتكلم. كل منا غارق في أفكاره.

ثم وصلنا.

طريق معبد جميل، تصطف على جانبيه أشجار عالية كحراس صامتين. بوابة حديدية ضخمة، مزخرفة برسومات عتيقة. حارسان يرتديان زياً رسمياً أنيقاً يفتحان البوابة بعد إشارة من مورغان.

ثم الغابة. أشجار كثيفة تحيط بالطريق من كل جانب. سرنا لدقائق، والغابة تزداد كثافة.

وفجأة... انكشفت.

قصر.

قصر ضخم من الحجر البيج الذهبي، برجان عاليان، نوافذ واسعة تطل على حدائق خضراء ممتدة. نافورة رخامية ضخمة في الأمام، مياهها تتلألأ تحت الشمس كالألماس.

سيف الدين أوقف السيارة ونظر إلى القصر طويلاً. صمت. ثم قال بصوته الهادئ العميق:

"هذا ليس قصراً. هذا عالم ثانٍ."

نظرت إليه.

"الآن فهمت لماذا اختاركِ جدي. أنتِ الوحيدة القادرة على حمل هذا الثقل."

كلماته كانت ثقيلة، عميقة. لم أرد. فقط نزلت من السيارة.

فتح الباب الرئيسي. خرج عدة أشخاص يرتدون زياً موحداً. تقدمتهم سيدة في الستين، شعرها أبيض كالثلج، وعيناها زرقاوان ذكيتان. وقفت تنظر إلينا.

"سيد مورغان؟ لم نُبلَغ بزيارة."

"مارثا العزيزة، هذه الآنسة روجين أستور. المالكة الجديدة لهذا القصر."

اتسعت عيناها. نظرت إليّ طويلاً. من رأسي حتى أخمص قدميّ. كانت تفحصني، تحللني، تقرأني. ثم انحنت باحترام:

"آنسة روجين... نعتذر عن عدم معرفتنا. نحن في خدمتك. أنا مارثا، كبيرة الخدم هنا منذ وأربعين عاماً."

تقدمت منها وابتسمت: "سررت بلقائك يا مارثا."

رفعت رأسها. في عينيها، رأيت شيئاً تغير. تقديراً. فضولاً. ربما أملاً.

"هذا شرف لي يا آنستي. تفضلي."

دخلنا القصر.

البهو كان فسيحاً بشكل لا يوصف. سقفه عالٍ مرصع بلوحات جدارية تحكي قصصاً قديمة. ثريا كريستالية ضخمة تتوسط السقف. أرضيات رخامية مصقولة تعكس الأضواء. سلالم رخامية تؤدي إلى الأدوار العليا، مزينة بتماثيل صغيرة.

كل شيء نظيف، مرتب، يلمع. عطر الزنابق يفوح في كل مكان.

سيف الدين وقف في وسط البهو، رفع رأسه إلى السقف. قال بصوت هادئ:

"بيتنا في بلادنا كان كبيراً. ظننته فخماً يوماً. هذا المكان... يذكرك أنك مجرد نملة في تاريخ طويل."

تجولنا. صالات الاستقبال المتعددة. غرفة الطعام التي تتسع لخمسين شخصاً. المكتبة الضخمة بجدرانها المغطاة بالكتب القديمة. الحديقة الخلفية كسجادة خضراء.

سيف الدين كان صامتاً، لكن بين الحين والآخر، كان يطلق تعليقاً ثقيلاً:

"هذه الغرفة... تصلح لاجتماعات العائلة كلها. لو اجتمعوا."

"هذه المكتبة... ستحتاجين عمراً كاملاً لقراءة كل كتاب. ربما لا يكفي."

"هذه النافذة... تطل على حديقة تكفي لأن يكون لجدي حديقة خاصة به. معزولاً عن الجميع."

تعليقاته لم تكن مرحاً. كانت عميقة، تجعلك تفكر في العزلة، في الوحدة، في هذا الرجل الذي عاش هنا وحيداً.

وصلنا إلى الطابق العلوي. غرفة مغلقة.

قال مورغان: "هذه غرفة السيد أبراهام الخاصة. لم يدخلها أحد منذ رحيله."

فتح الباب.

غرفة متوسطة الحجم، بسيطة مقارنة بفخامة القصر. مكتب خشبي ثقيل، كرسي جلدي عتيق، رفوف كتب، ولوحة على الجدار لامرأة جميلة بعينين زرقاوين. جدتي.

تقدم مورغان نحو المكتب، ضغط على زر خفي تحت الطاولة، فانزلق جزء من الجدار ليظهر باب حديدي صغير.

"الخزنة هناك."

تقدمت نحو الباب الحديدي. أخرجت المفتاح العتيق. كان ثقيلاً، بارداً. وضعته في الثقب. أدرته.

صوت ارتطام معدني. فُتح الباب.

خلفه، خزنة كبيرة. فتحتها.

داخلها، كانت الملفات مرتبة بدقة. عشرات الملفات بألوان مختلفة، تحمل أسماء وأرقاماً. وفي الأسفل، مذكرات عديدة، بخط يد جدي، مجلدات سميكة.

وقفت أمام هذا الكنز. شعرت بثقل الأمانة على كتفي.

سيف الدين اقترب مني بهدوء. نظر إلى الملفات، ثم إليّ.

"روجين..."

نظرت إليه. كان جاداً، عميقاً، كعادته.

"سأحتاج وقتاً طويلاً لقراءة كل هذا."

هز رأسه: "لديكِ وقت، العمر كله أمامكِ، المهم أن تبدأي."

التفت إلى مورغان: "ساعدني في نقل هذه الملفات إلى المنزل. سأبدأ دراستها الليلة."

غادرنا القصر، في السيارة، في طريق العودة، نظرت من النافذة إلى القصر الذي يبتعد خلفنا.

تذكرت نظرة فابيان، تلك الحيرة في عينيه، ذلك التساؤل.

تذكرت كاسيان ودفاعه عن أبيه.

تذكرت جاسبر وغروره.

تذكرت روسيليا وسخريتها.

كلهم لا يعلمون، كلهم يعيشون في جهل.

وفي داخلي، كان هناك صوت يهمس: "أنتِ الآن وحدكِ يا روجين، وحدكِ مع هذا السر، وحدكِ مع هذه الأمانة."

لكنني لست وحدي، سيف الدين إلى جانبي، وعائلتي تنتظرني في المنزل، وإيلين ومحمد سيملأون المكان بضحكهم غداً.

والجد... الجد يراقبني من حيث هو، ينتظر أن أثبت أن ثقته لم تكن في غير محلها.

كل شيء يسير حسب الخطة، وسننتقل للخطوة التالية قريبا.

أغمضت عيني، وهمست: "سأفعلها يا جدي، سأكون عند حسن ظنك، مهما كلفني الأمر، وبإذن الله."

❋ ❋ ❋ ❋ ❋ ❋

قراءة ممتعة 🌹

أستودعكم الله ♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

السُّدفَة || Before the Dawn Breaks.

المؤلف Rimas☁️
2026/04/03 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة