مَن أَنتِ حَقًّا ؟

مَن أَنتِ حَقًّا ؟

15 0

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، وشمس لندن الخافتة تتسلل من النافذة الزجاجية العريضة. جلستُ على كرسي جدي، في مكتبه الذي لم أغير فيه شيئاً. كل شيء كما كان: اللوحات العتيقة على الجدار، الأقلام الفضية على المكتب، حتى رائحة العنبر الخفيفة التي لا تزال عالقة في الستائر. كان وكأنه سيخرج من الباب في أي لحظة.

المكتب يطل على نهر التايمز، والمياه الرمادية تجري بهدوء كعادتها، تحمل على ظهرها انعكاسات أضواء المدينة. كنتُ أقرأ تقارير الربع السنوي، أحاول أن أفهم خفايا الشركة التي صارت بين يدي. أصابعي تلمس حواف الأوراق، وعيناي تتنقلان بين الأرقام والجداول، وروحي شاردة في مكان آخر.

طرقات خفيفة على الباب.

لم أرفع رأسي. "ادخل."

فتح الباب. نظرتُ إلى هوية الطارق، فاتسعت مقلتاي بشيء من الذهول.

ودخل كاسيان. ابن فابيان الأكبر. الشاب الطموح الذي رأيته في الاجتماعات العامة فقط، ولم نجلس وحدنا قط. كان يحمل ملفاً أزرق سميكاً، ويبدو عليه التردد للحظة وهو يقف على العتبة.

رمقته بحزم لأطرد نظرات الذهول عني، وسألت:

"ستبقى واقفاً بجانب الباب أم ستتقدم؟"

حتى أنا لم أتوقع مجيئه، لذا أتفهم توتره. كاسيان حاد معي، يراقبني كالصقر، طوال الشهر إن احتاج توقيعاً يرسل سكرتيره فقط.

نظر إليّ، ثم إلى المكتب، ثم إليّ مجدداً.

"آسف على المقاطعة. لكني أحتاج توقيعكِ على هذه المستندات."

أشرتُ له بالجلوس. "تفضل."

جلس على الكرسي المقابل، ووضع الملف على المكتب. للحظة، صمت كلانا. كان ينظر حوله بتأمل.

"غريب." قال أخيراً.

"ما الغريب؟"

"المكتب. لم يتغير. ظننت أنكِ ستغيرين الأثاث، أو ترتبينه بطريقتكِ. لكنه كما كان. كما تركه جدي."

قلت: "لم أشعر بالحاجة إلى التغيير. بعض الأماكن تستحق أن تبقى كما هي."

أومأ. فتح الملف وبدأ يشرح. تحدث عن مشاريع التوسع، عن العقود الجديدة، عن المشاكل مع الموردين. كان يتحدث بثقة، بذكاء، بحماس من يعرف ما يقول. وأنا أستمع، أحياناً أومئ، أحياناً أسأل، أحياناً أعلق.

وانغمسنا في الحديث.

ساعة كاملة مرت كأنها دقائق. نسيتُ الوقت، ونسي هو المكان. كنا فقط شخصين يتحدثان عن شيء يحبانه: هذه الشركة التي بناها جدهما.

انتهى، فأومأت آخذة الختم لأوقع، وحمل الملف ليباشر النهوض من الكرسي، عدت بعيني إلى المستندات الأخرى، لكن عودته إلى الجلوس جعلتني أستغرب.

لمحت تردده وهو ينظر إلى الملف بين يديه، فقلت:

"هل تريد شيئاً آخر؟"

نظر إليّ طويلاً. نظرة مختلفة. نظرة محللة، باحثة، عميقة.

"آنسة روجين."

"نعم؟" عقدت حاجبي.

"أريد أن أسألكِ شيئاً. بجدية."

تعدلت في مكاني. "اسأل."

أخذ نفساً عميقاً. "من أنتِ؟ حقاً. ليس الاسم الذي في الوصية، ولا الحفيدة التي ظهرت فجأة. من أنتِ؟ وما هدفكِ الحقيقي؟"

صمت.

تابع: "أنا أعمل في هذه الشركة منذ تخرجت من الجامعة. بل حتى قبل ذلك، أعرف كل من فيها، أعرف طموحاتهم، ألاعيبهم، مصالحهم. أعرف جاسبر وعائلته، أعرف عماتي، أعرف حتى والدي. لكنكِ... أنتِ مختلفة."

نظر إليّ بعينين صافيتين. "لستِ مثلهم. لا تطمعين في المال، ولا تسعين للسلطة. أعمل معكِ منذ أكثر من شهر، وأرى كيف تتعاملين مع الملفات، مع القرارات، مع الناس. أنتِ... أنتِ جيدة. جيدة حقاً. وهذا ما يحيرني، أنني لا أعلم من أنتِ حقاً."

توقف. ثم أضاف بصوت أخفض: "لذلك أسألكِ: من أنتِ حقاً؟ وما الذي تريدينه؟ كيف أصبحتِ حفيدة لِجَدّي؟ ألديه عائلة أخرى ونحن لا نعلم أم ماذا؟ أنا لا أفهم."

نظرت إليه. إلى عينيه الزرقاوين اللتين تشبهان عيني جدي. إلى هذا الشاب الذي لا يعلم أنه أخي. إلى هذا القلب الذي يبحث عن الحقيقة.

قلت بصوت هادئ، عميق، كأنه يخرج من بئر قديم:

"هل تؤمن يا كاسيان بأن لكل إنسان رسالة في هذه الحياة؟"

انعقد حاجباه بتساؤل. "رسالة؟"

"نعم. شيء خلقه الله لأجله. شيء لا يستطيع فعله سواه. قد يكون كبيراً كبناء حضارة، أو صغيراً كلمسة دفء لقلب متعب."

صمتُّ للحظة. ثم أكملت:

"أنا لا أعرف إن كنتُ أستحق الجلوس على كرسي هذه الشركة. ولا أعرف إن كنتُ سأنجح في إدارتها. لكني أعرف شيئاً واحداً: الله وضعني هنا لحكمة. ربما لأصلح ما تفرق، أو لأجمع ما تبعثر، أو لأكون سبباً في تغيير قلوب قساها الزمن."

نظرت إليه بعمق.

"أنت تسألني من أنا؟ أنا فتاة تحاول أن تكون عند حسن ظن جدها بها. فتاة تؤمن أن المال ليس غاية، بل وسيلة. وأن السلطة ليست نهاية، بل أمانة. وأن العائلة... العائلة ليست اسماً نحمله، بل قلباً نعطيه."

كاسيان كان صامتاً. عيناه تتسعان قليلاً. كان يحاول أن يستوعب.

أكملت: "أما هدفي... هدفي أن أنظر في المرآة بعد سنوات، فأرى فيها امرأة لم تخن الأمانة، لم تُضَيِّع الوديعة، لم تنسَ أن ما تملكه ليس ملكها، بل هو عارية من الله سيسألها عنها يوماً."

ساد صمت طويل. طويل جداً.

ثم قال كاسيان بصوت خافت: "أنتِ... أنتِ تتكلمين كأنكِ... كأنكِ لستِ من هذا العالم."

ابتسمت ابتسامة خفيفة. "أنا من هذا العالم يا كاسيان. أعيش فيه، وآكل فيه، وأشعر بآلامه. لكني أحاول ألا أنسى أن هناك ما هو أبعد منه."

نظر إليّ طويلاً. ثم قال:

"لم أتوقع هذا الجواب."

"وماذا توقعت؟"

"لا أعرف. شيئاً عن المال، أو السلطة، أو حتى الانتقام. لكن هذا..." هز رأسه. "هذا مختلف."

صمتنا لحظة. ثم حمل ملفه، ووقف.

"شكراً لكِ." قال.

"على ماذا؟"

"على الصراحة. رغم أن إجابتكِ لم تكشف الكثير، إلا أنها كشفت شيئاً أهم: أنكِ إنسانة صادقة."

اتجه نحو الباب. ثم توقف. التفت إليّ.

"آنسة روجين."

"نعم؟"

"أنا لا أعرف من أنتِ حقاً. لكني أعلم أن نواياكِ طيبة. لذا سأراقبكِ."

ابتسمت: "يسعدني ذلك."

غادر. وبقيت وحدي في المكتب، أنظر إلى الباب المغلق.

ابتسمت. أخي لا يعلم أني أخته. لكنه يثق في نواياي. وهذه البداية.

لأكن صادقة مع نفسي.. كاسيان وأليستير كلاهما لا أكن لهما كرهاً أو استياءً كالمعتاد، لا ألومهما، بل أنا سعيدة بوجودهما. إن كنت سألوم أحداً، فهو والدهما، لأن الخطأ خطؤه ونحن ضحاياه.

نظرت من النافذة إلى نهر التايمز. المياه تجري كما كانت، تحمل أسرارها.

"شكراً لك يا الله." همست. "خطوة صغيرة. لكنها في الاتجاه الصحيح."

..................

دخلتُ قاعة الاجتماعات الواسعة. الطاولة الطويلة من خشب البلوط الداكن كانت تلمع تحت أضواء الثريا الكريستالية. النوافذ الزجاجية تطل على لندن، والمدينة تبدو كلوحة فنية تحت سماء رمادية هادئة.

كاسيان كان قد سبقني، جلس إلى جانبي الأيمن. إلى يساري، المحامي مورغان يرتب أوراقه بهدوء. في الطرف الآخر من الطاولة، جلس اثنان من قسم التطوير، شابان في الثلاثينات، يحملان حاسوبين محمولين وينظران إلينا بفضول.

فتح الباب، ودخل الوفد الآخر.

أول الداخلين كانت امرأة في الأربعينات، ترتدي بدلة رمادية أنيقة، وشعرها الأشقر القصير يبرز ملامحها الحادة. كانت تحمل حقيبة جلدية وتبدو واثقة من نفسها. تبعها سكرتير شاب يحمل ملفات ومجلدات.

ثم دخل شابان.

الأول كان في منتصف العشرينات، طويل القامة، عينان زرقاوان صافيتان، وابتسامة خفيفة على شفتيه. كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة أنيقة، ويبدو هادئاً واثقاً.

الثاني... كان مختلفاً.

نفس العمر تقريباً، لكن عينيه كانتا أكثر عمقاً، أكثر صمتاً. شعر أسود، ملامح جادة، وكأنه يحمل في داخله عالماً لا يظهره للآخرين. نظر حوله ببطء، ثم وقعت عيناه عليَّ.

توقف للحظة.

مجرد لحظة خاطفة. لكني رأيتها. نظرة مفاجئة، ثم عادت إلى طبيعتها. جلس في مقعده دون أن ينبس بكلمة.

المرأة الأنيقة تحدثت أولاً:

"صباح الخير. أنا صوفيا فوستر، مديرة مشروع هالستيد. معي سكرتيري مارك، ونائب الرئيس التنفيذي أسترياس هالستيد، والسيد أدريان هالستيد مسؤول الأمن الداخلي."

أدريان كان الشاب ذا العينين الزرقاوين. ابتسم وحيّى برأسه. أما أسترياس، فنظر إليَّ مرة أخرى، لكن عينيه كانتا باردتين، محللتين.

صافحت المديرة وابتسمت بعملية:

"أهلاً بكم، سعيدة بمعرفتكم. أنا روجين أستور، رئيسة مجلس الإدارة."

بدأت صوفيا تعرض المشروع. تحدثت عن نظام أمني جديد، عن تكنولوجيا متقدمة لتشفير البيانات، عن شراكة محتملة مع شركة أستور. كانت كلماتها دقيقة، مهنية، تظهر خبرة طويلة.

كاسيان تدخل بأسئلة ذكية عن التكلفة والجدول الزمني. مورغان استفسر عن الجوانب القانونية. ممثلو قسم التطوير سألوا عن التفاصيل التقنية.

كنتُ صامتة. أراقب. أستمع. أحلل.

ثم فجأة، تحدث المدعو أسترياس. الذي لا أعلم عنه شيئاً، ولكنه يبدو مألوفاً لي.

"سؤال إلى الآنسة روجين."

الجميع نظر إليه. صوته كان هادئاً، لكنه كان يحمل نبرة مختلفة.

"نعم." قلت.

"هذا النظام الجديد يتطلب ثقة كاملة بين شريكتينا. أنا أقرأ عنكِ منذ ظهوركِ المفاجئ في شركة أستور." نظر إليَّ مباشرة. "سؤالي بسيط: لماذا أنتِ؟ ما الذي يُؤَهِّلُكِ لاتخاذ قرارات مصيرية في شركة بهذا الحجم؟"

صمت.

كاسيان تحرك في مكانه. مورغان نظر إليَّ بقلق. لكني بقيت هادئة.

نظرت إلى أسترياس. إلى عينيه العميقتين، الخاليتين من الحياة، المظلمتين، إلى هذا الشاب الذي يسأل سؤالاً يختبرني به.

قلت: "سؤال جيد."

توقفت للحظة. ثم أكملت:

"قبل أن أجيب، دعني أسألك سؤالاً: هذا النظام الأمني الذي تقدمونه، ما الذي يضمن لي أنه لن يُخترق غداً؟"

أسترياس رفع حاجبه. "نظامنا مبني على تقنيات غير مسبوقة، وخضع لاختبارات..."

قاطعته بلطف: "أعرف. لكن السؤال ليس عن التقنية. السؤال عن الثقة. أنت تطلب مني أن أثق بكِ، وبشركتكِ، بناءً على أرقام وعروض تقديمية. وأنا أطلب منك أن تثق بي بناءً على نفس الشيء."

نظرت إليه بثبات.

"الفرق بيني وبين غيري ليس في الشهادات ولا في الخبرة. الفرق أني لا أجلس على هذا الكرسي لأني أردته، بل لأن جداً عجوزاً رأى فيَّ شيئاً لم يره في غيره. وهو من علمني أن القرارات المصيرية لا تُتخذ بالخبرة فقط، بل بالقلب أولاً، ثم بالعقل."

صمتت القاعة.

أكملت: "أنت تسأل ما الذي يؤهلني؟ لا شيء. لا شيء يؤهلني سوى أني هنا. وأني مستعدة أن أتعلم، وأن أستمع، وأن أخطئ وأصحح. وهذا أكثر مما يملكه معظم من جلسوا على هذا الكرسي قبلي."

أدريان نظر إلى أسترياس باستغراب. مديرة المشروع تبادلت النظرات مع سكرتيرها.

ثم فجأة، ابتسم أسترياس. ابتسامة خفيفة، غير ظاهرة. جعلت مَنْ بجانبه أدريان تتسع عيناه في اندهاش، يرمقني بفضول.

حسناً... ما بالهم؟ وما بال هذه النظرات؟

"يبدو أنكِ استعددتِ جيداً."

قلت: "لم أنتهِ."

توقف.

"أنت تسأل عن الثقة. الثقة يا سيد أسترياس لا تُبنى في يوم. هي مثل شجرة تنمو ببطء. أنا لا أطلب منك أن تثق بي اليوم. أطلب فقط أن تمنحني الفرصة لأثبت أن ثقتك بي لن تذهب سدى."

نظرت إلى صوفيا فوستر.

"أما بالنسبة للمشروع، فأنا معجبة بالتكنولوجيا التي تقدمونها. لكني أريد تعديلاً واحداً على العقد."

صوفيا نظرت إليَّ بفضول. "ما هو؟"

"أن يكون هناك مراجعة دورية كل ثلاثة أشهر، بحضوري شخصياً. لا أريد تقارير مكتوبة فقط. أريد أن أرى التقدم بعيني، وأن أسمع من فريق العمل مباشرة. هذا ليس شرطاً للتعاقد، بل هو رغبتي الشخصية لأفهم أكثر."

كاسيان نظر إليَّ باستغراب. لم نتفق على هذا. لكنه لم يتكلم.

أدريان تدخل بحماس: "هذه فكرة ممتازة! تجعل التعاون أكثر شفافية."

أسترياس صمت. كان ينظر إليَّ طويلاً. بلا حرف واحد، نظراته كانت تثقبني محاولةً معرفة ما يدور في خلدي.

قلت: "حسناً. تم الاتفاق."

استمر الاجتماع ساعتين أخريين. ناقشنا التفاصيل، الأرقام، الجداول الزمنية. كنت أتدخل بين الحين والآخر بأسئلة ذكية، تظهر أني درست الملفات جيداً.

في النهاية، وقف الجميع ليغادروا. أدريان تقدم نحوي.

"الآنسة روجين."

نظرت إليه.

"أود أن أعتذر عن وقاحة ابن عمي. كان... قاسياً."

قلت: "كان ضرورياً."

نظر إليَّ طويلاً. ثم قال:

"أشعر أني رأيتكِ في مكان ما. لكني لا أتذكر أين."

نظرت إليه. إلى وجهه. إلى عينيه. للحظة، شعرت بشيء غريب. ذكرى بعيدة. لكنها كانت ضبابية.

قلت: "أنا أيضاً تبدو مألوفاً لي."

بدهشة صرخ: "آنسة المستشفى؟!"

عقدت حاجبي، أحاول فهم ما يقول. ماذا يقصد؟

"ذلك اليوم، ألا تتذكريني؟ أمام غرفة العمليات، أنقذتِ الشاب الذي طُعن بالسكين."

اتسعت مقلتاي في ذهول، متذكرة يومها، تحدثت:

"أجل! أتذكر."

رمقت مورغان الذي اقترب مني: "ماذا يحدث؟"

قلت: "أتذكر الشاب الذي أنقذته؟ السيد أدريان كان معي أمام غرفة العمليات."

وجهت نظراتي إليه، وقلت:

"لم أتعرف عليك، حالتك وقتها كانت مزرية."

تنحنح بحرج: "أجل."

تساءلت مازحة إياه: "كيف حاله الآن؟ هل هو بخير؟"

حول نظراته إلى ابن عمه، المظلم، الذي راقبني بعينين جامدتين جليديتين. ألم ينتهِ من تحليله لي بعد؟ بدأت نظراته تزعجني..

نظر إليَّ أدريان بتوتر: "إنه بخير."

ابتسمت. "سعيدة بذلك."

أومأ، فاعتذرت: "أعتذر عن إنهاء الحديث، سيأتي أخي ليقلني بعد قليل."

"سعدنا بلقائك، وأشكرك مجدداً على إنقاذك قريبي."

خرجنا من القاعة. وأنا أمشي في الممر الطويل، تذكرت فجأة.

الكتيب. الكلمات.

توقفت.

هل أسأله؟

هززت رأسي. لا. مستحيل.

لماذا أصبحت فضولية يا روجين؟

أكملتُ طريقي.

.................

في السيارة، في طريق العودة إلى القصر، كان ذهني مشتتاً ومتعباً.

نظرت إلى محمد وإيلين اللذين أتيا ليأخذاني من الشركة.

مدت إيلين شوكولاتة سوداء. تردف:

"خذي، اشتريتها في الطريق. إنها لذيذة."

قبضتها بين يدي، أتفحصها.

ليس لدي الطاقة للأكل حتى...

أريد أن أنام..

صوت إيلين في المقعد بجانب محمد السائق صدح:

"روجين! تناولي الشوكولاتة أولاً، بعدها نامي."

قفزت لصراخها، أرمقها بغيظ. تبادلني النظرات بعينين بريئتين.

تنهدت بسخط، أمسكت لوح الشوكولاتة وقضمته.

أوه... لذيذة.

تحدث محمد سائلاً:

"كيف الحال في الشركة؟ وكيف مرَّ الاجتماع؟"

"متعب، مرهقة حد النخاع."

تكلمت والتعب يغزو صوتي.

"كل شيء سيمر، ستبقى الذكريات الجميلة فقط." قالت إيلين.

"أتمنى ذلك."

بصوت ممتع أضاف محمد:

"لو ترين الإعلام كله يتحدث عنكِ، وعن التغيرات التي طرأت على الشركة فقط هذا الشهر. الجميع يتحدث عن الشابة الصغيرة المحجبة التي تقود مجموعة أستور. لستِ سهلة أبداً يا سمو الأميرة."

أجل الجميع يتحدث، ويتساءل عن هوية هذه الفتاة أو الطفلة التي ظهرت، وأصبحت حفيدة أستور، ما أصلها؟ والداها؟

وخصوصاً أنني مسلمة محجبة، كثرت نظرات الفضول نحوي، وكذلك مشاعر الاستياء والبغض.

كثيراً ما تقدمت الشركات الصحفية لطلب مقابلة معي، إلا أن الرفض كان جوابي.

الظهور في مقابلة في هذا الوقت حماقة مني.

استوقفت أفكاري، على توقف السيارة أمام بوابة القصر الكبيرة. نظرت باستغراب لمحمد وسألته:

"لماذا توقفت يا محمد؟"

أشار محمد للنافذة من الجهة الأخرى للسيارة، قال:

"انظري من يقف هناك."

استغربت، فبحثت بعينيّ.

من يقف أمام بوابة القصر؟

من؟!

توقفت، أتمعن في من يستند بسيارته السوداء بجانب البوابة، بثيابه الرياضية، ونظارته الشمسية.

بدهشة قلت:

"أليستير!؟"

فتحت باب السيارة ومحمد كذلك فعل، إلا أنني أشرت له بالبقاء. ترجلت منها، فاتجه نحوي تحت نظراته المراقبة.

وقفت أمامه، أتساءل:

"أليست... أقصد سيد أليستير، ماذا تفعل هنا؟"

رمقني بعينين تملؤهما الحيرة والفضول...وتساؤلات.

"لدي عمل معكِ، أليس كذلك يا آنسة أستور؟"

غرابة غلفتني، تشديده على "أستور" جعل قشعريرة تسري في جسدي.

لم أعتد على الاسم بعد..

رغم مرور الشهر وأكثر، وأنا أسمع الاسم يتردد مع اسمي روجين، إلا أنني لم أعتد عليه.

نفضت الأفكار من رأسي، وبصوت خافت حدثته:

"إذاً تفضل، لماذا لم تدخل القصر؟"

"لم يسمح لي الحرس، قائلين إنكِ أعطيتهم أوامر بعدم دخول غرباء."

مجدداً شدد على كلمة "غرباء"، فابتسمت:

"أعتذر إن أساءوا إليك. القصر كبير ويحتاج إلى رعاية وحماية مشددة."

"لا يهم."

أشرت له:

"حسناً تفضل، اركب سيارتك واتبعنا."

أومأ، واتجهت نحو أخي، أصعد السيارة، ليسأل:

"خيراً، ماذا يريد؟"

"لا أعلم، يقول إن لديه عمل معي."

"أيعقل أنه وقع في الفخ؟!"

رددت إيلين، فاندهشت:

"فخ؟!"

"أقصد الخطة التي وضعناها يا روجين."

تصنمت بوعي. يا إلهي... كيف لي أن أنسى؟!

حسناً، إحياء الخطة على أرض الواقع كان مهمة مورغان، لذا ارتحت ولم أسأله عن سيرها منذ أن أخبرني أن كل شيء يسير حسب ما خططنا.

ابتسمت، يبدو أن القصر سيمتلئ قريباً.

تركت خلفي السيارة متوجهة نحو القصر، يتبعني أليستير.

أما إيلين ومحمد فاتجها نحو المشتل في القصر ليحضرا بعض الفواكه.

أمرهما سيف الدين الذي حضر لنا اليوم الغداء بإحضارها.

رحبت مارثا بي كعادتها، فوقعت عيناها على أليستير، فلمعة حنونة ملأتهما، وتوجهت نحوه لتعانقه باشتياق.

حسناً... لم أتوقع هذا.

كان رد أليستير أن عانقها كذلك بسرور، أما مارثا فشهقات خافتة غادرت ثغرها.

افترقا، تتمعن مارثا في النظر إلى أليستير، الذي تكلم:

"لم أتوقع هذا الترحيب منك يا مارثا."

"أيها المشاغب، طوال التسع سنوات لم تلمس قدماك أرضية هذا القصر، ولم تأتِ لرؤيتي حتى أنا من اعتنت بك."

همم... معلومة جديدة.

إذاً أليستير غادر القصر في عمر الثالثة عشرة.

ومارثا من اعتنت به...

إلى أي مدى كره القصر... لدرجة ألا يعود لرؤية مربيته..

"أعتذر يا عزيزتي مارثا، تعلمين مع الدراسة والعمل لم يكن لدي الوقت."

"أنظر إليك، أصبحت شاباً وسيماً."

تبسم بحرج:

"آه أجل، لقد كبرت."

تنحنحت، أصوب اهتمامهم نحوي، وأقول:

"أعتذر للمقاطعة، لكن أليستير تعال معي إلى المكتب. أنا مرهقة بالفعل، أحتاج للراحة."

مشيت نحو المكتب، مكتب جدي، وألمحه يتبعني.

أنا بالفعل متعبة، سأنصت لما يريد وسأنام.

جلست على الأريكة في المكتب، أراقبه يتفحص الغرفة بنظراته، لأقول:

"اجلس على الأقل، وبعدها تفحص كما تشاء، فأنت تشعرني بالدوار."

"آه.. آسف."

جلس يرمقني، ليتساءل:

"لم تغيري أي شيء في الغرفة!"

تكرر نفس السؤال، فقط المكان اختلف.

"أحببت أن يبقى المكان كما هو."

"هكذا إذاً."

صمت طويل، طويل جداً. لا كلام منه، فقط يراقب بنظراته.

"مارك أخبرني بشيء." قال أخيراً، بصوت يكاد يختنق. "صندوق.. باسمي، لدعم رجال الإطفاء."

توقف. انتظر أن أقول شيئاً. لم أقل.

"قال إن جدي أنشأه. منذ سنوات. يموِّل تدريبات، يشتري معدات، يساعد عائلات..." صوته انكسر. لم يكمل.

نظر إليَّ أخيراً. عيناه كانتا واسعتين، حائرتين، تائهتين. فيهما ألم دفين، وخوف من أن يصدق شيئاً قد لا يكون حقيقياً.

"أنتِ تعرفين." قال. "أرى ذلك في وجهكِ. أنتِ تعرفين لماذا فعل هذا."

تنهدت. أعدل حجابي. نظرت إليه طويلاً، إلى هذا الشاب الذي اختار طريقاً مختلفاً عن كل عائلته، الذي فضل إنقاذ الأرواح على جمع المال، الذي ظن طوال سنين أن جده لا يفهمه، بل ربما يخجل منه.

في داخلي، صرخ صوت حنون: "انظري إليه. إنه يتألم. إنه يكتشف أن كل ما ظنه كان وهماً. تعاملي معه بلطف."

