توقف العالم فجأةً عن الدوران...
توقفت قدماي عن حملي،
وكأن الأرض سَحَبت من تحت أخمص قدمي بساط الطمأنينة.
وجدت نفسي في واحة ضجيج غريبة،
حديقة عامة تعج بالأطفال
الذين يحملون براءة كانت يوماً لي.
خُطوَتَي تثقلان كلما تقدمتا،
كأنهما تحملان أسراراً لم يعد بمقدوري إخفاؤها.
جذبتني زاوية بعيدة،
مقعد خشبي يحمل ندوب الزمن،
كقلبي الذي بدأ للتو يكتشف ندوبه الخفية.
جلست كطائر جريح تحت ظل شجرة عتيقة،
أراقب السماء عبر شبكة الأغصان،
كما تراقب الحقيقة عبر حجاب الوهم.
قبل ساعة فقط...
كانت الكلمات لا تزال معلقة في الهواء
كروائح غريبة تتنبأ بعاصفة قادمة:
"السيد مورغان يود الحديث عن والداك...
وعائلة والدك."
كانت العبارة كسكين دافئ ينغرز في الصمت.
"عائلة والدي..."
صدى الكلمات تدحرج في فراغ روحي،
كل مقطع لفظي كان مسماراً في نعش قلبي.
شعرت وكأن جذوري تُقتلع من الأرض
التي ظننتها وطني الوحيد.
نظرت إلى أبي...
رأيت القلق يرقص في عينيه
كظلين خائفين يبحثان عن مأوى.
ثم كان هو...
الرجل ذو البدلة السوداء التي تلمع
كغروب مظلم في ليلة بلا نجوم.
عيناه الزرقاوان كبحرين متجمدين،
يخفيان تحت سطحهما الهادئ أعماقاً مجهولة.
"رُوجِين... هل أنت بخير؟"
كان صوت أبي كورقة خريف متأخرة
تتهاوى في مهب ريح الشتاء الأولى.
كيف أجيب وأنا لا أعرف من أصبحت؟
ثم جاء صوته...
صوت المحامي إيفيلين مورغان،
ناعم كالحرير، حاد كالزجاج:
"آنسة رُوجِين... أعرف ثقل ما سأحمله إليك،
لكن أتوسل إليك أن تمنحيني أذنك لبرهة،
ثم لك كل الحرية في أن تحكمي على ما تسمعين."
نظرت إلى أعماق عينيه الزرقاوين
فوجدت محيطاً من الألم والأمل المختلطين.
التفت إلى أبي فرأيته يشجعني بنظرة
كأنه يقول: "اثبتي...فالعواصف لا تدوم."
أطبقت جفنيّ كمن يستعد للغوص
في بحر عميق مجهول.
"تفضل يا سيد مورغان..."
ابتسم ابتسامة خفيفة
كشعاع فجر يتسلل عبر ستائر مغلقة.
أنزل يده إلى جيبه الداخلي ببطء،
كأنه يستخرج كنزاً مدفوناً من أعماق التاريخ.
وضع على الطاولة بطاقة بيضاء صغيرة
كانت كقطعة أحجية مفقودة
من صورة كنت أظنني أكملتها.
"اسمحي لي أن أقدم نفسي...
إيفيلين مورغان، محامي عائلة أستور.
لقد كلفني كبير العائلة ...جدك، بمهمةإعادتك..."
وتلاشت الكلمات...
وتبقى الصمت وحده...
يحمل بين ثناياه أسئلة أكثر من كل الإجابات التي طالما ظننتها يقينية.
والبطاقة البيضاء الصغيرة كانت كباب سري،
يفتح علي عالم كنت أجهل أنني أحمل مفاتيحه في دمي.
في ظلّ صمت الغرفة المهيب، انزلقت البطاقة نحوي كرسالة من عالمٍ منسيّ... حملتُها بين راحتيّ كحمامة غريبة، حروفها الإنجليزيّة تتوهّج كوشمٍ على جلد الوقت. قرأتُ: "إيفيلين مورغان - محامٍ خاص، ورئيس القسم القانوني لمجموعة أستور". لم تكن مجرد بطاقة، بل مفتاحٌ لماضٍ مُقفل.
أعدت البطاقة إلى الطاولة، واتّجهت عينايَ نحو الرجل الذي استرسل في كلامٍ كالمطر الهاطل... حديثه عن عائلة أستور، عن الجدّ المريض في المشفى، عن رغبة أخيرة في رؤيتي - كآخر أمانيه. كلّ كلمة كانت حجرًا يثقب سطح بركتي الهادئة.
التفتُّ إلى أبي مُستنجدَةً بنظرة، لكنّ عينيه كانتا كالنافذتين المُغلقتين... صمتٌ بليغ. أما هو - المحامي - فابتسامةٌ واثقة تعلو محيّاه، كأنّها تعرف أكثر مما تنطق.
وفي أعماقي، ثارت عاصفة... تسعة عشر عامًا من الغياب، ومن بعد رحيل أمي وحزنها الدفين، يأتون الآن كأنّما الحياة لعبة أوراقٍ نُشرت فجأة. تماسكتُ، وحاولتُ أن أُلقي سؤالاً يحمل شيئًا من الرفض:
" سيد مورغان، لا بدّ أنك تَمزح... ألديك دليل تقدمه لي؟ "
لكنّه، وكأنه توقّعَ كلّ كلمة، أخرج من حقيبته ظرفًا كبيرًا... مدّه إليّ والابتسامة لا تزال تَرسم أسرارها على شفتيه:
"تمامًا كما توقّع السيد أبراهام أستور... أنك لن تُصدّقني من النظرة الأولى. هذا الظرف لك. افتحيه. "
حملتُ الظرف بين يديّ كأنه قلبٌ نابض بالغيب. كيف عرفوا؟ كيف توقّعوا عدم تصديقي؟
همسَ بصوته الهادئ:
" فيه صورٌ لأمك...ولأبيك، وفيه إثبات أبوّة. "
اهتزّت يداي، فضولٌ مؤلم دفعني لأفتحَه... وبين أصابع مرتعشة، انزلق أول السرّ: صورة أمي... مع رجلٍ ظننتُه أبي. لكنّ عينيّ لم تلتفتا إليه، بل تعلّقتا بها هي... بذلك الوجه الذي يبتسم ابتسامةً لم أرها من قبل...ابتسامةٌ مشرقة، ناعمة، خالية من ثقل السنين. شَعرها الأشقر الطويل يلمع، وعيناها اللازورديتان تشعّان حياةً، وخدّان ورديّان كالفجر.
كانت هذه الأم... غير أمي. أمي التي عرفتها كانت تبتسم أيضًا، لكنّ ابتسامتها كانت تحمل غيمة حزنٍ دائمة، وليس هذا النقاء البهيّ.
وقف الزمن... وتساءلتُ في صمت:
كم عانيتِ يا أمي؟
كم من الوجع غيّر ابتسامتك من نبعٍ فرحٍ إلى صدى حزن؟
نظرتُ إلى الرجل في الصورة، إلى "والدي"، فشعرتُ كأنّني أنظر في مرآةٍ قديمة. عيناه عيناي، وشفتاه منحنى شفتي... كأنّ جزءًا منّي قد سُرق منّي قبل أن أولد.
لطالما أحبت أمي النظر لعيناي...لقد رأت فيهما عينا شخص أحبَّته.
غصّةٌ مُرّة تموج في صدري. إلى هذا الحدّ وصل حبّك يا أمي؟ رغم الألم، رغم الغياب، رغم القلب المُحطَّم... لم تسمحي للكراهية أن تنبت في قلبك تجاهه. أيّ حبٍّ هذا الذي يشبه الجنون؟ وأيّ جرحٍ هذا الذي يشبه السكون؟
وضعتُ الصورة جانبًا وكأنّني ألمس جمرًا. مددتُ يديّ إلى الأوراق الرسمية... فإذا بالحروف اللاتينية ترقص أمام عينيّ: "رُوجِين لورنس". وتحتها... اسم الرجل الذي منحني هذه الملامح: "فابيان أستور". ولكنّ العبارة التي حرقت روحي كانت تلك التي في الأسفل: "علاقة أبوة".
ألقيتُ الملفّ على الطاولة وكأنّني أتخلّص من ثعبان. صوتي ارتعش حين سألتُ:
" كيف حصلتم على عيّنة منّي لهذا الاختبار؟ "
" كلّ شيء سيتّضح عندما تلقين جدّك... ومعلوماتي محدودة. لا يمكنني إخبارك بما لا أعلم. "
إنّهم عمالقة... عائلة أستور. الحصول على خصلة شعرٍ من رأسٍ نائم ليس صعبًا على مَن يملكون العالم. الصور والأوراق تثبت الحقائق... ولكنّ شيئًا في أعماقي يرفض الاستسلام. شيءٌ يتمسّك بأبي الذي ربّاني، بصمتِ أمي الحزين، بحياتي البسيطة.
ثمّ أخرج الرجل الأوراق الأخيرة، وكلماته تتدفّق كثقب أسود:
" هذه وثائق حصولك على الجنسية البريطانية... بمجرّد توقيعك، تصبحين مواطنةً بريطانية. "
ابتسمتُ ابتسامةً ساخرةً مُرّة. كلّ شيءٍ جاهز... صورتي، تاريخ ميلادي، حتى عيّنة الحمض النووي. إلى هذا الحدّ كان حبّ أمّي غير عاديّ... إلى درجة أن يجعل منّي لغزًا قانونيًّا ينتظر الحلّ.
رميتُ كلّ شيءٍ على الطاولة. غضبٌ عارمٌ، لا أدري من أين جاء، ارتفع في صدري:
" انتهيت؟ "
كانت كلمتي كالصفعة. تململ الرجل في مكانه، ثمّ قال بنبرةٍ أخيرةٍ هادئةٍ وخطيرة:
" نعم، انتهيتُ. سأنتظر خارجًا لو قرّرتِ الموافقة. رقمي على البطاقة. وسأقول لكِ شيئًا أخيرًا... جدّك في وضعٍ حرج. كلّ دقيقة تضيعينها قد تكون ندماً أبديًّا. هذا الكلام لا يصدر عن محامٍ... بل عن إنسانٍ يخاف عليك من الندم. "
مع آخر كلمة... غادر. وتبعَه أبي كظلٍّ حزين.
ألقيتُ رأسي للخلف، غارقةً في دوّامةٍ من المشاعر المتناقضة. كلماته الأخيرة اخترقت صدري كسهمٍ من نار. نهضتُ فجأةً... وخرجتُ أركض دون أن أنظر إلى أمّي التي نادَتني، أو إلى أبي الذي مررتُ بجواره كالريح.
خرجتُ من البيت مسرعة... وكأنّني أبحث عن جزءٍ منّي ضاع في زحام هذا السرّ المفاجئ.
حتى قادتني قدامي إلى هذه الحديقة.
انبثقت من دوّامة أفكاري على صوت ناعم كنسيم الصباح... فتحتُ عينيّ فألفيتُ طفلاً صغيراً واقفاً أمامي، تنظر عيناه الفضوليّتان إلى عالمي ببراءة تذوب فيها الأَسْئلة.
ابتسمتُ لا إراديّاً وسألتُ:
- "ما بك أيّها الصغير؟ أَضَعْتَ أمّك؟"
هزّ رأسه بجدّيّة تملّكها، ثمّ اقترب خطوةً وهو يقول بنبرة يختلط فيها الاعتزاز بالبراءة:
- "لستُ صغيراً! أمّي وأخوتي يقولون إنّي رجل البيت... ورجل البيت يجب أن يكون كبيراً. لذا أنا كبير. ولا، لست ضائعا."
اتّسعت ابتسامتي لبراءته التي تملأ الكون نوراً، فأومأت له بالجلوس بجانبي:
- "حسناً يا رجل البيت، تعال واجلس بجانبي إن أردتَ."
حاول الصعود إلى الكرسي بجديّة تُذكّرني بصعود جبل، فأمسكت بيده الصغيرة وساعدته برفق. ثمّ جلس بجانبي وهو يهمس بشكوى طفوليّة:
- "أمّي تقول لي دائماً: كُل الخضار لِتَكْبُر... وأنا آكلها لكنّي لا أَكْبُر!"
ظهر الاستياء على محيّاه البريء، فمرّرت أصابعي في شعره الناعم وأنا أقول:
- "أتصدق؟ حين كنتُ في مثل سنّك، كانت أمّي تقول لي الشيء نفسه... وكنت آكلها، والناس يقولون لأمّي: "ابنتك تَكْبُر بسرعة!"... فما تقوله والدتك صحيح."
تلمّعت عيناه ببريق من الأمل، واقترب يمسك مرفقي ويهزّه بسؤال:
- "حَقّاً؟"
- "بالتأكيد."
أومأت برأسي تأكيداً، فابتعد قليلاً وعلت محيّاه سحابة حزن طفوليّ. انحنيتُ نحوه أسأله:
- "ما بك الآن يا رجل البيت؟"
- "ما بك أنتِ؟... ثمّ اسمي يوسف."
اندهشتُ من سؤاله المفاجئ، فحوّل نظرته إلى عينيّ وقال بجدّيّة:
- "اقتربي... سأخبرك بشيء."
اقتربتُ منه وأنا لا أزال تحت وطأة الدهشة... فمدّ يده الصغيرة ولمس جفني بلطف، ثمّ قال بنبرة حكيمة تفوق سنّه:
- "علّمتني أمّي: أن نقبل موضع الألم فيشفى... وعيناك تتألمان وتبدوان حزينتين. لذا قبّلتهما."
في تلك اللحظة، ذابت كلّ الغيوم في صدري... فبراءة طفلٍ صغيرٍ جاءتني بلسمًا، وكلماتٌ قليلة من قلب نقيّ، كانت أقوى من كلّ خطابات العالم.
وَلَمَعَت عيناي في اللحظة التاليّة، والحرقة تَذْرِفُ على خدّي. مسح الصبيّ الصغير دموعي بيديه الناعمتين متسائلاً:
"أتَتألّم عيناكِ كثيراً؟ لَمَ لا تَشفَيانِ؟ أمّي تَشفى ما أن أُقَبِّلُها.. ماذا حَصَلَ؟"
انفجرَتِ العَبراتُ من أعماقي، ولم أستطع كبحَ سَيلِها. طفُلٌ صغيرٌ تحيط براءتُه حزني، ويحملُ قلبه الصغير طاقةً تَكفي لِتَحْمِلَ أوجاعي.
حاولتُ منعَ دموعي، لكنّها انهارَت كَسَدّ قديم. يبدو أنّني راكمتُ مشاعري طويلاً... حتى جاءَ صبيٌّ بريءٌ بكلماته العفويّة لِيُزيلَ السّدَّ.
ثمّ جاءتِ الصّدمةُ التي لم أكنُ أتوقّعُها...
وقفَ "يوسف" فوقَ الكرسيّ ليُصبحَ بطولي تقريباً، وأحاطني بِذِراعيه الصغيرتين، يربّتُ على رأسي المُنحني فوق صدره، ويخبطُ برفقٍ على ظهري... دونَ كلمةٍ واحدة.
كانت حركاتُه كافيةً لأن أَنْفَجِرَ بِبُكاءٍ صامتٍ لم أعرفه من قبل.
بين أحضانِ طفلٍ صغير، تدفّقت مشاعري كَحُمَمٍ بُركانيّة، ذابَتْ عضلاتي المُتشنّجة، وانحلّتْ عُقَدُ حنجرتي، وأصبحَ صوتُ ألمي مسموعاً لأوّل مرّة.
والعَجَبُ أنَّ "يوسف" لم يتحرّكْ شبراً واحداً... بَقِيَ يُربّتُ ويُخبطُ بِصَمتٍ حاني، كأمٍّ حنونٍ تعرفُ أنّ الصّمتَ أبلغُ من كلّ كلمة.
بَقِيتُ على حالِي هذه زمناً... ثمّ ابتعدتُ عنه وأجلستُهُ أمامي.
ابتسمتُ لهُ من بين الدّموع وحاولتُ الكلام، لكنّ الغصّةَ في حَلقي تمنعُني...
حاولتُ ابتلاعَها، ثمّ استرسلتُ:
"شُكراً يا يوسف الكبير... أصبحتُ بِخيرٍ الآنَ بِفَضْلِك."
اتّسعتِ ابتسامتُهُ وغَمرَ السرورُ وجههُ الطفوليّ، فقال:
"حَقّاً؟ أنا سعيدٌ لأنّني ساعدتُكِ...ولماذا أنتِ حزينةٌ؟ ربُّكَ في السّماءِ يَهْتَمُّ بِكِ ولا يُريدُ حُزْنَكِ."
ثمّ اقتربَ وهمسَ بسِرٍّ:
"سأخبرُكِ سرّاً... أمّي تقولُ: إذا كانت لي أمنية، كلّ ما عليَّ فعله أن أتوجّهَ إلى الله وأطلبَها. فهو خالقي ويحبّني، وسيحقّقُ أمنيتي."
توقّفَ قليلاً ثمّ أكملَ بنبرةٍ واثقة:
"وفعلتُ ما قالَتْه... وكنتُ أتمنّى رؤيةَ أبي الذي في السّماء عند الله. ورأيتُهُ في المنامِ! حتّى أمّي لم أخبرْها... لأنّها تحزنُ كلّما ذكرتُهُ. أخبرتُكِ فقط كي تُصدّقيني."
طوالَ حديثهِ، كانتِ البسمةُ تَزهو على شفتيه. ما أدهشني حقّاً هو معرفتُهُ الفطريّةُ بكلّ هذهِ الحقائق. عباراتُهُ العفويّةُ احتضنتْ قلبي المُنكمشَ وذكّرَتني:
أنَّ هناكَ ربّاً يُحبّني... وكما خلقَ الحزنَ في داخلي، فقد خلقَ السّلوانَ والعزاءَ.
كيفَ نسيتُ هذا؟
يا ربّ... ما أَعظَمَكَ! أَرْسَلْتَ لي صبيّاً صغيراً بفطرتهِ النقيّةِ ليُذكّرَني بأنّكَ معي.
فذابتِ السّكينةُ في قلبي، وتبدّدَ ضيقُ صدري كأنْ لم يكُن.
مددتُ يدي وأدخلتُهُ بين أحضاني، ألاعبُ شعرَهُ الناعمَ وأبتسمُ ابتسامةً تَنبعُ من أعمقِ روحي:
"شكراً لكَ يا يوسف... ذكّرتَني بأمرٍ كنتُ قد نَسيتُه: وجودِ اللهِ بجانبي، معي أينما كنتُ."
هزَّ رأسهُ الصغيرُ بكلّ براءةٍ:
"لا داعيَ للشّكرِ... أنا فقط قلتُ لكِ ما قالَتْه لي أمّي."
توقف فجأة عن الكلام، وتلألأت عيناه بذكرى نسيَها، ثم نقر على جبهته الصغيرة بطريقة طفوليّة مضحكة.
سألته باهتمام:
- "ما الذي تذكّرته؟"
- "تذكّرت أمي... ستُصاب بالهلع إذا لم تجدني! تركتها مع الجارات. لم أبتعد حتى رأيتكِ جالسة هنا تُغمض عينيكِ، فظننتكِ ميتة."
ضحكتُ من خياله الواسع:
- "ميتة! ما أوسع خيالك... هيا نساعدك في البحث عن أمك."
- "لكنّي... قد أتوه!"
كانت ابتسامتي هي جوابي. أمسكتُ بيده الصغيرة، وساعدته في النزول من الكرسي، وانطلقنا معًا في البحث.
مشينا في الحديقة وكأنّنا في رحلة استكشاف، وكان يوسف يثرثر بسرد أحداث مدرسته ويومه، بصوته النقي الذي يشبه تغريد العصفور.
وفجأة... توقف. أفلتَ يدي واندفع نحو سيدة كانت تُدير ظهرها لنا.
- "ماما!"
أدارت المرأة وجهها... وما إن رأته حتى انفرجت أساريرها، وانحنت تلتقطه بين ذراعيها، تضمّه بقوّةٍ كأنها تخشى أن يذوب بين يديها. ردّة فعلها كانت تختصر كل معاني الأمومة: ذلك الخوف الحلو، والقلب الذي ينبض خارج الصدر.
المشهد أذاب شيئًا في صدري... تذكرتُ حضن أمي الدافئ الذي كان يستقبلني كلّما عدت من المدرسة. ذلك الحضن الذي كان يمحو تعب العالم بكلمة: "ابنتي".
نفضتُ الذكريات من رأسي، وتقدّمت نحو الأم وطفلها. نظرت إليّ وهي لا تزال تحتضنه، وابتسمت ابتسامةً فيها كلّ الامتنان:
- "أشكركِ لاهتمامكِ بِصَبَّيِّ... لا بدّ أنه أزعجكِ."
- "على العكس... صغيركِ هذا هو من اهتمّ بي وواساني في لحظةٍ كنتُ بأمسّ الحاجة إليها. أحسنتِ تربية ابنكِ... فقلبه كنزٌ من الطيبة."
نظرت إلى يوسف وهو يلعب بحجاب أمه الطويل، ثم رفع عينيه نحوّي مبتسمًا، كأنه يقول: "أرأيتِ؟ أمي كانت محقّة".
وفي تلك اللحظة، كنتُ أرى أكثر من مجرد طفل وأم... كنتُ أرى دوامةً من المشاعر: غبطة اللقاء...وحرارة الحضن...وصدق الامتنان. كانت صورةً تذكّرني بأنّ الحياة، رغم كلّ تعقيداتها، ما تزال تحتفظ بلحظاتٍ نقيّةٍ كندى الصباح.
لامست كلماتُي شغافَ قلبها كما تلمسُ النورُ براعمَ الزهر. ابتسامةٌ دافئةٌ اتّسعت على شفتيها، ثمّ دنت منّي وأمسكت يدي بين كفّيها تُربّتُ عليها برفق، وكأنّها تنقلُ إليّ دفءَ قلبها عبر اللمسة:
"بل أنتِ الطيّبة... قلْبُكِ النقيّ هو الذي جعل ابني ينجذب إليكِ هكذا. لا أعلم ما الذي تمرّين به، ولكن تذكّري دومًا: الله هنا."
رفعت إصبعها نحو السماء، وعيناها تلمعان بحكمةٍ هادئة:
"على عرشِه استوى، ينظرُ إليكِ من فوق سبع سماوات... ينتظرُ أن تلجئي إليه، تتوكلي عليه، فيقول للشيء: كُنْ فيكون. الله أرحم الراحمين بمخلوقاته. مجرّد معرفة هذا يملأ القلبَ اطمئناناً. الدنيا دار امتحان... نأتي لها بلا شيء، ونغادرها بلا شيء، سوى أعمالنا. لِيُنوِّرِ اللهُ بصيرتَكِ، وليزرعْ في قلبكِ الطمأنينةَ والسكينة."
اغتسلَ قلبي بنقاءِ كلماتها... فاجتمعتْ مشاعرُ الاحترام والحبِّ نحوها ونحو طفلها، مع موجاتِ الطمأنينة التي بدأت تُذيبُ صقيعَ روحي. رأيتُ في عينيها القناعةَ الحقيقية، والرضى الذي لا يحتاج إلى دنيويات.
ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً كالنسيم:
"نعم... أؤمنُ بالله. جزاكِ الله خيراً. كلماتُكِ استقرّت في أعماقي كالندى على الأرض العطشى... بدّدتْ همّي، وذكّرَتني كما ذكّرني ابنُكِ الصغير: أنَّ الله معي قبل كلّ شيءٍ وبعده."
احتضنتْني بذراعيها الدافئتين، تربّتُ على ظهري... وأنا أستسلمُ للدموع مرة أخرى. كم من عَبْرَةٍ كتمتُها طويلاً، حتى جعلَ خروجُها اليومَ انفجاراً للشعور المكبوت!
ثمّ ابتعدتْ قليلاً، وابتسمتْ بلطف:
"أعتذرُ... علينا الذهاب. الشمس تميل للغروب، وبيتنا بعيدٌ بعض الشيء عن الحديقة."
"وأنا أيضًا يجب أن أعود... لا بدَّ أنهم قلقون عليّ."
دنوتُ من يوسف الصامت الذي كان يراقبُنا بجدّيّةٍ طفوليّة. قبّلْتُ خدَّه الناعم، وأمرِّر أصابعي في شعره:
"اهتمَّ بنفسك يا رجلَ البيت... وفي المرةِ القادمة التي نلتقي فيها، سأحضرُ لكَ هديّةً جميلة."
"حسناً... اهتمّي بنفسكِ أيضًا يا أختي."
أومأتُ برأسي... ومشى الاثنان بعيدًا.
لكنّ نورَ كلامهما بقي معي... ينسابُ في عروقي كدفقةِ أملٍ دافئة. أخذتُ نفسًا عميقًا لأول مرةٍ منذ زمن... وشعرتُ بأنّ قلبي يتّسعُ للسماء.
في خطواتي العائدة إلى المنزل، كنتُ قد اتّخذتُ قراري:
سأمضي قدمًا... وتوكّلي على الله سيكونُ رفيقَ دربي.
فمَن كان معه اللهُ، كان كلّ شيء معه.
---------------(🌸)-----------------
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
أتمنى أن ينال الفصل إعحابكم ،
استودعكم الله ♥️
Rimas☁️