لكن صوتاً آخر، أكثر قسوة، أكثر صدقاً، همس: "لا. دعه يشعر بكل شيء. دعه يعرف. دعه يفهم أن جده لم يكن بعيداً، بل كان هو من ابتعد."

"أليستير." نطقت اسمه أخيراً.

التفت إليَّ بترقب.

"أتيتَ إلى هنا تسأل عن صندوق." قلت بصوت هادئ. "عن مال، عن دعم، عن شيء مادي."

تغيرت ملامحه. شعر أن هناك ما هو أعمق.

"لكنك لم تسأل يوماً عنه."

"عن من؟"

"عن جدك. عن الرجل الذي عاش وحيداً في هذا القصر طوال السنين. عن الرجل الذي كان ينتظر. ينتظر مكالمة، بطاقة معايدة، أي شيء. أي شيء يخبره أن أحفاده ما زالوا يتذكرونه."

تصلب أليستير في مكانه. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات علقت في حلقه.

"أتظن أن جدك لم يكن يعلم بطريقك الذي اخترته؟" واصلت. "أتظن أن الأمر كان خافياً عليه؟ كان يعرف. كان يعرف كل شيء. كان يتابع أخبارك. كان يسأل عنك. كان يفخر بك. لكنه لم يستطع أن يقولها."

لم أرفع صوتي. لم أكن بحاجة. كلماتي كانت تسقط كالحجارة في ماء راكد.

"لأنه مثلك. أنتما متشابهان أكثر مما تتصور. كلاكما عنيد. كلاكما ينتظر أن يخطو الآخر الخطوة الأولى. هو كان ينتظرك أن تتصل، وأنت كنت تنتظره أن يفهم. وانتهى الأمر بكما تنتظران إلى الأبد."

أليستير كان شاحباً. يداه ترتجفان على ركبتيه. شهيق عميق حاول أن يسيطر به على نفسه.

"لماذا..." بدأ بصوت مبحوح. "لماذا لم يخبرني؟ لو كنت أعلم... لو كنت أعلم أنه يهتم..."

قاطعته. "ماذا كنت ستفعل؟ هل كنت ستغير شيئاً؟ هل كنت ستتصل به؟ هل كنت ستأتي لزيارته؟"

سؤال صادم. ارتد إلى الخلف كأني صفعته.

"لا." قلت. "لا تظن أنك كنت ستفعل. لأنك كنت مثله. عنيد. خائف. تنتظر أن يبدأ هو. وها هو رحل، وبقي السؤال معلقاً."

صمت طويل. ثقيل. كأن أحداً وضع جبلاً على صدورنا.

نظر إليَّ أليستير. عيناه كانتا تلمعان بدموع لم تسقط بعد. كان يكافح. يكافح ليبقى متماسكاً. يكافح لئلا ينهار أمامي.

"أنتِ قاسية." همس.

"أنا صادقة." صححت. "وهذا ما تحتاج سماعه."

نهضتُ. مشيتُ نحو المكتب، نحو درجه القديم، فتحت الدرج السفلي. كان هناك.

مفكرة صغيرة، بنية اللون، غلافها من الجلد البالي، حوافه مهترئة من كثرة الاستخدام. حملتها وكأنها جوهرة ثمينة.

عدت إلى الأريكة. وقفت أمام أليستير. مددت له المفكرة.

نظر إليها. لم يمد يده.

"خذها." قلت.

"ما هذه؟"

"مذكراته." توقفت للحظة. "عنك."

ارتجف. نظر إليَّ، ثم إلى المفكرة، ثم إليَّ مجدداً.

"عن... عني؟"

"كل صفحة. كل كلمة. كتبها على مر السنين. تواريخ عملياتك. مرات إنقاذك للأرواح. حتى تلك الجائزة التي رُشِّحتَ لها ولم تفز بها. دوَّنها كلها."

يداه ارتجفتا بشدة وهو يأخذ المفكرة أخيراً. نظر إلى الغلاف. لم يفتحها. فقط مسح بيده على الجلد البالي، وكأنه يلمس شيئاً مقدساً.

"خذها معك." قلت. "اقرأها حين تكون وحدك. حين تكون مستعداً. ليس الآن."

رفع عينيه إليَّ. كانتا غارقتين بالدموع. سقطت أول دمعة على خده. ثم ثانية.

"لماذا لم تريني إياها من قبل؟" سأل بصوت متهدج.

"لأن بعض الأشياء لا تُرى. بعض الأشياء تحتاج أن تبحث عنها بنفسك. تحتاج أن تشك، أن تتألم، أن تسأل. عندها فقط تصبح الحقيقة حقيقتك أنت، لا حقيقة يُلقى بها عليك."

وقف. وقف أمامي والمفكرة في يديه المرتجفتين. نظر إليَّ طويلاً. طويلاً جداً. كان ينظر وكأنه يراني لأول مرة.

"أنتِ..." بدأ. توقف. بدأ مجدداً: "أنتِ لستِ كما تخيلتك."

ابتسمت ابتسامة خفيفة. "لا أحد منا كما يتخيله الآخرون."

نظر إلى المفكرة مرة أخرى. ثم فجأة، ودون سابق إنذار، انهار. جلس على الأريكة وأخفى وجهه في يديه. بكى. بكى كطفل صغير. شهقات عميقة كانت تهز كتفيه.

وقفت بجانبه. لم ألمسه. لم أقل شيئاً. فقط وقفت هناك. ظلّي يغطيه.

في داخلي، همست: "هكذا يا جدي. واحداً تلو الآخر. سيعرفون. سيعرفون أنك لم تكن غائباً. كنت فقط تنتظر. تنتظر اللحظة التي يكتشفون فيها بأنفسهم."

بعد دقائق، رفع أليستير رأسه. مسح وجهه بكم قميصه. نظر إليَّ. في عينيه، رأيت شيئاً جديداً. تقديراً. امتناناً. وربما... حباً.

"شكراً لكِ يا روجين." همس.

"لا تشكرني." قلت. "هذه أمانة. أنا فقط سلمتها لأصحابها."

نهض. وقف أمامي للحظة. بدا وكأنه يريد أن يقول شيئاً آخر، لكنه تراجع.

"سأقرأها." قال. "سأقرأ كل كلمة."

"أعلم."

مشى باتجاه الباب. توقف. التفت إليَّ.

"روجين."

"نعم؟"

"أنا آسف. على كل شيء. على كل مرة ظننت فيها أن جدّي لا يهتم. على كل مرة شككت فيه. على كل سنة مرت وأنا بعيد."

قلت: "ليس أنا من يجب أن تعتذر له."

أومأ. همَّ بالمغادرة، فأوقفته:

"ابقَ معنا لتناول الغداء، لابد أنه نضج الآن."

تردد ونفى بيديه:

"لا، أشكرك. سأذهب إلى المقر، هناك سأتناول الغداء."

حسمت قولي:

"قلتُ وانتهى. هيا اذهب إلى قاعة الطعام، سألحق بك بعد قليل."

نظر إليَّ ببعض التردد، إلا أنه امتثل لكلامي وغادر.

بقيت وحدي. النسيم البارد يداعب وجهي، ينعشني.

همست لنفسي: "واحداً تلو الآخر. ها هو واحد يعرف. كم بقي؟ كم بقي من عائلتك يا جدي حتى تعود إليهم؟ حتى يعرفوا أنك لم تكن بعيداً أبداً؟"

جلست على الأريكة. بقيت هناك طويلاً.

............

غيرت ثيابي إلى فستان منزلي مع حجاب مريح كذلك، واتجهت إلى قاعة الطعام. أسمع صوت سيف الدين يتحدث مع إيلين:

"أخبرتك ألا تقطفيها من الجذر، ولا شيء. أنت لا تستمعين، لقد دمرتِ نصف المشتل."

تذمرت إيلين:

"وما ذنبي؟ أخبرتك أنني لا أعلم كيف، أنت من أجبرني."

تنفس سيف بانزعاج:

"أجل، أنا الملام. وأنت يا محمد، لماذا توقفها أو على الأقل تصحح لها طريقتها؟"

محمد بلا اهتمام:

"وكأنني رأيتها، أنا في جهة وهي في الجهة الأخرى."

دخلت القاعة، أرى سيفاً ونيران حامية تلون وجهه، إنه غاضب.

تجولت بنظري في القاعة، لأرمق أليستير جالساً على كرسي بجوار المائدة المملوءة بأصناف الطعام المغربية، بدا مستمتعاً ومحرجاً في نفس الوقت.

انتبه سيف لي، وقال:

"أتيتِ، الغداء جاهز. لابد أنكِ مرهقة وجائعة."

ابتسمت، أعانقه، فيبادلني. أسمع تهكم إيلين:

"أجل، هي عانقها، وأنا وبخني وغضب عليَّ."

رد عليها:

"اصمتي، واجلسي لتناول طعامك."

ابتعدت عن عناقه، يهمس لي:

"أنتِ بخير؟"

"متعبة قليلاً، لكنني بخير."

"حسناً، اجلسي في مكانك. نسيتِ ضيفكِ بالفعل."

اتجهت أنظاره نحو أليستير الذي يراقبني بشيء من الدهشة والتساؤل.

قال سيف مرحباً:

"آسف على ما حدث. يسعدنا حضورك."

"شكراً لك."

جلست في مقعدي، بجانبي إيلين التي كانت منزعجة. اقتربت منها، وابتسمت:

"تعلمين أنها المرة اللامتناهية التي يوبخك فيها على هذا."

تأملتني بعينيها، وقالت:

"أعلم، لست منزعجة منه."

"إذاً ما بال هذه النظرة؟"

"لا أستطيع تعلم كيف أقطف الفاكهة. حاولت لكنني دائماً ما أدمرها. تذكرين حتى في منزلنا كان الأمر كذلك."

"لا مشكلة، ستتعلمين. أخبريه أن يُعلِّمك."

أومأت. ألاحظ جلوس محمد بجانب أليستير، فأصبح محمد بجانب إيلين كذلك، ليأتي سيف الدين بالطبق الأخير، يضعه على المائدة، ويجلس بيني وبين أليستير.

سيف اليوم لديه إجازة، لذا قرر أن يطبخ لنا طعاماً مغربياً. طوال هذه الأيام كنا نتناول الطعام من طبخ خدم القصر، بعد أن أعطيناهم توجيهات بإحضار لحم حلال، ولا للمواد الحرام، وشرحت لمارثا كل شيء. رغم أنها لم تستوعب في البداية، إلا أنها تأقلمت واعتادت.

لكن يبقى حنين الوطن أجمل، فالطعام يذكرني بوطني.

حسناً، إن كان وطني حقاً...

بعد كل شيء، لديَّ جينات بريطانية.

بدأنا في تناول الطعام، تحت تعليقات محمد التغزلية بالطعام، وكم أن سيف ماهر في الطبخ.

بتلقائية وضعت اللحم في طبق أليستير، الذي اندهش واستغرب.

فقلت:

"ماذا؟! لا تحب اللحم؟"

هز رأسه بالنفي، فابتسم سيف وملأ له طبقه.

"لا تخجل يا أليستير، البيت بيتك. أشبع نفسك."

زادت حيرة أليستير واستغرابه، وعيناه حملتا مشاعر مختلفة..

نطق متردداً:

"ماذا... تقربون لروجين؟!"

محمد يبتلع العصير:

"إخوتها، ماذا نكون برأيك؟"

نظر سيف الدين إلى أليستير بتلك النظرة الهادئة التي يمتلكها، وفسر:

"في ديننا يا أليستير، هناك رابط لا يقل قوة عن رابط الدم. نسميه الرضاعة."

أمال أليستير رأسه باستفسار.

"الرضاعة." كرر سيف. "حين ترضع امرأة طفلاً ليس ابنها، يصبح هذا الطفل ابناً لها من الرضاعة. وتصير هي أماً له. ويصير أولادها إخوة له."

صمت أليستير للحظة. كان يحاول استيعاب المعلومة.

"لكن..." بدأ متردداً. "هذا مجرد حليب. كيف يكون مثل الدم؟"

ابتسم سيف ابتسامته الخفيفة. "الرابط ليس في الحليب يا أليستير. الرابط في ما يرمز إليه. حين ترضع امرأة طفلاً، فإنها تمنحه جزءاً من حياتها. تطعمه من جسدها. تحميه. تحتضنه. هذا الفعل... يخلق رابطاً لا يقل قداسة عن رابط الدم."

محمد قاطع بسخريته المعتادة: "يعني باختصار، أمي أرضعت روجين عندما كانت صغيرة. فصارت أمها. ونحن أصبحنا إخوتها."

إيلين أضافت: " يا محمد، أنت دائماً تبسط الأشياء إلى درجة التسطيح."

"يا فتاة، أنا أسهل له ليفهم. ليس كل الناس مثل سيف، يتكلمون كالحكماء."

قهقه الجميع. حتى أليستير ابتسم.

لكن فضوله لم ينتهِ. عاد ليسأل سيف:

"وهل هذا يعني... أن روجين تعتبر أمك... أما لها؟"

سيف أومأ. "بالضبط. أمي سامية هي أم روجين من الرضاعة. وأبي زوج أمي، هو أبوها من الرضاعة أيضاً. نحن جميعاً إخوتها."

نظر أليستير إليَّ. عيناه كانتا واسعتين، تتأملانني وكأنه يراني لأول مرة.

"إذن أنتِ... لستِ يتيمة؟"

سؤال صادم. لكنه لم يكن قاسياً. كان صادقاً.

قلت: "كنت يتيمة الأم. وأمي بالدم توفيت وأنا في الرابعة عشرة. لكن نعم... لست يتيمة. ليست أمي بالدم، لكنها أمي. وليست إخوتي بالدم، لكنهم إخوتي."

محمد رفع يده كتلميذ في الفصل: "دليل على هذا، أنها تصرف من مصروفي. كأنه مصروفها. أي أخت بالدم تقوم بهذا؟"

إيلين رمته بمنديل. "يا محمد، لا تحتاج مالاً. بل تحتاج عقلاً. لا أعلم كيف قُبلت كمهندس وأنت معتوه هكذا."

محمد وضع يده على قلبه متألماً: "هذه الجراح لا تندمل يا أختي."

الضحكات ملأت المائدة مجدداً. حتى سيف ابتسم ابتسامة واسعة نادرة.

أليستير نظر إليَّ طويلاً. ثم قال بصوت منخفض:

"هذا... غريب."

قلت: "ما الغريب؟"

"لا أعرف." هز رأسه. "ربما... عائلة بالصدفة. أو عائلة بالمصادفة. لكن هذا..." بحث عن الكلمات. "هذا بالاختيار. أن تختار عائلة. أن تختار أن تكون ابناً، أو أختاً. هذا... أقوى."

سيف علق: "لهذا سماه الله رضاعاً. لأنه ليس مجرد حليب. هو اختيار. اختيار الأم أن تحتضن. واختيار الطفل أن ينتمي. واختيار الإخوة أن يحبوا."

محمد قاطع: "والأهم من كل هذا، اختياري أنا أن آكل من أكلها. وهذا قمة الانتماء."

إيلين رفعت عينيها إلى السماء: "اللهم ارزقه عقلاً."

الضحكات عادت. لكن أليستير كان صامتاً، يفكر.

في داخلي، كنت أراقب أليستير. كان مختلفاً. نظراته إليَّ تغيرت. نظرة تقدير. نظرة فهم.

تذكرت كلمات جدي: "كوني لهم النور". كان يريدني أن أجمعهم. وأن يروا فيَّ ما لا يرونه في أنفسهم.

وها هو ذا. واحداً تلو الآخر. يبدأون في الرؤية.

نظرت إلى السماء من نافذة القصر. الشمس كانت ساطعة، تدخل السرور إلى القلوب.

واستمر اليوم دافئاً، هادئاً، مليئاً بالضحكات والأسئلة والاكتشافات.

----------

قراءة ممتعة 🌹

أستودعكم الله ♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

السُّدفَة || Before the Dawn Breaks.

المؤلف Rimas☁️
2026/04/03 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة